العرب والنوستالجيا الأندلسية!

28.11.2019

النوستالجيا كما هو معروف مصطلح يوناني يعني الحنين إلى الماضي، وعندما نتحدث عن الأندلس أو شبه الجزيرة الإيبرية "إسبانيا والبرتغال" حاليا، لا يكاد يكون هناك عربي أو مسلم إلا ويشعر بالحنين إلى تلك الحقبة التي امتدت من عام 711. إلى 1492م. حتى أن الشاعر العربي اللبناني إلياس طعمة، وهو المولود لأسرة مسيحية كتب قصيدة طويلة في رثاء الأندلس عام 1939م. يقول في جزء منها:

في البرتغال وإسبانيا ازدهرت آدابنا *** وسمت دهرا مبانينا

وفي صقيلية الآثار ما برحت *** تبكي التمدن حينا والعلا حنينا

كم من قصور وجنات مزخرفة *** فيها الفنون جمعناها أفانينا

امتدت هذه الحالة من العشق والحنين إلى كل ما هو أندلسي داخل نفوس العرب، وتم تأليف المؤلفات، والأعمال الأدبية، والقصائد الشعرية، والمسلسلات الدرامية، والحلقات التاريخية للحديث عنها وعن عظمتها، خصوصا وأن تاريخ الأندلس يجد فيه كل باحث ما يريده ويستهويه، فلو كنت من المحبين والمهتمين بالفلسفة فستجدها في تراث ابن رشد الأندلسي، وابن مسرة الجبلي. أما لو هواك في الشعر والغزل الصريح، فعندك ابن زيدون ومبارزاته الشعرية، ومغامراته العاطفية على فراش الولادة بنت المستكفي ستكفيك، أما لو كنت محافظا متشددا ولديك مشاعر حب وحنين لامرأة ما يعذبك الشوق لها، ويجلدك في نفس الوقت ضميرك الديني بالندم على تلك المشاعر، والخشية من أن تكون خيالاتك تجاهها تُغضب الله فالحل أندلسي وتحديدا لدى ابن حزم وكتابه عن الحب والعشق (طوق الحمامة في الألفة والألاف). أما أصحاب أمزجة اللهو والموسيقي والسمر الذين يُنكر البعض عليهم حبهم لها، سيجدوا في تراث زرياب ودار المدنيات في قرطبة، وتمايل الراقصات على أنغام موسيقاه الخبر اليقين، كذلك لم تنسى الأندلس المجاهدين أولئك الراغبين في قتال النصارى والصليبيين كما يحلو لهم تسميتهم، فلديهم تاريخ مجيد من غزوات عنبسة بن سحيم الكلبي، والغافقي الذي وصل إلى بواتيه، وكان بينه وبين باريس عاصمة النور والبلور ستون كيلو متر فقط.

عندما جادل بنو إسرائيل نبي الله موسى في طعامهم، ونقمتهم وعدم رضاهم عن واقعهم، ورغبتهم في تغييره دون تعب أو عمل، فقال لهم الله عبر موسى كما في القرآن بسورة البقرة (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم). وكما كانت مصر لبنو إسرائيل، فقد أصبحت الأندلس للعرب، نهبط إلى مطاراتها ولسان حالنا يقول لقد كنا هنا، ونرى آثارها ونحن نندب حظنا، وتشدو بالشعر قلوبنا وهي تقول "أولئك هم آبائي فجئني بمثلهم" ويحلق البعض في السماء وهو نائم على فراشه، ويحلم بعد مشاهدة حوارات العشق والغزل بين صبح البشكنشية "أورورا" والفتى العربي الوسيم محمد بن أبي عامر "المنصور" ليتخيل كم كان سيكون سعيدا لو عاصر تلك الحقبة، وكم جارية ومطربة كان سيقني وقتها.

السؤال هل هذه الحالة حقيقية أم أنها تحولت من نوستالجيا إلى ميثولوجيا أي أسطورة ومجموعة من القصص الفلكلورية لتاريخ متوهم؟! حال كانت حقيقية كيف انهارت ولم يعد متبقي منها سوى مجموعة من القصور والمساجد لا أكثر؟!

هذا ما سنسعى لاختصاره بهذا المقال ليشكل لنا بداية لمقالات عدة حول أزمات واقعنا، وكيفية تعاملنا معها، وقراءتنا لتاريخنا بالمجمل.

الأندلس .... عشق مستحق أم أزمة خلقت عشق:

لماذا كل هذا العشق للأندلس دون سواها من الأقطار والبلدان التي حكمها المسلمين، فقد وصلت الخلافة الأموية في عهد هشام بن عبد الملك بن مروان. الذي امتد حكمه من 724م. إلى عام 743م. لأقصى اتساعها غربا جنوب فرنسا في مدينة تولوز، وشرقا مدينة كاشغر شمال شرق الصين، وفي العهد العثماني وصلوا حتى أبواب فيينا، ودخلوا العاصمة الروسية موسكو، وقد خلفت هذه الحقب التاريخية آثار، وعمران، وعلوم، ومعارف لا يمكن حصرها.

بدأت حالة العشق بالأندلس حديثا، ولم تكن بهذا الشكل الذي عليه الأن، وتحديدا في عصر نهضة الفكر القومي العربي الذي بدأ مع تولي محمد علي باشا السلطة في مصر، وتأسيس جيش قوامه الرئيسي من المصريين عام 1820م. وهي المرة الأولى التي يصبح فيها المصري عنصر رئيسي بجيش بلاده منذ عام 525 ق.م والمرة الأولى التي يصبح فيها بالمنطقة جيشا نظاميا عربيا منذ العصر العباسي الثاني عام 847م. بجانب تعريبه للدواوين التي كانت لغتها التركية العثمانية منذ العام 1517م.

قاد الجيش المصري إبراهيم بن محمد علي باشا الذي كان يتحدث العربية بطلاقة، ويعتز بهذه اللغة والانتماء لهذه الأمة، وهو القائل (أنا لست تركياً فإني جئت إلى مصر صبياً ومن ذلك الحين مصرتني شمسها وغيرت من دمي وجعلته دماً عربياً). وبعد فتحه مدينة عكا في فلسطين المدينة الحصينة التي استعصت على نابليون بونابرت، سأله القنصل النمساوي أنطون كتافاكو. إلى أين تنوي أن تذهب بجيشك فرد عليه قائلا (سأمضي بجيشي العربي المصري ولن أتوقف طالما ظل الناس يكلمونني وأكلمهم بالعربية). أي أنه يتحدث بوضوح أن مشروعه وإمبراطوريته الجديدة التي يسعى لقيامها حدودها وجود اللسان العربي حينما ينتهي، ولذلك عندما دخل دمشق كما يصف المؤرخ العربي السوري منذر الحايك. أصيب أهل الشام بالصدمة الحضارية، فشاهدوا لأول مرة منذ قرون جيشا عربيا يتحدث العربية مثلهم، وجنوده منظمين منضبطين ومهندمين تتقدمهم موسيقى عسكرية، ولا يغتصبون النساء، أو ينهبون ويسرقون كما كانت عادة الجيوش التركية.

شكلت هذه الإمبراطورية العربية بقيادة محمد علي باشا، وثقافة وكفاءة إبراهيم باشا العسكرية روحا جديدة في الشام، وذلك عبر سياساته التي خلقت شكلا من أشكال المساواة بين الطوائف، وتحديدا المسيحيين منهم بعد فترة حرمان طويلة منذ الحروب الصليبية، وما عانوه من معاملة سيئة والنظر إليهم على أنهم "طابور خامس" وتهجيرهم من مناطق الساحل للداخل.

كانت هذه الروح هي روح القومية العربية التي خلقت تصور جديد عن رابط مشترك يجمع المسلم، والمسيحي، والموحدون الدروز، والشيعة بكافة طوائفهم، والسنة، وغيرهم من المذاهب والأعراق، وهذه الرابطة هي العربية كلغة وثقافة، وجغرافيا، وطموحات، وآمال واحدة.

أكثر من ساهم في تنمية الفكر القومي العربي بعد تلك النهضة التي بادرت بها مصر كان أهل الشام، وهنا أعني الشام الكبير من فلسطين إلى الإسكندرونة، وكان المسيحيين أكثر المتحمسين للفكر القومي ودعاته، فقد عانوا طويلا من معاملتهم كمواطنين درجة ثانية على أفضل تقدير في ظل حكم الخلافة والأمراء المسلمين المتعاقبين، وبعد تجربة مذابح 1860م. أدرك كبار مفكريهم أن مستقبلهم يكمن في استعادة الروح للهوية العربية لتشكل رابطة تجمع الكل تحت مظلتها دون تفرقة بالدين، وفي نفس الوقت تحترم خصوصية كل فريق ولا تنفيها.

ساهمت هجرة المسيحيين إلى الخارج بعد مذابح 1860م. على توافد الكثير من مفكريهم إلى مصر التي أتاحت لهم العيش فيها بحرية وأمان، وكانت حركة الترجمة والفكر والثقافة في أوج نشاطها بالقاهرة، وقد استغل المثقفين المسيحيين الشوام هذه الحالة، وكتبوا العديد من الكتب والمؤلفات حول تاريخ العرب وأمجادهم، وكانت أولى الكتابات التي تُعنى بالأندلس وحولتها من مجرد ذكرى تاريخية في كتب المؤرخين لا يعلم عنها سوى المتخصصين، لتصبح رائجة بين عامة العرب الكاتب اللبناني جورجي زيدان، المسيحي الأرثوذكسي مؤسس دار الهلال، فكان أول من كتب عنها بشكل مفصل في كتابه الشهير (فتح الأندلس). عام 1903م. وسبقه لذلك دون تفصيل المعلم اللبناني الماروني بطرس البستاني، وابنه سليم البستاني، والأديب إبراهيم اليازجي، والصحفي فارس نمر مؤسس جريدة المقطم، ويعقوب صروف، والمؤرخ شاهين مكاريوس.

شكل اللبنانيين المسيحيين نواة الفكر القومي العربي الحديث بمفهومه الثقافي، وكانوا أول من لفتوا أنظار العرب والمسلمين لهذا الإرث الذي لم يعد له وجود في حياتهم، وكانت القاهرة هي مركز نشر هذه الثقافة، حيث كانوا يرونها مثل مملكة بروسيا التي وحدت الأمة الألمانية، أو دوقية موسكو التي وحدت الأمة السلافية، وتأثر بهذا الفكر المؤرخ العربي المصري محمد عبد الله عنان، صاحب أكبر وأهم مصنف بالعصر الحديث عن الأندلس تحت عنوان (تاريخ دولة الإسلام في الأندلس). الذي كتبه في ست مجلدات، وحوالي 4000 صفحة، كان إصداره الأول 1943م. والأخير عام 1965م. ومن هذا المصنف التاريخي الكبير أخذ منه تقريبا الجميع.

لكن يظل السؤال لماذا الأندلس دون غيرها؟!

في الحقيقة لم تقدم الأندلس شيء يمكن ادعاء تفردها به عن سائر البلدان والأقطار الأخرى التي كانت تحت حكم المسلمين ومازالت، أو فقدوها مع الوقت مثل الأندلس، فعندما نراجع تراث الفلسفة على سبيل المثال، سنجد أن الأندلس أفقر الأقطار التي حكمها المسلمين في إنتاج كتب الفلسفة والمنطق، وكان الأندلسيين بطبيعتهم لا يحبذون هذا العلم، ولا يقبلون على تعلمه، وكانت أكبر تهمة يمكن أن يشوه بها أحد خصمه هو اتهامه بقراءة كتب الفلسفة القادمة من المشرق، فقد كان المشرق "البلدان العربية وإيران" الأن المورد الفكري الرئيسي للفلسفة، وكان الأندلسيين يهزئون بها وبالمشرقيين، وأنهم بلا عمل أو شغل سوى إضاعة الوقت في الجدل بلا طائل خلف هذه الفلسفات.

لم يبرز في الفلسفة بالأندلس سوى ابن مسرة الجبلي المتوفى عام 931م. الذي جمع بين التصوف والاعتزال، وذلك بعد رحلته للمشرق وتلقي علوم الفلسفة والتصوف في الحجاز والبصرة، وقد تم حرق جميع كتبه بأمر من الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر، ولم يتبقى منها سوى النذر اليسير المأخوذ ممن ردوا عليه، والشخصية الثانية ابن رشد الأندلسي الذي تأثر بالفلسفة اليونانية، وشروحات المشرقيين لها، ولم تجد كتبه ولا منطقه أي صدى بالأندلس، ولولا نقل هذه الكتب إلى القاهرة، وترجمة يهود طليطلة لها بأمر من الملك الإسباني ألفونسو العاشر "الحكيم" وذلك في (مدرسة طليطلة للترجمة - Escuela de Traductores de Toledo). ومنها تم نقلها لباقي أوروبا لما عرفه أحد، ولذلك لم يتم البناء على مدرسة ابن رشد بالعالم الإسلامي، بينما تم البناء عليها في أوروبا، وتطورت مع الوقت وصولا لأفكار جان جاك روسو التي عبر عنها في كتابه الشهير (العقد الاجتماعي).

لم ينبغ الأندلسيين في الموسيقى، وقد ظلت الأندلس بلا تراث موسيقي حتى قدم عليها زرياب العراقي الموصلي المولد والنشأة، والذي تلقى علوم الموسيقى على يد معلمه إبراهيم الموصلي، وترك بغداد لخلاف شخصي معه، وذهب إلى قرطبة، ونقل إليها ما كان موجودا في الشرق من علوم موسيقى، وزاد على العود وترا خامسا، بجانب نقله لطرق الأكل الأرستقراطية لدى العرب، والأزياء الحديثة، وعادة تقصير شعر رؤوس الرجال والصابون ومعجون الأسنان، وغيرها من العادات الراقية التي كانت متواجدة في بغداد.

الشعر لا نعرف بالأندلس من برع فيه وتمكن من مجاراة شعراء المشرق العربي فيه، ولم يبرز سوى شعر ابن زيدون وولادة في العشق، والشاعر الشهير يحي الغزال، وخلافا لذلك لا يوجد من لهم أثر كبير على الشعر العربي، وكذلك في الأدب لا وجود لأديب قدم شيء يذكر خلافا لابن عبد ربه الأندلسي، صاحب كتاب (العقد الفريد). الذي نقل فيه تراث المشرق لفقر الأندلس الأدبي، ولعدم وجود ما يستحق الذكر فيها من أحداث.

حركة البناء والعمران كانت مزيج من النمط المعماري المغربي والقوطي، وقد تحول هذا التمازج لما يسمى الأن بالأندلسي، وقد تميز هذا النمط من العمارة بالبذخ الشديد، ومنحه الأولوية بالإنفاق على ما سواه من علوم وحياة الناس، ولذلك نجد هذه العمارة محصورة في القصور الملكية، ولم تشمل كل أنحاء الأندلس، لذا هذا الإرث ضئيل مقارنة بسنين حكم العرب للأندلس، ولم يتبقى منها على حاله سوى قصر الحمراء في غرناطة الذي ثم الانتهاء من تشييده عام 1353م. بعد سقوط كل المدن الأندلسية بيد ملوك الشمال الإسبان، ومسجد قرطبة الجامع الذي كان في الأصل كنيسة إسبانية، وتم المزج فيه بين العمارة القوطية والعربية الدمشقية، بينما نجد في القاهرة، ودمشق، وبلاد فارس، ومدن آسيا الوسطى أو "خراسان الكبرى" وتحديدا مدن بخارى، وطشقند، وفرغانة، في أوزبكستان، ومرو الشاهجان في تركمانستان، وآثار حضارة المسلمين المغول في الهند ما لا يحصى عددا وعظمة مما في الأندلس من عمارة.

العلوم الاجتماعية والطبيعية لم نجد في الأندلس ما يوازي بأي شكل من الأشكال ما قدمه علماء المشرق، من علوم الطب، والجبر، والرياضيات، والفيزياء، والفلك، وغيرها من العلوم.

سياسيا عانت الأندلس من حالة صراع دائم، فمنذ دخول العرب الأوائل لها بدأ هذه الصراع بين طارق بن زياد والأمازيغ من ناحية، وموسى بن نصير والعرب من ناحية أخرى، وقتل ثاني ولاة الأندلس عبد العزيز بن موسى بن نصير على يد أصحابه، وظلت الأندلس في حالة احتراب أهلي حتى أن عمر بن العزيز فكر جديا في الاكتفاء منها بالغنيمة، وانسحاب العرب والمسلمين منها، وذلك نظرا لبعدها عن مركز الخلافة في دمشق، وعدم قدرة الخلافة على ضبط أمورها، وكثرة النزاعات والصراعات بين العرب، وخشيته من فناءهم فيها وبينهم وبين أراضي المسلمين البحر، وهو ما حدث فيما بعد، ولما وجد أن أمر الانسحاب قد فات زمانه سعى لتولية الأمر فيها لولاة موثوقين، وصولا للوالي عبد الملك بن قطن الفهري، والذي في عهده وصل الصراع لأشده بين العرب والأمازيغ، وظلوا يقاتلوا بعضهم بينما بقايا القوط يتوسعون شمالا مؤسسين ملكة أستورياس التي كانت نواة الممالك الشمالية التي طردت المسلمين من الأندلس فيما بعد، وفي ذلك الوقت استعان والي الأندلس بالقائد العربي بلج بن بشر القشيري ليأتي من سبتة ليعينه على قتال الأمازيغ المسلمين، وبعدما حارب العرب كعصبة واحدة ضد الأمازيغ، وانتصروا عليهم في معركة بقدورة، ظهر نزاع جديد بين الشاميون والبلديون أي العرب من أهل الأندلس، ونشأ نزاع عربي – عربي، فقتلوا والي الأندلس، وتولى الولاية بلج بن بشر، وبدأت المعارك بين العرب، والتي انتهت بهزيمة الشاميون للبلديون في معركة أقوة برطورة، وقتل بلج بالمعركة فتولى الولاية ثعلبة بن سلامة العاملي، ثم جاء من بعده أبو الخطار الكلبي، لينشأ نزاع من نوع جديد بين العرب اليمنية، والعرب القيسية، وظلت الصراعات فيما بينهم حتى تجمعوا للقتال بمعركة شقندة عام 747م. والتي راح ضحيتها أكثر من 20 ألف عربي، ثم تولى يوسف بن عبد الرحمن الفهري، ودخل في صراعات لا تنتهي مع اليمنية، حتى جاء صقر قريش عبد الرحمن الداخل الأموي، ودخل في معارك معه، وتمكن من الانتصار عليه، وأسس الإمارة الأموية، وظل يحكم الأندلس لمدة 33 سنة، خاض فيها القتال ضد 22 ثورة، ومن بعده أبناءه وأحفاده في قتال مستمر بين المسلمين العرب بعضهم البعض، وضد المسلمين الأمازيغ، والمسلمين المولدين ممن دخلوا الإسلام من أهل الأندلس، أو أبناء وأحفاد المسلمين من أمهات إسبانيات.

ظلت هذه الصراعات لمدة 100 سنة تقريبا، حتى قسمت الأندلس لإمارات متنازعة إلى أن تمكن من استعادة توحيدها من جديد عبد الرحمن الناصر، ودخلت في مرحلة هدوء نسي، أو ما تسمى مرحلة "ربيع قرطبة" بدء من عام 961م. إلى نهاية عهد المنصور بن أبي عامر عام 1003م. أي أقل من 50 سنة، ودخلت الأندلس بعدها مرحلة ملوك الطوائف عام 1011م. وتحولت إلى 22 دويلة، ثم مرحلة المرابطين والموحدين التي بدأت عام 1090م. وانتهت بمعركة لاس نافاس دي تولوسا عام 1212م. بسقوط الأندلس باستثناء غرناطة، التي ظلت تقاوم حتى سقوطها النهائي عام 1492م.

يتضح مما سبق أن الأندلس شهدت أسوء صراع من نوعه، وصورة تاريخية سوداء من الصراعات والدماء بين المسلمين بعضهم البعض، والصراع العرقي بين العرب والأمازيغ، والصراع القبلي العربي – العربي، والصراع الطائفي مع المسيحيين بالأندلس نفسها التي تسمى حقبة "شهداء قرطبة" التي استمرت لمدة ثماني سنوات، وانتهت بإعدام حوالي 50 قس وراهب كاثوليكي، وصراعات مع ملوك إسبانيا الكاثوليك، ولم تشهد مرحلة هدوء واستقرار حقيقي إلا أقل من 50 سنة.

الخلاصة:

يبدو لنا أن عشق الأندلس مبالغ فيه جدا، وتحول لحالة أسطورية، ويوتوبيا متخيلة لم يكن لها وجود على أرض الواقع، وقد ساهم في هذه اليوتوبيا أسباب عديدة يمكن ذكرها في النقاط التالية:

  • بدأت السيرة الأندلسية تظهر للوجود عربيا في فترة استعادة الوعي العربي والنهضة القومية التي كانت تستدعي تقديم صور مشرقة مبالغ فيها يمكن تفهمها في ذلك الزمن وسياق الأحداث التاريخية والرغبة في استعادة العرب لهويتهم وإبراز أمجادهم والمبالغة فيها لاستنهاض همهم.
  • لم تكن الدولة الإسلامية في الأندلس تشبه نظيراتها في المشرق فقد تمتع فيها غير المسلمين بحرية غير مسبوقة وربما من عجائب الأقدار أن يجتمع الضدان على أمرا واحد فنموذج دولة الحريات الدينية بمفهومها الشامل لم يطبقا طيلة عهود الحكم العربي – الإسلامي إلا بنموذجي الدولة الفاطمية بالقاهرة باستثناء حقبة الحاكم بأمر الله والدولة الأموية بالأندلس وقد داعبت هذه الصورة خيال المسيحيين العرب رواد التنظير الثقافي للفكر القومي فمثلت لهم النموذج المثالي الذي يحلمون به في إمكانية ارتقاء غير المسلمين في الدولة بغض النظر عن دينهم واعتمادا على كفاءتهم.
  • الفترة التي اعتنى فيها العرب بتاريخ الأندلس وظلت ملازمة لهم حتى الأن لا يمكن فصلها عن الإعجاب بالحضارة الغربية المنتصرة دون أن نشعر بذلك فلو كانت الأندلس في آسيا وهناك من الحضارات العربية – الإسلامية ما هو أعظم منها على كافة الأصعدة ولكنها لم تجد هذا الحب والحنين والاهتمام بها لأنها تنتمي لحضارات غير متفوقة ومن هنا تنبع أهمية الأندلس فقد بالغ رواد النهضة العربية في ذكر مآثرها في وقت كانت الظاهرة الاستعمارية الغربية مسيطرة على كافة البلدان العربية وكأنهم يقولوا للعرب لا تيأسوا لقد كانوا متخلفين في يوما من الأيام وكنا نحن العرب المنتصرين ومن نقل إليهم الحضارة ودار الزمان وحتما سيدور عليهم كما دار علينا.
  • عقدة الحضارة الغربية وتسرب الإعجاب والافتتان بها وبأنها الحضارة المنتصرة جعل البعض ينظر لوجود إرث عربي – إسلامي بهذه الحضارة المتفوقة دليل على عظمتهم كنوع من أنواع الدفاع عن النفس وقت الهزيمة أو الهروب منها لماضي قديم ذو عظمة متوهمة أو استخدامه أيديولوجيا للدعاية لنموذج حكم الخلافة وكيف كان المسلمين هم المنتصرون عندما تمسكوا بدينهم أو للقول يا أوروبا لا تتعالي علينا قد كنا يوما ما عظماء مثلكم وكل طرف له دوافعه من هذه الدوافع.
  • جانب مهم يوضح سر الإعجاب المفرط بحضارة الأندلس أنها كانت تمثل أعظم شيء على الإطلاق في أوروبا الغربية بهذه الحقبة من القرن الثامن الميلادي حتى القرن العاشر وهي المرحلة التي كانت فيها أوروبا بذروة الانحطاط الفكري والحضاري ونظرا لكون الأندلس أكثر قربا لأوروبا من المشرق فقد كانت بوابة المشرق وتطوره لسكان أوروبا الغربية وعبرها اطلعوا على هذه الحضارة والعظمة.
  • تسلف المجتمع العربي وتشدده وعيشه في نمط حياة غير ملائم لقيم العصر وتخيله أن ما هو عليه هو الإسلام النقي للمسلمين الأوائل وبعصور الخلافة الإسلامية وهذه أيضا يوتوبيا متخيلة عن نقاء الالتزام الديني وفق نمط واحد ومع شيوع الحديث عن الأندلس والتركيز عليها وعلى جوانب الحياة الاجتماعية فيها يفاجأ البعض بأنه يعيش حياة أشد تشددا بمراحل من حياة هؤلاء المسلمين ولذلك يمنحنه هذا النموذج الأندلسي مقارنة بواقعه روح جديدة لشكل الحياة خلافا لما هو عليه مما يجعله يفتتن بهذا النموذج.
  • أخيرا لم تتفرد الأندلس بشيء خلافا للنمط المعماري وكل علومها ومعارفها كانت قادمة من الحجاز ومصر والشام والعراق وبلاد فارس ولذلك من العجيب أن نتعلق بحب الفرع ونحن الأصل الذي منه كان يأخذ ويستنسخ الأندلسيون.

نكبة الأندلس أم تحرير الأندلس:

أنشرت في الآونة الأخيرة عربيا مقولة "نكبة الأندلس" وهذا المصطلح يستخدم في التعبير عما حدث لفلسطين عام 1948م. بعد قيام دولة إسرائيل، بينما يرى الإسبان أنهم حرروها من الغزاة المسلمين، وأن حروبهم كانت "حروب استرداد الأندلس" وليست حروب صليبية، أو حروب غير شرعية كما يراها البعض.

من المهم أن نفصل بين طرد المسلمين من الأندلس فقط لكونهم مسلمين، وبين استرداد الإسبان لسيطرتهم على بلدهم الأصلي، فحكم المسلمين للأندلس اعتمد على أقلية فتحت هذه الأرض، وفشلت في تحويل سكانها للإسلام ليصبحوا مجتمعا مسلما، ووقتها لا يهم من يتولى الحكم فيها، وعوضوا ذلك بالاستيطان العربي – الأمازيغي من المسلمين، وجلب الرقيق البيض من البلدان السلافية "أوروبا الشرقية" حاليا وهم المعروفون بالصقالبة الذين تم تحويلهم للإسلام وهم أطفال صغار، ليدخلوا في خدمة الدولة، ويشكلوا أساس جيشها وولاتها، ولذلك من المعيب في اعتقادي وأنا المؤمن بأحقية عودة فلسطين من بحرها إلى نهرها لحكم العرب، أن نرى استيطان المسلمين لأرضي خارج نطاق الجغرافيا العربية الإسلامية، وحكم الأقلية للأغلبية بالقوة، وتمكن الأغلبية من استعادة أرضها وحكمها من جديد على أنه "نكبة".

أرى في نموذج الأندلس ما يؤيد حقنا في فلسطين، وأننا أصحاب هذا الحق الذي سنستعيده يوما مهما طال الزمن، بل وفي نموذج حروب الاسترداد الإسبانية إلهام لنا، وتأكيد على ضرورة عدم اليأس، وأن التاريخ في صالحنا رغم كل أوضاعنا المزرية، فكما استمرت مملكة بيت المقدس الصليبية الاستيطانية 192 سنة وكان مصيرها النهائي الزوال وعودة الحق لأصحابه، وكذلك استمر حكم المسلمين الاستيطاني وهم أقلية حوالي 800 سنة وعادت الأندلس لأهلها الأصليين، وكذلك ستعود فلسطين ولن ننتظر لتحقيق ذلك قرون طويلة كما انتظر الإسبان.

الإسبان لم ييأسوا، ولم يقولوا لأنفسهم لقد أصبح حكم العرب واستيطان المسلمين أمرا واقعا لابد من التسليم به، كما يردد هذا الكلام بعض "العرب" الأن عند الحديث عن القضية الفلسطينية، بنما كافح الإسبان وبدأت دولتهم بمملكة صغيرة معزولة في أقصى شمال غرب إسبانيا ناحية بحر كانتابريا عام 722م. وظلوا في جهاد مستمر، والأمل لا ينقطع في استعادة بلدهم حتى تحقق التحرير الكامل عام 1492م. أي حوالي 770 سنة، وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يتسلهم منه كل عربي وفلسطيني روح المقاومة، وعدم اليأس، والبقاء والتشبث بهذه الأرض.

طرد المسلمين من الأندلس، وهو أمر مختلف تماما عن استعادة الإسبان لسيادتهم على أرضهم، وهو ما لا ينبغي فيه الخلط، وهو فعل مدان، ويوما ما عندما ننتصر لن نفعل مثلهم، وستكون فلسطين متاح فيها العيش تحت سيادة الحكم العربي لليهودي، والشركسي، والبهائي، والعربي، والمسلم، والمسيحي، وكل الأعراق والأديان والمذاهب، والكل فيها سواسية لهم حقوق متساوية، ويمكن أن يتولى رئاسة الدولة أو أي منصب فيها أي شخص طالما مؤمن بالدولة الفلسطينية.

من المهم أيضا أن نذكر أن طرد المسلمين من الأندلس لم يكن خلفه فقط دوافع دينية، بل دوافع سياسية دفعت ملوك إسبانيا ونبلائها مكرهين على هذه القرارات التي لم تكن في صالحهم، وذلك نتيجة للصراع بين كارلوس الخامس هابسبورغ، والسلطان العثماني سليمان القانوني، ونشاط البحرية العثمانية في المتوسط، وتعاون العديد من الأندلسيين المسلمين معها في وقت كان الدين يلعب الدور الأبرز في الولاء، ولذلك من رفض دخول المسيحية كان يُنظر إليه على أنه طابور خامس، وبقاءه بالدولة يشكل خطرا أمنيا عليها، وهذا ما فعله سلاطين المماليك بعد تعاون عدد من المسيحيين بالشام مع الصليبيين، فقاموا بتهجيرهم من المناطق الساحلية للمناطق الداخلية، واسكنوا بالسواحل عربا مسلمين، وفي مرحلة من المراحل قامت الدولة المملوكية بفرض الإسلام قسرا عليهم لضمان ولائهم لوجود خطر خارجي يتهدد الدولة وسلامتها، ولذلك هذه الممارسات لابد من النظر إليها وتقييمها وفقا لقيم عصرها لا قيم العصر الحالي.

الخاتمة:

الأندلس لم تكن جنة، ولم تكن جحيم، كانت دولة تنتمي للعصور الوسطى، ونقلت لأوروبا حضارة المشرق التي صنعها أجدادنا، ولأن خلف هؤلاء الأجداد لم يكونوا على القدر الكافي من المسئولية فحدث الانقطاع الحضاري بين الماضي والحاضر، ودور شباب الأمة دراسة تاريخهم، وفهم أسباب القصور لعلاجها، وأسباب العظمة للبناء عليها وتطويرها، وعدم الانسياق خلف ماضي متوهم، وتكرار الحديث عنه دون السعي لخلق واقع جديد يصل من انقطع من عظمة، ومن هنا يُخلق التراكم.

نحتاج لتحليل أسباب أزمة الحضارة العربية – الإسلامية في اكتفائها الدائم، وعدم قدرتها على التأسيس لمدارس تطور من نفسها، وحدوث انقطاعات في علومها ومعارفها، حتى أننا يمكن أن نسميها حضارة الانقطاع الدائم، فلم نؤسس على علوم ابن خلدون مدرسة تطور من نفسها، ولا ابن رشد، أو ابن سينا، حتى بعلوم الفقه توقف بنا الزمن عند مذاهب أربعة، وفي العقيدة عن ثلاث طرق أشعرية، وماتريدية، وسلفية، وكل هذه المدارس أجابت على أسئلة عصرها، وتجاوزها الزمن ولم تعد صالحها لعصرنا، وعلى عظمة ما صنعه البخاري ومسلم، إلا أننا اكتفينا كالعادة بصنعهما، ورأينا أننا وصلنا حد الكفاية، والأمة التي ترى أنها وصلت حد الكفاية لا ينتظرها إلا الفناء، وكما قيل لكل شيء اذا ما تم نقصان.

قد يرى البعض ما ورد بهذا المقال من أفكار صادمة أو محبطة، أو إنكار لحضارة الأندلس، أو دعوى لعدم الاعتزاز بها، لكنها محاولة للفهم والنقاش لنخرج من عالم الخيال للواقع، ولا شك في هذه الحضارة الكثير من الجوانب المضيئة التي نحن بحاجة لكي نستلهمها ونبني عليها، وأهمها أن الدولة والقبيلة لا يمكن أن تجتمع، والدولة والعصبيات مصيرها إلى فناء مهما بدت عظيمة، وربيع قرطبة وذروة مجدها بالخمسين سنة كانت نتاج لغياب العصبيات الدينية والمذهبية، ونهاية زمن القبلية وسيادتها، وذلك عندما كانت الدولة لكل مواطنيها، والكفاءة معيار الوصول إلى مراكز السلطة المرموقة، هذا المعيار الذي فتح المجال لشاب فقير مثل محمد بن أبي عامر جاء من أقصى الجنوب بالجزيرة الخضراء، وأصبح الشخصية الأولى في الأندلس، وحقق إنجازات لا يمكن حصرها، ودمر كافة هذه الإنجازات بموته عندما استبد بالأمر واستحوذ على السلطة بمفرده، وهذا هو الدرس الهام لنا.