مستقبل سوريا و المشرق العربي : الرابحون و الخاسرون من الحرب

21.07.2018

في سورية أكدت روسيا أنها لم تنتهي بسقوط أو الغاء الاتحاد السوفيتي كما أحب أن اسميه وأنها عادت وبقوة للساحة الدولية. في سورية أكدت إسرائيل أنها القاسم المشترك المتفق عليه بين جميع الخصوم من دول وأنظمة عربية واقليمية ودولية وجماعات وحتى عصابات مسلحة وأن أمنها هو قدس الأقداس الذي لابد أن يراعيه الجميع. في سورية أكدت إيران قوتها الاقليمية وأنها قادرة على حشد الحلفاء والمقاتلين والانتصار بالمعارك الصعبة وأنها رقما لا يمكن تخطيه في سياسات ما يسمى "الشرق الأوسط". في سورية تمكن حزب الله من ضمان بقاء جمهوره موحدا خلفه وعدم انفراط عقد مقاومته ومقاتليه بعد حرب 2006 التي انهت تقريبا امكانية الصراع مع إسرائيل كما أكد الحزب أنه ليس فقط حزب سياسي لبناني وله جناح مسلح بل حزب له ثقل ودور اقليمي أكبر من لبنان نفسها. في سورية خسرت دول الخليج مجتمعة وخرجت من الباب بهزيمة كبيرة لحلفائها العسكريين وتنتظر العودة من الشباك السياسي تحت لافتة اعادة الاعمار فهي الثقل المالي القادر على الوفاء بمتطلباته وبالتالي ستقلص خسائرها.

في سورية خسرت تركيا حلمها بمشروعها "العثماني الجديد" وصغرت أحلامها بالسيطرة على حلب والشمال السوري لكنها وصلت حد التضائل بخلق نفوذ دائم بالشمال وضمان عدم قيام كيان كردي سوري انفصالي أو فيدرالي وضمنت سورية ضعيفة غير مهددة لها. في سورية أكد النظام السوري مقولة سلاطين العرب قديما (السلطان من القصر إلى القبر) وأكد أيضا مقولة وزير الدفاع الأسبق الراحل مصطفى طلاس عندما طالب بعض المثقفين السوريين باصلاحات سياسية بشكل سلمي وعلني وداخل سورية فيما عرف بربيع دمشق منتصف عام 2000 بعدما ورث الإبن بشار الأسد السلطة من الأب الراحل حافظ الأسد في "الجمهورية" العربية السورية فكان تعليقه على هذه المطالب: (إننا أصحاب حق ولن نقبل بأن ينتزع أحد منا السلطة لأنها تنبع من فوهة بندقية ونحن أصحابها لقد قمنا بحركات عسكرية متعددة ودفعنا دماءنا من أجل السلطة) وبالتالي حافظ النظام على السلطة وبقاءه فيها واعتبر ذلك انتصارا!

في سورية ربح الكثيرين وخسر البعض ولكن يظل الخاسر الأعظم هو الشعب السوري الذي تحول لرقم في معركة المحاور ولا يراه أي محور من المحاور المتصارعة سوى مجرد رقم قاتل أو مقتول أو جريح أو صاحب عاهة أو مهجر بالداخل أو منفي ولاجىء بالخارج ليست الخسارة في الحجر ولا حتى فيمن لقوا مصرعهم أو استشهدوا أو ارتقوا أو فطسوا حسبما يرى كل طرف ولا بالتراث التاريخي الذي هُرب ونهب ودمر ولا يمكن تعويضه بل المصيبة والخسارة الفادحة في تمزيق نسيج اجتماعي لبلد مكون من 19 طائفة ودين ومذهب وعرق وتجفيف منابع كفاءاته في شتى المجالات التي تراكمت منذ دولة الاستقلال بالأربعينات من القرن الماضي حتى الأن تلك خسارة فادحة لا أعرف كيف يمكن تعويضها واستعادة هذا النسيج وترميمه. أخيرا علينا أن نسأل أنفسها هل المقاومة لرافعي شعارها وأنا أحترم المقاومة وأقدرها وأنتمى لها وأؤيدها المقاومة كل المقاومة بدء من الكلمة وصولا للطلقة لكن هل المقاومة وسيلة أم غاية تماما كما طرح السؤال بالاتحاد السوفيتي قبيل الغاءه أو "سقوطه" هل الشيوعية وسيلة أم غاية؟!

قيل بالماضي بعد سقوط الجولان دون قتال فلتسقط حتى دمشق لا يهم فهدف العدو ليس الأرض بل اسقاط النظام التقدمي وقد فشل في ذلك وبالتالي فلم يحقق العدو هدفه فهل يقال بالنهاية فليذهب الانسان إلى الجحيم ولو لم تنطق بها الألسنة ولكن تعبر عنها المواقف طالما بقي النظام ولقد كان هدف الأعداء اسقاطه ليأتي نظام عميل وبناء عليه فقد حققت المقاومة مرادها وفشل الأعداء في تحقيق أهدافهم؟! أتمنى أن يناقش هذا الأمر بشكل منطقي بعيدا عن العواطف والمواقف الايمانية الجاهزة لكل طرف ولننظر للمستقبل فلا نبتذل المقاومة كشعوب كما ابتذلت الأنظمة فكرة الأمن القومي من قبل!