العودة إلى (اللعبة الكبرى )؛ انتقام القوى البرية لأوراسيا

03.09.2018
إن كل ما تبقى هائما على وجهه في برية المرايا يعتمد على تقلب المزاج النزق لإلهة السوق. فلا عجب في أن أحد الآثار الجانبية للاندماج والتكامل الجاري على قدم وساق في أوراسيا لن يكون مجرد ضربة قاضية لبريتون وودز وإنما أيضا "للديمقراطية" النيوليبرالية.

بقلم: بيبي إسكوبار*
31 أغسطس 2018

الترجمة: صفوان سلام 

 استعدوا لقعقة معركة كبرى على رقعة الشطرنج الجيوسياسية: من الآن فصاعدا ، كل فراشة  ترفرف بجناحيها وتسبب عاصفة ترتبط مباشرة بالمعركة بين التكامل الأوراسي والعقوبات الغربية كسياسة خارجية. إنه انقلاب الرؤية بغعل طرق الحرير الجديدة  للصين في مقابل موقف الولايات المتحدة الذي يعبر عنه المثل اليمني القائل (قلايتي والا الديك). لقد كنا تحت وهم أن التاريخ قد انتهى. ولكن كيف وصل بنا الأمر إلى هذا الحال؟

لنقفز لبعض الوقت في رحلة ضرورية عبر الزمن. على مدى قرون، رسخت طريق الحرير القديمة، التي ادارها البدو الرحل، معيار القدرة التنافسية للتواصل البري للتجارة؛ من خلال شبكة من طرق التجارة التي ربطت بين أوراسيا والسوق الصيني المهيمن.

وفي أوائل القرن الخامس عشر، أنشأت الصين، على أساس النظام الخراجي،  طريق الحرير البحري عبر المحيط الهندي على طول الطريق إلى الساحل الشرقي لأفريقيا، بقيادة الأدميرال الأسطوري تشنغ خه. ومع ذلك، لم تستغرق بكين الإمبراطورية الكثير من الوقت لكي تستنتج أن الصين تتمتع بما يكفي من الاكتفاء الذاتي  - للتركيز على العمليات البرية.

وحيث كان الأوروبيون محرومين من الاتصال التجاري عبر ممر بري بين أوروبا والصين، فقد كرسوا عملياتهم على طرقهم الحريرية البحرية الخاصة بهم. وكلنا نعرف النتيجة المذهلة التي نجمت عن ذلك: 500 عام من الهيمنة الغربية. والى وقت قريب جرى وضع التصورات لأحدث فصول هذا العالم الجديد الشجاع من قبل الثلاثي ماهان وماكيندر وسبايكمان .

نظرية قلب العالم

كانت نظرية قلب العالم لهالفورد ماكيندر في عام  1904 نتاجا للّعبةِ الكبرى الجديدة بين الإمبراطورية الروسية و بريطانيا العظمى وقامت النظرية بتسجيل التوجس الشديد، الإنجليزي ومن ثم الأنغلو أميركي، من صعود قوة برية جديدة ناشئة قادرة على إعادة ربط أوراسيا على حساب القوى البحرية.

أما نظرية الأطراف لنيكولاس سبايكمان في عام 1942 فذهبت إلى أن القوى البحرية المتحركة، مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة، يجب أن تعمل على تحقيق توازن استراتيجي في الخارج. كان الهدف هو السيطرة على الحواف البحرية لأوراسيا، أي غرب أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا، ضد أي اتحاد محتمل لأوراسيا. فحين لا تحتاج إلى الحفاظ على جيش بري كبير في أوراسيا، فإنك تمارس السيطرة من خلال الهيمنة على طرق التجارة على طول الأطراف المحيطة بأوراوسيا .

وحتى قبل ظهور ماكيندر وسبايكمان، ظهر الأميرال البحري الأمريكي ألفريد ثاير ماهان في تسعينيات القرن التاسع عشر بأطروحطته حول  تأثير  القوة البحرية عبر التاريخ - حيث ينبغي على "الجزيرة" الأمريكية أن ترسخ نفسها كعملاق بحري، على غرار الإمبراطورية البريطانية، للحفاظ على توازن القوى في أوروبا وآسيا.

كان كل ذلك من أجل احتواء الحواف البحرية لأوراسيا.

في الواقع ، عشنا في مزيج من نظريتي القلب والأطراف. في عام 1952، تبنى وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس فكرة "سلسلة الجزر" (جرى توسيعه حينذاك إلى ثلاث سلاسل) في محاذاة اليابان وأستراليا والفلبين لتطويق واحتواء كل من الصين والاتحاد السوفييتي في المحيط الهادئ. (لاحظ محاولة إدارة ترامب إحياء الفكرة  من خلال الرباعي– الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند).

كان جورج كينان، مهندس فكرة احتواء الاتحاد السوفييتي،  معجبا بسبايكمان، بينما كان كتاب خطب الرئيس رونالد ريغان في أواخر عام 1988، في مسار موازٍ، ما زالوا معجبين بماكيندر. كانوا يطرحون أن المنافسين للولايات المتحدة يحاولون الهيمنة على القارة الأوراسية. أفشى ريغان سر المؤامرة، حين قال: "خضنا حربين عالميتين لمنع حدوث ذلك.

يتخذ التكامل والتواصل في اوراسيا  أشكالًا متعددة، منها: طريق الحرير الجديدة التي تقودها الصين ، والمعروفة أيضًا باسم مبادرة الحزام والطريق؛ الاتحاد الاقتصادي لأوراسيا الذي تقوده روسيا؛ البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية؛ الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب، وآليات أخرى لا تعد ولا تحصى، تقودنا الآن إلى لعبة جديدة كاملة.

كم هي جميلة فكرة "الترابط" الأوروبي الآسيوي ولا سيما انها في الواقع جاءت في تقرير للبنك الدولي في العام 2007 حول القدرة التنافسية  لسلاسل التوريد العالمية.

ومما يبعث على السعادة أيضًا الطريقة التي "استوحى" بها الراحل زيبغنيو بريجينسكي فكرة "لوحة الشطرنج الكبرى" من ماكيندر بعد سقوط اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية - حيث دعا إلى تقسيم روسيا الضعيفة آنذاك إلى ثلاث مناطق منفصلة. أوروبية ، وسيبيرية وثالثة في الشرق الأقصى.

جميع العقد مغطاة

في ذروة اللحظة الأحادية القطبية،  كان التاريخ  يبدو أنه قد "انتهى". وكانت كل الأطراف الغربية والشرقية لأوراسيا قد وقعت تحت السيطرة الغربية الشديدة - وتمثل ذلك في ألمانيا واليابان، وهما العقدتان المهمتان في أوروبا وشرق آسيا. وكذا تلك العقدة الإضافية في الأطراف الجنوبية لأوراسيا، وبالتحديد منطقة الشرق الأوسط الغنية بالطاقة.

كانت واشنطن قد شجعت على تطوير اتحاد أوروبي متعدد الأطراف قد ينافس الولايات المتحدة في بعض المجالات التقنية، في نهاية المطاف. ولكن الأهم من ذلك هو أنه سيُمكّن الولايات المتحدة من احتواء روسيا بالوكالة.

وكانت الصين مجرد قاعدة تصنيع معزولة منخفضة التكلفة لتوسيع الرأسمالية الغربية. وكانت اليابان لا تزال ليس فقط محتلة، من الناحيةالعملية، فحسب، بل إنها أيضا يتم استخدامها كأداة عن طريق بنك التنمية الآسيوي، الذي كانت رسالته: نحن نقوم بتمويل مشاريعك فقط إذا كنت على صواب سياسي.

وكان الهدف الأساسي ، مرة أخرى، هو منع أي تقارب محتمل بين القوى الأوروبية و القوى الشرق آسيوية، كمنافسين للولايات المتحدة.

وكان الالتقاء بين الشيوعية والحرب الباردة ضروريا لمنع تكامل أوراسيا. و شكلت واشنطن نوعًا من النظام الخراجي الحميد - الاقتراض من الصين الإمبراطورية - المصمم لضمان أحادية قطبية دائمة، تم الحفاظ عليها من قبل جهاز ضخم، عسكري ودبلوماسي واقتصادي مع ذراع للعمليات السرية، ومُنِح دور النجوم لإمبراطورية القواعد، كما سماها تشالمرز جونسون، التي تطوق وتحتوي أوراسيا وتهيمن عليها .

قارن هذا الماضي الشاعري القريب مع كابوس بريجينسكي - وهنري كيسنجر - الأسوأ: ما يمكن تعريفه اليوم بأنه "انتقام التاريخ".

وهذا ما يميز الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين ، من الطاقة إلى التجارة: بما ينطوي عليه ذلك من اقتصاد جغرافي، وحركة منسقة لتجاوز الدولار الأمريكي، وشراكة بين البنك الآسيوي للاستثمار والبنك الجديد للتنمية التابع لبريكس من أجل تمويل البنية التحتية وترقية التكنولوجيا التي تحمل في ثناياها شعار الهدف (صنع في الصين 2025 )؛ والدفع نحو آلية تصفية بنكية بديلة اي (جمعية جديدة للاتصالات المالية العالمية بين البنوك)؛ وتكديس ضخم من الاحتياطي المتراكم من الذهب، والدور السياسي والاقتصادي الموسّع لمنظمة شنغهاي للتعاون.

وكما قال جلين ديسن في كتابه اللامع، (الاستراتيجية الجيوسياسية لروسيا لبناء أوراسيا الكبرى)، فإن "تكوين نواة صلبة لأوراسيا يمكن أن يخلق قوة جذب لشد الأطراف نحو المركز".

وإذا كان بالإمكان استئناف العملية المعقدة والطويلة الأجل والمتعددة العوامل لتكامل أوراسيا من خلال معادلة واحدة فقط، فسيكون الأمر كالتالي: القلب يندمج  بالتدريج؛ الأطراف تغرق في ساحات قتال لا تعد ولا تحصى، بينما   تذوب القوة المهيمنة بشكل لا رجعة فيه. هل يهُبُّ كل من ماهان وماكيندر وسبايكمان لإنقاذها؟ كلا. لقد فات الوقت.

فرق تسد، من طراز جديد

وينطبق الشيء نفسه على ما بعد دلفي وأوراكل، ما بعد الحداثي، المعروف أيضا باسم هنري كيسنجر، الذي يُزخرف بذهب سير القديسين وفي نفس الوقت يُحتقر كمجرم حرب. قبل تنصيب ترامب رئيسا، كان هناك الكثير من الجدل في واشنطن حول الكيفية التي يمكن بها لكيسنجر ان يقوم بتصميم  "محور لروسيا" - من أجل ترامب -  وهي فكرة كان كيسنجر قد تصورها قبل 45 سنة. وكانت هذه هي الطريقة التي وضعتُ بها مسرحية الظل في ذلك الوقت.

في النهاية ، يتعلق الأمر دائمًا بتنويعات على سياسة فرق تسد - كما هو الحال في شق العلاقة بين روسيا و الصين أو العكس. نظريًا، نصح كيسنجر ترامب بـاعتماد سياسة "إعادة التوازن" نحو روسيا لإعاقة الصعود الصيني الذي لا هوادة فيه. ولكن ذلك لن يحدث، ليس فقط بسبب قوة الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين ، ولكن أيضا  لأنه عبر الطريق الدائري لمدينة واشنطن، فإن المحافظين الجدد والإمبرياليين الإنسانيين قاموا بالاعتراض عليها.

  عقلية بريجنسكي حول الحرب الباردة الدائمة لا تزال تتسيد مزيجا غير واضح المعالم من عقيدة وولفويتز وصدام الحضارات. عقيدة رهاب روسيا لولفويتز - التي لا تزال مصنفة بشكل كامل - تنظر إلى روسيا باعتبارها رمزا لذروة التهديد الوجودي الدائم للولايات المتحدة. ومن ناحية أخرى ، يسجل الصدام نسخة أخرى من الحرب الباردة الثانية: الشرق (كما في الصين) مقابل الغرب.

يحاول كيسنجر  إعادة بعض التوازن/ التحوط بنفسه ، مشيراً إلى أن الخطأ الذي ارتكبه الغرب (وحلف الناتو) هو "الاعتقاد بأن هناك نوعاً من التطور التاريخي الذي سيمر عبر أوراسيا - ولم يفهم (الغرب) أنه في مكان ما في تلك المسيرة سوف يواجه ذلك التطور  شيئا مختلفا جدًا عن كيان ويستفاليا. "

لقد تجاوزت كلا من روسيا الأوراسية وحضارة الدولة في الصين وضعية ويستفاليا و أصبحتا في حال ما بعدها. إن إعادة التصميم يذهب عميقا، ويتضمن معاهدة رئيسية تم توقيعها في عام 2001 ، قبل أسابيع قليلة من أحداث 11 سبتمبر ، تشدد على أن كلتا الدولتين تتخلى عن أي مخططات إقليمية لها على أراضي الدولة الأخرى. ويحدث ان هذا يتعلق، بشكل خاص، بإقليم بريمورسكي في الشرق الأقصى الروسي على طول نهر آمور، الذي كانت تحكمه إمبراطوريتا مينغ وتشينغ.

علاوة على ذلك، تلتزم كلا من روسيا والصين بعدم عقد صفقات أبداً مع أي طرف ثالث، و عدم السماح لأي دولة ثالثة باستخدام أراضيها للإضرار بسيادة الطرف الآخر وأمنه وسلامة أراضيه.

ويكفي ذلك لإفشال أي  محاولة لتحويل روسيا ضد الصين، او العكس. وبدلاً من ذلك، فإن ما سوف يتطور على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع هو تنويعات على محاولات الولايات المتحدة الاحتواء العسكري والاقتصادي لروسيا والصين وإيران - العقد الرئيسية لتكامل أوراسيا - في نطاق طيف جيو استراتيجي سوف يشمل تقاطعات مع أراضي القلب والأطراف و عبر سوريا وأوكرانيا وأفغانستان وبحر الصين الجنوبي. وسيستمر ذلك بالتوازي مع قيام الاحتياطي الفيدرالي بتسليح الدولار الأمريكي حسب الرغبه.

هيراقليطس يتحدى فولتير

قام أليستر كروك بمحاولة كبيرة في تفكيك سبب خوف النخبة الغربية العالمية  من التصور الروسي لأوراسيا. ذلك لأنهم "يشمون رائحة" ... عودة القيم القديمة قبل السقراطية خلسة: بالنسبة للقدماء ... لم يكن مفهوم "الإنسان" ذاته موجودًا بهذه الطريقة. كان هناك فقط رجال: يونانيون ، رومانيون ، برابرة ، سوريون ، إلخ. وهذا يقف على نقيض واضح في معارضة "الرجل" العالمي الكوزموبوليتاني.

إذاً فهو هيراقليطس مقابل فولتير - حتى ولو ان ال"إنسانية" كما ورثناها من عصر التنوير ،  قد انتهت في واقع الحال. وكل ما تبقى هائما على وجهه في برية المرايا يعتمد على تقلب المزاج النزق لإلهة السوق. فلا عجب في أن أحد الآثار الجانبية للاندماج الجاري على قدم وساق في أوراسيا لن يكون مجرد ضربة قاضية لبريتون وودز وإنما أيضا  "للديمقراطية" النيوليبرالية.

ما لدينا الآن هو أيضا نسخة منقحة من القوة البحرية في مقابل القوى البرية. يقترن رهاب روسيا الذي لا يفتر بالخوف الأكبر من التقارب بين روسيا وألمانيا - كما أراد بسمارك ، وكما ألمح إلى ذلك كلا من بوتين وميركل في الآونة الأخيرة. إن الكابوس الأكبر للولايات المتحدة هو في الواقع قيام  الشراكة الأوراسية الحقيقية: بكين-برلين-موسكو.

لم تبدأ بعد مبادرة الحزام والطريق؛ وفقًا لجدول مواعيد بكين الرسمي، ما زلنا في مرحلة التخطيط. يبدأ التنفيذ العام المقبل. الأفق هو عام 2039.

هذه هي الصين التي تلعب لعبة المسافات الطويلة بتعاطي المنشطات، وتتخذ بشكل تدريجي أفضل القرارات الاستراتيجية (مع السماح لهامش الخطأ ، بطبيعة الحال) لجعل الخصم بلا حول ولا قوة حتى أنه لا يدرك أنه يتعرض للهجوم.

تم إطلاق طرق الحرير الجديد بواسطة شي جين بينغ قبل خمس سنوات ، في أستانا (الحزام الاقتصادي لطريق الحرير ) وجاكارتا (طريق الحرير البحري). لقد استغرق الأمر في واشنطن ما يقرب من نصف عقد من الزمن للتوصل إلى رد. وهذا الرد تمخض عن مجموعة من العقوبات والتعرفات. ليس جيدا بما فيه الكفاية.

واضطرت روسيا من جانبها إلى الإشهار علانية عن أسلحة مبهرة لثني المغامرين الدائمين في حزب الحرب؛ إلى الأبد على الأرجح - في الوقت الذي تبشر فيه بدور موسكو كقائد مشارك في لعبة جديدة.

على المستويات المترامية الأطراف والمتراكمة  الطبقات، فإن الشراكة بين روسيا والصين تتواصل؛ وتشمل الأمثلة الأخيرة مؤتمرات القمة في سنغافورة وأستانا وسانت بطرسبرغ ؛ قمة منظمة شانغهاى للتعاون فى تشينغداو. وقمة البريكس الموسعة.

ولو أن شبه الجزيرة  الأوروبية من آسيا  كانت قد اندمجت بشكل كامل قبل منتصف القرن - عبر السكك الحديدية عالية السرعة ، والبصريات الليفية ، وخطوط الأنابيب - في قلب منطقة أوراسيا الضخمة والمترامية الاطراف، لكانت  اللعبة الآن قد انتهت. ولا شك في أن النخب الاستثنائية قد بدأت في الشعور بحبل الحرير الذي بدأ يلتف بكل هدوء، ضاغطا بكل رفق على حناجرها اللطيفة.

* بيبي إسكوبار هو المراسل العمومي لجريدة  آسيا تايمز ومقرها هونغ كونغ. كتابه الأخير هو 2030.

http://www.informationclearinghouse.info/50154.htm