الحرب الشاملة على سوريا: نهب الآثار السورية أنموذجا

24.12.2018

تعرضت المئات من المواقع الأثرية والمتاحف في مختلف المناطق السورية تحت عناوين شتى للنهب والسرقة على يد المهرّبين وتجار الآثار، كما تعرضت الكنائس والأديرة التي تعود إلى مئات السنين، للهدم على يد الأصوليين الذين أعاثوا فيها نهباً، قبل تدميرها، والعديد من المواقع لتخريب متعمد بحثاً عن اللُقى الأثرية التي عبرت الحدود السورية بكل اتجاهاتها بشكل غير شرعي ووصل البعض منها إلى دول قريبة وبعيدة عبر شبكات عالمية متخصصة بسرقة وبيع الآثار. وتغيب الإحصائيات الدقيقة أو حتى التقديرية عن عدد القطع الأثرية المهربة خارج سورية أو قيمة الخسائر المادية التي لحقت بالتراث السوري، لعدم القدرة على معاينة العديد من المواقع المتضررة وتحديد قيمة أضرارها، بحسب ما أكده خبراء في مجال الآثار.

يذكر قيام المديرية العامة للآثار السورية عام 2012 بنقل جميع القطع الأثرية والتي يقدر عددها بمئات الآلاف من كافة المتاحف في سورية إلى العاصمة دمشق ووضعها في مناطق آمنة خوفاً من السرقة والدمار كما حصل في العراق. ووضع المدير العام السابق الدكتور مأمون عبد الكريم استراتيجية هذا العمل الكبير وإشرافه عليها، ومن خلال جهوده وبمساعدة عدد من الجهات السورية والمجتمع المحلي تمكنت مديرية الآثار من نقل تلك القطع الأثرية. ويقول الدكتور عبد الكريم في حديثه لوكالة الأنباء الألمانية ’’وضعنا خطة للقيام بنقل القطع الأثرية الهامة إلى دمشق ووضعها في أماكن آمنة…كان عملاً في غاية الصعوبة والتحدي وتم نقلها أكثر من 300 ألف قطعة أثرية استثنائية ولها قيمة تاريخية مهمة وتم توثيقها وتغليفها، وما تم نقله من المتاحف السورية أكثر من مليون قطعة أثرية، وخوفاً من النهب تم وضعها خلف أبواب مغلقة وآمنة، ذلك بجهود حكومية جبارة ومن المجتمع المحلي في المناطق التي كانت خارج سيطرة الدولة السورية ومنها حتى الآن متحف مدينة معرة النعمان في محافظة إدلب ما زال المتحف موجودا وقطع الفسيفساء الكبيرة موجودة بداخله‘‘.

وتشير إحصائيات المديرية العامة للآثار والمتاحف إلى تضرر أكثر من 710 مواقع أثرية في مختلف أنحاء سورية، وبسبب المعارك والقصف وأعمال التنقيب غير الشرعي منها مدينة حلب القديمة وتدمر وعدد من القلاع والبعض منها نهب ودمر من قبل تنظيم داعش الذي دمر مواقع أثرية في مدينة تدمر لأسباب عقائدية، إضافة إلى أعمال التنقيب غير المشروعة، ومنها موقع ماري في دير الزور وتل الأشعري في درعا، والمدن التاريخية في الشمال السوري تعرضت للتنقيب غير المشروع في المواقع الأثرية التي كانت تجري بها عمليات تنقيب من بعثات أثرية قبل الحرب ورغم محاولة السلطات المعنية في سورية إنقاذ ما أمكن من الكنوز والقطع الأثرية، فقد سرقت عشرات آلاف القطع وقد ذهب إلى تركيا أكثر من 16 ألف قطعة من تلك المواقع الأثرية وبعضها من متحف الرقة، وكثير من الدول الأوربية وصلتها قطع أثرية مهربة من سورية، وأكدت الحكومة السورية على أنها على تواصل مع أغلب علماء الآثار ومع الشرطة الدولية (الانتربول) ولكن مهربي الآثار يعمدون إلى إخفاء القطع لسنوات طويلة ثم يعرضونها للبيع.

وكانت مدينة تدمر القديمة قد تعرضت نتيجة الأعمال الوحشية لتنظيم داعش الإرهابي لأضرار كبيرة من معبد بل إلى قوس النصر ومعبد بعل شمين ومسرح تدمر. وكانت منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم "يونيسكو"، بالإضافة لروسيا وبولندا وإيطاليا ودول أخرى، قد أعربوا عن استعدادهم لتقديم المساعدة في ترميم الآثار المدمرة في المدينة الأثرية، إلا أن مستشار المدير العام لمنظمة اليونيسكو، هنريكاس الغيراس زيغمو يوشكيافيتشوس، أعلن أن المنظمة تعيش أوقاتاً صعبة بعد انسحاب الولايات المتحدة منها، مشيرا إلى نقص في التمويل. وكان مدير متحف تدمر الحالي، محمد الأسعد، قد صرح بأن منظمة اليونسكو لم تف بوعودها في المساعدة بإعادة بناء مدينة تدمر التي تضررت جراء القتال، مشيرا إلى صعوبة تقدير الأضرار التي لحقت بالمدينة الأثرية، ومقدرا بأنه إذا تم تقديم المساعدة من المجتمع الدولي، فإن عملية إعادة الإعمار قد تستغرق 5 سنوات على الأقل، في حين يصعب تقدير المدة الزمنية اللازمة في حال تم الاعتماد على الجهود الذاتية السورية فقط.

أكد مدير الآثار والمتاحف السورية محمود حمود، أنّ المواقع الأثرية الخاضعة لسيطرة “تركيا” في منطقة عفرين بريف حلب تتعرض للتخريب. وقال حمود في مقابلة سابقة إنّ ’’المواقع الأثرية التي تسيطر عليها الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا تتعرض للتخريب فالوضع هناك أسوأ والانتهاكات فيها أكثر شدة، لاسيما في عفرين الغنية بالمواقع الأثرية والتي تتعرض للنهب والسلب بشكل يومي وبإشراف الجيش التركي والعصابات الإرهابية هناك‘‘. وكانت مديرية الآثار أعلنت سابقاً عن تعرض موقع النبي هوري الأثري في منطقة عفرين بريف حلب الشمالي لتخريب ممنهج وأعمال تنقيب غير شرعية من قبل المجموعات الإرهابية التابعة للنظام التركي ما أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة فيه. وأوضح أنّ مديرية الآثار والمتاحف تقوم “بالتواصل مع وزارة الخارجية التي بدورها ترسل إلى الجهات المعنية دوليا حقيقة ما يجري، كما نتواصل مع اليونسكو وغيرها من الجهات المعنية بحماية التراث العالمي”.

وكشف مدير الآثار والمتاحف الدكتور محمود حمود في تصريح سابق عن قيام قوات الاحتلال الأميركي والفرنسي وميليشيات “قسد” المدعومة أميركيا بأعمال الحفر والسرقة في جبل “أم السرج” الغني بمحتوياته الأثرية كما تجري عمليات الحفر والنهب والسرقة بشكل علني في “سوق منبج” الرئيسي القديم. وقال حمود: ’’إن عمليات الحفر والنهب والسرقة تجري ايضا في المدافن الأثرية الواقعة في الجهة الشرقية لمدينة منبج بجانب المنطقة الصناعية ومركز /الكنيسة السريانية/ الأثرية التي تعرضت لبعض التخريب علاوة على مواقع أثرية أخرى تعرضت للتجريف الكامل بواسطة آليات ثقيلة بهدف السرقة‘‘.

وقد اتهمت الحكومة السورية، القوات الأميركية والفرنسية والتركية وعملاءها بسرقة الآثار في مناطق واقعة تحت سيطرتها، وقال مصدر رسمي في وزارة الخارجية السورية ’’تدين وزارة الخارجية السورية أعمال الحفر والتنقيب غير الشرعية عن الآثار التي تقوم بها القوات الأميركية والفرنسية والتركية وعملاؤها في منبج وعفرين وإدلب والحسكة والرقة وغيرها من المناطق الواقعة تحت سيطرتها، حيث تشير المعلومات الواردة من هناك إلى تصاعد وتيرة أعمال التنقيب والنهب والسرقة التي تطول التراث الثقافي السوري وتسهم في تخريبه وتدميره.‘‘ وأكد المصدر أن هذه الأعمال تشكل جريمة حرب جديدة تضاف إلى ما ارتكب من جرائم بحق الشعب السوري وتاريخه وحضارته، حيث عمدت التنظيمات الإرهابية وداعموها منذ بداية الحرب على سورية إلى سرقة الآثار والتراث الثقافي السوري والمتاجرة به في إطار المخطط العدواني لتدمير الإرث الحضاري والتاريخي لسورية ولتجريد الشعب السوري من ماضيه.

أكدت مصادر محلية في محافظة إدلب أن "هيئة تحرير الشام" الإرهابية باشرت أمس الجمعة التنقيب الأثري في منطقة الشيخ منصور بالقرب من مدينة سراقب في ريف إدلب، واستقدمت لهذه الغاية آليات وتجهيزات فنية وخبراء أجانب في مجال البحث عن الآثار، يبلغ عددهم 20 خبيراً، وذلك تحت حراسة مشددة من مسلحي الهيئة الذي ضربوا طوقاً أمنياً حول المنطقة، مانعين أي مدني من الاقتراب. وقالت المصادر: ’’قامت التنظيمات الإرهابية في محافظة إدلب خلال السنوات السابقة بنبش مئات المواقع الأثرية، حيث تعرضت قرية العبارة في جبل الزاوية بريف إدلب خلال السنتين الماضيتين لعملية نهب وسرقة للآثار، حيث يضم الجزء الأثري فيها شواهد على الحضارات المتعاقبة على المنطقة، وأدت عمليات التنقيب إلى تدمير معظم القبور والكنائس في البلدة، فيما تعد قرية القنية في ريف إدلب الغربي مثالاً واضحاً لنهب آثار محافظة إدلب، حيث عملت "هيئة تحرير الشام" على سلب الآثار في الدير والكنائس المحيطة بالقرية، ومنعت أي شخص من الاقتراب من هذه الأماكن الأثرية لتفسح المجال لعناصرها لنبش المواقع وسرقة الكنوز الأثرية.‘‘

وأضافت المصادر: ’’إن عملية التنقيب عن الآثار زادت أوائل العام الماضي بعد توقف القتال لفترة قصيرة، وإنشاء مناطق خفض تصعيد، حيث تحولت مدينة سرمدا قرب الحدود التركية إلى سوق رئيسية لتجارة الآثار والأسلحة، حيث يستخدم المهربون تطبيق "تليغرام" لعرض مسروقاتهم من آثار وتحف وتماثيل لعرضها على تجار أتراك‘‘. ويجب الإشارة إلى أن محافظة إدلب تحوي على ما يقارب 400 موقع أثري يرجع تاريخ بعضها إلى ما قبل الألف الرابع قبل الميلاد.

وأعلنت مديرية صحة إدلب عن مشاركتها في حملة (أنقذوا آثار إدلب) التي اطلقت في بداية شهر أكتوبر الماضي، حيث نظمت المديرية وقفات شعبية في مدينة إدلب شارك فيها عدد من الكوادر الطبية وناشطون في المدينة، رفعوا خلالها شعارات منددة ومنبهة لخطورة ضياع وتدمير الآثار في المحافظة، ودعت فيها المجتمع الدولي والمنظمات المحلية والدولية إلى إيقاف التعديات والمحافظة على الإرث الإنساني. وصرح حمود ’’تعرضت مدينة حلب القديمة للدمار وتمثال بعل شمين ومواقع في مدينة تدمر أيضاً، وعشرات المواقع في المدن المنسية في محافظة إدلب تم تدميرها، كما تعرضت عشرات المواقع أيضاً في محافظات دير الزور والرقة والحسكة للتدمير على يد مسلحي تنظيم داعش، والآن تقوم الوحدات الكردية بحفر أكثر من ستين تلاً أثريا في شمال سورية بحجة إقامة مقرات وقواعد لهم وهي في الحقيقة البحث عن الآثار وسرقتها‘‘.

وانتقد المسؤول السوري المجتمع الدولي والأمم المتحدة في تقاعسهم في حماية الآثار السورية وقال ’’ننسق مع منظمة اليونسكو لعقد مؤتمر دولي حول إعادة تأهيل مدينة حلب والتراث الثقافي السوري الذي تعرض للدمار خلال الحرب، ولكن هناك مواقف سياسية من بعض الدول تمنع عقد مثل هكذا مؤتمر بحجة عدم استقرار الأوضاع في سورية، نحن نريد عقد مؤتمر دولي يقدم لنا المساعدات المادية والخبرات للعمل على إعادة ترميم المواقع الأثرية، كما حصل في مدينة الموصل العراقية التي حصلت على مبلع 50 مليون دولار لمدينة واحدة فقط فما بالك بمئات المواقع الأثرية التي دمرت‘‘.

وكشف المدير العام للآثار والمتاحف محمود حمود أن المديرية بحاجة إلى مليار دولار على أقل تقدير لإعادة ترميم الآثار التي تم تخريبها من العصابات الإرهابية التي كانت في تلك المناطق، مضيفاً: ما عدا الأبنية التي دمرت ولا يمكن إعادتها على الإطلاق مثل الكثير من المباني المحيطة بقلعة حلب التي أصبحت حجارتها رماداً. وأكد حمود أنه سيتم ترميم متحف دير الزور بدءاً من العام القادم، مؤكداً أن المديرية بدأت بترميم بعض المواقع في قلعة حلب وبعض الأجزاء داخلها إضافة إلى ترميم الكثير من الأماكن في قلعة الحصن بمساعدة الأصدقاء من هنغاريا، مضيفاً أن مدرج بصرى في حالة جيدة ويحتاج إلى 50 مليوناً لترميمه.

وأضاف حمود أن هناك تعاون مع المنظمات الدولية في هذا الخصوص وخصوصاً الإنتربول الدولي ومنظمة «اليونيسكو»، لافتاً إلى أن صور الأقمار الصناعية للمواقع الأثرية التي ما زالت تحت سيطرة العصابات الإرهابية تظهر مدى الكارثة التي حلت بها مثل أحد المواقع في الغاب في ريف حماة. وأوضح مدير الآثار السورية ’’قدمت لنا منظمة اليونسكو دعماً لتدريب كوادرنا في عملية الترميم، وكذلك معهد الآثار الألماني قدم كثيرا من المساعدات، والحكومة اليابانية قدمت لنا مساعدات أيضاً، ومنظمة أغا خان قدمت مساعدات لإعادة تأهيل مدينة حلب القديمة‘‘.

يذكر أنه تم تشكيل مكتب خاص لاستعادة القطع الأثرية المسروقة، ولمتابعة قضايا الآثار السورية التي تتم إثارتها في الإعلام العالمي والعربي وإرسال معلوماتها إلى الجهات المختصة. وأوضح حمود أنه لم يتم استرداد إلا عشرات القطع الأثرية من لبنان، بينما توجد مراسلات مع الأردن لاسترداد المئات الذين وعدوا بإعادتها عبر السفارة السورية بعمّان. وسبق إعادة افتتاح متحف دمشق الوطني بعد سبع سنوات من إغلاقه. وقال وزير الثقافة السوري محمد الأحمد ’’إن إعادة افتتاح المتحف هو رسالة أمن وأمان لسوريا‘‘، مشيرا إلى أنه تم إغلاق المتحف خوفاً من الأعمال الإرهابية والإجرامية. وأكد الوزير على أهمية متحف دمشق الوطني الذي يعد أحد أكبر وأهم متاحف العالم ويحوي مقتنيات تمثل عصارة جهد السوريين وتوثق حضارتهم، وهي شاهد حي على قدرتهم على العطاء والتشبث بالأرض، وأن آثار بلادهم تتصف بالعالمية لأنها توثق لحضارات سوريا المتعاقبة التي أضاءت الطريق وأرست الأسس التي قامت عليها البشرية للتقدم والازدهار".

وأضاف مدير عام الآثار السورية السابق الدكتور عبد الكريم ’’استطعنا تأمين الاثار في بلدة اجتاحتها حرب دمرت كل شيء البشر والحجر‘‘، وتابع: ’’ستكون سعادتي أكبر عندما تفتح كل المتاحف السورية أبوابها أمام الزوار (متحف الرقة ، ودير الزور ، وإدلب) وعودة كل المقتنيات الأثرية إلى تلك المتاحف التي هي مسجلة وموثقة‘‘. بالإضافة إلى إقامة وزارة الثقافة معرضاً بداية شهر أكتوبر الماضي وتم عبر الجهات الحكومية السورية من جيش وقوات أمنية وجمارك ومجتمع محلي استرداد لقى يصل عددها إلى 500 قطعة أثرية تمثل آثارا لمناطق مختلفة مثل دير الزور والغوطة الشرقية ووادي بردى والضمير في ريف دمشق الشمالي الشرقي؛ وهي عينة من 9000 قطعة أثرية تم استردادها خلال سنوات الحرب السورية. وأكد وزير الثقافة السوري محمد الأحمد أن من يشاهد المعرض الذي يقام للمرة الأولى في سورية يدرك حجم ما تعرضنا له، لتؤكد للجميع مقولتنا بأن الحرب على سورية كانت حرباً تستهدف قطع الصلة بين سورية والحضارة التي تمتد لآلاف السنوات، ومن يشاهد هذه الاثار والقطع والعملة النقدية النادرة يعرف تماماً حجم الغنى الموجود في سورية. ونوه السيد وزير الثقافة على ان إحدى الرسائل المهمة التي توجهها سورية للعالم، بأنها حافظت على ثقافتها وتاريخها، وما أهم من التاريخ والاثار.