العرب وإيران .... ميلودراما تراجيديّة عمرها ألفي عام!

28.10.2019

ملف خاص - (5/1)

المقدمة:

بعد قراءة واطلاع على أحداث التاريخ القديم والحديث وتحليله لفهم طبيعة العلاقات العربية - الإيرانية. وجدت نفسي أمام علاقة تميزت بمراحل ومحطات عدة، تأرجحت فيها ما بين الغرام والانتقام، والعشق الممنوع، والفرص الضائعة، وصراع الإخوة الأعداء، ويمكن وصفها إجمالا بأنها ميلودراما في مفارقاتها ومبالغتها، وتراجيديا في مأساتها، ورومانتيكية في خيالها الجامح وقوة مشاعرها. يُعرف الإيرانيين ببراعتهم في لعبة الشطرنج ذات البعد الاستراتيجي وصناعتهم للسجاد اليدوي بتعقيداته وتفاصيله الدقيقة، وهكذا أيضا تتسم هذه العلاقة التي نحن بحاجة لدراستها، ومراجعة مراحلها التاريخية وتطورها، ومدخل فهمها يكمن في تلك المقولة الشهيرة (ورائي الذي أمامي وأمامي الذي ورائي). فلا مكان فيها للحديث عن حاضر دون ماضي، وعن مستقبل دون حاضر، وحال تمكنا من فك شفرة هذه العلاقة المعقدة وتحليل عناصرها. يمكن عندها الوصول لمعادلة حسن الجوار والتعاون في إطار علاقة نديه على قاعدة المصالح المشتركة.

تمهيد:

حل في هذا العام الذكرى الأربعين لقيام الثورة الإيرانية عام 1979م. تلك الثورة الشعبية الكبرى التي انطلقت ضد حكم الشاه المطلق وأجهزته الأمنية القمعية، وحماية الغرب له بقيادة أمريكا. وتأسست على إثرها الجمهورية الإسلامية الإيرانية. التي باتت حاضرة وبشكل يومي في حياتنا العربية نتيجة توغلها وتمددها بالعديد من عواصمنا، في تلك المنطقة من العالم التي قرر أهلها التخلي عن حكمها بإرادتهم أو عجزهم عن حفظ أمنها وخلق مشروع جامع لشعوبها. فأصبحت مشاعا لكل القوى الدولية والإقليمية، وبها متسع للجميع لخلق نفوذ لهم بينما تضيق بأهلها.

نشهد بالمرحلة الحالية حالة من الغضب الشعبي والصراعات السياسية والعسكرية بمناطق النفوذ الإيراني بالمنطقة، ونظرا لحساسية تناول الموضوع الإيراني خلافا لما هو سائد، وذلك لشيوع النظرة الطائفية، أو الأحكام المسبقة المبنية على الانطباعات أو المقارنات الغير متسقة مع بعضها بين التيار الإسلامي السني ونظيره الشيعي، أو الأصوات "الشعبوية" المهيمنة على الساحة الإعلامية منذ 30 سنة من كلا الطرفين، وعليه يغيب التحليل السياسي والمجال لرؤية قائمة على الدراسة والعلم والمنطق والمعرفة التاريخية المرتبطة بالواقع. مع ما يرافق فتح النقاش في هذا الموضوع من دعاية سوداء وإرهاب فكري يمارسه المحورين المتصارعين برفضهما أي تصورات بديلة عن الرواية الرائجة لدى جمهور كل محور.

وسط هذه الحالة الهيسترية التي اجتاحت المنطقة. نسعى اليوم لنقاش هادئ مبني على المراجع ساعين فيه للمعرفة، آملين في أن يشكل هذا المقال بداية لمقالات أخرى ينطلق منها المهتمين بهذا الموضوع لفهم أعمق للعقلية السياسية الإيرانية، وصولا لكيفية التعامل معها وإدارة الصراع بطريقة سياسية ناضجة.

الفرس والعرب – بداية القصة:

بدأت العلاقات العربية – الفارسية مبكرا ويمكن التأريخ لها منذ حقبة الإمبراطورية الفارسية الساسانية. حيث كانت تجاورها مملكة عربية تسمى مملكة ميسان. التي أسسها عام 127 ق.م هيسباوسينز العربي [1] وكذلك العلاقة مع مملكة الحضر العربية عام 158م. ومملكة المناذرة عام 300م. اتسمت العلاقة بين الطرفين بعدم الاستقرار وانتقلت ما بين حسن جوار، وصداقة وتحالف، وحروب وصراعات في أحيان أخرى لعل معركة ذي قار عام 609م. [2] أبرز محطاتها والتي أنتهت بانتصار القبائل العربية بعد اتحادها لمواجهة الإمبراطورية الفارسية.

عندما ظهر الإسلام يروى أن الرسول محمد. أرسل رسالة إلى كسرى الثاني ملك الفرس [3] يدعوه إلى الإسلام لكنه مزق الرسالة، ومع بدء عصر التوسعات والفتوحات في عهد عمر بن الخطاب. الذي أكمل ما بدأه أبو بكر الصديق من فتوحات للعراق. بدأت مرحلة القضاء على الإمبراطورية الفارسية الساسانية عام 636م. بعد موقعة القادسية.

الفاتحون العرب وتقديرات الفرس الخاطئة:

لم يكن انتصار العرب على الإمبراطورية الساسانية نابع فقط من قدرتهم وقوتهم العسكرية، بقدر ما كان ناتج عن ضعف وتفكك هذه الإمبراطورية التي عانت من فوضى وصراعات داخلية طاحنة، وأصبح عامة الفرس ونخبتهم لها كارهين، وكانت آيلة للسقوط تنتظر أي قوى خارجية تتحداها لتسقط أمامها في أول اختبار حقيقي، في ذلك الوقت لم يكن الفرس قد تنبهوا لما حدث من تطورات في شبه الجزيرة العربية، ونظرا لما اتسموا به من عنجهية وتعالي ليس على العرب فحسب بل على كافة الأعراق الأخرى فقد تخيلوا الجيش العربي ما هو إلا جيش غازي خلصهم من حكم إمبراطورية متهالكة منهارة سيكتفي بالحصول على بعض الغنائم ويعود من حيث أتى، إلا أن الفرس ومع مرور الوقت أدركوا أنهم أمام فتح يهدف للاستقرار وبناء دولة، ونشر دينه وقيمه ولغته فيما بينهم والتوسع لما بعد الأراضي الفارسية.

ذهاب السكرة ومجيء الفكرة:

بعدما تأكد الفرس من استقرار العرب وتمددهم وصولا لشمال شرق الصين، ومقتل يزدجرد الثالث أخر أباطرتهم عام 651م. بعدما ظل هائما على وجهه هاربا من مدينة لأخرى والجيوش العربية تلاحقه، ذهبت السكرة وجاءت الفكرة التي مفادها. بما أن هؤلاء العرب قوى توسعية شابة أثبتت قدرتها وجدارتها، ولديهم دين جديد يسمى الإسلام يحمل العديد من القيم السامية والقريبة في بعض جوانبها من عقيدتنا الزرادشتية، ويثيروا الإعجاب بقوتهم وشجاعتهم، لكنهم ليسوا أهل حكم وسياسة ولا يمكنهم إدارة إمبراطورية مترامية الأطراف نظرا لحداثة عهدهم بحكم هذه الأراضي التي نعرفها جيدا، فيمكن عبر الالتحاق بدينهم وتبنيه أن نصبح عبر قوتنا الحضارية ومعارفنا السياسية القوة الفعلية داخل هذه الإمبراطورية، وعليه أقبل الفرس على الإسلام وتعلم اللغة العربية، ومنهم أخذ العرب نظام الدواوين وتم تعيين العديد من نخبهم في وظيفة "الدهاقين" وهي كلمة فارسية تعني أبناء النخبة المجتمعية من ذوي العلم والثراء والقدرة على حكم المدن وتخطيطها، وأصبح الوجود الفارسي حاضرا وبقوة في الأمور المالية والإدارية بولاية خراسان الكبرى تحت حكم العرب. التي تشمل اليوم أراضي إيران وبعض أجزاء أفغانستان وصولا إلى تركمانستان.

خيبة الأمل:

مع قيام الدولة الأموية عام 661م. ووصول الفرع المرواني إلى السلطة، وتولي الحجاج بن يوسف الثقفي شئون العراق وخراسان الكبرى. تغيرت السياسة التي أتبعتها دولة الخلفاء، وحل محلها سياسة عربية تتسم بالعنصرية واحتقار الأجناس الغير عربية، والحط من شأنهم واستثنائهم من كافة مناصب الدولة، وقد شكلت هذه السياسة بداية النهاية للدولة الأموية، واشتعال ثورات الأمازيغ عليهم غربا في المغرب، والفرس شرقا في خراسان. فقد كانت الدولة الأموية دولة القبائل العربية بامتياز، وقد أدت هذه السياسة لحالة من السخط العام من قبل الفرس، وما زاد منها تحصيل الولاة الأمويين للجزية منهم رغم إسلامهم لتوفير المزيد من المال اللازم لخزينة الخلافة، حتى أن والي خراسان نصر بن سيار الكناني نادى في عاصمة خراسان مرو. على من يدفع الجزية من المسلمين أن يحضر إليه، فجاءه في أسبوع واحد أكثر من ثلاثون ألف [4] بالإضافة إلى سبي بعض النساء الفارسيات الجميلات تحت زعم أنهن كافرات رغم إسلامهن، ليهديهم الولاة إلى الخلفاء وبيت الخلافة الأموية في دمشق لينالوا الحظوة والرضا منهم، كذلك عدم منح الولاة والقادة العرب الرواتب والنصيب من الغنائم للجنود الفرس الذين أسلموا وشاركوا بالقتال والفتوحات معهم وقد وصل عددهم إلى عشرون ألف [5] زمن خلافة عمر بن عبد العزيز.

ثورة ناضجة بحاجة لمن يقودها:

كان الفرس مهيئين تماما للثورة على الدولة الأموية وينتظرون من يقودهم للقيام بها، وكان أول من تنبه لذلك بفطنته وذكاءه هو إمام الدعوة العباسية السرية الأول محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. عندما أشار على نقباء الدعوة بالعمل على نشرها سرا بين الفرس من أهل خراسان وولى الإمام الثاني للدعوة إبراهيم بن محمد. أحد الفرس لقيادتها وهو القائد الشهير أبو مسلم الخراساني، ويمكن لمن يريد التوسع أكثر في هذا الموضوع العودة لمقال (كيف يحكم الترك العرب حتى الأن) [6].

العرب والفرس مهاجرون وأنصار جدد:

من المعلوم تاريخيا أن المهاجرين وهم المسلمين الأوائل من أهل مكة قد لجاءوا إلى أهل المدينة بعدما قبلوا بالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا. على أن تكون يثرب "المدينة" هي مركز انطلاق الثورة الدينية الجديدة التي أطلقها الرسول محمد. وبعد وفاته وتولي أبو بكر الصديق الخلافة وعد الأنصار بنيل المنزلة الرفيعة والمكانة مقابل ما قدموه من خدمات جليلة للإسلام ورسوله والمهاجرين معه، وأتبع ذلك بمقولته الشهيرة (نحن الأمراء وأنتم الوزراء وهذا الأمر بيننا وبينكم) [7] وفق هذه القاعدة نشأ تحالف بين العرب من بني هاشم ودعاتهم من جانب، والزعامات الفارسية في العراق وخراسان من جانب أخر. يبايع الفرس إمام الرضا من آل محمد على السمع والطاعة، ودفع الخمس له، والتبرع بكل ما يحتاجه الإمام من أموال، والنهوض لنصرته عندما يحين أوان الثورة. مقابل أن يتساوى العرب مع الفرس في المراتب والمنزلة، وفق ما أقرت بذلك الآية القرآنية (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) [8] وأن يكون الفرس هم وزراء الدولة وسند الخلافة العسكري وقادة جيوشها، وأن تصبح شئون الحكم بين العرب والفرس، وبالفعل تمكنت الدعوة العباسية السرية من التحول إلى ثورة علنية وصولا لقيام الدولة عام 750م. ونفذ العباسيين وعودهم للفرس، وأصبحوا هم قادة هذه الدولة والمسيطرين على مقاليد الأمور فيها وللعرب الحكم عبر الخليفة، وعليه بدا أن هناك تحالف متين نشأ بين الطرفين كان له بالغ الأثر فيما وصلت إليه الدولة العباسية من عز ومجد، ولذلك قسم المؤرخين لاحقا تاريخها لعصر عباسي أول، وهو عصر القوة والعظمة الذي كان فيه الفرس هم وزراء وسند وساعد الدولة الأقوى، وعصر ضعف وتخلف وتفكك وهو العصر العباسي الثاني. الذي ساد فيه الترك وتم إقصاء الفرس والبقية المتبقية من العرب.

غرام وانتقام:

على الرغم مما سبق من قوة ومتانة هذا التحالف العربي – الفارسي. إلا أن العلاقة بين الطرفين لم تسلم من توترات عديدة وشكوك متبادلة وصولا للخلاف بعد مقتل القائد الفارسي أبو مسلم الخراساني ذو الشخصية القوية، والشعبية الجارفة بين الجند الفرس، والثقافة والقيادة العسكرية البارعة لجيوش العباسيين في مواجهة الأمويين، وكان أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني لا يرتاح له منذ اليوم الأول الذي تعرف فيه عليه قبل وصول العباسيين إلى السلطة، وكان يخشى من سعة اطلاعه على التاريخ، ومعرفته بشئون الحكم والسياسة، وروح العظمة الفارسية الكامنة بداخله، وشعوره بأن لديه رغبة في استعادتها عبر شعار الثورة العباسية، ومما عزز من مخاوف أبو جعفر ما نقله إليه سليمان بن كثير الخزاعي وهو أحد نقباء الدعوة من العرب.  بأن أبو مسلم يرى نفسه خليفة يزدجرد الثالث أخر الأكاسرة، وأنه من ورد فيه قوله بعد هزيمته أمام العرب في موقعة القادسية وهو يغادر المدائن بالعراق (السلام عليك أيها الإيوان ها أنا ذا منصرف عنك وراجع إليك أنا أو رجل من ولدي لم يدن زمانه ولا آن أوانه) [9] والمقصود هنا بالإيوان هو ما يشبه قوس النصر في باريس. أو النصب التذكاري، وقد تم بناءه لتخليد انتصار الفرس على الروم البيزنطيين عام 540م. إلا أنه ومن باب الأمانة العلمية لا وجود لسند قوي على صحة هذه الرواية وقد ضعفها علماء الشيعة [10] في كتبهم وربما كانت من اختلاق أبو مسلم ليؤكد بها على عظمة طموحه الذي اشتهر به، أو تم نسبتها زورا إليه نظرا لغيرة شيخ النقباء سلميان بن كثير منه وهو المعروف عنه تعصبه للعرب وعدم احترامه لأبو مسلم كونه من الموالي الفرس.

أدرك أبو مسلم كراهية أبو جعفر له، لكنه لم يأبه بهذا الأمر، وكان لا يرى أحدا فوقه أو يهدده سوى الخليفة أبو العباس السفاح أول خلفاء بني العباس، والذي جمعته به علاقة حب واحترام متبادلة، إلا أن تعالي أبو مسلم على أخو أمير المؤمنين أبو جعفر في موسم الحج، واستخفافه بقدره عندما قام بقتل سليمان بن كثير الخزاعي، ومن بعده لاهز بن قريظ الكناني، وكلاهما من شيوخ العرب وقادة الدعوى الأوائل المقربين من المنصور، وتأثره بالأبيات الشعرية التي وصف فيها آخر ولاة الأمويين على خراسان نصر بن سيار الكناني. أبو مسلم ومن معه من الجند الفرس بقصيدة طويلة يختتمها بقوله (مَمَنْ يكن سائلي عن أصل دينهم فإن دينهم أن تُقتلَ العربُ). كما عزز من كل هذه المخاوف ما روي له من تصرفات جنود أبو مسلم الفرس في موقعة الزاب التي وقعت عام 750م. بين الجيش الأموي الذي كان يقدر بحوالي (120.000). مقابل حوالي (20.000). فقط من الفرس، ولما أحس قائد الجيش قحطبة بن شبيب الطائي برهبة جنوده من قوة الجيش الأموي خطب فيهم خطبة عصماء قال فيها:

(يا أهل خراسان هذه البلاد كانت لآبائكم الأولين "يقصد الفرس" وكانوا ينصرون على عدوهم لعدلهم وحسن سيرتهم حتى بدلوا وظلموا فسخط الله عز وجل عليهم فانتزع سلطانهم "يقصد سقوط الإمبراطورية الفارسية" وسلط عليهم أذل أمة كانت في الأرض عندهم "يقصد العرب بهذا التحقير" فغلبوهم على بلادهم واستنكحوا نساءهم واسترقوا أولادهم فكانوا بذلك يحكمون بالعدل ويوفون بالعهد وينصرون المظلوم ثم بدلوا وغيروا وجاروا في الحكم وأخافوا أهل البر والتقوى من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقصد بالظالمين بني أمية " فسلطكم عليهم لينتقم منهم بكم "يقصد الفرس وانتقامهم من العرب" ليكونوا أشد عقوبة لأنكم طلبتموهم بالثأر وقد عهد إلى الأمام أنكم تلقونهم في مثل هذه العدة فينصركم الله عز وجل عليهم فتهزمونهم وتقتلونهم). [11]

ألهبت هذه الخطبة حماسة الجند الفرس، ورغم قلة عددهم واختلال موازين القوى بين الطرفين بحوالي (100.000). جندي لصالح العرب إلا أنهم هزموهم شر هزيمة وقاتلوا بمنتهى البسالة، والغريب في هذه الخطبة المحقرة من شأن العرب والمعتمدة على تهييج مشاعر الفرس القومية تجاههم أن قائلها عربي قح من قبيلة طيء القحطانية اليمانية الشهيرة، وقيل إن أول جندي فارسي طعن عربيا بسيفه صاح قائلا "الأن قد أدركنا ثأرنا يوم الزاب بيوم القادسية". في هذه اللحظة أدرك أبو جعفر أن هؤلاء الجند وهم يطيعون أبو مسلم، وتم تعبئتهم ضد العرب لصالح الدعوة العباسية والتخلص من الأمويين، ويمكن أن يصبح خطرهم عظيم في ظل وجود قائد مثله، لذلك وبمجرد ما تولى الخلافة قام بقتله بعد قصة طويلة نضع تفاصيلها في هذا الرابط [12] لمن يريد التوسع فيها، كما يقال للدلالة على ما تمتع به أبو مسلم من قوة ونفوذ أن القائد العسكري جعفر بن حنظلة البهراني عندما رآه مقتولا قال للمنصور (يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك). [13]

روي عن بطولات أبو مسلم الكثير، وتم اختلاق حوله الأساطير واختلف في أمره المؤرخين. بين من أيد قتله ورأى فيه حماية للدولة من تقسيمها وتفتيتها وأنه كان يسعى للاستقواء بالفرس، والاستقلال بولاية خراسان مع ما تتمتع به من ثراء وعدد كبير من السكان لتصبح قاعدة له ينطلق منها ليقضي على الخلافة العربية، ويتولاها ليصبح الإسلام وكل الأمم التي تحت سلطتهم خاضعين للفرس، بينما يرى البعض الأخر أن المسألة لا تعدو كونها صراعا على السلطة، وأن ذنب أبو مسلم الخراساني الوحيد أنه كان عظيم في ظل نظام لم يكن يسمح بوجود منافس بالعظمة للخليفة.

كذلك يُتهم أبو مسلم بأنه يمثل الوجه القومي العنصري الفارسي بأبشع صوره، وذلك لقتله ما لا يقل عن مليون مسلم غالبيتهم من العرب أثناء توليه شئون الدعوة والثورة في خراسان، ومما لا شك فيه أن ما يمكن تسميته وفق مصطلحات العصر الحديث سياسة "التطهير العرقي" لتصبح بلاد فارس للفرس وحدهم كانت على هوى أبو مسلم. لكنه لم يكن ليتجرأ على القيام بها لولا تحريض إمام الدعوة العباسية الثاني إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ودعمه له، حيث قال له في رسالته الشهيرة والطويلة والتي سنورد المقطع الذي يدلل على تناغم هذه السياسة بين الطرفين بقوله (فاقتل من شككت في أمره ومن كان في أمره شبهة ومن وقع في نفسك من شيء وإن استطعت ألا تدع بخراسان لسانا عربيا فافعل فأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله). [14] لعل البعض يسأل نفسه كيف يطلب عربي هاشمي قرشي من رجل من الموالي والمقصود بهم في ذلك الزمان الخدم والأتباع من غير العرب مثل أبو مسلم. أن يقتل كل العرب إن استطاع، والإجابة على ذلك قد سبق وأجاب عليها العرب في وصفهم للحكم بالقول (إن المُلك عقيم). أي في أمور السلطة والتنازع عليها لا وجود لقربى، ولا علاقة أب بابنه أو قومية. إنها السياسة والمصالح والصراع على السلطة، وبالتالي كان يرى إبراهيم الإمام أن وجود العرب ربما يعطل الثورة، ويدفعهم تعصبهم القومي لمعارضتها كون الفرس هم من يرفعون لواءها.

بعد مقتل أبو مسلم بأمر من المنصور شهدت خراسان عام 755م. ثورة عارمة سميت ثورة (سنباذ المجوسي). [15] تشكل على إثرها جيش يقدر عدده بأكثر من (100.000).  مقاتل ضم الفرس من المسلمين، والزرادشتية "المجوس" والمزدكية، والمانوية. يطالبون بثأر أبو مسلم، ويحرضون الناس بالثورة على العباسيين لجحودهم ونكرانهم لجميل الفرس وقائدهم أبو مسلم. حتى أن سنباذ هذا كان يقول لأتباعه (لقد آذنت دولة العرب بالأفول هذا ما قرأته في أحد كتب الساسانيين لن أعود إذا لم أدمر الكعبة التي أتخذوها بدل الشمس قبلة لهم أما نحن سنجعل الشمس قبلة لنا). أكدت هذه الثورة والتي فشلت وتم القضاء عليها نظرية بعض المؤرخين والمعاصرين للحدث بأن أبو مسلم ومن معه من الفرس. كانوا يهدفون للقضاء على العرب. كما أبرزت سياساته تجاه الفرس حيث لم يكن يفرق بينهم على أساس ديني، وقربهم من مجلسه ومنحهم الوظائف بأجهزة الدولة بغض النظر عن دينهم، ورفع الجزية عن البعض الأخر على الرغم من عدم إسلامهم بالمخالفة لنظام الدولة، وهذه نقطة لابد من التنبه لها وإدراكها. المشاعر القومية الفارسية كانت ومازالت حتى الأن هي الحاكمة في علاقة الإيرانيين فيما بينهم، وتعلو على الاختلافات الدينية والمذهبية، وعلى سبيل المثال نرى اليوم أن أهل السنة من ذوي الأصل الفارسي في محافظة فارس يتمتعون بحرية أكثر من باقي السنة من القوميات الأخرى، مع ضرورة التأكيد على أن مفهوم القومية الفارسية قد تطور بالعصر الحالي، وأصبح يتخطى الجانب العرقي ليصبح الفارسي هو كل من يرى تاريخ هويته ولغته الأم فارسية بغض النظر عن أصوله العرقية.

عصر الذروة والسقوط:

ظلت خراسان وبالقلب منها إيران الحالية مركز دائم للتوترات والثورات على الحكم العباسي، ولم تهدأ يوما واحد، وتعددت فيها أشكال الثورة أو ما يسميه القوميين الإيرانيين "النهضة والمقاومة" منذ مقتل أبو مسلم، وأدركت الدولة العباسية أنها لا يمكن أن تُحكم السيطرة على هذه المنطقة الأكثر أهمية في الدولة دون الاستعانة بعناصر فارسية مقربة منها وتضمن ولاءها، وفي هذه الأثناء صعد نجم أسرة البرامكة الشهيرة، وهي أسرة من أصول فارسية زرادشتية "مجوسية" الديانة عاشت في بلخ "مزار الشريف" حاليا بأفغانستان، وكانوا من كبار الكهنة الزرادشت. أول من أسلم منهم خالد بن برمك، وأنضم للدعوة العباسية، وأصبح من أصحاب الشأن الكبير بالدولة بعد مقتل أبو مسلم، ونتيجة للعلاقة الخاصة التي ربطت ابنه يحي بولي العهد العباسي هارون "الرشيد" فيما بعد فقد تولى العناية به، وكانت زوجته ترضعه مع ابنه جعفر. حتى أن الرشيد كان ينادي يحي البرمكي يا أبتاه، وزوجته فاطمة يا أماه، وجعفر يا أخي، وقد حافظ يحي البرمكي على حقه في الخلافة عندما أراد أخو هارون الخليفة الهادي تولية ابنه بدلا منه مما عزز من العلاقة بينهما، وعندما أصبح الخليفة هارون الرشيد. أسند لهم كافة مهام وشئون الدولة، وتوغل الفرس في كافة مفاصلها، وشهدت في ذلك الوقت بغداد قمة ازدهارها وتألقها حتى حدث ما هو معروف لدى الكافة بنكبة البرامكة، وقد تعددت الأقوال حول أسبابها وشخصيا أميل من خلال قراءتي المطولة حول هذا الأمر بأنها كانت نتيجة لعدة أسباب تراكمت عبر السنين، ولم تكن لسبب ما محدد كما يراها البعض، فقد تظافرت عدة عوامل أحيت داخل هارون الرشيد. المخاوف القديمة الجديدة المتجددة تجاه الفرس، وسعيهم للهيمنة على السلطة والانفراد بها، ومنها حالة الثراء الفاحش الذي وصل إليه البرامكة مما آثار حسد وحقد العديد من العرب تجاههم، واستعانة يحي بن برمك بقوات خاصة عسكرية ذات زي موحد تدين بالولاء له لحماية أراضيه الزراعية، والولاء الكبير الذي تمتع به من قبل الفرس وإنفاقه السخي على زعمائهم، وخشية زبيدة بين جعفر العباسية زوجة الخليفة مما يشكلوه من تهديد لسلطة ابنها محمد الأمين ولي العهد، واحتمالية ميلهم نحو عبد الله المأمون كون أمه فارسية ويلقى رعاية منهم، كذلك دورها في دفع العباسة أخت الرشيد لإقامة علاقة مع جعفر البرمكي. ثم فضحها لهارون وإثارة مخاوفه بأنه يريد أن ينجب منها ولدا يكون الخليفة خاله ويسري فيه دماء العباسيين. مع ما يتمتعوا به من سلطة ونفوذ مالي فيصبح هو الخليفة بالمستقبل، وتحريض العرب عليهم في كل مجالسهم نتيجة لشعورهم بالحسد من تزايد نفوذهم، وتقريب الخليفة لهم حتى تم استخدام الدعاية السوداء ضدهم عبر أقوى أسلحتها بذلك العصر وهو الشعر، والطعن في عقيدتهم بتلك القصيدة للشاعر الشهير الأصمعي والتي قال فيها (إذا ذُكِر الشرك في مجلس أنارت وجوه بني برمكِ وإن تليت عندهم آية أتوا بالأحاديث على مزدكِ). مع ما قيل عن ولاءهم للطالبيين لتوليهم الخلافة سرا بدلا من العباسيين كما كان يروج لذلك الحاجب الفضل بن الربيع. الذي كان من مصلحته القضاء على نفوذهم، وباجتماع كل هذه الأسباب تخلص الرشيد منهم عبر تأميم كافة أموالهم وممتلكاتهم، وقتل جعفر لعلاقته مع أخته العباسة. بينما اكتفى بحبس البقية حتى ماتوا في السجن.

أدت نكبة البرامكة، وسقوط أسرة فارسية كبرى وقبلها سقوط أبو مسلم لثورات متتالية، وقد شهدت إيران (ثورة سنباذ المجوسي – ثورة الرواندية – ثورة المقنع الخراساني – ثورة الخرمية – ثورة أستاذ سيس). بجانب ظهور العديد من الأفكار الدينية المخالفة للإسلام، أو الأفكار التي سعى من خلالها الفرس للجمع بين الإسلام وفلسفاتهم وأفكارهم القديمة مثل (حركة بهافريد). [16] وهو فيلسوف فارسي زاوج بين الإسلام والديانات الفارسية وظلت أفكاره منتشرة وتتطور مع الزمن، بجانب ما سبق تصاعدت ثورات الطالبيين ضد العباسيين، وهنا وجد عبد الله المأمون نفسه بحاجة للاستعانة بأسرة فارسية لخلق حالة من الهدوء في خراسان لمواجهة تحدي ثورات الطالبيين. فاختار الفضل بن سهل السرخسي، وهو من أسرة فارسية عريقة، تمكن من مساعدة المأمون في القضاء على أخيه الأمين، وتثبيت أركان حكمه، ومنحه المأمون نظير خدماته لقب "ذو الرئاستين" وكالعادة الطموحات الفارسية وشعور قادة الفرس بالعظمى مع مخاوف الخلفاء الكامنة التي تحركها الأطراف الحاسدة أو الحاقدة أدت للقضاء على آل سرخس ونكبتهم كما حدث مع البرامكة وإن كان بشكل أقل.

العرب والفرس هذا فراق بيني وبينك:

مع نكبة آل سرخس لم يعد هناك مجال للحلول الوسطية، فلم يقبل الفرس الذين تبنوا الإسلام والعربية أن يكونوا جزءا مهملا داخل دولة الخلافة ولم يكن يرضيهم سوى المشاركة الحقيقية بالسلطة، وأن يكونوا على قدر كامل من المساواة مع العرب، ولم يُطيق الخلفاء من العرب هذه المعادلة وأردوا أن يصبح الفرس عربا باللسان، ومسلمين بالديانة، وجزء من الدولة لا يحق لهم إلا ما يرونه هم ويقرروه لا ما يراه الفرس حقا لهم، وكل الحلول الوسطية فشلت في الجمع فيما بينهم، وبدأت عملية الاستعانة بالترك كونهم أقل علما وحضارة، ولا يُخشى منهم كما ظن الخليفة العباسي الثامن المعتصم الذي بدأ هذا التحول، ورسخه الخليفة العاشر المتوكل على الله بإقصاء الفرس تماما من كافة شئون الدولة والجيش، وبذلك انتهت العلاقة بين الطرفين، ودخلت الخلافة العباسية بمرحلة الركود والانحطاط، والتراجع في كل شيء حتى سقوطها المدوي على يد المغول 1258.

الخلاصة:

كانت نتيجة هذا الفراق انحطاط الدولة العباسية، وسيطرة الترك عليها عسكريا مع قلة علمهم، وضعف كفاءتهم، وعدم درايتهم بشئون الحكم والسياسة، وتحول الخلافة لنظام حكم عسكري ثم تآكلها وتحولها لخلافة أسميه بلا سيطرة حقيقية، وتوقف حركة التطور والنهوض الذي شهدته الدولة العباسية في عصرها الأول فكانت خسارة فادحة للحضارة العربية - الإسلامية، وتراجعت العربية في إيران بعدما كان يتقنها الغالبية العظمة من الفرس وأصبحت مع الوقت الفارسية لغتهم الوحيدة.

خسر الفرس مكانتهم، وأصبحوا تحت سيطرة العديد من السلالات الحاكمة الغير فارسية، والمستقلة فعليا عن الخلافة من العرب، والترك، والأفغان، والأوزبك، والمغول بعد اجتياحهم للمنظقة، وصولا لظهور سلاسة تركمانية ستعيد بعث إيران من جديد، وتخلق فيها تغييرات جذرية وتحولات كبرى على المستوى المذهبي بتبني المذهب الشيعي ألا وهي الدولة الصفوية، ويؤسسوا لإيران ولأول مرة منذ سقوط إمبراطورتيهم النهائي عام 651م. دولة مركزية قومية ذات خصائص دينية مميزة.

رغم المكسب الذي تحقق من جراء التحول الذي صنعه الصفويين، وتحقيقه لاستقلال إيران عن الدولة العثمانية بالقرن الخامس عشر الميلادي. إلا أنه خلق معضلة مازالت تعاني منها إيران، وتنعكس آثارها علينا نحن العرب حتى الأن بتحولها لبلد يمثل أقلية في محيطها، وفشل كل مساعيها في خلق تمدد يُخرجها من عزلتها الجغرافية، فباءت محاولاتها بالفشل بالتمدد نحول أذربيجان وأرمينيا نتيجة تصدي الدولة التركية العثمانية ثم تأسيس دول مركزية قوية على حدودها، وتكرر الأمر نفسه في محاولاتها بالتمدد باتجاه جورجيا والقوقاز بتصدي الإمبراطورية الروسية، وهو ما تكرر في محاولاتها بالتمدد نحو أفغانستان وشبه القارة الهندية، ولم يعد من مجال لتمددها وكسر الحصار المفروض عليها سوى جوارها العربي الضعيف، والمليء بالفراغات السياسية، والأكثر تجانسا معها من باقي المناطق المحاذية لها، والمرتبط بشكل لصيق وتاريخي بأمنها القومي.

لدى الإيرانيين شعور بالنقمة وعدم الرضا على حجم دورهم السياسي تاريخيا، حيث يرون أنفسهم الأجدر بأخذ فرصتها في قيادة العالم الإسلامي والمنطقة، وهي التي جربت قيادة العرب، والترك، والمغول، والأمازيغ، وحتى المماليك العبيد القادمين من القوقاز الروسي، والقوى الاستعمارية الغربية، بينما هم الأكثر علما وعراقة وحضارة وخدمة للإسلام والعربية ومأسسة علومهم، ولم يكن لها من حظ أو نصيب في قيادة الأمة، بجانب الطعن المتعمد والدائم في عقيدتهم وصدق إيمانهم بالإسلام رغم أن علماءهم الأكثر مساهمة فيه بكافة الجوانب، وستكون هذه المواضيع محور حديثنا بالمقال القادم لنتمكن من ربط ماضي إيران بواقعها وفهم عقليتها وسياساتها لنعرف كيف نتعامل معها.



[3] كتاب البداية والنهاية – ابن كثير – الجزء الرابع – بعثه إلى كسرى ملك الفرس

[5] http://www.islamicbook.ws/tarekh/alkaml-013.html  (فصل استعمال عبد الرحمن بن نعيم القشيري وعبد الرحمن بن عبد الله)

[8] سورة الحجرات – الآية رقم 13