من دمشق إلى صنعاء وطرابلس خريطة «مستقبل عواصم العرب المشتعلة»

29.01.2019

أصبحت روسيا قطبا مهما في معادلات وأزمات منطقة الشرق الأوسط، تمتلك من الفاعلية السياسية والعسكرية ما يكفي لمناورة النفوذ الأمريكي بقوة، وبات الرئيس فلاديمير بوتين بما يمتلكه من أدوات منافسا قويا لساكن البيت الأبيض، الذي اعتاد إحكام قبضته منفردًا لعقود طويلة على قضايا المنطقة. ولقراءة دور موسكو بتمعن في هذه الملفات الحرجة حاورت «فيتو» خبيرين في الشأن، وطرحت عليهما الأسئلة الصعبة، ورغم توافق الإجابات التي جاءت على لسان «لونيد سافين» مدير موقع «جيبوليتك روسيا»، والدكتور «علوان أمين» مدير مركز«سيتا للدراسات»، إلا أنها حملت رؤية توضيحية تسهل على القارئ فهم اللاعب الروسي الجديد.

وفي بداية الحوار الذي استهلته «فيتو» مع الطرفين بسؤال حول مدى احتفاظ روسيا بنفوذها في سوريا في ظل التطور الحادث وقرب خروج دمشق من كبوتها، رأي «ليونيد سافين»، أن روسيا ستحتفظ بنفوذها في الداخل السوري، لكن ذلك لا يعتمد على الظرفية «الجيوسياسية» قصيرة المدى، فقد أبرمت روسيا وسوريا عددا من الاتفاقات التي تفترض الوجود العسكري-السياسي للاتحاد الروسي في سوريا.

وأكمل: إضافة إلى ذلك، فإن مشاريع إعادة الإعمار في البلاد تتضمن بالفعل دور روسيا، ومن غير المرجح أن تتم هذه المشاريع دون مراعاة مصالح الكرملين، كما يجب أن يوضع في الاعتبار أن سوريا أثبتت أنها ساحة اختبار مهمة لتطوير تقنيات عسكرية جديدة (قديمة) في حرب حقيقية، فعبر سوريا تم تدفق قوات روسية بعدد كبير. و أضاف: علاوة على نقل عمليات قوات عسكرية بأعداد كبيرة ليس فقط في سياق صنع القرار على أعلى مستوى، ولكن أيضا تم من خلال «القوة الناعمة» التي تمتلكها روسيا مع الدول العربية المجاورة على حد سواء.

أما الدكتور علوان أمين، فقال: هذا أمر جد طبيعي وبديهي، فسوريا تاريخيا تعد حليفا أساسيا للاتحاد السوفييتي السابق خصوصًا لجهتي التسليح والتوجهات الدولية، ومع بدء نهوض روسيا الاتحادية والدور الذي قدمته في محاربة الإرهاب، فإن العلاقات ستكون أوثق وأعمق، وبالتالي سيزيد النفوذ الروسي فيها سواء على الأصعدة الثقافية، بالبدء بتعليم اللغة الروسية في المدارس، والاقتصادية، بمشاريع الغاز والنفط وعقود إعادة الإعمار، والسياسية بتوحيد الجهود في إيجاد نظام عالمي جديد متوازن، والعسكرية، بأنها آخر موطئ قدم على البحر المتوسط. وتابع: كل تلك العوامل تجعل من سوريا ملفا مهما بالنسبة لروسيا والعكس صحيح، لا سيما بعد أن بدأت العقيدة الجيوبوليتيكية، وليس الإيديولوجية، هي التي تسيطر على صناع القرار في روسيا.

وفيما يتعلق بمدى تقويض الدور الروسي من خلال التواجد التركي في شمال سوريا، قال الدكتور ليونيد سافين: أنقرة شريك صعب للغاية، على الرغم من التصريحات الخطابية حول الأعمال المشتركة، لم تكن المفاوضات حول عدد من القضايا مع أنقرة سهلة، إن المشكلة الكردية تزعج أنقرة بشدة، في حين أن دمشق لديها وجهات نظرها الخاصة حول هذه القضية، على الرغم من أن مصالح الأكراد على المدى الطويل موجهة ضد تركيا وسوريا بشكل عام، وإذا قامت تركيا بتنسيق أعمالها مع روسيا مع الأخذ بعين الاعتبار مقاربة متكاملة (يجب على المرء ألا ينسى العراق وإيران)، فعندئذ هناك فرصة لتطور مناسب للوضع. وأوضح أنه «إذا بدأت أنقرة بالتعجل بين الغرب (يجب أن يكون المرء مدركًا لعضوية حلف الناتو والعقود العسكرية مع واشنطن) والمصالح الإقليمية، فإن ذلك سيكون محفوفًا بالعواقب السلبية».

من جانبه قال علوان أمين: يبدو أن أنقرة تخطط إستراتيجيًا وليس تكتيكيا، فمن مبررات الدخول التركي إلى الشمال السوري قرب انتهاء «معاهدة لوزان»، المعقودة في العام 1923 لمدة مائة عام، والتي بموجبها اقتطاع جزء كبير من أراضي السلطنة العثمانية لصالح العراق وسوريا، لذا، تحاول تركيا الدخول بحجة مواجهة "الإرهابيين" الكرد لتثبيت نوعٍ من الأمر الواقع خصوصًا أن قيام دولة تركية في تلك المنطقة أمله ضئيل جدًا نظرًا لوقوعها بين أربعة دول تناهض قيام دولة كردية.

وواصل: ومن هنا، يمكن القول إن الوجود التركي يواجه مأزقًا كبيرًا خصوصًا في وجه روسيا؛ فهناك مشكلة كبيرة مع موسكو فيما يخص «اتفاق إدلب» الذي لم تقم تركيا بتنفيذ بنوده لجهة سحب أسلحة التنظيمات العسكرية التي تدعهما في المهلة التي تم الاتفاق عليها، يريد الرئيس التركي تقوية ورقته في أية مفاوضات قادمة على مستقبل سوريا لضمان حصته، لا سيما في ظل الحديث عن قرب نهاية تشكيل اللجنة الدستورية وبدء العملية السياسية.

قرار الانسحاب الأمريكي كان النقطة الأبرز في الحوار، وعلق عليه «سافين» قائلًا: كان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير متوقع، خاصة بالنسبة للوبي العسكري في الولايات المتحدة، لكن على المستوى الشعبي تمنح هذه البادرة ترامب ميزة واضحة، في حين أنها على المستوى الدولي تظهر ضعف واشنطن، على الرغم من وجود ادعاءات مزعومة بالانتصار على داعش. وأكد أنه «الآن أصبح الانزعاج مصدر قلق للاتحاد الأوروبي، وخصوصا فرنسا، التي لجأ الأكراد إليها للحصول على الدعم بشكل عام، يظهر الوضع ضعف التحالف الغربي كهيكل واحد في أوروبا، ولا يوجد موقف موحد من الأزمة السورية الآن، بعد الانسحاب الأمريكي، سيكون لدى دول الاتحاد الأوروبي حافز أقل في المغامرات العسكرية في المنطقة، يمكن القول إنه بالنسبة لسوريا وروسيا والمنطقة ككل، فإن انسحاب الولايات المتحدة سيكون مواتيا، إسرائيل فقط هي المعنية».

فيما قال علوان أمين: هذا الإعلان يحمل في طياته الكثير من الفرضيات، أبرزها أنه يمكن وصفه بـ«بالون اختبار أمريكي لجس النبض»، أو الرغبة الأمريكية في «ترك فراغ لإيجاد نوع من الإرباك»، وكذلك يأتي تنفيذًا لوعود انتخابية قطعها دونالد ترامب على نفسه، إلى جانب أن الإدارة الأمريكية لديها مشروعات أخرى تريد التحضير لها.

الحوار امتد أيضا إلى العلاقات المصرية - الروسية، التي شهدت تقاربًا في السنوات الأخيرة، تزامنًا مع التقارب الحاصل بين القاهرة وواشنطن بعد أعوام من الجفاء، وحول طبيعة هذه العلاقات ومستقبلها قال الدكتور ليونيد سافين: روسيا لا تشعر بالتقارب الأمريكي المصري، ربما يرجع ذلك إلى حقيقة أن عهد الرئيس الأسبق مبارك تميز بالغموض في العلاقات الدولية، فإن عمليات اليوم وسط آثار الربيع العربي تبدو كمحاولة لاستعادة دور القاهرة. وأضاف: لن يكون من السهل القيام بذلك في ضوء الصراع الذي طال أمده في ليبيا، وبالنسبة لروسيا الأولوية هي أمن مواطنيها في مصر، وكان للتعاون العسكري - الفني مؤشرات ثابتة، ولا أعتقد أن مصر ستقفز فجأة مع الغرب وستفرض عقوبات على روسيا، أصبح العالم كله مقتنعا بأن مثل هذه الأفعال تجلب المزيد من الضرر لأولئك الذين يأخذون جانب الولايات المتحدة.

فيما أكد علوان أمين أن «العلاقات الثنائية تعتبر قوية ومهمة جدا للبلدين، فيمكن الحديث عن المشاريع الاقتصادية المشتركة، والمناطق الحرة على قناة السويس الجديدة، ومشروع محطة الضبعة والتنقيب عن الغاز والنفط، والمشروعات العسكرية وتوقيع بروتوكول يسمح باستعمال المطارات العسكرية وتنازل موسكو للقاهرة عن حاملتي طائرات ميسترال الفرنسيتين، ناهيك عن الزيارات القيمة المتبادلة، أما بالنسبة إلى الجانب الأمريكي، أعتقد أن مصر تستطيع انتهاج سياسة متوازنة بين الطرفين، لا سيما مع بوادر التغيير التي تطرأ على النظام العالمي وصعود النجم الروسي على الساحة الدولية.

وفي ظل التمدد الروسي في منطقة الشرق الأوسط، سألنا الخبيرين حول دور موسكو في صنعاء، ورأى «ليونيد» أن هذا التواجد غير محتمل، على الرغم من وجود ضغط عام معين داخل روسيا، إلا أنه لا ينبغي على موسكو أن تتوقع تدخلًا نشطًا، البعثات الإنسانية ممكنة، لكن تكرار السيناريو السوري غير محتمل.

فيما اعتبر علوان أمين، أن روسيا كدولة صاعدة وأساسية في مجلس الأمن، تحاول أن تلعب دورًا محوريا في حل العديد من الأزمات خصوصًا مع مناداتها بتطبيق «مبادئ وستفاليا» في العلاقات الدولية، من هنا يمكن لروسيا أن يكون لها دور فاعل في حل الأزمة، في ظل علاقاتها الجيدة مع كل من إيران والسعودية، وهذا أمر متوقع.