ماذا ينتظر الدول العربية في عهد جوبايدن؟

10.02.2021
سياسة جو بايدن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا اهتمت وسائل الإعلام العربية بوصول الرئيس المنتخب، جو بايدن، إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية ومدى تأثير ذلك على منطقة الشرق الأوسط.

اهتمت وسائل الاعلام العربية بوصول الرئيس المنتخب، جو بايدن، إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية ومدى تأثير ذلك على منطقة الشرق الأوسط.

فبينما أكد بعض المحللين على أن بايدن سوف يكون له تأثير كبير في التعامل مع دول المنطقة، خاصة فيما يتعلق بملفات حقوق الإنسان والديمقراطية، شدد آخرون على أن العالم تغير وأن واشنطن لم تعد اللاعب الوحيد في المنطقة.

فاز جو بايدن في مرحلة حساسة من تطور الأوضاع السياسية في بلدان عربية عديدة، حيث توجد مسارات حراك شعبي في مفترق طرق، في بلدان كالجزائر والسودان ولبنان والعراق، وفي دول أخرى مثل سوريا واليمن و ليبيا يسود منطق الحسم العسكري عليخلفية الحروب الأهلية القائمة هناك.

يبدو أن إدارة الرئيس بايدن، ستكون مضطرة على مباشرة ملفات عديدة في العالم العربي حتى ولو كانت تعتبرها لا تحظى بالأولوية، وذلك لأسباب متطلبات الحفاظ على المصالح الاستراتيجية الأمريكية، في مجالات والأمن والدفاع والحفاظ على مصادر الطاقة والمصالح التجارية.

أن حفاظ الولايات المتحدة على دورها القيادي، سيضطرها للتحرك الديناميكي المتواصل والتعامل مع المتغيرات الجديدة في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا.

تلك المتغيرات المتسارعة في المنطقة، ترتبط بأدوار متزايدة لقوى كبرى صاعدة منافسة للولايات المتحدة في مقدمتها الصين و روسيا، وأيضا مرتبطة بتحركات قوى إقليمية مثل إيران وتركيا وإسرائيل - تسعى لكسب مواقع نفوذ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وملء فراغات تركها تراجع الدورين الأمريكي والأوروبي في السنوات القليلة الماضية.

إذا كانت إسرائيل تتصدر تقليديا سلم الأولويات والمصالح التي يضعها صانعو القرار السياسي الأمريكي، فان الأدوار الجديدة التي لعبتها إسرائيل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في فترة إدارة الرئيس السابق ترامب والخطوات الديبلوماسية التي قام بها ترامب بالمنطقة في أيامه الأخيرة، تضع الإدارة الجديدة أمام مهمة صعبة.

وتأتي في مقدمة تلك الخطوات اتفاقيات أبراهام للسلام بين إسرائيل وعدد من الدول العربية كالامارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب، ومن المحتمل أن ينضم إلي الاتفاقية قريبا المزيد من الدول العربية مثل عمان والمملكة العربية السعودية.

وفيما يلي نعرض مواقف بايدن من أهم قضايا منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتي تثير إهتمام حكومات وشعوب الدول العربية وكثيرا ما تثار في وسائل الاعلام العربية:

١ - المسألة الفلسطينية:

أن بايدن يؤيد حل المسألة الفلسطينية على أساس إقامة دولتين. ويري بايدن أنه بغرض تحقيق السلام الفلسطيني-الاسرائيلي من الضروري أن تعود الولايات المتحدة إلى الحوار مع الجانب الفلسطيني والسعي لدى اسرائيل وحثها على عدم القيام بأي خطوات تقوض إمكانية إقامة الدولتين. واستئناف المساعدات الأمنية والاقتصادية للفلسطينيين والتي اوقفتها ادارة ترامب.

كما يرى بايدن أن الخطوات التي اتخذها ترامب تقوض مبدأ الحل على اساس اقامة دولتين وأنه سيعيد النظر بكل الخطوات التي اتخذتها إدارة ترامب ما عدا مسألة نقل السفارة الى القدس.

كذلك تواجهه إدارة بايدن تحدِّيَ التعامل مع التغييرات غير المسبوقة في السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط، التي أقرتها "صفقة القرن" وأثارت انتقادات ليس فقط من الجانب الفلسطيني والعربي بل أيضا من الشركاء الأوروبيين، والمتمثلة في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ومسألة المستوطنات وضم مناطق كبيرة من الضفة إلى إسرائيل، إضافة إلى ضم مرتفعات الجولان السورية إلى إسرائيل.

٢ - الملف النووي الايراني:

عمل نتنياهو كل ما بوسعه لإفشال الاتفاق الذي تم التوصل إليه عام 2015 بين ايران والمجتمع الدولي بعد سنوات من المفاوضات الشاقة وكثيرا ما تحدث نتنياهو عن مخاطر الاتفاق على وجود اسرائيل. وهناك فريق مناهض للاتفاق والذي يضم صقور الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة إلى جانب السعودية والإمارات.

وكان الخروج من الاتفاق أحد أبرز تعهدات ترامب خلال حملته الانتخابية مما ضمن له الحصول على تأييد الاوساط السياسية المؤيدة لإسرئيل في الولايات المتحدة مثل ايباك. وقد أوفى ترامب بتعهده بل واعاد فرض العقوبات الامريكية على إيران.

وصرح بايدن في هذا الشأن أنه إذا التزمت ايران بتعهداتها المنصوص عليها في الاتفاق فإن الولايات المتحدة ستعود للعمل بالاتفاق الى جانب الاوروبيين والأطراف الدولية الاخرى.

٣ - الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة:

يتفق ترامب وبايدن على ان الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يجب تقليصه الى أدنى درجة ممكنة وفي حال الحاجة يجب أن يظل هناك ما بين ألف وخمسائة إلى ألفي عسكري من القوات الخاصة للعمل مع الشركاء المحليين لمواجهة الجماعات الإرهابية مثل الدولة الاسلامية في كل من سوريا والعراق.

وقال بايدن في مقابلة مع مجلة الجيش الأمريكي ستارز اند سترايبز ( نجوم وخطوط) إن عصر الحروب اللانهائية يجب ان ننتهي منه وقال " يجب أن تنتهي هذه الحروب التي لا نهاية لها. أؤيد تخفيض القوات في الخارج لكن لا يجب ان نغفل عن مسألة الارهاب والدولة الاسلامية (داعش)".

يذكر أن الولايات المتحدة خفضت عدد قواتها في العراق إلى 3 آلاف جندي بنهاية شهر سبتمبر ٢٠٢٠ بينما سيتم تخفيض عددها في افغانستان من 8600 جندي إلى 4500 بحلول نهاية شهر نوفمبر٢٠٢١.

ووصف بايدن الأوضاع في البلدان التي تنتشر فيها القوات الأمريكية، مثل سوريا والعراق وافغانستان بأنها معقدة ولا يمكنه التعهد بسحب القوات الأمريكية منها بشكل كامل في المستقبل القريب.

يرى بايدن أن مهمة القوات الأمريكية يجب أن تقتصر على مساعدة الشركاء المحليين في مواجهة التنظيمات والجماعات التي يمكن أن تهدد مصالح الولايات المتحدة وشركائها ولا يجب ان تلعب أي دور سياسي في هذه الدول. ففي سوريا على سبيل المثال يجب أن تقتصر مهمة هذه القوات على التصدي لبقايا تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) وتخفيف حدة العنف والوصول الى تسوية سياسية للأزمة السورية.

٤ - العلاقات مع المملكة العربية السعودية:

تعهد بايدن بإنهاء الدعم الأمريكي للحرب السعودية في اليمن والتي أدت حتى الأن إلى مقتل نحو 90 ألف شخص وتسببت بنشوب اسوأ ازمة انسانية في القرن الحادي والعشرين.

وقد قال بايدن في بيان نشره موقع حملته الانتخابية في الخامس من شهر يناير الماضي: "في ظل إدارة بايدن وهاريس سنعيد تقييم علاقتنا بالمملكة السعودية وننهي الدعم الأمريكي لحرب المملكة العربية السعودية في اليمن، ونتأكد من أن أمريكا لا تتراجع عن قيمها لبيع الأسلحة أو شراء النفط ". وأكد أنه سيجعل السعودية تدفع ثمن مقتل الصحفي جمال خاشقجي وسيتعامل معها باعتبارها دولة منبوذة.

٥ - قضية الصحراء الغربية:

المغرب، أقدم حليف للولايات المتحدة في شمال أفريقيا، يعتبر من أبرز الشركاء الذين حققوا مكاسب استراتيجية في هذا السياق، أولا باتجاه تعزيز وضعيته كـ"حليف رئيسي من خارج حلف الناتو"، عبر اتفاقيات عسكرية وتجديد معداته ومقتنياته من السلاح الأمريكي. وكشريك أساسي في مكافحة الإرهاب بالقارة الأفريقية.

وثانيا عبر حصوله على إعتراف أمريكي رسمي في عهد ترامب بسيادته على أقاليم الصحراء الغربية، وتأييد مبادرته التي طرحها بتسوية النزاع مع جبهة البوليساريو على أساس "حكم ذاتي موسع". وكان لافتا أن الموقف الأمريكي تم تكريسه بشكل رمزي باعتماد خارطة جديدة للمغرب تضم الأقاليم المتنازع عليها، وصدرت هذه الخريطة رسميا عن السفارة الأمريكية بالمغرب كما اعتمدت في الموقع الرسمي لحلف الناتو.

لكن مع مجيئ إدارة جو بايدن للبيت الابيض تم حذف بيان اعتراف الرئيس السابق ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية من على موقع البيت الأبيض. وفي المقابل اعتبر مراقبون وناشطون مغاربة أن نشر الموقع الرسمي للأمم المتحدة قرار اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء إقرار من المنظمة بمغربية المنطقة.

وفي هذا السياق ومن منطلق تلك التداعيات المحتملة الناتجة عن تغيير السياسات الامريكية تجاه الدول العربية في حالة فوز بايدن بالانتخابات الرئاسية (وهو ما حدث بالفعل) إهتمت شعوب الدول العربية بمتابعة تلك الأحداث الهامة التي ستؤثر علي حياتهم اليومية ومصيرهم. قامت وسائل الاعلام العربية  بتغطية شاملة وكبيرة للانتخابات الامريكية، وكرست مساحات واسعة من البث الفضائي لتغطية الاحداث مباشرة، هذا بالاضافة الي البرامج التحليلية التي إمتدت لساعات مع إستضافة محللين سياسيين وخبراء دوليين. ولكن علي الرغم من ذلك  لم يقف الإعلام العربي على مسافة واحدة من المرشحين ، فمنهم من دعم ترامب وسياسات الحزب الجمهوري، وقنوات اخري دعمت جوبايدن وسياسات الحزب الديموقراطي.

ومن اهم وسائل الاعلام تلك:

١. قناة الجزيرة القطرية - هي قناة تلفزيونية إخبارية حكومية تابعة لشبكة الجزيرة الإعلامية، تأسست في 1 نوفمبر 1996، ويرأس مجلس إدارتها الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني وهو من أحد أفراد الأسرة الحاكمة. ويقع مقرها في العاصمة القطرية الدوحة. في البداية بدأت بوصفها قناة فضائية للأنباء العربية والشؤون الجارية ومنذ ذلك الحين توسعت القناة لتصبح شبكة إعلامية دولية بلغات متعددة في عدة مناطق من العالم.

كان طموح قناة الجزيرة في بث الآراء المعارضة للأنظمة الحامكة في دول الشرق الاوسط وشمال افؤيقيا، بإعتبارها الصوت امدافع عن الشارع العربي وخاصة المعارضة الإسلامية وعلي رأسها حمعية الاخوان المسلمين التي ترعاها دولة قطر، ولقد أثار ذلك جدلا في العديد من الدول العربية، واكتسبت المحطة اهتماما عالميا في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 عندما كانت هي القناة الوحيدة التي تغطي الحرب في أفغانستان على الهواء مباشرة من مكتبها هناك، وتبث شريط فيديو لأسامة بن لادن وغيره من زعماء تنظيم القاعدة وأيضاً اكتسبت القناة اهتماماً بالغاً من الشعوب العربية لتغطيتها المتميزة للثورات العربية في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن.

وأثناء بث القناة لأحداث الإنتخابات الأمريكية لعام ٢٠٢ لوحظ توجة القناة في مساندة المرشح جوبايدن ومهاجمة الرئيس دونالد ترامب وإنتقاد أرائة وتصريحاته، ويفسر ذلك بأن القناة تستخدم كأقوي وسيلة من وسائل القوي الناعمة لدولة قطر، والتي بدورها تدعم توجهات الحركات والاحزاب الاسلامية في منطقة الشرق الاوسط، وعلي راسها جمعية الاخوان المسلمين، والتي إستطاعت ان تصل الي السلطة في عدد من الدول العربية مثل مصر وتونس وليبيا كنتيجة لثورات الربيع العربي عام ٢٠١٠-٢٠١١ وذلك بفضل دعم الرئيس الديموقراطي باراك أوباما ونائبة جوبايدن للتغيير الديموقراطي في الدول العربية، وهو ما دعي قناة الجزيرة لدعم جوبايدن ضد ترامب، هذا بالإضافة الي أن الأسرة الحاكمة القطرية تعتقد أن ترامب هو من أعطي الضوء الاخضر للسعودية والأمارات ومصر والبحرين وسمح لهم بفرض الحصار الاقتصادي ضد قطر.

٢ - قناة العربية السعودية -  قناة فضائية إخبارية سعودية تبث من مدينة دبي للإعلام بالإمارات. أسست القناة عام ٢٠٠٣ من قبل الملياردير السعودي وليد الإبراهيمي بالشراكة مع الأمير السعودي عبد العزيز بن فهد ابن الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز السعود ، حيث بدأت أعمال القناة بتغطية الحرب الأمريكيةعلى العراق، ومنذ نشأتها دافعت القناة عن وجة نظر وسياسات العائلة السعودية الحاكمة.

أثناء الاحتجاجات الشعبية في مصر عام 2011 تم اتهام العربية بالانحياز كليًا لنظام الرئيس الراحل مبارك وظهرت وكأنها ضمن آلته الإعلامية. وأثناء تغطية إنتخابات الرئاسة الامريكية لعام ٢٠٢٠ لم تستطع إدارة القناة إخفاء انحيازها لدونالد ترامب، ولما لا وترامب هو من يدعم ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان في حربة في اليمن ومواجهتة النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الاوسط، وترامب هو من غض الطرف عن الإتهامات الموجة ضد محمد بن سلمان في قضية قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي. لكن بايدن إنتقد السعودية وسياسات محمد بن سلمان الخارجية وأوضاع حقوق الانسان داخل المملكة منذ يداية حملته الإنتخابية. وبناء عليه دعمت قناة العربية الحملة الإنتخابية لترامب. وعندما تأكد فوز بايدن بالإنتخابات سارعت الممكلة العربية السعودية الي تغيير بعض سياساتها وعقدت قمة العلا بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي بمشاركة مصر في منتصف شهر يناير الماضي للتصالح مع قطر وتم بالفعل عودة العلاقات وفتح الحدود مجددا مع قطر (فيما عدا الإمارات). 

وهكذا لإستشراف السيناريوهات المستقبلية لتطور أداء اللاعب الرئيسي - الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افؤيقيا، يمكن وضع محددان رئيسيان:

المحدد الأول: الاعتماد على عنصر الاستمرارية في السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية، باعتبارها نتاج توافقات كبرى بين صناع القرار الأمريكيين سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين أو كدوائر مؤثرة في البنتاغون والديبلوماسية وجماعات الضغط.

ويتمثل المحدد الثاني، في اعتبار حقوق الانسان ودعم الديمقراطية ومناهضة الشعبوية والتطرف، معيارا أساسيا في تشخيص المصالح وتحديد الأهداف، وهو معيار سيتم الاعتماد عليه بشكل مشترك مع الأوروبيين، في التعامل مع ملفات عديدة. مثل دعم الديمقراطية الناشئة في تونس والضغط من أجل النهوض بأوضاع حقوق الانسان في مصر والسعودية والجزائر.

في النهاية لن تكون التحولات في السياسة الأميركية جوهرية وجذرية، فهنالك بالضرورة مصالح تقليدية معروفة، تتغلب في حسابات الأميركيين على القيم المثالية. لكن، في المقابل، ستكون تلك التحولات مفيدة جداً في إنعاش الحالة الديمقراطية، والحدّ من قبضة سلطويات أنظمة الحكم العربية.