مع من غلب!

25.01.2019

عندما نهض أحمد عرابي ومعه قادة جيشه لمطالب فئوية وطنية داخل الجيش ووجدوا دعما شعبيا يتجاوز مطالبهم الضيقة لمطالب شعبية واسعة تطورت نهضته إلى ما يشبه ثورة تم تجسيدها في دستور 1882م. الذي لم يكن يختلف عن أعظم دساتير العالم في زمانه ونال رضا وتأييد الغالبية. دخل الإنجليز مصر وهزم الجيش المصري بعدما أصدر "شيخ الإسلام" في عاصمة "الخلافة" بإسطنبول فتوى تحرم على المصريين الإلتحاق بالجيش تحت قيادته وبيان من "الخليفة" العثماني بعصيان عرابي وطلب واستنجاد الخديوي توفيق بالجيش الإنجليزي لدخول مصر وحفظ عرشه مع دعم ضمني قدمه شيخ الأزهر للسلطة!

بعد هزيمة أحمد عرابي ونفيه من مصر سميت ثورته "هوجة" عرابي وكانت الموضة للتقرب للسلطة سباب عرابي وكانت غالبية الطبقة الأرستقراطية في مصر ذلك الزمان هم من المستوطنين لمصر حديثي العهد بها من (الترك - الأتراك - التركمان - الشركس - البشناق - الأرناؤوط) وكان من ضمن هؤلاء أمير الشعراء أحمد شوقي ذو الأصل المختلط (تركي - شركسي - يوناني) وربيب الأسرة العلوية فعندما عاد عرابي لمصر وبدأ البعض يتحدث عنه كتب قصيدة في (المجلة المصرية) بالعدد الثاني يوم 15 يونيو 1901م. وقال في مطلعها:

(صـَغـار في الذهـاب وفي الإياب *** أهــذا كـــل شــأنك يـا عرابي؟)

رد عليه أحمد عرابي بقصيدة شهيرة قال في مطلعها:

(كبار في الذهاب وكبار في الإياب على رغم أنف أولاد الكلاب!)

مرت الأيام وهدأت الأحداث وحل العقل محل الصراعات الصبيانية والخلافات الشخصية وأصبح أحمد عرابي زعيما وطنيا مصريا ومعترف بزعامته من أعداءه الإنجليز قبل بني قومه المصريين بعد الإفراج عن وثائق الاحتلال الإنجليزي لمصر وتم وضع أحمد شوقي في مكانه الطبيعي شاعرا عظيما وأميرا للشعراء بلا منازع.

الشخصيات التاريخية العظيمة ولكونها عظيمة يختلف الناس حولها وتخلق حالة جدل دائمة وتظل حية في وجدان من عاصروها ومن لم يعاصروها بين من يرون ضرورة الأخذ من مبادىء أفكارها وأنها صالحة لزمانهم وبين من يلعنوها اقرارا منهم بأنها مازالت حية في نفوس المجتمع غير قادرين على تقديم بديل مقنع عنها ومن هؤلاء جمال عبدالناصر الذي يساهم لاعنيه أكثر ممن يدعون أنهم "اتباع نهجه" في بقاءه حيا داخل نفوس المجتمع ولو بشكل سلبي الأن لكن تداول الشخصية بشكل دائم سيخلق يوما ما معرفة بحقيقة ما كان وما جرى ولو كان شخصا عاديا لما ذكره أحد ولأنتهى ذكره كما انتهى ذكر غيره.

التاريخ لا تختتم فصوله ولا يحسم مصير شخصياته في 50 أو 60 أو 100 سنة مشكلة عرابي هي ذاتها مشكلة عبدالناصر لم تكن في شخصياتهم بل في خياراتهم التي تمثل شبح للعاجزين عن تقديم بديل مقنع شعبيا عنها!