مستقبل مصر من كامب ديفيد إلى صفقة القرن!

12.02.2020

في يوم 26 مارس/أذار 1979م. بدأت الدولة العربية الأكبر مصر. مسار جديد لتطورها ونهضتها عبر ما تسمى اتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية. أو ما تعرف شعبيا باتفاقية "كامب ديفيد" كانت هذه الاتفاقية نهاية لمسار بدأ منذ العام 1805م. حيث أدرك جموع المصريين أننا تأخرنا كثيرا عن ركب الحضارة العالمية، وساعدهم في ذلك العزلة التي أنهتها الحملة الفرنسية، وأدت لصدمة حضارية كبرى كان من نتائجها ثورة النخب الشعبية على سياسات الدولة التركية العثمانية، وفرضها عزل الوالي خورشيد باشا، وتعيين والي جديد من اختيارهم، وتوقيع اتفاقية تنظم العلاقة بين الحاكم والشعب عبر نخبته سميت "السياستنامة" ليبدأ بعدها عصر التحديث الشامل بقيادة محمد علي باشا. وحركة الابتعاث للخارج. التي أدت لحالة من الجدل داخل المجتمع المصري بين من يرى أن الطريق الوحيد للحاق بركب الحضارة والتطور يكمن في تتبع خطى الغرب، واستنساخ كل سياساتهم، وثقافتهم، ونمط حياتهم لنصبح مثلهم.

فريق أخر وكرد فعل على هذه الدعوى التي رأوا فيها تحللاً من الدين، والقيم، والعادات والتقاليد تؤدي لتحولنا لمسوخ بشرية تابعة للغرب وثقافته، وفاقدة لهويتها واستقلاليتها. تشددوا بدعوتهم للحفاظ على الذات. بل وبالغ بعضهم بأن قال "أن طريق نهضة مصر والأمة وتطلعها للمستقبل يكمن في رجعيتها وعودتها لما كانت عليه" عملا بالقول المأثور عن الإمام مالك "لن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها". ونشأ التنازع بين تيارين أحدهما يدعو للقطيعة التامة والمطلقة مع الماضي، والأخر يدعو لمقاطعة الحداثة وحضارة الغرب، وظهر بينهما تيار أخر، وهذا التيار غالب مفكريه كانوا من علماء الأزهر الشريف، وعلى رأسهم الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي ومن شاطره فكره. حيث قالوا إن هذه القسمة والنزاع مفتعل، ولا ينبغي أن يكون. فلنا حضارتنا وهويتنا، وتحللنا منها، وإنكار تراثنا يعني الانتحار، والتبعية المطلقة للغرب وسياساته، ويستحيل النهضة في ظل هكذا تصور، والفريق الأخر الداعي للجمود بدافع الخشية من هذه الدعوة بالقطيعة مع الماضي سيؤدي لتخلفنا أكثر مما نحن متخلفون بالفعل، واتساع الفجوة بيننا وبين الغرب واستحالة اللاحق به في المستقبل.

لأسباب يطول شرحها تعرضت هذه المدرسة للهزيمة، وحل محلها النزاع بين الطرفين السابقين. حتى جاء انقلاب يوليو 1952م. وتحول بفضل إجراءاته السياسية والاجتماعية لثورة تغيير حقيقية، وسعت للعودة لتراث المدرسة التنويرية التي لم تتحلل من الماضي، ولم تنكر تطور الغرب وتقدمه الحالي، وكان من نتاجها تطوير الأزهر الشريف نفسه، وإدخال العلوم العلمانية في مناهجه ليصبح لدى طلابه سعة أفق أكثر، ونظرا لأن هذه الثورة كعادتنا لم تكن مكتملة، وكانت ثورة "القائد الأوحد" والزعيم المفدى، ولم تخلق لنفسها هياكل حقيقية بالسلطة، وتجمع حولها خليط من النحل، والذباب، والدبابير، والنمل. وتعجلت في مشروع التحديث بأكثر من قدرتها على الاستيعاب، ومن قدرة البلد على هضمها. فتعرضت لهزيمة نكراء في الخامس من يونيو/حزيران 1967م. وتضاءلت طموحاتها لتحرير ما تم احتلاله من أراضي مصرية، ومات كل إيجابي أنتجته بعد وفاة "زعيمها" وبقي وترسخ وتطور كل منحط وسلبي من سياساتها، وهذه هي النهاية المنطقية للمشاريع الفوقية. التي يعمل فيها قائد ما للشعب ولكنه لا يعمل مع الشعب. فيصبح هذا الشعب مجرد أداة، ومفعول به، ومصفق مهلل بكل الحالات وللشيء ونقيضه، فمن رفعوا شعار "لا رجعية ولا إخوان ولا تجارة بالأديان" وهللوا له. هم أنفسهم من فعلوا الشيء نفسه لشعار "دولة العلم والإيمان" وانتخبوا أصحاب شعار "الإسلام هو الحل".

مسار ثورة يوليو أدى بشكل طبيعي لكارثة كامب ديفيد. التي خلقت دولة جديدة شديدة الرجعية في المظهر، وتبدو متمسكة بهويتها وحضارتها وتبالغ في الحديث عن "إسلاميتها" تابعة ذليلة خانعة للغرب في الجوهر كما طالب بذلك بعد نخب ما بعد 1805م. إلا أن هذه التبعية دون تحديث أو تطوير كما كان يأمل هؤلاء، وأصبحنا في وضع مشوه دخلنا معه نادي السفاري ولعبنا ألعاب قذرة تضر بنا وبمصالحنا لصالح الغرب وأمريكا، وكان التصور السائد وقتها "للزعيم" الثاني أننا بتبعيتنا المطلقة لأمريكا، واستسلامنا لإسرائيل واطلاق يدها بالمنطقة، واستغلال فرصة قيام الثورة الإسلامية على الشاه وفقدان أمريكا للحليف الأهم بالمنطقة، وحاجتها لحليف قوي جديد، وأدوار قذرة إسرائيل بحكم معاداة محيطها لها، وعدم قبوله بها لا يمكن أن تؤديه بشكل كفء، والسعودية لضعفها العسكري قدراتها محدودة في لعبه، وتركيا تعاني من صراع على السلطة مع العسكريين، وبينها وبين شعوب المنطقة تنافر قومي، وإيران ضاعت من حلف أمريكا، وبالتالي ستصبح مصر الحليف الأوثق والأهم لأمريكا بالمنطقة، ويعلو كبعها على كل ما سواها مع الوقت. لم يدرك هذا التصور الساذج أن قيمة مصر، ودورها، ومكانتها لا يؤهلها للحصول على هذا الدور المرجو، وذلك لامتلاكها قوى ذاتية تمكنها في أي لحظة تشعر فيها بالقوة بتغيير المعادلة. أو التمرد على الشروط الغربية. قد يكون هذا الدور صالح لدولة إقليمية غير عربية مثل تركيا. أو إيران. أو دولة صغيرة محدودة القدرات أما مصر فالوضع يختلف تماما.

عادت مصر بعد احتلال صدام حسين للكويت لتلعب دور بأن تشكل غطاء للتدخل الأمريكي بالمنطقة، وتستلم ملف "السلام" بين الفلسطينيين والإسرائيليين. بحكم أنها الدولة المؤهلة أكثر من غيرها للعبه، وتمتلك علاقات جيدة مع "طرفي" الصراع، وكذلك أمريكا. كما كانت ساعي بريد ومرسال بين الأنظمة العربية وإسرائيل. التي لم تكن قادرة على التواصل المباشر معها، وقد أعطى هذا الدور لمصر ثقلا ما في عصر التبشير بالسلام العادل والشامل، وكل هذه الخرافات التي تم ترويجها، وكانت السياسة المصرية تدرك جيدا ألا وجود لسلام عادل ولا شامل. حتى أن الرئيس الأسبق مبارك. كان يعلق دوما على توقف المفاوضات بالقول لابد من العودة إليها، ولا يهم بالضرورة تحقيقها لنتائج فورية. بل المهم منح الشعب الفلسطيني الأمل بإمكانية الحل السلمي. حتى راجعت نظرية مفادها أن مصر فقدت كل أدوارها بالمنطقة، ولم تعد تملك سوى هذا الملف، وليس من صالحها إنهاءه، ولذلك فهي ليست بعجلة من أمرها، وهنا تدخلت قوى جديدة بملف الصراع مثل قطر، وصولا لعدة دول أخرى.

مسار كامب ديفيد أدى في النهاية لفشل مشروع "السلام" لأن إسرائيل أمنت على نفسها عبر الدولة العربية الأكبر، ونالت اعترافها، ولا ترى تهديد وجودي حقيقي بعد مصر بالمنطقة يمكن أن يخيفها أو يجبرها على ضرورة التنازل، والفلسطينيين في حالة تنازع، ومصر التي وعدوها بالثروات الهائلة التي ستتدفق عليها تعاني الفقر والعوز والحاجة، ومع مرور الوقت أصبحت الأنظمة العربية علاقاتها مباشرة مع إسرائيل، وتفوق في قوتها نظيرتها المصرية، وتراجع أخر دور لهذا البلد الذي تحول لشيخ هرم مسكين. لا حول له ولا قوة، وجل طموحاته التطلع لدور إسرائيلي ضاغط على أمريكا وإثيوبيا لأجل مياه النيل مقابل تخليه عن أمنه القومي. أو حصوله على اعتراف دولي، وبعض المنح والمساعدات، وصانع القرار يمكن أن يبرر ذلك بالقول المياه حياة. أم الأمن القومي فلن يؤدي لهلاكنا!

تطبع الأن إسرائيل مع العالم العربي بشكل مباشر، ودعمت استقلال جنوب السودان. حيث كانت أول زيارة لرئيسها بعد الاستقلال لتل أبيب لكي يشكرها على دورها، وعلاقاتها استراتيجية مع كل دول حوض النيل، وعلى غرار مصر يسعى السودان لخطب ودها للوصول لقلب واشنطن. بجانب قراره بالأمس بالدخول في لعبة المحكمة الجنائية الدولية الذي سينتج حتما استقلال لمنطقة دارفور. لنشاهد بعدها دولة جديدة حليفة لإسرائيل، وتقدم لها الدعم والمساندة لمنع الهجرة الغير شرعية باتجاه ليبيا. لتصبح إسرائيل الكبرى عن حق وحقيقة، ومركز المنطقة، وعنصر أمان المصالح الغربية التي يثق بها لاستحالة تمردها عليه مهما بلغت من قوة لحاجتها الدائمة له لبقائها، وتلك هي المعادلة التي غابت عن "الزعيم" المفدى الثاني بعد فشل "الزعيم" الناصر الأول، وبهذه النتيجة تصبح مصر كما مهملا لا قيمة له أكثر مما هي عليه الأن، وما سياسات النظام الحالي إلا نتيجة لمسار سواء كان على رأسها السيسي أو أي رئيس أخر كان سيتخذه لأن بديله صراع لا يقل ضراوة عن كل صراعات مصر بالماضي لنيل استقلالها، وشعب مصر في العموم مغيب، ولا يحب معرفة الحقيقة لأنه وأن كان لا يعرفها لكنه يدرك أن شئيا ما كارثي يجهله، ومعرفته به سيحمله ما لا يريد تحمله، وبالتالي يُسكن نفسه وآلامه بالحديث عن انتصاراته الوهمية، ويترك مهمة تغيير الواقع للأجيال القادمة. بعدما حققت إسرائيل مرادها، ونجحت في تنفيذ مخططها الذي كان جوهره الرئيسي من يحكم هذه المنطقة بعد خروج الاستعمار ويكون له الكلمة الأولى فيها، وما فلسطين إلا جزء من هذا الصراع الأكبر، وقد حُسم بأن إسرائيل هي السيد، وصاحبة القول الفصل، والكل لها تابع.

هذا هو السلام الذي تفهمه إسرائيل، وتحدث عنه نتنياهو عام 1996م. في كتابه الشهير (مكان تحت الشمس). حيث قال العرب لا يعرفون إلا لغة القوة، ولابد أن يكون السلام قائما معهم بمعزل عن قضية فلسطين، وأن يكون استسلام لإسرائيل وشروطها، وربطا لمصالحهم ومستقبلهم وبقائهم ببقائها، وعبر هذه المعادلة تضمن إسرائيل وجودها. لكونها تدرك جيدا أن الشعوب العربية رغم كل ما يقال عنها لم ولن تقبل بوجودها دون حصول الفلسطينيين على حقهم. كما أنها لا تثق ببقاء هذه الأنظمة إلى الأبد، وتريد الحصول على كل ما يضمن تحكمها في مستقبل المنطقة وشعوبها سواء بقيت هذه الأنظمة أو رحلت. تلك هي نهاية قصة جيلنا، ولكنها ليست نهاية القصة الكاملة.