فنزويلا: في إمكانية السؤال

26.02.2019

التصعيد الأخيرالذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية للإطاحة بالرئيس الفنزويلي المنتخب "نيكولاس مادورو" ووضع "خوان غوايدو" رئيس البرلمان الفنزويلي ذي الأغلبية اليمينية  الموالي لها على كرسي الحكم  والتلويح باستخدام القوة في حال لو لم يتنحى مادورو، بالإضافة لحملة ممنهجة ومعتادة - منذ سنوات - في الصحف الغربية ضد فنزويلا - قد سبق أن قدمت قراءة للوضع الاقتصادي/السياسي الفنزويلي - يدفعنا للنظر للأزمة الفنزويلية من زاوية أخرى. ويمكن أن نحدد أُطر نظرتنا في عدة أسئلة كالتالي:

١- ما مفهوم سيادة الدولة، وهل تملكه فنزويلا؟
٢- هل يحمي القانون الدولي مفهوم السيادة – إن وجد؟
٣- ما مصير الدولة الوطنية في فنزويلا؟
٤- ما الذي يجب أن ندركه عن الوضع في فنزويلا؟

- "لا" توجد إجابات سهلة، ولكن أثناء التفكير ومحاولة البحث عن إجابة إرتكزنا على أن يكون الجواب مبني على ثلاث مبادئ:

- "التضامن غير المشروط مع الضعفاء".


- عدم خلط ما يحدث ضد فنزويلا بمواقفنا الأيديولوجية "مع أو ضد" التجربة البوليفارية.
- أن لكل شعب حق تقرير مصيره بدون وصاية.

- مفهوم السيادة والقانون الدولي.

للإجابة على السؤال الأول حول مفهوم السيادة في ظل المجتمع الدولي القائم وقانونه، سنتبع الآتي:

أولًا: نشير إلى تعريف الدولة في محاضرات بيار بورديو؛ فالدولة هي التي تكتسي بمفهوم السيادة بعد نشوئها. وتُمثل الدولة لدى بورديو بشكل دقيق ومُكثف أنها مؤسسات وهياكل تنظيمية تملك سلطة "العنف الرمزي المشروع" لكي تحكم الجميع وتتحكم فيهم، ووجودها يتعالى على كل انتماءات الفرد والأيديولوجيا، وتعد الدولة اختراعًا تاريخيًا تكون وتشكلت ملامحه عبر الزمن.

ثانيًا: على التكون التاريخي للدولة لدى بورديو نبني عدة تعريفات لمفهوم "السيادة" مُستندين لما جاء في دراسة "أثر التحولات الدولية الراهنة على مفهوم السيادة الوطنية" لـ محمد بوبوش الباحث في العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بداية من طرحه لرأي برتراند بادي 1 وهو:أن مبدأ السيادة لم يكن موجودًا دائمًا، بل نمى عبر التاريخ أيضًا، وأن هذا المبدأ تم بناؤه من أجل التمييز المُطلق بين الداخل والخارج لدولة ما. ويعني ذلك أن سيادة الدولة لا يعلوها أية سلطة. ثم طرحه لتعريف جان بودان حول السيادة بوصفها "السلطة العليا على المواطنين والرعايا ولا تخضع للقوانين" 2 ، كما أن السيادة تستند إلى ثنائية "الدائم والمطلق"، والدائم يشير أن السيادة المباشرة ناقضة لأي نيابة أو توكيل. والمطلق يشير لحالة الانسجام بين المُقدس والطبيعي. ولهذا فالسيادة مفهوم واحد لا يتجزأ ولا يقبل التصرف. كما جاء التعريف المُحكَم والأهم لمفهوم "السيادة" في دراسة بوبوش مُستندًا لنص حُكم لمحكمة العدل الدولية في قضية مضيق "كورفو" سنة 1949 وهو أن"السيادة" بحكم الضرورة هي: "ولاية الدولة في حدود إقليمها تعد ولاية انفرادية ومُطلقة، وان احترام السيادة الإقليمية فيما بين الدول المُستقلة يعد أساسًا جوهريًا من أسس العلاقات الدولية."3

وفكرة السيادة كأساس جوهري للعلاقات بين الدول تنبثق من ميثاق الأمم المتحدة الذي نص على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء 4 وعدم جواز التدخل في شؤون الدول الأخرى إلا في حالات مُحددة مثل: ارتكاب جرائم الحرب وجرائم إبادة الجنس البشري. وبشرح مبسط لمعنى الدولة لدى بورديو وبنائنا عليه لعدة تعريفات مُتقاربة لمفهوم "السيادة" وربطهما بالمواثيق الدولية. نستنتج من هذا أن فنزويلا دولة "كاملة السيادة" على أراضيها ومؤسساتها ومواطنيها، ولم ترتكب المؤسسات الفنزويلية مجزرة ضد الجنس البشري أو جرائم حرب أو أي حالات تسمح للولايات المتحدة أو غيرها بالتدخل في شؤونها إيجابًا أو سلبًا. ولهذا يسقط أي منطق قانوني أو مُسوغ للانقلاب المؤسساتي الأمريكي في فنزويلا، كما أن حشد المشروعية الدولية للانقلاب لن يحل محل السيادة الفنزويلية المُنتهكة، فالسيادة كما أوضحنا "ناقضة لأي نيابة أو توكيل ومفهوم واحد لا يتجزأ ولا يقبل التصرف"، ولهذا تبقى دولة غوايدو تفتقد لأحد أهم أركانها حيث السيادة على المؤسسات والمواطنين. ولهذا نحن أمام نوع جديد من الغزو الأمريكي بإسم "الديمقراطية" لا يُستخدم فيه السلاح ولكن يتم إهدار وتجاوز سلطة الشعب الفنزويلي ومؤسساته، إضافة إلى هدر القوانين والمواثيق الدولية. وهذا ما يجب رفضه والإعتراض عليه سواء أتفقت أو أختلفت مع البوليفارية الفنزويلية.

وطبقًا لنص القانون الدولي فـ "التدخل الأمريكي في الشأن الداخلي الفنزويلي ومحاولة تغييره لنظام الحكم بالقوة وبالأمر المباشر" هو : "تدخل دكتاتوري" 5 من طرف دولة في شؤون دولة أخرى قصد المحافظة على الوضعية الحالية أو تغييرها بهدف المساس بسلامة التراب الوطني والاستقلال السياسي لهذه الدولة." وهذا يحيلنا للإجابة عن السؤال الثاني حول قدرة القانون الدولي عبر المؤسسات الأممية الدفاع عن فنزويلا ضد ما وصفوه هم بـ "التدخل الديكتاتوري"، الإجابة هنا قاطعة بـ: لا. فكل ما صدر عن المجتمع الدولي هو تأييد ضبابي من أوروبا للقرار الأمريكي وتفرق دول الأمريكتين بين مؤيد ومعارض ومُتحفظ، وصمت عربي كأن ما يدور ليس على كوكبنا ولا يأثر علينا بصورة أو بأخرى. هذا إلى جانب رفض عدة دول للقرار وهم كالعادة على رأسهم روسيا والصين وإيران وكوبا والمكسيك وتركيا "حديثًا– تغرد خارج السرب الأمريكي-الأوروبي".

لكن في كل الأحوال الإستقطاب حول فنزويلا غير مطلوب، فالأجدى هو تطبيق مبدأ "عدم التدخل " 6 في الشأن الفنزويلي أو غيره بشكل واضح واحترام القانون الدولي وأن تُفعل المؤسسات الأممية دورها، وكما ليس للولايات المتحدة الحق في التدخل، يجب أن نرفض الجهود التي تبذلها الدول التي تبحث عن ساحات لنفوذها مثل روسيا والصين وتركيا وإيران فلا أحد يجب أن يُملي على الشعب الفنزويلي أو غيره ما يجب أن يفعله، وهنا يظهر الفرق الكبير بين التضامن غير المشروط  وأن تلعب دور الوصي على الشعوب في لحظات ضعفها للحصول على مكاسب مُستقبلية، وهذا واضح بشكل كبير في دور الصين وروسيا في فنزويلا، فتظل الأخيرة تملك أكبر احتياطي نفطي في العالم وأحد المُقترضين من الصين ويمكن لموقعها الجُغرافي أن يكون ورقة ضغط للروس لإزعاج الأمريكيين.

مصير الدولة الوطنية

بعد أن أصبحت فنزويلا ساحة لنزاع دولي ومسرح لاستعراض كل دولة قوتها أمام خصومها، ننتقل لطرح إشكالية أكثر منها إجابة عن السؤال الثالث حول الدولة الوطنية، لكن أولًا نطرح سؤال فرعي هو: هل يحق لفنزويلا الحفاظ على مواردها واستهلاكها بالشكل الذي يلائمها – حيث يكمن هنا الصراع حول الموارد- ؟ منطقيًا قد تكون الإجابة المثالية "نعم" ، لكن في الوقت الراهن، وكما يستند محمد بوبوش في دراسته لآراء كثرين منهم على سبيل المثال جلال أمين في كتاب "العولمة والدولة" يروا أن الدولة الوطنية تتلاشى لمصلحة المؤسسات الدولية العالمية  ونفوذها المتزايد والشركات متعددة الجنسيات وحركة رؤوس الأموال على مستوى العالم. 7

وبالعودة للسؤال الأساس حول الدولة الوطنية، يوضح بوبوش بأن الإشكالية تكمن في أن الحكومات صارت عاجزة الآن ومن الصعب عليها ضبط الأنشطة التجارية للشركات داخل حدود بلادها بما يتلائم مع مصالحها، وأصبحت الشركات متعددة الجنسيات إذا ما تُعَارض من سياسة حكومة مُعينة فبإمكانها التهديد بالحد من إنتاجها المحلي أوإيقافه وزيادة إنتاجها في دولة أخرى أو حتى الإطاحة بالنظام السياسي القائم لأنه يحد من تراكم أرباحها الجنونية. وأحد أبرز الأمثلة على ذلك وأيضًا داخل قارة أمريكا اللاتينية هي مساهمة شركة I.T.T الأمريكية في الإطاحة بنظام سيلفادور أليندي الإشتراكي رئيس تشيلي المُنتخب عبر إنقلاب عسكري سنة 1973 8. وفنزويلا بالفعل شهدت سطوة للشركات العابرة للقارات في الآونة الأخيرة، فقد أطلقت شركات الأغذية الخاصة والمستوردة حملة مُنظمة لتعطيش الأسواق، فلجأت حكومة مادورو إلى تخفيض قيمة العملة لتعزيز إيرادات الدولار، ولكن هذا لم يحفز سوى التضخم الجنوني والاقتطاعات من قيمة الأجور الحقيقية، كما انخفضت واردات السلع والخدمات من نصيب الفرد بنسبة 75٪ ما بين عامي  2012 و 2016، مع مزيد من التراجع في عام 2017، مما أدى لاقتطاع 1000 دولار أخرى من نصيب الفرد من السلع المنتجة محلياً. هذا إلى جانب ضعف قطاعات الدولة ذات الأهمية الحيوية للاقتصاد وعلى رأسها القطاع النفطي مُتأثرًا بالعقوبات الأمريكية وإنخفاض سعر البرميل على المستوى العالمي، كل هذا أدى إلى تضخم جنوني ونقص في الغذاء.

وعليه من تدهور الأوضاع الإقتصادية والتي يتبعها تدهور الوضع الأمني والإجتماعي والصحي والتعليمي فالدولة الوطنية ذات السيادة التي حلم بها ودافع عنها هوغو تشافيز، تواجه الآن تحت قيادة مادورو – وأزمة الإنقلاب الأمريكي-  أحد الخطرين أو كلاهما معًا:

الأول: خطر انتزاع السيادة ونقلها إلى كيانات دولية أكبر منها كمنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي والمؤسسات العالمية الدولية الأممية والشركات متعددة الجنسيات.

الثاني: خطر "التعويم التاريخي للمجتمع" 9 أي تدهور التوازنات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وفقدان القدرة الفعلية على خلق أي إستراتيجية للحكم وانفراط عقد السلطة مؤديًا لصراعات بين المؤسسات أو الحرب الأهلية وتفتيت الدولة ومعها لن يبقى مفهوم السيادة، وتمزيق أي مفهوم أو فكرة مثل الوحدة الوطنية ، البرامج الاجتماعية ، البوليفارية ... إلخ.

الوضع في فنزويلا

ومن مفهوم "التعويم التاريخي للمجتمع" المُتشائم نطرح الإجابة على السؤال الرابع والأخير حول ما يجب معرفته عن فنزويلا:

أولًا: يجب أن ندرك أنه في ظل إدارة دونالد ترامب ومع وجود شخصيات مثل جون بولتون وإليوت أبرامز- مبعوث أمريكيا لفنزويلا- في مطبخ صناعة القرار الأمريكي فإن احتمالات التدخل الأمريكي المُدمر لفنزويلا آخذة في الارتفاع.

ثانيًا: أن التوترات تتزايد على حدود فنزويلا مع الحكومة الكولومبية الموالية للولايات المتحدة. والأمور تجري بوتيرة سريعة داخليًا على الأرض الفنزويلية فأعوان غوايدو يعملوا من أجل الحشد للتأييد الدولي من أجل الحصول على تفوقهم الطبقي، ونحن نعلم ما الذي يمكن أن يحدث إن نجحوا في ذلك وقد طرحنا فترات الرعب النيوليبرالي التي مر بها الشعب الفنزويلي. ولهذا تصبح المُهمة الرئيسية للحزب الاشتراكي والتحدي الأساس لمادورو هي قدرتهما على توحيد فنزويلا، وعدم السماح لأي محاولة لتصعيد الأمر بالداخل إلى حالة حرب أهلية.

ثالثًا: هناك مُعارضة مُتزايدة لمادورو (من جميع قطاعات المجتمع) لكن لا تعني رغبة  في مشروع التحول النيوليبرالي الذي تدعمه الولايات المتحدة عبر انقلاب مؤسساتي بالأمر المباشر. لكن تهدف المعارضة الشعبية والحزبية إلى إعادة تصحيح المسار في ظل مبادئ الثورة البوليفارية عبر فهم أن التغيير الثوري عملية ديناميكية مُستمرة. فالشعب الفنزويلي مُدرك لصعوبة خسارة الثورة البوليفارية. لهذا فالقاعدة القوية للناشطين الاشتراكيين – والتي ليست بالضرورة تؤيد مادورو-  ولكن لن تسمح بأي انقلاب على الثورة،  مهما بلغت التوترات واستمرت.

الخاتمة

لا يمكن أن أنهي المقال بدون أن أُعلن إنحيازي الأيديولوجي –وإن بدا واضحًا- وأكسر فرضياتي الثلاث في مقدمة المقال لأني سأطرح سؤالًا مُتهكمًا ولن أجيب حول ما هي حقيقة هذا النظام "الديكتاتوري" الفنزويلي ذي السياسات الاشتراكية (وإن كان هناك يسار سيعترض على توصيفي هذا) الذي يسمح بتكون برلماناً ذا أغلبية يمينية نيوليبرالية وعلى صلات وثيقة بالغرب كما أوضحت محاولة الانقلاب المؤسساتي الأمريكي.!

وبعيدًا عن التهكم، "لا يمكن الإدعاء بأن الجماهير الفنزويلية هي التي تحكم اليوم في ديمقراطية مثالية، (لكن لا يمكن أن يوصف النظام بالديكتاتوري مقارنة بالعديد من الأنظمة العربية الأسيوية واللاتينية) "وفي السنوات العشرين الأخيرة كان الفنزويليون يقتربون شيئًا فشيئًا من حريتهم عن أي وقت مضى. فالأمل يكمن في تجذير الثورة البوليفارية والتوسع في الإجراءات الاشتراكية الراديكالية، والتي تتجسد وتتواجد نواتها في القواعد الشعبية للكوميونات، والتي سوف تساعد على التغلب على التناقضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في فنزويلا، هذا إلى جانب التوسع في مساحات الوعي التشاركي السياسي."10

فالخروج من الأزمة الفنزويلية اليوم لا تشكله الحلول الديمقراطية الغربية ونيوليبراليتها عبر الانقلابات، ولا حاجة للحلول المثالية اليسارية، "فالحل يكمن في يد فنزويلا وحدها متمثلًا في بنائها وهيكلها المؤسساتي البديل والاشتراكي الحقيقي حيث يكون القرار هو الوقوف جنبًا إلى جنب وإصلاح خطايا مادورو إن أمكن، أو استكمال الطريق البوليفاري بدونه إذا لزم الأمر." 11