سورية ما بعد الحرب – خطط إعادة الإعمار

13.01.2019

تحتاج عملية إعادة إعمار سوريا وفقاً لبيانات الخبراء ما لا يقل عن نصف تريليون دولار، وقد عاد الحديث عن إعادة الإعمار ليأخذ زخماً أكبر في الأسابيع الاخيرة من العام المنصرم، مع سيادة الاعتقاد في الاوساط السياسية الدولية عن أن العام 2019 سيكون عاما مفصلياً في الأزمة السورية سواء لإنجاز الحل السياسي، او على الأقل الشروع به، وقد عزز هذا الانطباع أن سوريا بدأت تخرج نفسياً وواقعياً من حالة الحرب. وتعد أكثر المدن تضررا هي حلب ثم حمص ثم الرقة ثم دير الزور وبعدها تأتي ادلب وريف دمشق، وأعلنت الأمم المتحدة مؤخراً أن الحرب التي دامت سبع سنوات في سوريا أدت إلى تدمير ما يقرب من 400 مليار دولار.

يذكر أن إعادة الإعمار في المناطق والمحافظات التي تم تحريرها مثل حلب ودير الزور كانت قد انطلقت بعد أن استعادها الجيش السوري بشكل مباشر وبتمويل حكومي محلي، وتشهد كل من محافظات حلب ودير الزور وغيرها من المناطق المحررة عودة الحياة والحركة الاقتصادية والصناعية والزراعية بشكل تدريجي.فبعد أن تم تحرير الرقة من قبضة ميليشيا داعش الإرهابية ودمر جزء كبير من المدينة. أعمال التنظيف وازاحة الركام تتقدم وتستمر لجنة إعادة الأعمار في مجلس الرقة المدني بترحيل الركام وإزالة الأنقاض من الشوارع والأحياء، والاستفادة منها في إصلاح الجسور المتهدمة والطرقات التي تضررت بفعل الحرب ضد مرتزقة داعش. كما تعمل اللجنة على تأمين الخدمات الأساسية للأهالي مثل إعادة الكهرباء والتي تعتبر من أولويات عمل اللجنة خلال العام الجاري.

وأكد رئيس لجنة إعادة الأعمار في مجلس الرقة المدني عبد العريان أن اللجنة تواصل أعمالها على قدم وساق منذ تحرير مدينة الرقة "نعمل على إزالة الركام ورفع الأنقاض من المدينة والاستفادة منها في إصلاح الطرقات والجسور التي دمرت بفعل الحرب. تم حتى الآن إزالة مليون طن من الركام من أحياء مدينة الرقة في المرحلة الأولى والآن بدأنا بالمرحلة الثانية بإزالة ركام المنازل." وأعلن حميد كينو نائب محافظ حلب، أن السلطات السورية أطلقت برنامجا حكوميا لإعادة إعمار المناطق التي تم تحريرها من المسلحين في محافظة حلب. قال كينو للصحفيين: "يتضمن برنامج إعادة التأهيل الحكومي ثلاث مراحل: أولا، علينا إعداد البنية التحتية، إذ لا يمكن للناس العيش بدون مياه وكهرباء. أما المرحلة الثانية فهي تقديم المساعدة اللازمة، وتحديد احتياجات كل أسرة، والثالثة هي إعادة السكان إلى منازلهم، والتأكيد لهم على أن هذه المناطق باتت آمنة".

وأضاف أن حلب شهدت عودة أهاليها إليها من محافظات أخرى وكذلك من لبنان والأردن وتركيا، ويقدر عددهم بأكثر من مليون شخص، مشيرا إلى أنهم يدركون حقيقة أن البنى التحتية في معظم المناطق التي عادوا إليها مدمرة جراء الحرب، لذا يحاولون مساعدة بعضهم البعض. وأشار إلى أن سكان المنطقة يلجؤون إلى الطرق البدائية في تأمين وسائل حياتهم وعيشهم، فضلا عن إجراءات تتخذها الجهات المختصة في ترميم المدارس من أجل عودة الأطفال إلى التعليم. وأعلن محافظ دير الزور، محمد إبراهيم سمرة، في حديث لوكالة نوفوستي، أن إعادة تشييد وتأهيل الأحياء التي دمرها الإرهابيون في المدينة ستكلف عدة مليارات من الليرات السورية. ويذكر أن الحكومة خصصت 6 مليارات ليرة (حوالي 12 مليون دولار) لتمويل عمليات إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء ومرافق البنى التحتية ونقل النفايات ولتمويل الرعاية الصحية بمدينة دير الزور التي أعلن الجيش السوري مؤخرا تطهيرها بشكل كامل من مسلحي داعش.

ونوه بأن مسلحي داعش دمروا 75-80% من المباني في الأحياء التي كانت تحت سيطرتهم في المدينة ووصل هذا الرقم إلى 90% في بعض المناطق، وتقدر قيمة الأضرار بمليارات الليرات. وقد تستغرق عملية إعادة بناء المباني المدمرة عدة سنوات وأشار إلى أن شركات كبرى ستشارك في عمليات إعادة البناء والترميم. وقد بدأت الحكومة السورية في تعزيز عملية إعادة الإعمار وافتتح في أكتوبر 2018 معرض إعادة إعمار سورية 2018 في معرض دمشق الدولي بمشاركة 270 شركة من 29 دولة عربية وأجنبية وكان بمثابة ظاهرة اقتصادية هامة بحسب تصريحات المسؤولين السوريين. وأوضح وزير الأشغال العامة والإسكان حسين عرنوس في تصريحات صحفية إن سوريا تستعد لمرحلة إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب ضد الإرهاب قائلا إن إقامة عدة معارض تشير إلى انتعاش الوضع الاقتصادي والأمني في سوريا" وأضاف الوزير السوري، نريد أن نقول إن سورية انتهت تقريبًا من مكافحة الإرهاب وتستعد الآن لعملية إعادة الإعمار ومن ثم فإن هذه المعارض وسيلة لتعزيز المنتجات والخطط لعملية إعادة اعمار.

ومن جانبه أشار شهاب أحمد، ممثل أحد الشركات العراقية المشاركة في المعرض، إلى أن “الوضع الامني في سورية أصبح ممتازاً ومشجعاً للشركات لكي تأتي وتستثمر وتشارك  في عملية إعادة الإعمار”. وأضاف” سأقوم بنقل ما شاهدته في سوريا إلى الكثير من الشركات العراقية الراغبة في المساهمة في إعادة الإعمار، خاصة وأن العراق تعرض قبل سوريا لعدة حروب ودمرت العديد من المنشآت الصناعية والبنى التحتية". وطرح رئيس جمعية رجال الأعمال الأردنيين حمدي الطباع، مبادرة لرجال الأعمال المصريين لإنشاء تحالفات للمشاركة في مشروعات إعادة إعمار سوريا خلال زيارتهم للأردن. وقال حمدي الطباع، إنه يأمل أن تكون للشركات المصرية مساهمة مع شركات أردنية في مشروعات إعادة إعمار سوريا، مضيفا أن مجالات التعاون تمتد إلى توريد مواد البناء غير المتوفرة بالأردن لمشروعات التعمير بسوريا.

كانت قد أكدت الحكومة السورية أن الدول الصديقة ستتمتع بالأولوية في إعادة إعمار سوريا خلال المرحلة ما بعد انتهاء الأزمة في هذه البلاد. ومن جانبها، اعلنت طهران أن غرفة التجارة الإيرانية شكلت منذ العام 2017 فريقا لإعادة الإعمار في سوريا بالتعاون مع بعض الغرف التجارية الإقليمية من أجل توفير الخدمات الفنية والهندسية للشركات الإيرانية خاصة في بناء السدود والجسور ومحطات الطاقة والمصافي وإمدادات المياه وصناعة الأغذية والزراعة والسياحة الصحية وبناء الطرق ووحدات سكنية.

كما تخلل ذلك العام توقيع دمشق وطهران عدة اتفاقيات لتحسين إنتاج الكهرباء وتوزيعها في سوريا في المناطق التي دمرتها الحرب، وتشمل الاتفاقيات التجهيزات وشبكة الهاتف ومحطات توليد الكهرباء، وتشمل المشاريع المقترحة والمقدرة بمئات الملايين من اليورو، بناء محطة توليد كهرباء جديدة في اللاذقية (شمال شرق سوريا) بقوة 450 ميغاوات، وبناء وإصلاح محطات حرارية في بانياس وحلب وحمص. وهذه الاتفاقيات تضاف الى سلسلة اتفاقيات مع إيران منحت لمستثمرين إيرانيين استغلال منجم الفوسفات جنوبي سوريا ورخصة شبكة هاتف جوال وإقامة مرفأ نفطي بحري. وتأتي الاتفاقية الجديدة الموقعة نهاية العام 2018 لتكمل تغطية كافة نواحي المشروع الكبير بإعادة اعمار سوريا.

وتبقى المبادرة لبنانياً بيد القطاع الخاص، اذ تشهد طريق بيروت- الشام زحمة رجال اعمال لبنانيين يبحثون عن موطئ قدم لهم في الجوار للمساهمة بإعادة الاعمار في المحافظات المهمة خاصة حلب والعاصمة دمشق. واللافت ان الانقسام السياسي اللبناني لا يقف حائلا امام الذهاب الى سوريا، وتحاول بعض الشركات المحسوبة على قوى 14 اذار، التغلغل في السوق السورية من خلال شركات اوروبية من اجل العمل في سوريا، من دون تحقيق اي نجاح حتى الآن. وقد باشرت روسيا اولى خطواتها في مشروع اعادة الاعمار من خلال ارسالها آلاف الاطنان من مواد ومعدات البناء إلى سوريا للمساعدة في "إعادة إعمار البنية التحتية الأساسية في المناطق المحررة من الإرهابيين"، وفقا لبيان وزارة الخارجية الروسية.

ودعا جينادى جاتيلوف مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف، المجتمع الدولي، لمساعدة سوريا في عملية إعادة الإعمار، مشددا على الدور الذي تلعبه روسيا ودعوتها للشركاء الدوليين للمساهمة في هذه المسألة. قال جاتيلوف في تصريح: "نحن نعتبر أنه لا بد من تنشيط الجهود لمساعدة سوريا في دخول مرحلة إعادة الإعمار ما بعد الأزمة، ونحاول إقناع جميع شركائنا بذلك، وخاصة شركاءنا الغربيين". ووجهت روسيا رسالة الى العالم بضرورة الشروع بالتفكير بهذه العملية، وقد ارفقت ذلك بالتقدم الى مجلس الامن لاتخاذ قرار بإطلاق عملية اعادة اعمار سوريا، الا ان القرار لم يصدر بسبب معارضة الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية.

وقال مستشار مجلس الوزراء السوري عبد القادر عزوز أن سوريا ترفض أية شروط سياسية للدول المانحة، ولا يمكن أن تقبل بمشاركة أية دولة أو طرف ساهم في استنزاف سوريا، ولعب دوراً في الجرائم التي ارتكبت ضد السوريين. وأضاف: سيكون لحلفاء سوريا الأولوية في إعادة الإعمار، خاصة في عملية تمويل مشاريع القطاعات الاستخراجية والطاقوية، ولا سيما الأصدقاء الروس والإيرانيين، ولكل من وقف بإخلاص إلى جانب سوريا خلال الحرب.

رداً على سؤال قال: إن المجتمع الدولي والأمم المتحدة يتحملان المسؤولية في ملف التعويضات، ما يستلزم استحداث صندوق دولي، لإعادة الإعمار، عبر التنسيق السيادي مع الحكومة السورية. ودعا وزير الخارجية السوري وليد المعلم النازحين السوريين إلى العودة إلى وطنهم للمشاركة في جهود إعادة إعمار بلادهم. وقال المعلم: نرحب وندعو كل لاجئ أن يعود إلى وطنه ونؤمّن له سبل الحياة الكريمة للمشاركة في إعادة إعمار بلدهم.