الجزائر في معترك تطبيق 102 من الدستور: الشعب والجيش معاً لعزل الرئيس بوتفليقة

31.03.2019

قالة قراءتي الخاصة عن دعوة رئيس أركان الجيش الشعبي الوطني الفريق قايد صالح لتطبيق المادة 102 من الدستور الجزائري التي تنصّ على اجتماع المجلس الدستوري من أجل إثبات المانع لرئيس الجمهورية لأداء مهامه بسبب مرضٍ  خطير ومزمن، وأن يقترح المجلس الدستوري على البرلمان التَّصريح بثبوت المانع. 

في حقيقة الأمر، تعد عمليّة فهم بنية النظام السياسي في الجزائر وتفسير ماهيتها، مكوناتها وطريقة عملها جدّ صعبة ومعقدّة، كما يكتنف هذه البنية العسكرية-السياسية الغموض والسرية والإبهام، وهي تستعمل أدوات واسعة لتسيير الدولة وتحريك المجتمع والتفاعل مع المحيطين الوطني والعالمي. لذلك، أرى أنه يتوجب على الباحثين والمحلّلين التواضع في تقديم آرائهم وتحليلاتهم عن النظام الجزائري بشكلٍ يخرج من اليقينيات والأحكام الواثقة إلى تحليلات فيها من النسبية والشك والاحتمال والتوقع بما لا يغلّط الرأي العام والمتابعين. الالتزام بهذه النسبية يفرضها اعتبار أساسيّ هو أنه من الصعب على الأكاديمي، السياسي والإعلامي، الجزائري والأجنبي فهم وتحليل طبيعة نظام الحكم في الجزائر الذي يظلّ "علبة الألغاز" التي تمتلئ بالتحالفات والصراعات، المساوامات وتصفية الحسابات، المصالح والعلاقات الزبونية، السرية والعلنية، المدني والعسكري، الرسمي وغير الرسمي، الوطني والعالمي، الكولونيالي وما بعد الكولونيالي، المفرنس والمعرّب، الشاوي والعربي والأمازيغي، الريفي والحضري، الموالي والمعارض... وغير ذلك من العناصر التي يصعب جدا معرفة تفاعلها وقانون اشتغالها. خصوصاً مع اعتماد هذا "الجهاز" على نوع من السرية والغموض في تقديم بيانات حول الشأن السياسي الجزائري.

بدايةً، يجب الإقرار أن المرحلة التي تمرّ بها الجزائر في الحالة الراهنة خطيرة وحساسة على كل المستويات وبالنسبة لكل التكوينات والبنى التي تتألّف منها الدولة والمجتمع والنظام السياسي. ما يعني أن ألعاب القوّة والصراع، التفاوض والمساومات ستكون متضاربةً ومتداخلة بشكل حادٍّ وخطرٍ عكس ما كانت عليه على الأقل قبل الحراك الشعبي في فيفري 2019، رغم أن هذه التفاعلات تندرج في صراعٍ كبير واحدٍ: هل يبقى بوتفليقة في الحكم أم يرحل؟ أمام هاذين الخيارين تتجاذب وتتصارع كل المجموعات والقوى السياسية، المالية، العسكرية، الثقافية.... غير أنها تشترك في توجيه حراكها نحو مؤسسة واحدة: هي الرئاسة، وبالأحرى الرئيس بوتفليقة.

في اعتقادي أن هناك ثلاث أقطاب أساسية تبني السلطة ونظام الحكم في الجزائر، وهي: المؤسسة العسكرية، الرئاسة والمخابرات، وتوظّف هذه الأقطاب العديد من المكوّنات الاجتماعية والوسائل الملائمة للاستقواء على بعضها البعض وتحقيق إحداها الهيمنة على الأخريتين، فإذا قلّ رصيد إحداها ارتفع رصيد الأخرى، كما أن التحالفات الثنائية بين قطبين ضدَّ الطرف الثالث تحدّدها سياقات وطنية ودولية، اقتصادية وسياسية. وهي ليست تحالفات دائمة، بل متغيّرة ومتذبذبة على حسب السياقات والتسويات، وعلى حسب الشخصيات المحورية التي تحرّك هذه التحالفات. كل هذه القوى تستعمل وسائل وقنوات للتأثير على بعضها البعض ولتوسيع حجم الحضور في الدولة والمجتمع، وكلّها توظّف بشكل متضارب: الشعب، الأحزاب السياسية، الإعلام، الشخصيات الثقافية، الفواعل الوطنية وما عبر-وطنية، القوى المحلية والخارجية، الدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية، القبلية والجهوية، التاريخ والذاكرة... وغيرها من العناصر. 

وفي اعتقادي أيضاً - حسب ما أعلمه- أن بوتفليقة جاء للحكم نتيجة توافقٍ عليه بين الجيش والمخابرات، لنشهد على الأقل أول تقاربٍ إيجابيّ بين المكوّنات الثلاثة، وهو ما انعكس إيجابا على المجتمع والدولة الجزائرية خلال الخمس سنوات أولى في تجانس مجتمعيّ وسلطويّ مقبول انعكس على التنمية الاقتصادية وغيرها من المجالات. وزاد الصعود الجنوني لأسعار النفط من صبغ هذا التجانس والتنمية ببريق ازدهار الجزائر تم التَّصديق أن الرئيس صنعه لوحده، لأنه كان واجهة الأمّة والدولة داخليًّا وخارجيًّا. هنا بالضبط، تمكَّنت الرئاسة من استجماع كل قوّتها تحت رئيس محنّك يعرف خبايا بنية السلطة ويمتلك مفاتيح - بل وميدان- اللعبة السياسية. كلّ ذلك جعله يفوز بالعهدة الثانية، ويمرّر الثالثة بعد تحالفٍ ثنائيّ مع الجيش ضدّ المخابرات. بل وصلت قوّة الرئيس إلى إضعاف المؤسسات الدستورية والوطنية وإفراغها من تكويناتها الحقيقية حتى يضمن لوحده تحديد قواعد اللعبة بعيداً عن قواعد الدستور والقانون التي ليست في صالحه، والتي على الأقلّ كانت القوتين الأخريتين تحترمانها حفاظاً على بعض الشَّكل الملائم للدولة الجزائرية والمجتمع، رغم أنه يجب الاعتراف أن كل هاته القوى ارتكبت الأخطاء، لكن ليس بحجم ما فعله بوتفليقة. 

نتيجة هذا الواقع، تمكّن الرئيس من حشد المكوّنات والوسائل التي ذكرناها من قوى سياسية وحزبية ومالية لتحصيل فوزه بعهدة رابعة كانت بمثابة إعلانٍ عن ذروة انتصار القوة الرئاسية على الجيش والمخابرات، خصوصا بعد استناد بوتفليقة إلى قوى دولية كفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الـأوروبي بإلزام الجيش والمخابرات بوظائفهم وعدم تدخّلهم في السياسة وبالسّماح للجزائر بتنفيذ مشروعها المدني "الديموقراطي" كما كانت المزاعم ضدّهما دومًا. غير أنَّ هذه الوضعية التي آلت إليها قوّة الرئيس لم تكن بالشَّكل الذي كانت عليه في العهدتين السابقتين، فقد ميّزها انخفاض أسعار البترول ومشاريع "الربيع العربي" واستيلاء قوى غير حقيقية ومزيفة على المؤسسات والمناصب السيادية، وتراجع رجال الأعمال الحقيقين وظهور آخرين مزيفين وتشكّل اقتصاد غير حقيقي، طفيلي وغير منتج... والأهم من كل ذلك، أنه في أتون هذا الصراع المحتدم بين هاته القوى، كانت هناك ديناميكية خفيّة للمجتمع الجزائري بكل أطيافه ومكوناته تُطوّر من وعيه السياسي ومن الإمكانيات والبرامج التغييرية بشكل غير معهود، بل وتشكَّل جيلٌ رقميّ وفضاء إعلاميّ وأكاديميّ يتفوّق على كل البنى التقليدية والوسائل التي يسخّرها الرئيس وغيره من أجل الاستمرارية. فمن سبيل السخرية مثلا، استطاع شاب يدعى ريفكا من جمع آلاف متابعيه بشكل تعجز عنه الأحزاب رغم المحتوى الرَّقمي الفارغ الذي كان يقدّمه. ولكن أثبتت تلك الصدفة في التجمّع، وغير المُتوقعّة من كل سلطات الدولة أن هناك مسافات واسعة جدا بين الديناميكيات والممارسات التي يصنعها الفاعلون اليوم، وبين الآليات التي تريد بها السلطة "ضبط" régulation المجتمع. وهو ما جعل بوتفليقة وآله يستفيقون على شعارات هزت نوافذ قاعات المرادية.

هذه الوثبة التَّاريخية للشعب هي تجسيدٌ لقوّة المجتمع الحقيقي ضدّ المجتمع المصطنع، القوى السياسية والاقتصادية الحقيقيّة ضد الأخرى المزيفة، بل هي يد العون لمؤسسة الجيش التي ضاقت ببوتفليقة: التلميذ العاصي الذي انقلب على معلّمه. بينما تبقى مؤسسة المخابرات متصارعة هي الأخرى بين مخابرات قديمة وأخرى حديثة، بين أوفياء الجنرال توفيق وبعض الأوفياء للرئيس المنتمين إلى أجهزة المخابرات الجديدة. إذن، دخل الشعب كقوّة رابعة وفعليّة في معادلات التَّسويات السّلطوية والسياسية، على عكس ما كان عليه من قبل باعتباره مجرد ورقة في يد هذا الفريق أو ذاك. لكن يجب الانتباه أيضاً، أن شعب الحراك هو الآخر يعاني من نقاط الضعف ما سيجعل تقريره الكامل لنتيجة المعادلات السياسية المستقبلية متوسّطا، حتى لا أقول ضعيفاً.

على هذا الأساس (وعلى أساس هاته التفسيرات الخاصّة بي)، أعتقد أن مؤسسة الجيش بعدما استحوذ الرئيس بوتفليقة على مقدّرات الدولة ومؤسسات الدولة، حاولت، من طريق القايد صالح (الذي يعاني من تعقيدات المرحلة وتشابك قواعد اللعب أكثر من أيّ فاعلٍ آخر في الدولة) أن تقنع بوتفليقة للعدول عن عهدة خامسة وتسليم مؤسسة الرئاسة للدولة والشعب، وأعتقد أن أوفياء التوفيق هم أيضا ساهموا بذلك بطريقة غير مباشرة من خلال ترشيح بعض الأسماء للرئاسة ودعم ناشطين، أحزاب، صحفيين ومدونين وفواعل مدنية خارج الجزائر. غير أن الرئيس هو الآخر استطاع توظيف كل القوى المحيطة به وتمكّن من استجماع قوة كبيرة تفوق كل ما يدبّر ضده، وكاد أن ينجح في استمراريته إلى أن ظهرت قوة عملاقة كقوّة الطوفان توشك أن تسحبه من قصر المرادية وترمي به إلى أطراف الجزائر وحدودها: مكان ولادته. لم تراهن، دعونا نسميها "المكونات البوتفليقية" على ضغط مسيرات الشعب، تماماً كمثل الذي ينظر إلى الطوفان أو أمواج البحر من بعيد إلى أن تقترب منه فيدرك جبروتها وقوّتها المدمّرة، وهنا يكون قد فات الأوان على الهرب أو البقاء على قيد الحياة. قد يحمل معه هذا الطوفان في حركته بعد الأشياء التي يمكن لبعض هاته المكونات التشبث بها والنجاة إن هي رغبت. لكن يظهر أن بوتفليقة يصّر أنه وتدٌ صلب مغروس في قصر الرئاسة ولا تستطيع لا دبابة ولا طوفان اقتلاعه.

أمام هذا المعطى السياسي للواقع الجزائري وللعبة التجاذبات بين مكونات النظام فيما بينها، ومع شعب الحراك، تهلهلت قوّة الدولة الجزائرية في الداخل وعلى المستوى الخارجي، وباتت كل شيءٍ فيها معرّض للتأزم بدءاً من الاقتصاد وصولا إلى حياة المواطنين. وهنا يجب التأكيد على أنه وقت الفترات العصيبة في تاريخ كل الدول يكون الدستور هو الحامي الأول والأخير للثوابت ولركائز الدولة، وأن تعديل الدستور في الأوقات الحرجة فيه الكثير من المخاطر والتعقيدات، ذلك أنه يخضع لتوازنات القوى التي تصيغه أكثر ممَّا يرتبط برؤية مستقبلية وثابتة للدولة والمجتمع. لذلك نلحظ أنه من بين "الفواحش" التي قام بها بوتفليقة هي دَوْسُه على الدستور وتخطّيه لمبادئه، وذلك كما قلنا حتى يُخضع قواعد اللعبة السياسية لقواعده وليس لقواعد القانون، رغم أن المادة 84 من الدستور الجزائري تقول: "يجسّد رئيس الجمهورية، رئيس الدولة، وحدة الأمة. وهو حامي الدستور..."، والنتيجة بتعبير إخوتنا المصريين "حاميها حراميها". لذلك كانت المراهنات في مشروع المرور إلى عهدة خامسة هي تعبئة "المكونات البوتفليقية" للالتفاف على مبادئ الدستور، فالقوى غير الدستورية تعتاش في الأوضاع غير الدستورية. وهذا ما حصل فعلاً، من سيناريوهات ترشيح الرئيس إلى قضيّة شهادته الطبيّة المزوّرة وصولاً إلى رسائله، ثم إلغائه الانتخابات وتمديده لعهدته أو توصياته لعقد ندوة وطنية... واعتقادي الراسخ أن كبح مشروع هذه القوى أو مبتغى الرئيس هو التزام الشعب والقوى السياسية بالدستور، حفاظا على الدولة أولاً وإلزاما للرئيس بدستور كان وضع هو بنفسه تعديلاته.

من هذا المنطلق، نفهم أن الرئيس وحاشيته رفضوا الخروج من قصر الرئاسة، سواء بضغط الجيش أم الشعب، وحتى بالتسويات أو الصفقات. ويدرك بوتفليقة أن الجيش مقيّد بعدم التّدخل في السياسة وبمآسي العشرية السوداء، وبقواعد القانون الدولي الذي يمنع الانقلابات العسكرية، بل وتخميني أن الزيارات التي قام بها لعمامرة إلى الدول الأخرى هي لمحاولة إقناعها بأن مصالحها واستثماراتها مع بقاء الرئيس وأنه يجب كبح تدخّل الجيش. تخميني الآخر أن هاته القوى الخارجية التي دعمت بوتفليقة لمدة عشرين سنة سحبت يدها منه (لأسباب عديدة يمكن ذكرها في مقال آخر). وربما هناك واقع أخطر من ذلك، هو أن القوى الموالية لبوتفليقة أو التي تحكم باسمه راهنت على صِدامٍ بين الشعب والجيش وحالة فوضى بالبلد تسمح للرئيس بإعلان حالة الطوارئ وتمديد عهدته وإعلان قوانين استثنائية تخدم الرئاسة و"المكونات البوتفليقية" التي على رأسها رجال أعمال ظهروا بشكل مفاجئ ويستحوذون على مليارات الدولارات من مقدّرات الدولة، خصوصاً وأن عملية طبع الأوراق النقدية في إطار التمويل غير التقليدي لا يعلم عنها إلا بعض الأعضاء في جهاز الدولة.

أمام هاته التحوّلات، وبعد فشل مفاوضات الجيش مع الرئاسة، أعتقد أن القايد صالح، سواء من قناعاته أو بضغط من قوى الجيش، ألقى إلى الشعب (القوة العملاقة الوحيدة التي بإمكان الجيش الاتّكاء عليها لإزالة الرئيس) مفتاح الحل المتمثّل في تطبيق المادة 102 من الدستور، وهو الحل الوحيد والنهائي الذي يتم بطرق دستورية ضد هاته القوى غير الدستورية التي تحاول تجاوز الدستور لحلول ترقيعية تخدمها. وحتى إن كانت المادة 102 لا تلبّي مطالب الحراك وجاءت متأخرة فهي المتاح الوحيد للحفاظ على الدولة، وأن أيّ حلول خارج الدستور أخطر من مناقشة قضية تولّي رئيس مجلس الامة مهام رئيس الدولة، أو مناقشة تكوين البرلمان السياسي، أو القول بأن النظام يعيد إنتاج نفسه... وذلك للاعتبارات الآتية: 

١-الصراع بين القوى الثلاثة المشكلة لبنية السلطة تاريخيّ ولا يمكن تجاوزه في أشهر، ولا يمكن إزاحتها من تكوين النظام السياسي الجزائري بسهولة. ولكن المؤكد أن الشعب دخل كقوّة رابعة في المعادلة، وسيكون فاعلا فيها.

    ٢- لا يمكن لمؤسسة الجيش لوحدها أن تزيح بوتفليقة، كما لا يمكن للشعب وحده أن ينفّذ ذلك، فالقوّة الوحيدة للتخلّص من رئيس استجمع قوى غير دستورية هو تحالف الجيش والشعب والسهر على تطبيق قواعد دستورية لعزل الرئيس، ويمتلك الجيش من الصلاحيات الدستورية لضمان ذلك والسهر على حفظ المؤسسات.

٣- بالرغم من أن وجود بعض المطالب التغييرية الجذرية التي ترفعها بعض الأحزاب والشخصيات، وبعض المواطنين عن الإسقاط الكامل للنظام وتحقيق الديموقراطية والجمهورية الثانية، وهو ما عبّر عنه شعار "يتنحَّاو قاع" (معناه يجب ذهابهم كلّهم)، فذلك غير ممكن بشكله الكامل وخطير، ولا يمكن حدوثه بشكلٍ فوريّ ووظيفيّ. ذلك غير ممكن لأن هاته المجموعات الجماهيرية لا تملك من القوة والوسائل والمشاريع المحدّدة والشخصيات المعروفة التي تسقط النظام بالكامل وتقيم جمهورية جديدة. وحتى من الناحية الوظيفية غير ممكن في فترة زمنية وجيزة جدا ومتأزمة، وإلا لدخلت مؤسسات الدولة وبناها في فراغ وظيفي رهيب. والتاريخ يثبت لنا أن كل تجارب الانتقال الديموقراطي في المجتمعات والدّول عبر التاريخ لم تنجح في تحييد القوى الخفيّة والعميقة للنظام في لحظات وأحداث مفصليّة، بل كانت العمليات تدريجية وتراكمية، حتى الثورة الفرنسية لزمها الأمر حتى تترسخ مبادئها عقودا من أجل تتخلّص من الثورات المضادّة ومن البيوتاريين. أما العالم المعاصر فيعطينا العديد من الدروس من الثوارات في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وصولاً إلى مشاريع التغيير في العالم العربي. لكن المؤكّد في الدولة الجزائرية أن المرحلة المقبلة ستكون على الأقل ديموقراطية عن سابقتها أن تم نجاح عزل الرئيس بطرق دستورية وأجواء سلمية.

٤- ما دام الشعب سيتحالف مع الجيش، فمن المنطقي أن الخصم سيكون قوّتين: الرئاسة والمخابرات. هاته القوة الأخيرة لن تقبل باستمرارية الرئيس الذي أضعفها، ولن تقبل بعودة القوّة الكاملة والمطلقة للجيش. لذلك سيحاول أوفياء التوفيق التعكير نوعاً ما على مبادرة القايد صالح الذي يعتبرونه سبباً في عزل التوفيق من خلال صفقة مع الرئيس. وسنشهد كل القوى التابعة للمخابرات الكلاسيكية ضد تطبيق المادة 102 كحزب العمال وعدلان ملاح ورشيد نقاز وطاهر ميسوم وجاب الله وغيرهم. ناهيك عن الدور المضاد الذي ستلعبه القوى المخابراتية "الجديدة" المؤتمرة بأوامر الرئاسة. غير أن الضرورة الوطنية قد تفرض، أو أمام سيناريوهات معقدة تهدد الدولة، أو احتمال استعادة المكونات البوتفليقية لتوازنها –والتي لا أستبعد أن تصنع الفوضى أو تستنجد بالقوى الخارجية من أجل البقاء- أن يتوافق الجيش والمخابرات والشعب بما يساهم في صنع مرحلة جديدة تتجاوز بها الجزائر استبدادية عهد بوتفليقة.

في خاتمة قولي، استنتاجي أن تطبيق المادة 102 من الدستور ومرافقة الجيش لذلك هو الضمان الوحيد للخروج من سياق متأزم إلى سياقات رحبة يعيد فيها الشعب استعادة مكانته لتحقيق الديموقراطية والحياة المدنية. أما مشاريع التحولات الجذرية (وهي مشروعة جدّا إن كان هدفها المطالب الديموقراطية الحقيقية وليس انتقاما من النظام أو تحركات بإيعازات خارجية) غير ممكنة وفيها من المخاطر ما يفوق مثالية الشعارات والطموحات، خصوصا مع قوى سلطوية لا أخلاقية ولا قانونية تشكّلت في عهد بوتفليقة وتستمرّ في دعمه، والتي لا يمكن للشعب أن يزيحها إلا بالجيش، ولا يمكن للجيش أن يزيحها إلا بالشعب. رغم ذلك سنشهد أمام هذه الخطى نحو تطبيق المادة 102 ممارسات مدعومة من القوتين الباقيتين ستهدف لقطع الطريق أمام تلك الحلول الدستورية، وربما تتم هاته العرقلة سواء بتعطيل البرلمان وتوظيف الأحزاب (موالاة ومعارضة) للطعن في مقترح الجيش، أو بتعبئة بعض الناشطين لتقديم تحليلات وتكثيف الشعارات ضد تدخل الجيش ونتائج تطبيق المادة 102. والمؤكد أيضا أن أحزاب الموالاة ستنقسم إلى فريقين: فريق يتكون من أعضاء تاريخيين تضرّروا مما أنتجته المرحلة البوتفليقية من إقصاء لها وبروز قيادات مزوّرة، وسينضم هذا الفريق لصف الشعب والجيش. وفريق يراهن على شبكات المال والأعمال التي تحيط ببوتفليقة من أجل الظفر بما يمكن الظفر به، على الأقل في الأيام المعدودة التي تبقت للرئيس.

"إنه لا خوف على حاضر الجزائر وعلى مستقبلها في ظل هذا الشعب الواعي والمدرك للمصلحة العليا لوطنه، ولا خوف على الجزائر وعلى مستقبلها في ظل هذا الجيش الوطني الشعبي"