سقوط رهان أتاتورك وصعود الإسلام السياسي

06.12.2019

ملف خاص (5/5)

في هذا المقال نختم سلسلة (تاريخ الترك) المكونة من خمس مقالات، آملين أن تشكل بداية لفهم أكثر عمقا للأمة التركية، التي تمثلها الأن الجمهورية التركية الجارة، وعبرها يمكن أن نبدأ بالتفكير في صيغة تفاهم وتعاون معها، وتشبيك للمصالح بدلا من الاشتباك حولها، وكما أسلفنا في مقالنا السابق فقد جمع القدر بين العرب والترك في هذه المنطقة، ولا مجال لنفي أي طرف للأخر، خصوصا في ظل تاريخ مشترك يمتد لأكثر من 1200 سنة بين العرب والترك لا يمكن القفز عليه، وأربعة قرون جمعتنا بالدولة العثمانية التي قامت الجمهورية التركية الحالية على أنقاضها، ودين إسلامي واحد يشكل عاطفة مشتركة لا يمكن إنكارها، وقد أدى سوء الفهم في هذه العلاقة لصراعات نحن في غنى عنها، وقد آن الأوان ليحل التعاون محل الخلاف بناء على ثقة متبادلة ومصالح مشتركة، وعلاقة ندية يسودها الاحترام من كلا الطرفين، ولتحقيق هذا الهدف لابد من معرفة كل طرف للأخر على حقيقته وماذا يريد منه.

أتاتورك قبلة تركيا نحو الغرب:

أدى سقوط الدولة العثمانية نتيجة للأسباب التي سبق وذكرناها بالمقال السابق [1] لقيام الجمهورية التركية الأولى عام 1923م. أعقبها بعام واحد إلغاء منصب الخلافة، وترحيل ما تبقى من آل عثمان لخارج تركيا، وتجريدهم من جنسيتهم، وتحول تركيا لدولة قومية علمانية بناء على دستور العام 1924م. [2] واتجاه أتاتورك لتحديث تركيا متأثرا بأفكار الثورة الفرنسية لعام 1789م. وإصلاحات بطرس الأكبر قيصر روسيا عام 1700م.

شملت عملية التغيير كافة مناحي الحياة دفعة واحدة بلا تدرج، وبشكل قسري عنيف، حيث تم إلغاء المدارس الدينية، وحظر الملابس الدينية لكل رجال الدين أي كانت ديانتهم ومذاهبهم، ومساواة الرجل بالمرأة في القوانين، وحظر لبس الحجاب، وإلغاء الأبجدية العربية المستخدمة لكتابة اللغة التركية وحل محلها الأبجدية اللاتينية، حتى الأذان في الثلاثينيات من القرن الماضي أُلغى رفعه باللغة العربية، وأمر بترجمته للغة التركية [3] مع حظر للحديث عن أي قومية أو أقلية في تركيا، أو التحدث بأي لغة خلافا للتركية، وصياغة نص دستوري فريد من نوعه لتعريف هوية التركي على أنه المسلم الذي يسكن داخل الجمهورية التركية، والأقليات هم فقط غير المسلمين كما ورد في البند رقم (60). من الدستور.

كان يأمل أتاتورك عبر هذه السياسات في حل أزمة الجمهورية التركية الوليدة، فلو نظرنا للخريطة التركية سنجد أن كل جوارها مختلف عنها ثقافيا وعرقيا أو دينيا ولغويا، مع تقلص مساحتها لتصبح 783.562 كم² فقط، ورغم موقعها الاستراتيجي الهام ما بين آسيا وأوروبا وإطلالتها عبر البحر المتوسط على أفريقيا، إلا أنها أصبحت دولة معزولة بلا أي عمق استراتيجي تستطيع من خلاله التواصل وتأمين مصالحها، وحل هذه الإشكالية بالنسبة لأتاتورك كان التنكر من الماضي العثماني، واعتباره ماضي بغيض لا يمثل تركيا وشعبها، وأن تركيا الحديثة دولة قومية للأتراك أصحاب الثقافة والحضارة الأكثر قدما من الإسلام بقرون طويلة، وفك ارتباطها بالإسلام وحضارة الشرق وربطها بالحضارة الغربية.

من المهم هنا التأكيد على أن النموذج الأتاتوركي لم يكن نموذجا علمانيا، بل نموذجا شموليا استبداديا متطرفا استخدمت فيه الدولة كل ما تمتلكه من أدوات قمع وعنف وقوة، وفرضت على المجتمع قيمها التي تراها رغما عنه، بينما العلمانية وبعيدا عن الجدل والتفسيرات والتأويلات المتداولة حولها، لا هي عقيدة، ولا أيديولوجية، بل منطق للدولة الحديثة تفكر عبره في حل مشاكل شعبها وبناء مستقبله وفق قوانين هذا العالم الذي تعيش بداخله، ولا تعني أنها معادية للدين أو ضده، أو لها الحق في التدخل بمعتقدات المجتمع ورؤيته للحياة. بل هي كما أسلفنا منطق تفكير للكيان الاعتباري المسمى الدولة لا أكثر.

جمهورية الجيش:

الجيش التركي كان القاعدة التي عليها تم بناء الجمهورية التركية الحديثة، وهو جيش وطني تحرري رفض أوامر السلطان العثماني الأخير بالتخلي عن أراضي تركية، وشن بقيادة أتاتورك حربا شاملة ضد التحالف الغربي المعادي لتركيا، وتمكن من تأسيس هذه الجمهورية التي أصبح أتاتورك أول زعمائها ومن وراءه الجيش المحافظ على نظامها الدستوري، ولذلك لا يمكن فصل الجيش عن الجمهورية الأولى، أو الحديث عن فصل الجيش عن السياسة وهو بالتأكيد منطق سليم، إلا أن الحالة التركية مختلفة نظرا لأن الجيش هو من أقام الدولة، ولم يكن الجيش أحد روافد الدولة ونتاجا لها مثل بعض الحالات الأخرى، كذلك كان للجيش دورا هاما في حفظ النظام لأسباب أخرى، أهمها عدم قبول الشعب التركي بغالبيته لعملية التحول القسري نحو العلمانية بصيغتها الأتاتوركية المتطرفة، واحتواء تركيا على فسيفساء عرقية ومذهبية متنوعة، وعدم اعتراف الدستور بهذا التنوع فضلا عن منح الأقليات لحقوقهم، بالإضافة لوجود تركيا في موقع استراتيجي هام يتطلع له الشرق ممثلا بالقوى العظمى في ذلك الوقت الاتحاد السوفيتي، والغرب ممثلا في أوروبا وأمريكا، ووجود عدة أطراف سياسية منحازة لكلا المعسكرين بالداخل وتريد الوصول إلى السلطة.

أعتقد أتاتورك أن الجمهورية التي قامت بين ليلة وضحاها غير قادرة على الصمود، وتشكيل هوية وطنية جامعة بعد أكثر من ست قرون من الحكم الإمبراطوري الذي كان يمثله الحاكم المطلق في صورة السلطان، وهويه روحية مستمدة من الدين الإسلامي، وكان يظن أن الجيش هو العمود الفقري القادر على ضمان هذه الوحدة الوطنية وصيانة القومية التركية الوليدة.

ظل الجيش التركي على هذه الحالة منذ اللحظة الأولى لتأسيس الجمهورية، وقام بأربعة انقلابات عسكرية ناجحة لحماية هذه القيم بجانب محاولة فاشلة عام 2016م. انتهت بدحره وإنهاء دوره في العملية السياسية، وعدم نجاحه كان نتيجة لسلسلة طويلة من الأحداث أدت لضعفه بشكل تدريجي وصولا لهذه المحاولة التي ولى معها زمن الانقلابات العسكرية، وترسخت مركزية القرار السياسي بموقع رئاسة الجمهورية بعد دستور 2017م. الذي أسس للجمهورية التركية الثانية بقيادة رجب طيب أردوغان.

تركيا والنادي المسيحي:

اعتمدت فكرة أتاتورك ورفاقه في الجمهورية التركية الأولى على فشل الحضارة الإسلامية في مجاراة الغرب، وسقوط هذه الحضارة عبر قيادتها العثمانية في التحديث والحفاظ على امبراطوريتها واستقلالها، إلا أن وضعية تركيا وموقعها لا يسمح لها بالانعزال، وبحاجة للتوجه نحو الخارج وهذا الخارج لابد أن يكون الغرب المتقدم، والسعي لتتبع خطاه كما فعلت كل الإمبراطوريات القديمة والدول التي قامت على أنقاضها لتتطور، وهذا ما فعلته الثورة الفرنسية، وإصلاحات بطرس الأكبر، والثورة البلشفية في روسيا.

لم يحقق هذا المسار النجاح المأمول منه، والمكاسب التي تحققت مقارنة بالخسائر كانت أكبر، وعانت تركيا بسببه من صراعات داخلية سياسية وعرقية مع الكرد تحديدا، وانقلابات عسكرية متتالية، ووضعا اقتصاديا مترديا، حيث فات على مؤسسي الجمهورية أن طبيعة فرنسا الكاثوليكية، وروسيا الأرثوذكسية تختلف جذريا عن الإسلام وطبيعة الحكم فيه، وتفاصيل أحاكمه وتشريعاته وعلاقة المسلم بالدين ونظرته للهوية والدولة والشكل الذي ينبغي عليه أن تكون، كما أن هذه التحديث القسري قد أدى لمسخ حضاري في تركيا، حيث كانت النخبة المنتمية للغرب التركي "منطقة الرومالي" تحاول محاكاة الغرب في المظهر وفشلت في الجوهر، والشرق "الأناضولي" حافظ على عاداته وتقاليده الإسلامية التركية معزولة عن الغرب والمركز، وعاشت البلد في ظل تعدد هوياتي مسخ الشخصية التركية وجعلها غير متوازنة وفاقدة لبوصلتها.

فعلت تركيا كل شيء لتندمج مع الغرب، ولم تتردد في إهالة التراب على تاريخها، والتنكر لهويتها لتصبح جزء من أوروبا، وراعت عدم إثارة مسألة الهوية الإسلامية حتى لا تثير حساسيته، وكانت تأمل أن تنال بحكم موقعها وعدد سكانها الدعم الغربي الكفيل بتحديثها ورفاهية شعبها.

عبر التجارب تأكد الأتراك منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي أن توجهم الغربي لن يحقق لهم ما كانوا يطمحوا إليه، وأن كل ما يريده الغرب من تركيا أن تصبح عازلا جغرافيا بينه وبين الاتحاد السوفيتي وروسيا فيما بعد، والعالم العربي ومشاكله، وتأمين حرية وسلامة الملاحة والتجارة الدولية في منطقة المضائق، والقيام بدور وظيفي لخدمة المصالح الغربية عبر استغلال موقعها الجغرافي الهام، ومقابل ذلك تنال بعد المنح والمعونات، وربما استثمارات اقتصادية جيدة دون أن تطمح في أكثر من ذلك.

أدرك السياسيين الأتراك حقيقة رفض الغرب لهم عبر التجارب والممارسة، ولكن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وإصرار تركيا على الانضمام للاتحاد الأوروبي أصبح الرد الغربي بالرفض علنيا، ومن الأمور اللافتة التي أعتقد أنها أحد الدروس الهامة لشعوب المنطقة، هو أن تركيا التي تنكرت لتاريخها وتبرأت منه ظل الغرب يراها دولة مسلمة وامتداد تاريخي للدولة العثمانية، وتنتمي لثقافة شرقية مغايرة له، ووصل الأمر إلى الفاتيكان الممثل الأعلى للكاثوليك حول العالم، حيث صرح بابا الفاتيكان بندكت السادس عشر في برقية سرية لوزارة الخارجية الأمريكية سربها موقع ويكيليكس الشهير برفضه المطلق بشخصه والفاتيكان من خلفه لوجود دولة مسلمة في الاتحاد الأوروبي [4] وطلب من المسئولين الأمريكيين نصيحة تركيا بالبحث عن تجمع إسلامي تنضم إليه، كذلك صرح رئيس الأساقفة جيوفاني لاجولو، سكرتير الكرسي الرسولي للعلاقات الخارجية بتصريح قال فيه "إن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي سيضعها والاتحاد في مأزق سياسي ومجتمعي وثقافي غاية في الصعوبة فهذا الاتحاد نادي مسيحي بالأساس" ونظرا لعاصفة الانتقادات التي وجهت لهذا التصريح أنكره الكاردينال لاجولو فيما بعد، وأدعى أن الكرسي الرسولي لا علاقة له بهذا الأمر [5]

لم يتوقف الأمر على الفاتيكان بل شمل رفضا قاطعا من النمسا، حيث من شروط انضمام عضو جديد للاتحاد الأوروبي موافقة كامل الأعضاء الحاليين، وبررت النمسا رفضها بقيام العثمانيين بحصار فيينا مرتين عام 1529م. والمرة الثانية 1683م. ورغم مرور خمس قرون على هذه الحروب، وتنكر تركيا من تاريخها وماضيها إلا أن الغرب ظل يذكرها دوما بهذا الماضي الذي أرادت نسيانه، ولذلك صرحت المستشارة ميركل بوضوح في الانتخابات البرلمانية الألمانية الأخيرة عام 2017م. برفضها انضمام تركيا للاتحاد [6]  كذلك كان موقف فرنسا سواء في عهد ساركوزي [7] أو ماكرون الذي عرض على تركيا شراكة اقتصادية دون انضمامها للاتحاد الأوروبي [8]

تركيا القبلة باتجاه الشرق قليلا:

يعتقد البعض أن توجه تركيا نحو الشرق، وتحديدا العالم العربي والإسلامي وأفريقيا، قد بدء مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في عام 2002م. إلا أن هذا التصور غير صحيح، وقد سبق العلمانيين الأتراك حزب العدالة والتنمية بهذا التوجه، وذلك في منتصف السبعينات من القرن الماضي عبر مراجعة علاقاتهم مع إسرائيل، والانفتاح على البدان العربية، وقد ترسخ هذا التوجه مع تولي توركوت أوزال رئاسة مجلس الوزراء عام 1983م. ورفعه لشعار "لا نريد المنح والهبات بل نريد التجارة والاستثمارات" وإدراكه ألا أمل في اندماج تركيا مع الغرب، وضرورة تحسين العلاقة مع الشرق، وإقامة علاقة تجارية مع الغرب تمكن تركيا من النهضة والتصالح مع ماضيها وهويتها.

حاولت تركيا التصالح مع العالم العربي، وعندما أتيحت لها الفرصة أكدت صدق نواياها، وذلك عندما ساعدت مصر بدعمها في قضية التحكيم الدولي لاستعادة طابا، ومبادرة رئيس الوزراء التركي سليمان ديميريل بتقديم أهم وثيقة لمصر حسمت النزاع حول ملكية طابا من الأرشيف العثماني لاتفاقية ترسيم الحدود المصرية عام 1906م. [9]

لم تكتفي تركيا بالتقارب مع العرب، بل سعت أيضا لتستغل مرحلة الانفتاح بالثمانينيات بالاتحاد السوفيتي التي سميت "البيريسترويكا" عبر التقارب مع بلدان آسيا الوسطى التركية (أوزبكستان، وتركمانستان، وكازاخستان، وطاجكستان، وقيرغيزستان). بالإضافة إلى أذربيجان وإيران، كما شهد الاقتصاد التركي مرحلة تحولات كبرى أكثر ليبرالية، وتصالح مع القيم الإسلامية، وتقارب جمع أوزال وعبد الله كولن مؤسس (حركة الخدمة الإسلامية - Hizmet hareketi).

الإسلام الفكري التركي:

يعتقد البعض أن ظاهرة الإسلام السياسي، سواء عبر جماعات سرية "سلمية" تسعى للوصول إلى السلطة والاستحواذ عليها، أو عبر استخدام السلاح والقوة، ظاهرة جديدة نشأت بعد سقوط "الخلافة العثمانية" إلا أننا لو نظرنا لأحداث تاريخنا سنجد أن هذا الاعتقاد غير دقيق، فقد بدأ الصراع منذ اليوم الأول لوفاة الرسول محمد، وذلك في اجتماع السقيفة الشهير عام 832م. الذي خلق انقساما عموديا في الإسلام منذ ذلك الوقت حيث توفي الرسول ولم يحدد للمسلمين شكل الدولة، ولم يوصي أصلا بدولة، ولم يتخذ لنفسه لقبا من ألقاب الحكم والسياسة، ولا وجود لنص واحد بالقرآن يتحدث عن "الدولة الإسلامية" ولا حديث عن خصائصها، ولذلك رأى البعض أنها مجرد إمارة على الشئون الدينية للمسلمين، فقال الأنصار منا أمير ومنكم أي المهاجرين أمير، ورأى باقي العرب أن السيادة الدينية انتهت بتمام الرسالة، وكل مجموعة بشرية معتنقة للإسلام تدير شئونها وفقا لما تراه مناسبا لها، وهؤلاء كانوا أغلب من سموا بأهل "الردة" ورأى أخرون أن الإسلام لم يأتي لصنع دولة بل دين ونبوة، وهذا الدين وضع الرسول أسسه، وتفاصيله الخاصة يتولاها أئمة من بعده، وهؤلاء الأئمة هم أهل بيته وأولى الناس بتفسير وشرح رسالته، وهذا التصور كان لدى الشيعة في طورهم الأول، ولم يكن التشيع في أول أمره يتحدث عن إمامة سياسية بجانب الدينية، وفعليا لم يحكم من أهل البيت سوى علي بن أبي طالب لسنوات معدودات كلها كانت صراع واضطرابات، وخرجت جماعات شتى لا يسعنا ذكرها، ولعل أبرزها الخوارج الذين سموا أنفسهم "أهل الإيمان" ورفعوا شعار "إن الحكم إلا لله" والجماعات الشيعية المختلفة، والدعوى السرية العباسية، وغيرها من الحركات المختلفة.

كانت الدولة العثمانية منذ نشأتها الأولى دولة التنظيمات السرية بامتياز، وتتعدد فيها هذه التنظيمات مما لا يسعنا ذكره إلا في كتاب لو أردنا حصرها والحديث عنها، وقبل سقوطها بعدة سنوات نشأت داخلها تنظيمات سرية إسلامية، أو ما يمكن تسميته بجماعات الإسلام السياسي وفق المصطلح الحديث، وكانت هذه الجماعات داخل عاصمة الدولة إسطنبول، أو بالمدن الكبرى التابعة لها، وأبرز هذه الأحزاب كان (الحزب الوطني الحر). الذي أسسه جمال الدين الأفغاني، ورفيق دربه محمد عبده في القاهرة عام 1875م. وقد تأثر أحمد عرابي ورفاقه بهذه الأفكار، وكانت الثورة العرابية في جوهرها "ثورة إسلامية" تسعى لحكم إسلامي حديث، وفي اعتقادي الشخصي جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر عام 1928م. ما كانت إلا تراكما لهذه الأفكار، وبدفع من النخب العثمانية التي هاجرت إلى مصر بعد سيطرة أتاتورك على تركيا، ووجدت في القاهرة نظرا لمركزها الإسلامي الكبير، واحتضانها للخلافة الفاطمية والعباسية، ووجود الأزهر الشريف، واستعداد ملوكها لتبني فكرة الخلافة مكانا مناسبا لتأسيس هذا التنظيم، وقد بحثت هذه النخبة عن شخصية شابة، ولديها بلاغة وفصاحة، وقدرة على الحركة والنشاط لتولي أمر الدعوة في الظاهر وكان حسن البنا ذلك الشخص، ودوره لم يكن سوى واجهة لهذا المشروع العثماني الجديد الذي كانت مصر البلد الأكثر مناسبة من غيره ببلدان الشرق لتبنيه، وطبعا هذا الاعتقاد لي عليه دلائل عدة ربما سنفرد لها مقال خاص لمناقشتها.

كانت أولى جماعات الإسلام السياسي ثم الفكري في تركيا تلك الجماعة التي سعى لتأسيسيها بديع الزمان النورسي، الذي ولد عام 1876م. لعائلة من أصول كردية – تركية، وطلب العلم الشرعي وتفقه فيه، وكانت له اهتمامات سياسية سعى من خلالها لإعادة بث روح جديدة في جسد الدولة العثمانية الميتة، وفي عام 1911م. خطب بالمسجد الأموي في دمشق خطبة طويلة، قدم فيها خلاصة أفكاره السياسية، والاجتماعية، والدينية تسمى (الخطبة الشامية). وشكل فرقة من الفدائيين للحرب ضد الروس بمنطقة القوقاز بالحرب العالمية الأولى، وسعى لتأسيس جامعة إسلامية في تركيا حيث لم يكن لديها أي جامعة إسلامية كبرى، ورغم حكم العثمانيين الممتدة لأكثر من ست قرون، لم تتواجد في تركيا جامعة إسلامية على غرار الأزهر الشريف في القاهرة، أو الزيتونة في تونس، أو القرويين في فاس، أو المدرسة النظامية والمستنصرية في بغداد، إلا أن مشروعه لم يكتب له النجاح لقيام الجمهورية التركية، وحظر التعليم الديني بالكامل، ومع هذه الصدمة حدث تحول كبير في أفكار النورسي، وسمى نفسه بالنورسي الجديد الذي ودع القديم، ورفع شعار "أعوذ بالله من الشيطان والسياسة" ورأى أن حل أزمة الأمة الإسلامية لا يمكن أن يتحقق من خلال العمل السياسي والوصول إلى السلطة، وأن أزمة السياسة نتيجة وليست سبب لأزمات كبرى، وحل هذه الأزمات يبدأ من التعليم الديني المتجدد والبعد عن التقليد والموروث المتجمد، وتفرغ لكتابة أفكاره التجديدية في الإسلام والتي حملت اسم (رسائل النور). التي قدم عبرها مشروع فكري كامل سماه (إنقاذ الإيمان وخدمة القرآن). توفى النورسي عام 1960م. وترك خلفه تراث فكري ديني، وحركة دينية صوفية تربوية غير مشتغلة بالسياسة.

ثاني جماعات الإسلام الفكري في تركيا (حركة الخدمة الإسلامية). بقيادة فتح الله كولن المولود عام 1941م. بمنطقة أرضروم التركية، وقد تأثر كثيرا بأفكار النورسي، وجدد في أفكاره عبر العمل على الأرض، واعتمدت فلسفته على نظرية "الإسلام الاجتماعي" حيث استمد من النورسي أفكاره الدينية في مشروع (رسائل النور). وتأكيده على ضرورة تثقيف المجتمع روحيا، وأخذ من الحركة اليسوعية الكاثوليكية منهج العمل الاجتماعي، وإقامة المشاريع الصحية، والتعليمية التي تشمل تعليم ديني وعلماني، بجانب خدمة الفقراء والمحتاجين، وأخذ من الحركة البيوريتانية البروتستانتية بناء مجتمع اقتصادي قوي داخل جماعة مغلقة منضبطة، وتوغل أفرادها بكافة مؤسسات الدولة، والأعمال التجارية، والأحزاب السياسية، وعدم التحول لحزب بل تحويل الجماعة لفكرة تعم كل مكان بالدولة والمجتمع، أما توجهاته الخارجية فكانت منصبة على الاهتمام بالمسلمين من العرقية التركية حصرا، والتأسيس لقومية تركية – إسلامية لهذا خصائصها الخاصة بها على أن تكون الدولة التركية مركز للقومية التركية حول العالم، وربط بلدان آسيا الوسطى، ومسلمي حوض الفولغا وشبه جزيرة القرم من التتر الترك في روسيا، ومسلمي تركستان الشرقية بالصين بالحركة، وتنمية قيمهم الإسلامية، ومشاعرهم القومية المرتبطة بالوطن الأمن تركيا، وبالتالي تحقق تركيا تمدد خارجي ينهي أزمة عزلتها، ويعوضها عن فشل مشروع أتاتورك بالاندماج مع المنظومة الغربية، وتنال دعما غربيا قويا على تمددها بهذه المناطق التي تشكل قيمة استراتيجية للغرب، وعبر الحركة ومجهوداتها والدولة التركية من خلفها، تحقق الحركة وتركيا هدفها بالتوسع دون استفزاز الغرب، بل على العكس ستقدم للغرب خدمة جليلة بضرب عدويها الكبار روسيا والصين، وتهديد وحدة كلا البلدين الداخلية فتحقق تركيا مبتغاها بالتفاهم دون التصارع مع الغرب، جمعت هذه الحركة خليطا عجائبيا من الأفكار، وكانت ومازالت ترى ضرورة ترك العالم العربي في حاله وعدم السعي لخلق نفوذ تركي فيه، وذلك لاختلاف خصائص الإسلام التركي عن نظيره العربي، وكون المنطقة ذات أهمية استراتيجية كبرى للغرب وبها إسرائيل، والسعي للنفوذ فيها سيخلق مشاكل لا تنتهي لتركيا، ومصيره الحتمي الفشل، بينما مشروع الحركة يجمع أمريكا، وأوروبا، والغرب كله على دعم تركيا وتحقيق مرادها، وهنا أيضا إشارة مهمة توضح سبب دعم روسيا والصين لأردوغان، وسعادتهما بانتصاره على حركة الخدمة وسحقها، وذلك لمعرفتهم بنواياها وإدراكهم لخطرها على أمنهم، وبالمقابل يمكن أن نفهم أيضا سر احتضان أمريكا لكولن، وعدم تفريطها فيه رغم إلحاح أردوغان على تسليمه، وذلك لما تراه المؤسسات الأمنية والسياسية الأمريكية من فائدة يمكن تحقيقها عبر هذه الجماعة.

جماعة الإسلام السياسي الرئيسية هي تلك الجماعة التي أسسها ودخل بها معترك السياسة لأول مرة نجم الدين أربكان، المولود عام 1926م. في محافظة سينوب بأقصى شمال تركيا، ويعتبر أربكان أول من دخل معترك السياسة، وعبر عن توجهاته الإسلامية، وذلك عندما تحالف مع أتباع الحركة النورسية عام 1970م. وأسس حزب النظام الوطني، وبعدها بعامين أسس حزب السلامة الوطنية على إثر حل حزبه الأول، وحصل في الانتخابات البرلمانية لعام 1974م. على خمسين مقعد مما مكنه من المشاركة بحكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري، وهو الحزب الذي أسسه أتاتورك ويتبنى العلمانية، وأصبح نائبا لرئيس مجلس الوزراء بولنت أجاويد، ونتيجة الملاحقات القانونية للحزب، وتهديده "للقيم العلمانية" تم حظره مرة أخرى، وأسس فيما بعد حزب الرفاه عام 1993م. ووصل لرئاسة الحكومة عام 1996م. ثم قدم استقالته في العام التالي بعد انقلاب عسكري أبيض سمي "انقلاب المذكرة" وهي المذكرة التي تقدم بها قادة الجيش لرئيس الجمهورية ومجلس الأمن القومي، والتي صادق عليها البرلمان باعتبار الحزب وما يمثله من أفكار يشكل تهديد لعلمانية الدولة، وأسس بعدها حزب الفضيلة عام 1998م. وتم حله أيضا بحكم قضائي، ثم أخيرا حزب السعادة عام 2001م. ومازال قائما حتى اليوم ويرأسه تمل كاراملا أوغلو، وانشق من الحزب أردوغان، وجول، وداود أغلو وأسسوا حزب العدالة والتنمية عام 2001م. وهو الحزب الحاكم منذ 2002م. حتى الأن.

الخلاصة:

  • الجمهورية التركية التي تأسست عام 1923م. تخيل مؤسسها، وقادتها من بعده أن حل أزمة تركيا يكمن في تخليها عن الخلافة، والقيم الإسلامية، والتبرؤ من تاريخها، وتبني هوية غربية، وبالتالي سيقبل بها الغرب عضوا كامل العضوية في ناديه، وصدقت الأحاديث الفارغة عن نهاية زمن الأيديولوجية، وعولمة الثقافة، وأن العلمانية تعني التخلي عن إرث الماضي، وأدركت في النهاية سذاجة هذه الأفكار لكن متأخرا، وبعدما خسرت تركيا الكثير من الوقت والجهد، ودخلت بصراعات داخلية، وانقلابات عسكرية عطلت مسيرتها نحو التقدم.
  • منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي بدأت تدريجيا تركيا تتصالح مع ماضيها، وتعود إلى هويتها وذاتها، وتعرضت هذه المحاولات لعثرات وفشل في الكثير من الأحيان، ومع فشل المشروع الغربي، واستحالة العودة لنمط حكم ديني، أو نظام الخلافة البائد، وعدم قدرة أي طرف على حسم الصراع لصالحه توافق الطرفين المتصارعين على صيغة جديدة للعلمانية، وهذه الصيغة هي الأقرب إلى فهمها الصحيح البعيد عن ذلك المفهوم القسري المتطرف في صورته الأولى، كما أيقن التيار الإسلامي أن الإسلام دين وليس أيديولوجية سياسية، وتطبيقه مسئولية فردية تقع على كل مسلم طالما لديه حرية الاعتقاد الكاملة، وأن الزمن قد تجاوز مرحلة التطبيقات القسرية، وأصبح للتيار الإسلامي التركي خصائصه الخاصة، وقد تجلت في دعوة أردوغان أثناء زيارته لمصر عام 2011م. للمصريين بتبني العلمانية بعد ثورة 25 يناير، واعتبارها منطقا للدولة الحديثة لا غنى عنه، وأنها تزيد من حرية الفرد في التدين عكس ما يتخيل البعض [10] ثم نصح جماعة الإخوان المسلمين في مصر بالعلمانية بعدما وصل محمد مرسي للسلطة ونفى في لقاءه مع قناة العربية عام 2017م. أي تعارض بين الإسلام والعلمانية [11] وأكد مرة أخرى أن العلمانية هي نهج حزب العدالة والتنمية، وأنه حاول أن يشرح للإخوان معناها، وأنها لا تعني عدم التدين [12]

الإسلام الفكري في تركيا يمكن تقسيمه لجهات أربعة رئيسية:

  1. الحركة الصوفية التي يقدر أتباعها بالملايين، وأبرزها وأكبرها الحركة النقشبندية، وهذه الحركات لا تمتلك حزب سياسي، ولا يترشح أحد قيادتها أو أتباعها الرئيسيين بالانتخابات، ولا طموح سياسي لديها، ويكتفون بدورهم ككتلة تصويتية كبرى، ويدعمون الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية منذ السبعينات، وذلك بهدف حصولهم على حريتهم الدينية، ويؤمنون بالنظام العلماني، ويؤيدون تركيا علمانية بمفهوم العلمانية السليم، حيث عانوا من إغلاق تكاياهم، وحرمانهم من ممارسة طقوسهم، وغالبية قياداتهم كانت تعيش في الخارج تحديدا ألمانيا، وهولندا، وقبرص الشمالية، وبعض البلدان العربية، وكان وضعا مستغربا أن يجدوا حريتهم ببلدان غير إسلامية، بينما يحرمون منها في تركيا، ولهذه الحركات دور كبير في التصويت لصالح حزب العدالة والتنمية.
  2. الإسلام الاجتماعي الذي تمثله حركة الخدمة الإسلامية بقيادة فتح الله كولن، وكانوا حلفاء لأردوغان حتى بدأ الصراع فيما بينهم بعد ما يسمى "الربيع العربي" نتيجة للخلاف بالتوجهات الخارجية كما أسلفنا، وهذه الحركة بما تمتلكه من مؤسسات تجارية، واقتصادية، وطبية، وخدمية، وأتباع بكل مكان في تركيا، وموظفين بكافة أجهزة الدولة يشكلوا كتلة تصويتية كبرى، وشعبية واسعة داخل المجتمع التركي.
  3. الإسلام التربوي تمثله الحركة النورسية التي أسسها بديع الزمان النورسي، وغالبية رجال الدين، والمفتين، والوعاظ الدينيين، وأئمة المساجد ينتمون لهذه الحركة، ولا نشاط سياسي لديهم، ويهتمون بالجانب التربوي، والتثقيف الديني الإسلامي، ويؤيدون من يمنحهم حريتهم بعدما عاشوا أياما صعبة من الاضطهاد زمن تولي العسكريين السلطة، ولذلك تذهب أصواتهم تقليديا للأحزاب ذات التوجهات الإسلامية.
  4. الإسلام السياسي ويمثله حزبا العدالة والتنمية، والسعادة، وكلاهما حزبين يمارسا العمل السياسي، ويؤمنون بالعلمانية كمنطق لإدارة الدولة التركية، ومسألة العلمانية ليست محل نقاش لديهم، ويعتبر نجم الدين أربكان مؤسس هذه الظاهرة السياسية، التي تعتمد على أن يكون للحزب أيديولوجية ثقافية إسلامية، وهوية أخلاقية مستمدة من قيم الإسلام، واحترام لتاريخ الدول التركية الإسلامية وعلى رأسها الدولة العثمانية، والتوجه بالسياسة الخارجية نحو تعاون أكثر مع البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وتبني قضايا المسلمين في أجندة الدولة التركية، ولا يوجد أي رابط فكري، أو أيديولوجي، أو تاريخي بينهم وبين الإخوان المسلمين، ولا تجربتهم، ولا سياقها، ولا مراحل تطورها، ولا الدولة التركية تماثل بأي شكل من الأشكال الدولة العربية، ولا تجربة الإخوان المسلمين في مصر وباقي العالم العربي، والحديث عن كون أردوغان إخواني، أو حزب العدالة والتنمية ممثل الإخوان في تركيا ما هو إلا جهل بالحالة التركية، أو دجل سياسي يستخدم في ظل الصراع الأيديولوجي والسياسي الحالي، فنحن بحاجة لدراسة فكرة الإخوان في مصر أصلا هل كانت فكرة مصرية عربية، أم فكرة تركية عثمانية قام ممثل مصري بالتعبير عنها وهو حسن البنا، وقد سعى الإخوان لاستغلال نجاحات حزب العدالة والتنمية وتسويق أنفسهم على أنه أحد فروعهم، وأن ما حققه من نجاحات في تركيا هو ما ينتظر البلدان العربية حال اختارت الشعوب الإخوان ليتولوا السطلة، واستغلهم أردوغان بالمقابل للتسويق للمنتجات التركية، وتحويل المنطقة العربية لسوق استهلاكي للمنتج التركي وتحقيق مكاسب اقتصادية، ونظرا للضعف العربي فقد أعنا عليه شيطانه ليطمح لنفوذ سياسي لم يكن على أجندته، ومع الوقت أدرك استحالة تحققه، وكل ما يربط الطرفين الأن علاقة عاطفة تماما كالتي تنشأ بين أتباع الحزب الشيوعي اللبناني في بيروت مع نظام حكم نيكولاس مادورو في فنزويلا، أو شجب الموقف الغربي من الانقلاب على إيفو مورالس في بوليفيا، بالتأكيد الحالة التركية نظرا للقرب الجغرافي والبعد التاريخي مختلفة، ولكن نحن نناقش هنا الجذور الفكرية، والتبعية التنظيمية بين حزب العدالة والتنمية، وجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما لا وجود لأي رابط بينهم سوى روابط العاطفة، والمصالح الاقتصادية، والتي تحولت لأحلام سياسية تركية بالنفوذ انتهت إلى كوابيس وصراعات في سوريا، وموقف اتخذه أردوغان باحتضان الإخوان في تركيا ليشكلوا له ضمانة لمصالحه، وعدم انقلاب النظام الجديد في مصر والمنطقة عليها، وتمسكه بورقة ضغط يتفاوض عبرها على ملفات عدة في سورية، وليبيا، وغاز شرق المتوسط وإلا أردوغان رجل قومي تركي، معني في المقال الأول بخدمة مصالح تركيا العليا، والشعارات الإسلامية جزء من تحقيق مصالح الدولة التي يسعى لتأمينها عبر إثارة عواطف العامة بها لا أكثر.

الخاتمة:

ننهي بهذا المقال سلسلة تاريخ الترك، ونخصص المقال القادم لتجميع الأفكار التي وردت بها، وشرح الفرق بين العثمانية الجديدة والعثمانيين الجدد، وفتح مجال للتفكير حول كيفية إيجاد صيغة للعلاقات التركية – العربية مستقبلا، وأتمنى أن يكون القراء الأعزاء قد استفادوا من هذه السلسة وفتحت أمامهم طريقا لمعرفة أوسع بتاريخ الترك وتركيا.