ما بين التاريخ والسياسة ..... حكم العثمانيين للعرب فتح أم احتلال؟!

16.11.2019

ملف خاص (5/3)

تمهيد:

أعزاءي القراء نبدأ اليوم مقالنا الثالث في سلسلة مقالات تاريخ الترك، والتي تهدف بالأساس للتعريف بتاريخهم، وربطه بحاضرهم، وصولا لفهم العقلية التركية، وأزمة التاريخ والجغرافيا والهوية التي تعاني منها الجمهورية التركية الحديثة، وانعكاس هذه الأزمات على تحركاتها الجيوسياسية بالمنطقة، لنتمكن من خلق تصور يمكنا من العيش بسلام، والتعاون معها على أسس جديدة تقوم على الندية، فقد جمعت بيننا الجغرافيا والعلاقات التاريخية، ولا يمكن لأي طرف أن يُلغي الأخر من على الخريطة، وفي سعينا هذا نلتمس المهنية بعيدا عن الاستقطابات والدعاية السياسية الأيديولوجية المستخدمة من طرفي الصراع الحالي.

المقدمة - مصادر تكوين الدولة العثمانية:

سيطرت الدولة العثمانية على ما مجموعه اليوم حوالي (42). دولة، وبلغت أوج اتساعها في عهد السلطان محمد الرابع. عام 1683م. وأصبحت مساحتها أكثر من 15 مليون كيلو متر مربع، ولا يمكن لدولة بهذا الحجم الهائل، والبلدان والأعراق والأديان والمذاهب المختلفة، وتمتد بالقارات الثلاث (آسيا – أوروبا – أفريقيا). وتحكمها سلالة من جد واحد لأكثر من 600 سنة. أن تحكم فقط وحصرا عبر القوة، فهما بلغت من قوة لا يمكنها حكم كل هذه الشعوب والأعراق، وبسط سيطرتها على هذه المساحة الشاسعة من الأراضي سوى بالسياسة وعقد اجتماعي ما بينها وبين هذه الشعوب.

مثلت الدولة التركية العثمانية قمة النضج السياسي والعسكري والحضاري، لكل الدول والإمبراطوريات التركية السابقة لها، ويعود أصل العثمانيين إلى جدهم الأعلى سليمان شاه قائد قبيلة قايي من الترك الغُز وهم أكبر قبائل الترك، والرياسة والسلطة غالبا تكون فيهم كما سبق وشرحنا في مقالنا الأول بعنوان (تاريخ الترك). [1]

نزح سليمان شاه مع قبيلته من شينجيانغ "تركستان الشرقية" الواقعة الأن في جمهورية الصين الشعبية، ومات غريقا وهو يعبر نهر الفرات بالقرن الثالث عشر الميلادي، وكان نزوحه مع قبيلته نتيجة للاجتياح المغولي للصين ومنطقة آسيا الوسطى، وقاد ابنه أرطغرل القبيلة وتحالف مع سلاجقة الروم الترك في الأناضول، ومن بعده ابنه عثمان الأول "الغازي" الذي يعتبر أول سلاطين آل عثمان عام 1299م. [2]

شكلت أسس تكوين الدولة العثمانية مصدر قوتها الرئيسية، وسبب بقاءها كل هذه المدة مع عوامل أخرى سنتطرق إليها لاحقا، حيث كانت مصادر التكوين الرئيسية لها كما يصفها البروفيسور العربي اللبناني وجيه كوثراني. هيلينية بيزنطية بالثقافة، وفارسية بالإدارة، وعربية إسلامية بالتشريع [3] وفي ظل هذا الخليط من الثقافات تمكن العثمانيين من حكم هذه الإمبراطورية الكبرى ست قرون كاملة.

خصائص الدولة العثمانية: -

للدولة العثمانية خصائص عدة تأثرت بمصادر تكوينها الثلاث الرئيسية، وهو ما سنحاول شرحه بالتفصيل ليتمكن القراء من فهم ومعرفة قوة هذه الدولة، وسر بقاءها ست قرون كاملة.

الثقافة والنظام السياسي:

كانت الدولة العثمانية دولة إمبراطورية سلالية، قائمة على سلطان ذكر يمثل رأس السلطة السياسية، وهذا السلطان لابد أن يكون من الترك، وعلى دين الإسلام، وينتمي للجد الأول المؤسس عثمان الغازي، ولا يمكن لأي فرد أن يحكمها مالم تتوفر فيه هذه الشروط، وعلى هذا الأساس فقد كانت هيلينية في ثقافتها، وكان يمكن لأي شخص أخر أن يصبح عثمانيا، وجزء من هذه الدولة وجهازها الإداري، والعسكري، والسياسي الذي كان يتيح المجال لمشاركة الجميع فيها مهما كان أصلهم، أو عرقهم، أو دينهم، شريطة أن يتحدث التركية العثمانية، ويلتزم بعاداتهم وتقاليدهم وأزيائهم، وولاءه للدولة عبر موالاة رئيس هذه السلالة التي يمثلها السلطان، وليس مهما ما هو دينه أو مذهبه وحقيقة اعتقاده، أما حال أراد أن يكون بالصف الأول، ويصل لمرتبة والي أو وزير أو وزير أعظم "رئيس وزراء" فلابد أن يكون مسلما، ولا يُشترط أن يكون ولد لعائلة مسلمة، والدخول في الإسلام قرار اختياري غير إجباري، يلجأ إليه أصحاب الطموح، ومن يرون في أنفسهم الإمكانيات التي تؤهلهم لنيل هذه المناصب والمراتب العليا، ولا يهم مدى التزام الشخص بالإسلام أو صدق إيمانه، يكفي فقط أن يقول لقد أصبحت مسلما، ويتخذ لنفسه اسما إسلاميا جديدا، ويمارس الشعائر الإسلامية في المناسبات العامة، ويبدي احترامه للإسلام وقيمه بغض النظر عما يفعله في السر، فالنسب وشرفه أن تكون عثمانيا وفق الشروط السابق، ولا يهم ما كنت عليه بالماضي والأصل العرقي والديني الذي جئت منه، المهم هو ما أصبحت عليه بالفعل عثمانيا أو عثمانيا مسلما أن كنت طامح بمركز مرموق بالدولة، ولا عائق أمامك حتى لمصاهرة السلطان، ولا الزواج من امرأة عثمانية من السلالة الحاكمة، أو من بنات السلطات أو أخواته، ولو حدث هذا سيصبح لقبك "الداماد" أي صهر السلطان، وتصبح جزء من هذه السلالة وكذلك أولادك، ولهم كل ما للسلالة العثمانية من حقوق دون منصب السلطان.

سياسيا يمكن أن تصبح الصدر الأعظم، والمتصرف بشئون هذه الدولة كلها بناء على تفويض من السلطان، وتصبح السلطان على الحقيقة وتصل لمكانة كان من المستحيل أن تصل إليها في بلدك الأصلي، وتحديدا في أوروبا التي كان محظورا فيها وصول أي شخص مهما كانت مواهبه لهذه المناصب مالم يكن من أسرة نبيلة ومرموقة، ولو تتبعنا قائمة أسماء الصدور العظام للدولة العثمانية الذين بلغوا أكثر من 250 صدر أعظم على مدى تاريخها [4] سنجد غالبيتهم من أصول إما يونانية، أو بيزنطية، أو سلافية روسية وصربية، أو ألبانية، وغالبيتهم الساحقة من أصول دينية أرثوذكسية شرقية، وعلى سبيل المثال كان إبراهيم باشا البارغالي. أحد أعظم الصدور العظام بالدولة. من أصول يونانية أرثوذكسية، ووالده كان صياد سمك، وأصبح الحاكم المطلق للدولة بتفويض من السلطان سليمان الأول. "القانوني" وتزوج من أخته السلطانة خديجة بنت السلطان سليم الأول "ياغوز" وكذلك رستم باشا. الذي أصبح صدرا أعظم، وتزوج من بنت أعظم سلاطين بني عثمان مهرماه ابنة السلطان سليمان الأول. وهو في الأصل ابن مربي خنازير كاثوليكي كرواتي، وكان أول عمله بالقصر العثماني سائس للخيول.

بهذا التوجه أخذت الدولة العثمانية عنصرها الثقافي الثاني من الحضارة البيزنطية الرومانية الشرقية الإمبراطورية، وفتحت المجال واسعا لكل الطامحين في الوصول للسلطة، والتمتع بالنفوذ دون منافسة السلطان العثماني، فلا وجود لإمبراطورية دون هذا السلطان فوجود أي فرد بالسلطة مرتبط بوجود السلطان، وبالتالي تميزت عن سائر الإمبراطوريات المنافسة لها حول العالم في ذلك الوقت بإتاحة الفرصة للترقي، واستفادت من خبرات كل العقول النابغة بغض النظر عن أصولها لترتقي بهم وتصبح أكثر قوة، وبها ينالوا المكانة العالية التي كان من المستحيل أن يصلوا إليها في بلدانهم الأصلية، وهو ما يشبه النموذج الأمريكي المستمد في ثقافته من التصور الإمبراطوري الروماني. لأجل ذلك تفوق العثمانيين على الجميع، وخلقوا ولاء قوي لهم ولرفعة الإمبراطورية وقوتها.

الإدارة:

تمتعت الإدارة العثمانية بنظام فارسي بيروقراطي مثالي في عصر النشوء والذروة، والبيروقراطية ليست كما يعتقد البعض تعني بالضرورة تعطيل مصالح المجتمع، وتعقيد كافة الإجراءات، فلا وجود لأي دولة بالعالم دون نظام بيروقراطي، تكمن المشكلة في فهم روح البيروقراطية، وأنها وسيلة لتسهيل المعاملات، وتطبيق القوانين والإجراءات، وحفظ الوثائق والسجلات، وضمان للمحاسبة وعدم شيوع الفساد، السمعة السيئة للأنظمة البيروقراطية في العالم العربية نابعة من تحولها لهدف لا وسيلة، وعدم تطورها، واعتمادها على موظفين محدودي المهارة والكفاءة، وفقدان روح المبادرة والابتكار نظرا لإهمال الدولة العربية "الحديثة" لقيمة الفرد، وتغليظ العقوبة على المخالف للأنظمة حتى لو أدت الغرض منها بكفاءة. فالأصل هو الطاعة والالتزام بما هو مدون بغض النظر عن نتائجه، مما أدى لتحول الموظف لماكينة تحفظ دون أن تفهم.

كانت الدولة العثمانية هي الأكثر كفاءة، والأكثر مرونة وتحديث دائم لقوانينها، والتزاما بتدوين كل كبيرة وصغيرة في ولاياتها، ولذلك نجد اليوم أن أكبر أرشيف لدولة إمبراطورية حول العالم مازال للدولة العثمانية، وقد اعتنى سلاطين بني عثمان بتحديث قوانين الدولة العثمانية وأنظمة إدارتها بشكل دائم، وقد بدأ هذا التنظيم منذ تولي عثمان الأول. للحكم عام 1299م. وطوره السلطان الثالث مراد الأول، والسلطان السابع محمد الثاني "الفاتح" والسلطان الثامن بايزيد الثاني "الصوفي" والسلطان العاشر سليمان الأول. أو "المُشرع" [5] الذي شهد عصره أكبر عملية تحديث على الإطلاق بالقوانين عمت سائر الولايات العثمانية، كان لهذا النظام الديناميكي، والساعي للتطوير والتحديث الدائم، والذي يعمل عليه موظفين ذوي كفاءة عالية دورا كبيرا في قوة الدولة، وقوة عدالتها وقوانينها إذا ما قُورنت بالإمبراطوريات الأخرى، وهذا ما أعطى للإمبراطورية العثمانية ميزات عدة للشعوب التي كانت تحت حكمها، ورأت فيها أنها الأفضل من غيرها.

مصادر التشريع:

اعتمدت الدولة العثمانية في مصادر تشريعها على الشريعة الإسلامية، ولكنها كانت أحد مصادر التشريع، وليست المصدر الرئيسي أو الوحيد للتشريع، وراعت وبشكل دائم التوازن بين الاعتماد على مصادر الشريعة في قوانينها، والمصادر الوضعية الحديثة وفقا لحاجات المجتمع، وتطور الزمن والعصر، وبذلك فقد كانت عربية – إسلامية في مصدر تشريعها الأساسي، وعصرية "علمانية" بالمصطلح الحديث في مصدر تشريعها الثاني، وبذلك تمكنت من حكم أعراق عدة ينتمون إلى أديان ومذاهب وعقائد شتى، وكانت تشريعاتها تعتمد في الأساس على الفقه الحنفي، وهو أكثر المذاهب الفقهية السنية ليونة وسعة أفق، ولم يكن يضاهيها في مرحلة ما قبل نهاية العصور الوسطى، والربع الأول من عصر النهضة دولة أو إمبراطورية في العالم بهذه الوضعية التشريعية المنضبطة، والقادرة على الدمج بين ما هو ديني ومدني يمثل مستجدات العصر، ويضمن قبول الجميع بهذه القوانين.

أرستقراطية الدولة وكواردها:

كانت النخبة الأرستقراطية أو طبقة النبلاء، تشكل أزمة دائمة لكل أنظمة الحكم في العصور القديمة والوسطى، وتخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي بالممالك والإمبراطوريات الكبرى، إما باستبدادهم على الرعية، أو بمنافستهم للسلطة الملكية الحاكمة، وقد أوجد بي عثمان حلا جذريا لهذه المعضلة، وبالتحديد زمن السلطان الثاني أورخان بن عثمان الأول، وبنصيحة من الصدر الأعظم الرابع سنان الدين فقيه يوسف باشا. بخلق طبقة أرستقراطية من العدم، يكون ولائها حصرا للسلطان، والسلالة العثمانية عبر نظام (الدِّڤشيرمة). [6] في الرابط السابق بحث أكثر من رائع للبروفيسور غولاي يلماز. أستاذة التاريخ العثماني بجامعة (أكدنيز – البحر الأبيض المتوسط). في أنطاليا. تشرح فيه هذا النظام بالتفصيل.

أعتمد نظام (الدِّڤشيرمة). على الأطفال الصغار الذين يقدمهم الرعايا المسيحيين للدولة العثمانية في حال عدم قدرتهم على دفع الضريبة المفروضة عليهم، وبالتطوع عبر مجيء بعض الأطفال اليتامى ممن فقدوا عائلاتهم بالقوافل إلى إسطنبول وبورصة، وبشكل أساسي على ضريبة الغلمان التي كانت تُفرض على كل أسرة مسيحية أرثوذكسية شرقية، وبموجبها لابد أن تقدم كل أسرة لديه أكثر من ذكر طفل لم يتجاوز عمره السابعة ضريبة للدولة العثمانية.

عبر هذه المصادر الثلاث جمع العثمانيين عدد ضخم للغاية من الأطفال، وأول ما يتم فعله هو حجز هؤلاء الأطفال في معسكرات مختلفة، وإجراء عملية ختان لهم، وتعليمهم اللغة التركية العثمانية حتى يجيدوها بشكل كامل كتابة وقراءة ونطقا، ويدخلونهم في الإسلام، ويعرفونهم بكتابه المقدس القرآن، وأحكامه وفق الفقه الحنفي مذهب الدولة الرسمي، وعلى العقيدة المَاتُريدِيَّةُ، والقواعد السلوكية والروحية الصوفية البِكْتاشيَّة، والتي تنسب لشيخها ومؤسسها حاج بكتاش ولي. المتوفى عام 1271م. في الأناضول، والذي يعتز به كل الأتراك حتى الأن لدوره في الحفاظ على اللغة التركية بعدما كان الترك يتجهون للاختيار ما بين العربية أو الفارسية كلغة لهم.

بعد إتمام العملية السابقة يتم تربية هؤلاء الأطفال على الولاء المطلق للسلالة العثمانية، وممثلها السلطان العثماني، وتعليمهم تاريخ آل عثمان. وأصولهم وغزواتهم وحروبهم، وبناء وعي وذاكرة جديدة تنسيهم ذاكرتهم القديمة، ليصبح السلطان هو أبيهم، وآل عثمان هم عائلتهم، والدولة العثمانية هي وطنهم، والإسلام هو أيديولوجيتهم.

بعدما يصل هؤلاء الأطفال لسن العاشرة يتم إدخالهم بالنظام العسكري، وتدريبهم على الشئون العسكرية، بجانب تعليمهم اللغات، والتاريخ والجغرافيا، وعلوم الإدارة، والآداب والبروتوكولات السلطانية، وغيرها من العلوم الواجب معرفتهم بها، وبعد وصولهم لسن الثانية عشر يتم إعادة فرزهم وتقسيمهم إلى مجموعات مختلفة.

المجموعة الأولى: أصحاب البنية الجسمانية القوية، والذكاء المحدود، والملامح القاسية، والشجاعة والجرأة، وهؤلاء يتم تحويلهم إلى الجيش ليصبحوا نواة قوات (يڭيچرى). أو "الإنكشارية – الجيش الجديد" وكانت أول دفعة تخرجت منهم بعهد السلطان الثالث مراد الأول.

المجموعة الثانية: الذين ظهر منهم نبوغ في تحصيل العلم، وقدرة على التعلم السريع، وهؤلاء يتم تحويلهم للجهاز الإداري والتشريعي للدولة ليحصلوا على التدريب والتعليم المناسب، ويكتسبوا الخبرة اللازمة التي تؤهلهم لتولي مناصب إدارية، وحكم الولايات العثمانية، وتولي منصب الوزارة أو الصدر الأعظم، أو الاتجاه للتعليم الديني ليصبحوا مفتين أو قضاة أو أئمة مساجد أو فقهاء بالدين.

المجموعة الثالثة: الذين يتمتعوا بمواهب فنية، وظهر من خلال تعليمهم لفنون الرسم والنقش، والعمارة والبناء أن لديهم ميلا لهذه الفنون، وقدرة إبداعية على القيام بها، وهؤلاء يتم إرسالهم لدور النجارة، والصناعة، والبناء، والنقش والرسم، والمعمار، وغيرها من هذه الدور المختلفة لتلقي التدريب والخبرة، ومن أبرز هؤلاء كان المعماري الشهير سنان. الذي كان ينتمي لأسرة مسيحية يُعتقد أنها أرثوذكسية شرقية يونانية.

المجموعة الرابعة: هم أصحاب الطول الفارع، والشكل الجميل، والبنية القوية، ولكنهم لا يتمتعوا بقدرات عسكرية، أو قدرات إبداعية فنية، أو صبر وجلد على التعلم والقراءة، وهؤلاء كانوا حرس القصور على بوابتها الرئيسية، وحرس الشرف لاستقبال الضيوف، وحراسة السلطان، وغرفه الخاصة، وكان يتم إلحاقهم بالخدمة العامة في القصور من سن مبكر لتلقي التدريب والتأهيل اللازم للقيام بمهام عملهم الجديد، ولكن قبل ذلك يتم خصائهم بشكل جزئي عبر إزالة الخصيتين لأنهم يطلعون على نساء القصر والجواري.

المجموعة الخامسة: هم المجتهدون بالعمل، وأصحاب القدرة على الحركة بشكل سريع، وذو ملامح حسنة، ولكنهم لا يتمتعوا بقدرات جسمانية مميزة، هؤلاء يتم إرسالهم لتلقي التدريب على البروتوكولات الخاصة بالقصور ليخدموا فيها، ويعمل بعضهم في تعليم الجواري فنون الرقص والغناء والخدمة، وكيفية تجهيز أنفسهن للسلطان، وخلافه من أمور القصور، ويتم خصائهم خصاء كامل عبر إزالة الخصيتين، ورأس القضيب، وكان الأقباط المسيحيين في مصر من أكثر المتخصصين في إجراء مثل هذه العمليات بالأديرة، خصوصا للرقيق السود القادمين من أفريقيا قبل إرسالهم لإسطنبول.

عبر هذه المصادر الثلاث سابقة الذكر، خلق العثمانيين نخبتهم الأرستقراطية، أو ما سُميت "أرستقراطية العبيد" وبها ضمنوا استقرار الدولة، وعدم منازعة أحد سلطانهم، وولاء هذه النخبة المرتبط مصيرها وبقاءها بالسلالة العثمانية، وكذلك ضمنوا حالة السلم الأهلي بعدم وجود ثورات على الإقطاعيين، أو صراع بين الفلاحين العبيد وأسيادهم كما كان عليه الحال في أوروبا.

سلطنة الحريم وقوة السلالة:

شهد العصر العثماني الأول في مرحلة النشوء زواج للسلاطين من عدة عرقيات مختلفة، وكان هذا الزواج في الغالب لأهداف سياسية، وأغلب هذه الزيجات كانت من نساء ينتمين إلى أسر ملكية أو نبيلة بيزنطية وسلافية، إلا أن حادثة أسر السلطان الرابع بايزيد الأول "يلدرم" بعد هزيمته في معركة أنقرة عام 1402م. على يد قائد الترك الأوزبك تيمورلنك. الذي وضعه داخل قفص حديدي، وأمر زوجته الأميرة الصربية أوليفيرا لازاريفيتش. بخدمة جنوده في حفل انتصاره، مما أدى لوفاته حزنا وكمدا داخل القفص، وصدر من بعدها قانون عثماني يحظر على السلاطين الزواج، وأن يكتفوا من النساء بالجواري فقط، وذلك حتى لا يتمكن أعداءهم من إهانتهم حال تعرضوا لهزيمة عسكرية وسقطوا على إثرها في الأسر، فالزوجة مقامها يختلف عن الجارية كما كانوا يعتقدون، وأول من عدل هذا القانون، وسمح للسلاطين بالزواج كان السلطان سليمان الأول. عندما أعتق جاريته الأوكرانية روكسلانا "خُرَّم" وتزوج منها بعدما استقرت الدولة، وبلغت من القوة ما يضمن عدم وقوع مثل هذه الحوادث.

كان محظورا على السلالة العثمانية أن تتزوج فيما بينها، فالأمير العثماني له الحق في اختيار ما يشاء من الجواري، والأمير العثمانية تتزوج بمن ترغب أو يختاره لها أبيها، أو يتقدم لخطبتها من أهل الخدمة الأرستقراطية التي تعمل لصالح الدولة من عرقيات مختلفة، وعبر هذه المصاهرات بين الأمراء والجواري، والأميرات وموظفي الدول "العبيد السابقين" يتم تدعيم هذا التحالف النخبوي وينتج سلالة أرستقراطية موالية للسلطان.

المصدر الرئيسي للجواري كانت الحروب والغزوات، والهدايا التي يرسلها الولاة إلى القصر، أو الملوك المسيحيين المتحالفين أو الراغبين من عقد اتفاقيات سلام مع الدولة العثمانية، وقادة البحرية العثمانية عبر سطوهم على مراكب الأوروبيين، والمصدر الأخير الشراء من سوق الجواري والعبيد عبر النخاسين الأوروبيين واليهود.

لا يُشترط أن يدخل الجواري في الإسلام، ويتم فرزهن وتقسيمهن كما يحدث مع الرجال في نظام (الدِّڤشيرمة). الجميلات الفاتنات صغيرات السن يخصصن للسلطان والأمراء، والمتواضعات الجمال للخدمة، والمتميزات في الحرف والتطريز يعملن في القصر وزينته، والموهوبات في الموسيقى والرقص والغناء يدخلن بالفرق الموسيقية المخصصة لحفلات السمر للسلطان، والأمراء، والأميرات، ولكن ومنذ وضع السلطان السابع محمد الثاني. قانون نامه. يشترط لتحصل الجارية على لقب "السلطانة" أن تنجب أمراء أو أميرات للسلطان، وتكون على دين الإسلام، كما لا يمكن أن يتولى السلطنة من كانت أمه غير مسلمة، وحال تولى السلطنة تُلقب أمه "بالسلطانة الأم" ولذلك كل جارية كانت تحمل من السلطان أو أمير عثماني تسارع بالتحول إلى الإسلام، ولا يُطلب منها سوى الاغتسال، ونطق الشهادتين بغض النظر عن حقيقة إيمانها، وكان في الغالب إيمانا ظاهريا لأجل المصلحة، أما مصير الجواري الذين يبلغن سن 25 سنة، ولا ينجبن حال كان لديهم علاقة مع الأمراء أو السلطان، أو لم يدخلوا للخلوة أصلا، يتم اعتاقهم ومنحهم حريتهم، وتزويجهم من موظفي الدولة، أو شخصيات عامة تركية، وتجهيزهن من داخل القصر، وبالتالي يكون هناك عملية إحلال وتجديد دائم لنظام الجواري، ولا يتبقى إلا السلطانات المحظور عليهن الزواج طالما أنجبن من السلطان أو الأمير، أو من ثبت تفوقهم بالخدمة واختاروا البقاء بالقصر لتولي مناصب قيادية.

أدى نظام الجواري لقوة نسل السلالة العثمانية، وتنوعها عرقيا حيث كانت أغلب الجواري يونانيات أو روسيات أو سلافيات أو إيطاليات، وهو ما انعكس على تغير ملامح السلاطين العثمانيين، وكثرة إنجابهم، وقوة نسلهم عكس ما كان عليه الحال لدى ملكيات أوروبا، والتي عانى نسلها من الضعف والقلة نتيجة زواج الأقارب حتى أن أسرة كبيرة وعظيمة مثل آل هابسبورغ. الذين حكموا غالبية أوروبا انقرضوا في نهاية المطاف نتيجة ضعف نسلهم، والأمراض الوراثية التي لاحقتهم، وعبر هذا النظام تمكن العثمانيين من إنتاج سلالة قوية ذات صحة وافرة، وتنوع عرقي فريد من نوعه.

النظام العسكري:

كما أسلفنا كان نظام (الدِّڤشيرمة). هو المورد الرئيسي لجنود الجيش التركي العثماني، وكان لا يشترط بالضرورة أن يكون كافة الجنود فيه من المسلمين، بل كان العديد منهم أرثوذكس شرقيين أو كاثوليك، وكذلك المهندسين العسكريين حتى أن المدفع الشهير (مدفع الدردنيل). الذي استخدمه السلطان محمد الثاني. في دك حصون وأسوار القسطنطينية. كان من تصميم المهندس المجري الكاثوليكي أوربان. فقط القادة العسكريين، وقوات النخبة الإنكشارية كانوا لابد من أن يكونوا مسلمين، وكان محظور عليهم الزواج طيلة عملهم في الخدمة العسكرية، ولا يتلقون رواتب شهرية، والعوائد المالية يتلقونها من خلال ما يحصلون عليه من حصص الغنائم، ولهم قاضي مخصوص يحكم فيهم يسمى (قاضي عسكر). ومن يحتاج لأموال غالبا ما كان يلجأ للمرابين اليهود ليقترض منهم، وينتظر الحملة العسكرية المقبلة ليحصل منها على الغنائم ويرد الديون التي عليه، وبعد تسريحهم من الخدمة يمكنهم الزواج، وبعضهم كان يظل في الجيش طيلة عمره يترقى في سلم القيادة العسكرية حتى يصل لقائد جيش أو أسطول. كان الجيش العثماني أقوى أسطول بحري بالعالم حتى هزيمته في معركة ليبانت البحرية عام 1571م. على يد التحالف المقدس الكاثوليكي بقيادة إسبانيا، وأقوى سلاح مشاة بالعالم حتى معركة حصار فيينا الثاني 1683م. وأقوى سلاح مدفعية حتى بدايات القرن الثامن عشر.

النظام الملي والحريات الدينية:

نقع في كثير من الأحيان بخطأ كبير. ألا وهو تقييم وقائع التاريخ وفق قيم الحاضر، لا وفق قيم العصر الذي كان فيه الحدث التاريخي، وكأن البشرية لم تتطور أو كانت ثابتة على نظام واحد لم يتغير، وبكل تأكيد وفق قيم العصر الحالي لم تكن الدولة العثمانية دولة حريات دينية، ولا دولة مثالية يمكن الاسترشاد بنموذجها في نظام الملل والمقصود به تقسيم المجتمع على أساس ديني، حيث لم يكن هناك ما تسمى الأن بالمواطنة، بل حكم إمبراطوري يحكم أمم متعددة الأعراق والأديان، ويقسمها وفقا لمللها الدينية والمذهبية والعرقية.

عندما نتحدث عن أواخر القرن الثالث عشر، وحتى قيام الثورة الفرنسية عام 1789م. نجد أن الإمبراطورية العثمانية كانت الأكثر حرية دينية مقارنة بكل الإمبراطوريات الأخرى، ولم ينافسها في منحها لهذه الحريات سوى الإمبراطورية الروسية زمن كاترين الثانية "العظيمة" عندما أصدرت قانون التسامح الديني عام 1773م. والذي كان ملهما للآباء المؤسسين في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما كانت أوروبا تعاني في ذلك الوقت من صراعات دينية لا تنتهي بين المسيحين أنفسهم، ولم تكن تقبل بدينين داخل أراضيها، ولا حتى مذهب مخالف لمذهب الملك والكنيسة، وكلنا نعرف مصير المسلمين واليهود في إسبانيا والبرتغال كيف كان عبر تخييرهم ما بين الطرد أو التحول للكاثوليكية، وكذلك الصراعات التي استمرت للأكثر من قرنين من الزمان بين الكاثوليك والطوائف البروتستانتية.

في الإمبراطورية العثمانية عاش المسلمين بكافة طوائفهم، والمسيحيين كذلك الذين كانوا في الغالب من الأرثوذكس الشرقيين والمشرقيين، واليهود وباقي الأديان الأخرى، ولم تتدخل الدولة في شئونهم الدينية، ووفق نظام الملل كان لكل طائفة زعيم ديني يتولى شئون الطائفة، وقيادتها والحكم بين أتباعها وفقا لشرائعها، وهو الممثل لهذه الطائفة أمام السلطنة العثمانية، وكانت حرية العبادة مكفولة للجميع طالما أقروا بسلطة الدولة العثمانية وموالاة سلطانها [7]

كان لكل طائفة الحق في البقاء على معتقدها، وبقيت دول وشعوب لمدة ثلاث وخمس قرون تحت سلطة العثمانيين، ولم يتحول منهم فرد واحد للإسلام مثل اليونانيين، والأرمن، وغالبية الشعوب السلافية باستثناء البوسنيين، وكان شرط البقاء على الدين وحرية العبادة كما أسلفنا، الولاء للدولة ودفع الضريبة "الجزية" بشكل سنوي للولاة، الذين كانوا يحصلون عليها عبر وسيط من داخل هذه الملل مثل الزعيم الديني، أو زعيم ذو مكانة اجتماعية منهم يتولى دفع الضريبة لخزانة الدولة مقابل أن تمنحه الدولة الحق بتحصيلها من أتباعه.

كان النظام الملي العثماني نموذج يحتذى به في زمانه داخل أوروبا، وكان المصلحين الدينيين من الكاثوليك، والطوائف البروتستانتية يتمنون أن تسترشد أوروبا وملوكها بهذا النظام، ويرون فيه نظاما شديد العدالة، ولعل البعض يستغرب عندما يسمع هذا الكلام، ولكن هذه هي الحقيقة والتي سنورد أمثله عليها من عدة كُتاب مسيحيين.

يقول الكاتب اللوثري المذهب، ورجل القانون الألماني (فيليب كاميراريوس). في كتابه (تأملات تاريخية). الصادر عام 1591. [8] في دفاعه عن التنوع الديني، وأثره في قوة المجتمعات حيث استشهد بمقولة السلطان سليمان الأول. حينما عارض رستم باشا. الصدر الأعظم في خشيته من زيادة عدد اليهود داخل الإمبراطورية بقوله إن تعدد الزهور وألوانها أفضل من بستان مليء بزهور من نوع ولون واحد.

رجل الدين الألماني المنتمي لطائفة السوسينيين "التوحيديين" (جان كيريل). حيث قال في كتابه (مرافعات من أجل الحرية الدينية). إن النظام المدني هو القادر على صنع السلام في أوروبا، وقد أدرك الأتراك ذلك الأمر مبكرا، ولذلك سمحوا للمسيحيين واليهود بكافة مذاهبهم بالعيش داخل امبراطوريتهم فلما لا يقبل المسيحيون بعضهم البعض وهم فقط مختلفون في المذهب [9]

الكاتب والدبلوماسي الفرنسي الكاثوليكي (غيوم بوستيل). المولود عام 1510. قال في كتابه (جمهورية التُرك). 1560م. إن الإمبراطورية العثمانية مترامية الأطراف، ومتعددة اللغات والقوميات والأديان. تمثل نموذجاً للتسامح الديني الذي ينبغي لأوروبا أن تقتدي به أن أرادت أن تعيش في سلام وازدهار [10]

رجل القانون الفرنسي الكاثوليكي (إينوسان جنتيليه). في كتابه (وسائل الحكم السليم). عام 1578م. قال أفلا ننظر للأتراك "المحمديين" كيف يقبلون بوجود المسيحيين داخل دولتهم فإذا ما وجب علينا في فرنسا أن نختار بين الحرب الأهلية المستمرة والقبول بالديانتين. فمن منا لا يرى أن القبول أفضل لنا بكثير [11]

زعيم الكاثوليك الإنجليز (وليام ألن). عام 1580م. قال لو كان الكاثوليك يلقون من عطف الملكة مثل ما يحظى به المسيحيون بين ظهراني الأتراك ما تركوا بلادهم والتجأوا لبلدان أخرى [12]

السلطة والانتخاب الطبيعي:

يمكن وصف السلطة في الدولة العثمانية بأنها لعبة. لعبة خطرة نتيجتها فائز حي، أو خاسر ميت، وهذه اللعبة للجميع فيها فرص متساوية. من ولاة ووزراء، وصدور عظام وأمراء، والمجال فيها مفتوح للوصول إلى السلطة شريطة امتلاك القدرة، نحن هنا أمام دولة إدارة الصراعات بامتياز.

كل الأمراء الذكور البالغين للسلطان، وبغض النظر عن خلفية أمهاتهم جواري كن أم حرائر، الأكبر سنا أو الأوسط أو الأصغر، أي كان منصبه، أو الولاية التي يتولاها، فرص متساوية في أن يصبح سلطانا، خصوصا وأن السلطان لا يختار وليا للعهد، بل يترك مسألة حسم خلافته للأقوى، والأقوى تحدده ظروف كل مرحلة، فعلى سبيل المثال مراحل الصراعات العسكرية مع الخارج يكون فيها الحظ الأوفر للأقوى والأجدر من الناحية العسكرية، وفي مراحل الصراع السياسي يتولى من لديه الحنكة والقدرة على فهم وإدارة صراعاتها، وإبرام المعاهدات الدولية لصالح الدولة، أما فترة السلم الخارجي والصراع الداخلي يتولى من لديه القدر الأكبر من الدهاء والمكر، والخداع والخبث، والأمراء إما رابحون أو خاسرون عملا بالمبدأ الحالي للرأسمالية الأمريكية، طالما أن الفرص متساوية للجميع فأنت من تحدد مصيرك، ومصيرك لا مجال فيه لحلول وسط، ولذلك وضع السلطان السابع محمد الثاني. في قانون نامه. بندا يتيح للأمير الذي يصل إلى السلطة بقتل جميع إخوته الذكور في نفس يوم صعوده على العرش، وبالتالي فالصراع لا رحمة فيه، وسيقاتل الجميع إن لم يكن لأجل السلطة فلأجل حياتهم، ومن يتمكن من الفوز فهو الأجدر، ومن يخسر فلا يلومن إلا نفسه والقبر ينتظره، وذلك لضمان استقرار منظومة الحكم وعدم تنافس الإخوة على السلطة.

أما الوزراء، والولاة، ومن يتم اختياره صدرا أعظم "رئيس وزراء" فالفرص متاحة للجميع، وكل من دخل عبر نظام (الدِّڤشيرمة). وتم فرزه وتحويله للجهاز الإداري للدولة. متاح أمامه كل أبواب السلطة حتى منصب الصدر الأعظم، وكل فرد يقرر مصيره عبر قدراته الخاصة، والصراع قائم على نظرية الانتخاب الطبيعي كما في الداروينية الاجتماعية. من لديه القدرة بالتكيف على الظروف، والتعامل مع متغيراتها، واللعب على تناقضاتها، والبقاء في ظل هذا الصراع، فهو الأقوى والأجدر بالمكانة السامية والرتبة الرفيعة بالدولة العثمانية.

العقد الاجتماعي:

كان للدولة العثمانية دستور غير مكتوب، ونظام عرفي أي متعارف عليه في تعاملاتها، ومنظومة قوانين مبنية على هذا النظام العرفي، وما ميز منظومة القوانين العثمانية بجانب ديناميكيتها، وتجديدها بشكل مستمر، أنها كانت تستمد من الواقع نصوص قوانينها، وتفرض سلطتها على شعوب الإمبراطورية عبر "الوسطاء المحليين" من ذوي المكانة الاجتماعية أو الدينية، والذين يقرون بسلطان الدولة العثمانية، والولاء للسلطان العثماني، والالتزام بتطبيق منظومة القوانين والأحكام السلطانية، ويؤدي إليها نيابة عن مجتمعه كافة الالتزامات المالية.

كان التقسيم الإداري العثماني يعتمد في البداية على تقسيم الولايات إلى (إيالات). والإيالة هي أعلى مستوى بالولايات، فعلى سبيل المثال مصر نظرا لحجمها وأهميتها كانت تسمى إيالة مصر، يلي الإيالة من حيث الأهمية السناجق ومفردها سنجق، ثم الألوية، والأقضية، والنواحي، والقرى وهي المستوى الأدنى في هذه التقسيم.

كان حاكم الإيالة يسمى (بايليرباي). "بكلربك" أي سيد الأسياد، أو بك الباكوات، وهو أعلى منصب لحكام الولايات، ومن يتقلده يصبح مؤهلا حال تم ترقيته لدخول الديوان العثماني لتولي الوزارة، وبعدها يمكن أن يصبح الصدر الأعظم للدولة، وكان البكلربك. يقيم في قلعة محصنة على أطراف عاصمة الولاية، مثل قلعة الجبل "قلعة صلاح الدين الأيوبي" في القاهرة على سبيل المثال، ومعه حامية عسكرية من الجند العثمانية لحمايته، وتأكيد سلطة الدولة على هذا البلد، ولا يتدخل في شئون رعايا الولاية، ولا يُسمح لجنود بالاختلاط بالسكان المحليين، ولا ممارسة أي نشاط تجاري، ويعيشوا في شبه عزلة بمنطقة خاصة بهم أشبه بالثكنة العسكرية، ومهمتهم مراقبة أداء "الوسطاء المحليين" والتأكد من التزامهم بتطبيق الأنظمة والقوانين، وضمان ولائهم للسلطنة وعدم سعيهم للاستقلال عنها، ويكون لهؤلاء الوسطاء شرطة محلية لحفظ الأمن، وجهاز إداري لجمع أموال الضرائب، وقضاة محليين ينتمون للمذاهب الإسلامية لأهل الإيالة، وقاضي قضاة معين من إسطنبول على المذهب الحنفي يمثل رأس السلطة القضائية العثمانية بهذه الإيالة، ومراقبة تطبيق القوانين، وله الحق في السماح للقضاة المحليين بالعمل بالقوانين العرفية في بعض الأحيان، ومراسلة السلطنة بضرورة دمج هذه القوانين في أول عملية تطوير تحدث للمنظومة القانونية مع إبرازه لأهميتها ودورها في تعزيز الأمن والسلم الأهلى، كما كان قاضي القضاة يشبه منصب رئيس محكمة النقض، الذي يلجأ إليه المتخاصمون كحكم عدل بينهم حال تعذر قبول حكم القضاة المحليين.

أما أصحاب الأديان الأخرى من اليهود والمسيحيين وغيرهم، فيحكم فيه قضاة من داخل ملتهم، ويراقبهم قاضي القضاة، ويجمع الضريبة "الجزية" أحد وجهائهم أو زعيمهم الديني حتى لا يحدث احتكاك مباشر بين موظفي الدولة وأهل هذه الملل الغير مسلمة مما قد يؤدي لمشكلات طائفية، وعلى سبيل المثال كان المعلم (جرجس الجوهري). كبير وجهاء القبط الأرثوذكس، هو المفوض من السلطنة العثمانية بجمع أموال الضريبة من جميع المسيحيين الأرثوذكس في مصر، وكانت السلطنة عبر الوالي تحدد له قيمة المبلغ المطلوب دفعه بشكل سنوي، ويتولى هو دفعه ثم تحصيله فيما بعد من باقي المسيحيين دون تدخل من السلطة.

الوسطاء المحليين كانوا إما من وجهاء البلد كما كان عليه الحال في جبل لبنان مع المعنيين، ومن بعدهم الشهابيين [13] والأشراف في الحجاز، والمشيخات القبلية في ساحل الخليج واليمن، أو زعماء القبائل، والمرجعية الدينية الشيعية في العراق، أو عبر بقايا المماليك في مصر والشام الذين تخلوا عن السلطان المملوكي قانصوه الغوري. في موقعة مرج دابق عام 1516م. وانحازوا للسلطان العثماني سليم الأول. مقابل أن يمنح سلطة الحكم المحلي لجان بردي الغزالي في الشام، وخاير بك الچركسي في مصر [14] وهؤلاء الأمراء من المماليك استقدموا العديد من المماليك الشراكسة القادمين من أذربيجان، وأرمينيا، وجورجيا، وجنوب روسيا. ليعملوا لصالحهم، ويتربوا على الولاء لهم، ويصبحوا جيشهم وجهاز شرطتهم، وهؤلاء كانوا هم الوسطاء بين الشعب والوالي العثماني الذي يتصل مباشرة بالسلطان في إسطنبول، وهكذا كان الأمر في ليبيا، وتونس، والجزائر، بينما كانت المغرب خارج نطاق الحكم العثماني، وتُحكم بشكل مباشر من أسرة استوطنت المغرب من الأشراف السعديين ثم الفيلاليون القادمين من الحجاز.

هذا النظام إذا ما تم مقارنته بالأنظمة الإمبراطورية السائدة عالميا في ذلك الوقت، كان يمثل للشعوب النظام الأكثر مثالية، بل وكان العديد من المسيحيين يفضلون العيش تحت ظله، ولا يقبلون باستبداله بحكم إمبراطورية مسيحية، فالصراع الديني بين الكاثوليك والطوائف البروتستانتية المشتعل في أوروبا، راح ضحيته مئات الألوف من المسيحيين بصراعاتهم فيما بينهم، بينما مسيحي الدولة العثمانية كانوا يعيشون في أمان، ويتمتعون بحريتهم الدينية، وكانت مملكة المجر التابعة وقتذاك للدولة العثمانية، ويحكمها الملك جون سيجسموند. منذ عام 1540م. الموالي للسلطان العثماني. تمثل واحة الحريات الدينية بكل أوروبا المسيحية، وكانت تعقد في شوارع ومجالس العاصمة بودين. مناظرات يومية بين المسلمين والمسيحيين واليهود، والكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، وكان الملك نفسه يحضر بعضها، وقد أدت هذه المناظرات لتغيير مذهبه من الكاثوليكية إلى المسيحية التوحيدية "اللاثالوثية" التي مازال لها حتى اليوم كنيسة كبرى في رومانيا. تسمى الكنيسة التوحيدية في ترانسيلفانيا، بينما تم إبادة كل أتباع مذهب التوحيدية في باقي أوروبا، أما اليهود فلم يجدوا حول العالم مكان يأويهم، ويمنحهم ليس فقط الحماية بل الحق في العمل، وحرية التجارة، وتحقيق الأرباح والثراء الفاحش سوى الدولة العثمانية، بينما كانوا مطاردين في كل أوروبا ويتم نهب أموالهم قبل طردهم منها.

بجانب ما سبق وفر النظام العثماني للسكان الحماية والاستقرار، فكانت الإمبراطورية قوية، وتطبيق القوانين فيها يتم بشكل صارم، وتعيش في حالة من الهدوء والسلام، كما أن اتساع حجمها بشكل كبير، وسيطرتها على أهم طرق التجارة العالمية، في ظل وقت لم تكن فيه حرية التجارة متاحة كما هو الحال عليه الأن. فكان التجار من كل الأعراق والأديان بالدولة العثمانية هم الأسعد حظا، والأوفر مالا، والأكثر ربحا من كل تجار العالم لسهولة التنقل، وحرية التجارة داخل هذه الإمبراطورية الكبرى بالقارات الثلاثة.

شكلت كل هذه العوامل وفق معايير ذلك العصر، مميزات عديدة جعلت الشعوب المختلفة تقبل بالحكم العثماني، وتخضع له لقرون عدة حتى دب فيها الضعف والفساد، وبدأت تتحول كل هذه المزايا إلى رزايا، وهو ما أدخلها بعصر الثورات والتفكك ثم السقوط [15]

الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية:

كانت الحياة الاجتماعية بالدولة العثمانية، شديدة الغنى والثراء، وتنوعت فيها أشكال مختلفة من الفنون، وبعدما قام السلطان سليم الأول. عام 1517م. بشحن ثلاث سفن عثمانية بالعمالة المصرية المهرة، ليعملوا في عاصمة السلطنة القسطنطينية "إسطنبول" لشدة إعجابه بعمارة القاهرة الفاطمية – المملوكية. تأسست مع الوقت مدرسة معمارية عثمانية، خلطت بين الفنون البيزنطية الأرثوذكسية، والفارسية، والمملوكية - الفاطمية المصرية، وطبعت كل هذه الفنون بلمحة خاصة تركية، وتفوقت في عمرانها على سائر بلدان أوروبا الغربية، التي لم تتمكن منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476م. من بناء كنيسة واحدة ذات قبة إلا عام 1436م. عندما استعان المصمم المعماري فيليبو برونليسكي. بالتصميمات البيزنطية لبناء قبة كاتدرائية سانتا ماريا دل فيوري في فلورانسا [16]

تميز المطبخ العثماني، والملابس والأزياء، والحياة الاجتماعية الفنية بثراء كبير، نتيجة لهذا الخليط والمزيج من الثقافات والعرقيات التي كانت تعيش داخل الإمبراطورية، ولعل أفضل ما كُتب في هذا المجال الكتاب الرائع (إعادة استكشاف العثمانيين). [17] للبروفيسور إيلبير أورتايلي.

في جانب اللغة والثقافة لم تسعى الدولة العثمانية لفرض لغتها على باقي الشعوب الأخرى إلا في المرحلة الأخيرة من عمرها، وكان تبني ثقافتها ولغتها طوعيا لمن أراد أن يلتحق بالخدمة في جهاز الدولة الإداري، ومن لم يكن يرغب في ذلك فكان له مطلق الحرية في تبني ثقافته المحلية، وهذه أيضا كانت ميزة كبرى في ظل وجود الإمبراطوريات الأخرى التي سعت لفرض هوية قسرية على جميع الشعوب الواقعة تحت حكمها، بجانب تركها مساحة من الحرية بالتعاملات الشخصية، وعدم التدخل في شئون وحياة الناس اليومية، وتركهم على ما هم عليه من عادات وتقاليد طالما ولائهم ثابت للدولة، وأتاح العثمانيين أماكن مرخصة للهو وشرب الخمر، والرقص وممارسة البغاء، كانت تسمى خمارات، يقصدها الأجانب المقيمين بالدولة، والمسلمين وغير المسلمين، بجانب المقاهي العامة التي كانت منتشرة في سائر مدن وولايات الدولة.

كانت نقطة ضعف الدولة العثمانية. إهمالها للعلوم الطبيعية، واختزال العلم والصناعة في الشئون العسكرية، واحتراف الحروب دون السعي للتطور العلمي، والميل نحو النظرة المحافظة تجاه العلوم والريبة من الفلسفة، وهو ما جعلها تتأخر عن سائر منافسيها، وكان أحد أبرز عوامل سقوطها وتخلفها وتخلف كافة الولايات الخاضعة لسلطانها ومنها الولايات العربية، كذلك لا نرى أي أثر يُذكر أو ذو قيمة لعلماء ترك في أي مجال من مجالات العلوم الاجتماعية، أو حتى العلوم الدينية المختلفة، وتعتبر أفقر الدول والإمبراطوريات المسلمة في انتاجها العلمي، والأدبي، والفلسفي، والديني.

هوية الدولة العثمانية:

كثيرا ما يثار الجدل حول هوية الدولة العثمانية، واعتبار البعض أنها "دولة إسلامية" تمثل امتداد للدول الإسلامية المتعاقبة منذ دولة الخلفاء الأربعة بالمدينة، وآخرون يرونها دولة تركية غازية، والبعض يراها إمبراطورية رومانية دين ملوكها كان الإسلام. بعيدا عن هذا الجدل ذو الطابع الأيديولوجي الذي يوظف سياسيا من أطراف عدة، يمكن عبر ما سبق من سرد لخصائص هذه الدولة فهم طبيعتها، وكذلك من ألقاب سلاطينها التي كانوا يطلقونها على أنفسهم، وخلاصة القول الذي أميل إليه أنها دولة ذات خصائص إمبراطورية تمازجت فيها الثقافات الهلينية البيزنطية، والفارسية العربية، يرأسها سلطان تركي سلالي، فكانت الفارسية لغة الأدب والشعر، والعربية لغة التشريع والدين، واليونانية لغة الفلسفة والفكر، واللاتينية لغة التعاملات الدبلوماسية، والتركية لغة السلطنة الرسمية وبها تدون مراسلاتها وأرشيفها، ويتحدث بها السلطان والنخبة الحاكمة.

الحديث عن الإسلام والخلافة الإسلامية، والدوافع الدينية لحروب الدولة العثمانية. يدخل في نطاق الرؤى الأيديولوجية التي تم استخدامها حديثا للترويج لإسلامية الدولة لتحصيل مكاسب سياسية لصالح أطراف إقليمية ومحلية، حيث لم يتلقب السلاطين العثمانيين بلقب الخلافة إلا قبل سقوطها بقليل!

يعتقد البعض أن السلطان العاشر سليم الأول. أول من تسمى بخليفة المسلمين، وحقيقة القصة أنه عندما دخل دمشق، وصلى الجمعة في الجامع الأموي. كما كان يريد أردوغان استعادة الماضي عبر الحاضر بتأكيده سابقا أنه سيدخل دمشق للصلاة بالجامع الأموي بعد سقوط بشار الأسد، الشاهد في صلاة الجمعة تلك عام 1516م. لقب خطيب الجامع الأموي السلطان سليم الأول. بلقب خادم الحرمين الشريفين، وهذا اللقب أول من حمله سلاطين المماليك في القاهرة، كما أرسل الشريف بركات الثاني. شريف مكة. أولاده بمفاتيح الكعبة إلى دمشق للقاء السلطان، وتقديمها إليه من باب إعلان الخضوع لسلطانه بعدما كانت الحجاز جزء من سلطنة المماليك بالقاهرة، ثم بعد دخوله القاهرة عام 1517م. أصطحب معه الخليفة العباسي المتوكل على الله الثالث. أخر خلفاء بني العباس، وظل في إسطنبول حتى وفاته عام 1534م. ولم يتسمى سليم الأول. كما يعتقد البعض بلقب خليفة المسلمين، ولا وجود لأي وثيقة تثبت تنازل الخليفة العباسي له، أو توصيته بأن يصبح الخلفاء من بعده هم بني عثمان، حيث أنه وفق المعتقد السني لا يجوز تولي الخلافة إلا لمن كان عربيا قرشيا، وعلى خلاف هل يكفي أن يكون قرشيا أم هاشميا، ولم يخالف أحد فقهاء السنة هذه القاعدة سوى أبو حنيفة النعمان، ولذا كل ما يقال عن لقب خليفة المسلمين ما هو إلا أسطورة لا دليل واحد ووحيد عليها، وقد ابتكرها السلطان عبد الحميد الثاني. عام 1876م. تحت مسمى الجامعة الإسلامية [18] ورابطة الخلافة التي يمثلها بعدما فقدت الدولة العثمانية غالبية الأراضي التي كانت تسيطر عليها في أوروبا، ولم يعد لها إلا الأراضي التي تحت سلطانها في العالم العربي.

أخيرا يكفي أن ننظر للألقاب التي اتخذها السلاطين العثمانيين لندرك أن الإسلام لم يكن يمثل في عصر قوة الدولة دور رئيسي فيها وكان يطلق السلطان العثماني في مراسلاته بشكل أساسي على نفسه الألقاب التالية:

أعلى حضرة أقدس همايون، السلطان خان المعظم ياديشاه، عاهل آل عثمان، وسلطان السلاطين، وبرهان الخواقين، ومُتوج الملوك، وظل الله في الأرضين، وسلطان البحرين، وخادم الحرمين الشريفين، وقيصر الروم، وأمين المدائن المقدسة الثلاثة/ مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس الشريف. كان يسبق اسم السلطان العثماني كل هذه الألقاب بالإضافة إلى أسماء المدن الكبرى تحت سلطانه، وأخيرا أضيف لها (أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين).

كل هذه الألقاب لا علاقة لها بالإسلام من قريب أو من بعيد، ولم يستخدمها الخلفاء الأربعة، ولا الأمويين والعباسيين والفاطميين، وهي خليط من ألقاب تركية، وبيزنطية، وفارسية قديمة، وعليه فالدولة العثمانية كانت إمبراطورية سلطانية تركية في شكل إمبراطورية رومانية ثالثة. لكن أباطرتها مسلمون، ويديرها ويتولى شئونها العسكرية أخلاط من البشر، ومن أعراق وأديان شتى. الرابطة الجامعة لهم الولاء لهذا السلطان التركي من سلالة آل عثمان، وعصبية الدولة أو أيديولوجيتها الإسلام، وكانت في ذروة صراعها مع ممالك أوروبا المسيحية يسمونهم الأتراك لا المسلمون.

العثمانيين في بلاد العرب فتح أم غزو أم احتلال:

مسألة حكم العثمانيين للعرب لم يثار حولها جدل عند سيطرتهم على بلداننا، ولم يتطرق أحد في ذلك الوقت لكل هذه المصطلحات التي ظهرت منذ مائة عام فقط، فنشوء وتطور فكرة الدولة مر بمراحل عديدة، بدء بالمشاعية البدائية، حيث لم يكن هناك دولة، ولا ملكية فردية، وكانت الأرض بها متسع للجميع، والمرأة هي المركز الرئيسي لهذا النظام المسمى بنظام الأمومة، ومع تدجين الحيوانات، والتوسع في الزراعة نشأ النظام الذكوري الذي سيطر فيه الرجل، وتراجعت قيمة المرأة، وبعدها بدء عصر القبائل والتجمعات الكبرى، وظهور السلطة الأبوية، الذي تطور وتحول إلى دولة قطرية ضيقة لها ثقافتها وهويتها، ومجتمعها أشبه بعائلة واحدة، وكانت أول دولة مركزية بالتاريخ هي الدولة المصرية القديمة عام 3200 ق.م التي أسسها الملك نارمر. الذي كان لقبه ميني أو "مينا" وتعني المؤسس.

مع التغيرات المناخية التي أدت لموجات من النزوح الجماعي،بدء عصر الإمبراطوريات، وكانت الإمبراطورية المصرية أولها وأول أباطرة التاريخ تحتمس الثالث. عام 1457 ق.م ثم سقطت الدولة المصرية عام 525 ق.م على يد الفرس الأخمينيين، وتعاقب على حكم مصر إمبراطوريات شتى، ومنذ ظهور عصر الإمبراطوريات انتهى الحكم المحلي، ولم يعد للدولة القطرية وجود، وكان النظام العالمي قائم على إمبراطورية قوية تحكم شعوب وبلدان مختلفة، وقد ظل هذا النظام معمولا به في العالم كله حتى توقيع صلح وستفاليا عام 1648م. الذي أنهى الحروب في أوروبا، وأنتج ما عرفت فيما بعد بالدولة القومية، وهي التسمية الصحيحة للدولة الحديثة فلا وجود لما تسمى "الدولة الوطنية".

كان من سمات الدولة القومية أن يكون لها علم خاص بها، وجيش، وعملة، وحدود، ونظام حكم، وارتباطها بعلاقة تعاقدية مع شعبها، والتزامها بالاتفاقيات الدولية مع الدول الأخرى، واحترام كل طرف سيادة وحدود الطرف الأخر، وبهذه الاتفاقية وجهت أوروبا طاقاتها للخارج للاستيلاء على بلدان آسيا، وأفريقيا، والعالم الجديد في أمريكا، وأستراليا.

ظل هذا النظام معمولا به، ويتطور مع الزمن حتى الحرب العالمية الأولى، والتي أدت لتفكك الإمبراطوريات الأربعة الكبرى (الروسية – النمساوية المجرية – العثمانية – الألمانية). وتأسيس عصبة الأمم المتحدة عام 1920م. ثم تأسيس منظمة الأمم المتحدة عام 1945م. في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتحول نظام صلح وستفاليا. والدولة القومية من اتفاق يحكم العلاقة بين دول أوروبا، لنظام عالمي مازلنا نعيش فيه، ويشهد الأن بداية النهاية، ولا يُعرف بعد شكل النظام العالمي الجديد ماذا سيكون، ولذلك تتسابق جميع القوى الدولية والإقليمية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب لها، لتحجز لنفسها مكان بهذا النظام الذي لو يولد بعد.

جدلية الغزو والفتح التي ظهرت في هذه الأيام، ونرى صراع حولها، بين من يرون كلمة فتح مدح، ومن يعتقد أن كلمة غزو ذم، وحقيقة الأمر أن كلا المصطلحين لا ينطويان على مدح أو ذم بقدر ما هما تعبير عن توصيف لوضع سياسي وعسكري.

الفتح هو جيش يحارب أخر، وينتصر عليه، ويدخل بلد المهزوم، وتصبح تحت سلطة الدولة أو الإمبراطورية التابع لها هذا الجيش، ويستقر في هذا البلد، وعليه فدخول الفرس الأخمينيين، والإغريق، والرومان، والبيزنطيين، والعرب، وغيرهم من الإمبراطوريات لمصر كان فتحا.

الغزو هو جيش يقاتل جيش أخر في مكان محايد، أو على أطراف البلد، وبعد نهاية المعركة يحصل على الغنائم، ويفرض شروطه السياسية ثم ينسحب من حيث أتى، ولذلك لم يجد المسلمون الأوائل ولا الحاليين أي غضاضة في تسمية حروب الرسول محمد. بالغزوات، لأنها كانت حروب على أطرف المدن، وانتهت بانتصار المسلمين، أو توقيع معاهدات بينهم وبين غير المسلمين، بينما حرب الاستيلاء على مكة سميت فتح مكة، وهذا ليس فقط لمكانتها الدينية، بل لكون المسلمين استقروا فيها، وفرضوا سلطانهم عليها، وكانت هذه الغزوات والفتوحات بعد وفاة الرسول محمد. صراعا عسكريا سياسيا واقتصاديا ولم يكن لدوافع دينية، حتى أن أول المؤرخين المسلمين، وصاحب المصنف الأشهر والأكبر في تاريخ هذه الحروب البلاذري. المتوفى عام 892م. سمى كتابه (فتوح البلدان). ولم يسميه "الفتوحات الإسلامية" وقسم الحروب لفتوح وغزوات.

الاحتلال هو سيطرة دولة ما على أخرى بالقوة العسكرية، ووضعها تحت هيمنتها دون حكمها بشكل مباشر، وهو ما حدث مثلا في مصر أثناء الاحتلال الإنجليزي، الذي أبقى على حكم الأسرة العلوية والخديوي، والأنظمة العامة السائدة، بينما كان قرار الدولة وصاحب السلطة الفعلية فيها هو ممثل الاحتلال المندوب السامي البريطاني، أو ما حدث بالعراق عام 2003م. وقد تم وضع قوانين لتنظيم عمل القوة المحتلة، منذ الحروب النابليونية بالقرن التاسع عشر الميلادي، وتطورت وصولا لاتفاقية لاهاي عام 1907م. ثم اتفاقية جينيف عام 1949م. وبالتالي مصطلح الاحتلال حديث ولم يكن له وجود أثناء دخول العثمانيين لمصر.

عندما نتتبع تاريخ النخبة الوطنية المصرية المطالبة بإنهاء وجود الاحتلال الإنجليزي، وعلى رأسها باعث اليقظة الوطنية مصطفى كامل، ورفيق دربه محمد فريد، أو عزيز باشا المصري، ومؤسس الاقتصاد الحديث طلعت حرب. فقد كانت مطالبهم استقلال مصر عن بريطانيا، وقيام اتحاد يجمعها مع الدولة العثمانية، وتحت سلطة الخليفة العثماني، ولكن بنظام لامركزي، وبشراكة كاملة مع تركيا يتم فيها صنع تاج يجمع ما بين تاجي المُلك للعرب والترك، ليمثل اتحاد كلا الأمتين، والمصالح والرابطة الدينية المشتركة، وقد كتب محمد فريد. كتاب خصصه عن تاريخ العثمانيين تحت عنوان (تاريخ الدولة العليا العثمانية). [19] دفاعا عن هذه الدولة، ولتأكيد ضرورة الاتحاد معها، وقام طلعت حرب بنشر رسالة باسم (كلمة حق على الإسلام والدولة العلية). للدفاع عن الدولة العثمانية ضد من كان يراهم "نخبة الاستعمار" الذين يريدون فصل مصر عن رابطة الخلافة، حيث كان يرى هؤلاء أن مصر وحيدة دون تركيا وبلدان الشام ستكون دولة ضعيفة، ولا حول لها ولا قوة، وكذلك إضعاف لتركيا، أما الفريق عزيز المصري. فقد كان عضوا فاعلا بحركة (تركيا الفتاة). المطالبة باتحاد العرب والترك، إلا أنه تركها بعدما سيطر عليها القوميين الأتراك المتعصبين.

بناء على ما سبق كان الحكم العثماني للعرب حكما سلطانيا، تم استبدال حكم السلاطين المماليك الشراكسة، بسلاطين عثمانيين ترك، ولم يكن هناك كثير فرق لدى الشعوب العربية بين كلا الفريقين في ذلك الوقت، ورأى الكثيرين أن حكم العثمانيين أفضل كونهم الأقوى، ولهم إمبراطورية أكثر اتساعا، ومجالات التجارة فيها أكبر من دولة المماليك التي ضعفت وتردت أوضاعها، وضربتها الفوضى من كل مكان ومل الناس منها.

على جانب أخر يرى البعض أن العثمانيين أنهوا وحدة العرب، حيث كانت دولة المماليك البرجية تضم مصر، وليبيا، والسودان، والحجاز، وبلاد الشام، وبها سلاطين يباشرون الحكم، وخليفة عربي عباسي يملك ولا يحكم، ويمثل وحدة المسلمين، ودولة قائمة بذاتها، ودخول العثمانيين قد أنهى وجودها، وأدى لخراب كبير، وموت الكثير من العرب في هذه الحرب. بينما يرى فريق أخر أن هذا الخراب كان مؤقت، وطبيعي ويحدث أثناء الحروب، وقد عم الهدوء والسلام بعدها، وفي ظل حكم المماليك وانقلاباتهم المتتالية كان يموت من الرعية مثل هذه الأعداد ولكن بشكل دائم.

العثمانيين ما بين ابن إياس وابن البكري:

عاصر دخول العثمانيين مصر، أو كان قريب عهد من حكمهم مؤرخين كبيرين هما ابن إياس الحنفي، وابن أبي السرور البكري، الأول ذم العثمانيين ووصف دخولهم مصر بالخراب، والثاني مدحهم ووصف حكمهم بالمنح الرحمانية في الدولة العثمانية، وهنا تبرز معضلة أيهما نصدق؟!

دور الباحث في التاريخ البحث عن الدوافع، وفهم الأسباب، والخلفيات، والبيئة والظروف المؤثرة بالأحداث وانحيازات المؤرخ نفسه، وعندما نتتبع سيرة ابن إياس. نجد أنه أولا كان من الشراكسة، وينتمي لقومية (الأباظة). القادمين من أوسيتيا الجنوبية في جمهورية جورجيا الحالية، وكان جده أميرا مملوكيا، ومن مماليك السلطان الظاهر برقوق، وكان أبيه في خدمة السلاطين الشركس، ونال منهم إقطاعا كبيرا من الأراضي الزراعية، وطبيعي للغاية بحكم أن السلاطين الشركس من موطنه الأصلي، وينتمون لنفس عرقيته، وعمل هو وأبيه وجده في خدمتهم، وهم ولاة نعمته ومن أقطعوه أراضي زراعية خصبة من أرض مصر. أن يكون لديه تعاطف تجاههم، وهذا أمر طبيعي لا يجرح في ابن إياس. الذي عرف عنه الموضوعية في كتابته للتاريخ فهو في النهاية بشر، كما أن ابن إياس عاصر الصدمة الأولى لدخول العثمانيين مصر، وما رافق ذلك من أعمال سلب ونهب، وقتل واغتصاب، وحرق وفقدان للأمن، وشحن الكنوز والنفائس، والعمال المهرة من مصر إلى إسطنبول، وهي أمور ولا شك تصيب أي إنسان عاصرها بالحزن والكمد، والضيق والنقمة على هذا الوافد الجديد، ولذلك من المفهوم شعره الشهير:

نوحوا على مصر لأمر قد جرى، من حادث عمت مصيبته الورى، زالت عساكرها من الأتراك في غمض العيون كأنها سنة الكرى، الله أكبر إنها لمصـيبـة وقعت بمصر ما لها مثل يُرى، لهفي على عيش بمصر قد خلت أيامه كالحلم ولى مدبرا.

هذا وقت توفى ابن إياس عام 1524م. ولم يعاصر من تاريخ الدولة العثمانية في مصر سوى سبع سنين، وكتب ما كتبه فور دخولهم حيث كانت الأحداث مازالت ساخنة.

ابن أبي السرور البكري. كان له قصة أخرى، فهو عربي، ويمتد نسبه لقبيلة قريش، فرع بني تيم، وجده الأعلى أبو بكر الصديق، الخليفة الأول بعد رسول الإسلام محمد، ولد عام 1588م. وتوفى 1676م. فكان مولده في كنف الدولة العثمانية، ولم يشهد سواها، وكانت في ذلك الوقت مستقرة وفي أزهى عصورها، لذلك لم يكن غريبا مدحه لها، وكتابته كتب عديدة في فضائلها، ولكن هناك أسباب ودوافع أخرى لابد من عدم إغفالها، منها أن الولاة العثمانيين قربوه إليهم، وكان قطبا صوفيا يتبركون به، ويأخذون مشورته، ويرسل له السلاطين العثمانيين الهدايا، وبينه وبينهم مراسلات ويمنحونه على ما يؤلفه من كتب في مدحهم العطايا المالية، وكانوا ولاة نعمته، كما كان الشراكسة بالنسبة لابن إياس، كذلك هناك أمر أخر هام فقد نشأت نقابة الأشراف في مصر زمن الدولة الطولونية عام 870م. وكان أول نقبائها أحد أحفاد إبراهيم طباطبا الحسني، وكانت تمثل شرعية للدولة الطولونية التي انفصلت عن الدولة العباسية، وظلت النقابة محصورة في السادة الحسينيين، والأشراف الحسنيين من نسل علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء، وعندما اسقط صلاح الدين الأيوبي حكم الفاطميين، وحدثت ضده عدة ثورات، وكان يخشى من عودتهم للمطالبة بالحكم، ومع تزايد العرب القرشيين في مصر، فقد حرضهم الوزير الأيوبي قراقوش. على دخول النقابة، ومنازعة الطالبيين للقب الأشراف، وأن الشرف لكل عربي قرشي كونه من قبيلة الرسول، وتحديدا أحفاد أبو بكر الخليفة الأول، وعمر الخليفة الثاني، ونشأ منذ ذلك الوقت أحزاب ثلاث، حزب يرى الأشراف هم فقط وحصرا أحفاد علي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء من الحسن والحسين، وحزب يرى أنهم فقط بنو هاشم، وحزب يرى أنهم كل من كانوا ينتمون إلى قبيلة قريش، ومع تولي السلطان الظاهر بيبرس، وافتتاحه الأزهر الشريف من جديد، وإجبار المصريين على التمذهب بأحد مذاهب أهل السنة والجماعة الأربعة، واتخاذه التصوف منهجا تصالحيا وحلا توافقيا كونه يُعلي من شأن وقدر أهل البيت، مع احتفاظه بالمذهب السني، فقد رأى أن يحسم هذا الجدل لصالح الطالبيين ليكسب ودهم، وسار على نهجه سلاطين المماليك البحرية والبرجية، وعندما دخل العثمانيين مصر لم يجدوا ترحيبا أو دعما من الطالبيين، وعليه فقد سارع البكريين على وصل الولاة العثمانيين، وتقديم فروض الولاء والطاعة لهم، وعبر هذه العلاقة فرضوا وجودهم داخل نقابة الأشراف، وسيادتهم على الطرق الصوفية، وقد ظل هذا الصراع بين الطرفين حتى مجيء الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م. حيث قاوم السيد عمر مكرم الحسني نقيب الأشراف الفرنسيين، بينما انحاز الشيخ خليل البكري لنابليون بونابرت، وقلده لأجل ذلك منصب شيخ مشايخ الطرق الصوفية، ونقيب الأشراف، بدلا من عمر مكرم، وكانت ابنته زينب البكري. على علاقة مع نابليون في قصة شهيرة انتهت بمقتلها على يد الأهالي، وتبرؤ أبيها منها ليحمي نفسه من غضبهم، ولذلك لم يكن موقف ابن أبي السرور البكري. من العثمانيين سوى جزء من هذا الصراع الطويل.

بعيدا عن حالة الاستقطاب بين المؤيدين والمعارضين، والمواقف الأيديولوجية التي اتخذت فيما بعد تجاه الدولة العثمانية، سواء من دعاة التنوير الليبراليين، أو من القوميين العرب، أو بالوقت الحالي نتيجة الصراع مع جماعة الإخوان المسلمين، وعلاقتهم بحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا الذي يمثل العثمانية الجديدة، هناك كتاب رائع عن حكم العثمانيين للعرب، ومدعم بالوثائق للمستشرق الروسي نيقولاي ايفانوف. يتحدث عن هذه الفترة بموضوعية، وبعيدا عن كل هذه المؤثرات بالفترة من 1516م. 1574م. وهو كتاب (الفتح العثماني للأقطار العربية). ومن حسن الحظ أنه قد ترجم إلى العربية [20]

الخاتمة:

أتمنى أن أكون وفقت في شرح هذا الموضوع المعقد والطويل بما يخدم القراء الأعزاء المهتمين بهذا الأمر، وتلخيص تاريخ الدولة العثمانية الذي امتد لمدة 400 سنة على الأراضي العربية، وغالبا ما يتم اختزاله بسنواته الأولى أو الأخيرة، وإغفال ما بينهما من قرون وعقود طويله، أو تصوير عصرها الذهبي الذي استمر لقرن من الزمان على أنه يمثل كل تاريخها، وكل هذه الطرق غير مهنية في قراءة التاريخ، أو لخدمة إيديولوجية بعينها، سنخصص المقال القادم للحديث عن نشأة الجمهورية التركية الحديثة عام 1923م. والعثمانيين الجدد، ودورهم النشط بالمنطقة، وماذا يريدوا منا لنفتح المجال للجدل والنقاش حول كيفية التعامل معهم.


[9] كتاب التسامح في عصر الإصلاح – جوزيف لوكلير – الباب السادس - الفصل الثامن – الجدل الديني – كتابات الآباء الأوائل

[10] كتاب التسامح في عصر الإصلاح – جوزيف لوكلير – الباب السادس - الفصل الثامن – هنري الثاني والبروتستانت

[11] كتاب التسامح في عصر الإصلاح – جوزيف لوكلير – الباب السادس – الفصل الرابع

[12] الباب الثامن – الفصل الرابع – كتاب التسامح في عصر الإصلاح