حزب الله وإيران ... ولاية الفقيه ودخول معترك السياسة

31.10.2019

ملف خاص (3/2)

تحدثنا في المقال السابق [1] عن ظروف نشأة حزب الله، وكيف تمكن من ترسيخ وجوده في لبنان وتمكنه من تحرير الأرض، وبناء الهالة الإعلامية بعدما حقق شعبية بداخل لبنان وكل العالم العربي، في هذا المقال سنتحدث عن إيديولوجية حزب الله وإشكاليتها، ومدى تأثيرها على ولاءاته السياسة تجاه إيران من عدمها، وكيف ولماذا انخرط في العملية السياسية بعدما كان يرفض الدخول فيها، وصولا لتحطيم هالته الإعلامية.

ولاية الفقيه:

لا يمكن فهم عقيدة وأيديولوجية حزب الله وارتباطه بإيران دون فهم (ولاية الفقيه). وهو موضوع طويل ومعقد سأسعى لاختصاره وتبسيطه قدر الإمكان.

كلمة شيعي تعني موالي أو تابع لنهج شخص أو فئة أو جماعة، والشيعة في الإسلام هم أولئك المسلمين المؤمنين بمولاة وإتباع أهل بيت الرسول، وأهل البيت بالنسبة لهم هم أبناء علي بن أبي طالب، وفاطمة الزهراء بنت الرسول محمد، وهما الحسن والحسين ونسلهما، وداخل الشيعة مذاهب وفرق عدة. ما يهمنا هم الفرقة الأكبر عددا والتي يؤمن بعقيدتها غالبية الشعب الإيراني وحزب الله وجمهوره، وهي الفرقة الإمامية نظرا لإيمانهم بضرورة وجود إمام بعد وفاة الرسول يتولى شئون الدين والدنيا، والاثنا عشرية لإيمانهم بوجود اثنا عشر إماما بعد وفاة الرسول أولهم علي بن أبي طالب، ومن بعده ابنه الحسن، وبعده أخيه الحسين، وباقي التسعة من نسل زين العابدين بن الحسين بن علي، وهؤلاء هم أئمة كل شيعي اثنا عشري يدين لهم بالولاء، ومنهم يأخذ دينه، وإليهم يدفع الخمس من أمواله، وبأمرهم يضحي بروحه وحياته.

بعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري عام 874م. ظهرت إشكالية داخل المذهب وتسلسل الإمامة فيه سُميت "عصر الحيرة" حيث لم يظهر له ولد ليخلفه بالإمامة، خرجت بعدها نظرية تقول بوجود ولد بالفعل للإمام يسمى محمد وقد أخفاه عن العباسيين حتى لا يقتلوه، وأنه غاب غيبة صغرى حوالي (70). سنة كان يخاطب فيها شيعته والمؤمنين به عبر وكلاء أو سفراء أربعة من المخلصين له، وهم من يأخذ عنهم الشيعة الفتاوى ويدفعون لهم الخمس نيابة عنه.

بدء من عام 329 هـ دخل هذا الإمام فيما سُميت الغيبة الكبرى بعد وفاة الوكيل الرابع له، لكن في ظل الغيبة الكبرى التي لن يظهر فيها الإمام إلا في أخر الزمان كونه المهدي. كيف يمكن للشيعي أن يحصل على الفتوى بالأمور الدينية، ولمن سيدفع الخمس من أمواله الذي يقسم لقسمين قسم يوزعه الإمام على الفقراء، والأخر يحصل عليه الإمام ليكون تحت تصرفه، ولحل هذه الإشكالية ظهرت فكرة مراجع التقليد. أي رجل دين شيعي وصل لمرتبة الاجتهاد وأصبح مرجع بالعلوم الشرعية، ويسمى آية الله العظمى. على كل مسلم شيعي أن يأخذ فتاويه عن هذا المرجع المعتمد، ويدفع له الخمس من أموال، وفي ظل هذه الغيبة الكبرى لا تقام صلاة جمعة، ولا صلاة جماعة، ولا تقام دولة على أساس ديني، ولا يمكن للشيعة الجهاد أو الثورة، لأن هذه الأمور بحاجة لإمام معصوم هو من يقررها ولا وجود لإمام معصوم سوى المهدي المنتظر، وعليه يعيش الشيعة في حالة ازدواجية تحت سلطة حكم سياسي لا يؤمنون بها دينيا لكنهم يتعاملون معها وفقا لمبدأ الأمر الواقع، وولاءهم لبلدانهم راسخ، ولا يجوز لهم الثورة على حكامهم لدوافع دينية، عاش الشيعة وفق هذه القواعد في هدوء وسلام داخل الأقطار المختلفة، وتحت سلطة عدة دول وسلالات حاكمة، يتبعون نظام ديني مركزي وصارم داخليا، ويجمعهم نظام تكافل اجتماعي لا يجعلهم بحاجة لدعم من أي أحد في ظل توزيع المراجع الدينية لأموال أغنيائهم على فقرائهم.

بعد الغيبة الكبرى عام 329 هـ بسنوات قليلة ظهرت أفكار يمكن اعتبارها البداية لما سيسمى فيما بعد ولاية الفقيه، وتطور هذا المفهوم مع الزمن حتى تمكن روح الله الخميني من مأسسة هذه الرؤية الفقهية وعبر عنها في كتابه الشهير (الحكومة الإسلامية). [2] وهو عبارة عن عدة محاضرات له ناقش فيها عام 1969م. كيفية تأسيس دولة إسلامية شيعية في ظل غياب إمام معصوم من أهل البيت.

تقول هذه الرؤية الفقهية التجديدية داخل المجتمع الشيعي. أن الشيعة لا يمكنهم البقاء هكذا في حالة سلبية، ولا دور لهم بالحياة العامة، وانتظار عودة الإمام الغائب مسألة قد تطول ولا يُعرف متى ستحدث. ربما بعد أعوام قليلة أو قرون طويلة، وبالتالي يمكن تأسيس دولة إسلامية على منهج أئمة أهل البيت. على أن يتولى الولاية العامة فيها فقيه ومن هنا جاء مصطلح "ولاية الفقيه" وهذا الفقيه لابد أن يكون شيعي إمامي اثنا عشري، ووصل لمرتبة الاجتهاد "آية الله العظمى" ويلقب بالمرشد الأعلى "إمام المسلمين" كون الخلافة محصورة بالإمام الغائب، دور هذا الولي الفقيه إقامة العدل، ومراقبة تطبيق الشريعة، وجمع الشيعة حول العالم تحت مظلته، وتأسيس دولة قوية، وتقوية المجتمع الشيعي عالميا والعمل على وحدته حتى يكون مؤهل عند ظهور الإمام المهدي للانضمام إليه والجهاد معه والعمل تحت رايته، ووفق الدستور الإيراني فالدولة الإيرانية أمانة بيد هذا الولي الفقيه حتى يسلمها للمهدي المنتظر [3] العربي القرشي الهاشمي، كما أكد الدستور الإيراني على أن تكون اللغة العربية مادة تعليم أساسي من المرحلة الإعدادية حتى الثانوية بكل المدارس كونها لغة القرآن.

على جانب أخر يرفض غالبية الشيعة حول العالم هذه الرؤية الفقهية، ويعتقدون بأنها تحايل على عقيدة التشيع الأصيلة، وتضرب أصوله الفكرية والعقائدية في جذروها، حيث أن فلسفة الإمامة قائمة على أن يتولى الأمة إمام معصوم، ومن آل محمد لأنهم بيت الرسالة، وفتح المجال لتأسيس دولة دينية مع ما يطرأ على العالم من متغيرات وتحديات كبرى، مع عدم عصمة قائد هذه الدولة، وبالتالي سيكون عرضة للوقوع في الخطأ بالكثير من الأمور، وربما لا تقبل الشعوب سياسة هذه الدولة وتنقلب عليها، وهذا يعرض العقيدة الدينية لأضرار عديدة حيث سيُنسب الفشل للتشيع لا لقائد الدولة، كما أن الدولة الإسلامية لابد أن توحد أمة المسلمين تحت رايتها، وليس هناك من هو قادر على القيام بهذه المهمة بعد تفكك وتشتت الأمة سوى الإمام المهدي، وبالتالي ستكون هذه الدولة للشيعة فقط وستساهم في تفرقة المسلمين، ولا يمكنها تطبيق نظرياتها إلا على مجتمع شيعي 100% ولا وجود لدولة لديها أغلبية شيعية كاسحة لتطبيق هذا التصور، لذا على أرض الواقع المؤمنين بهذه العقيدة هم فقط مواطني إيران، وفقط المقلدين للمرجعية الدينية لمرشدها الأعلى، والمقلدين له خارج إيران، أما غالبية الشيعة، وتحديدا العرب فلا يؤمنون بولاية الفقيه باستثناء قيادات حزب الله ومن يقلد علي خامنئي من جمهوره، أما الشيعة الزيدية مثل حركة أنصار الله "الحوثيين" فهم لا يؤمنون أصلا بهذه العقيدة من الأساس. 

إشكالية ولاية الفقيه والدولة القومية:

تكمن إشكالية هذه الرؤية الفقهية في أن المؤمن بها سيقلد في فتاويه المرشد الأعلى الإيراني، وسيدفع له الخُمس من أمواله أو أكثر حال كان لديه القدرة ويريد "الثواب" الأكبر، أما موقفه وقراره السياسي فحتما سيكون تبعا لسياسات وتوجهات المرشد "إمام المسلمين" وقائد الدولة الإيرانية أيضا، ولا يمكنه القتال أو حمل السلاح أو حتى المشاركة في العمل السياسي إلا بفتوى رسمية منه، ولذلك يمكن أن نفهم لماذا لجأ حسن نصر الله. للمرشد الإيراني ليحصل منه على فتوى دينية قبل مشاركته العسكرية في الحرب الدائرة على سورية، فأي قرار سياسي أو عسكري لابد له من فتوى دينية قبل الإقدام عليه.

بعد العرض السابق يتضح لنا أن ولاية الفقيه أمر يتخطى الجانب الديني والعقائدي، وهذه العقيدة تنطوي على بعد سياسي يجعل من عملية الولاء الوطني، والانتماء القومي مسألة بلا قيمة، ولا يعني هذا الأمر أن المؤمنين بالضرورة بهذه العقيدة خونة أو ليسوا وطنيين، ولكن حال وقع الاختيار بين وطنهم ورؤية المرشد فالأكيد ستكون الغلبة لرؤية الأخير، وإلا فقد أصبح الفرد المؤمن بهذه العقيدة خارجها!

وجب التنويه أننا هنا نقدم شرح للعقائد كما يؤمن بها أصحابها ولسنا في محل جدل ديني حول صحتها من عدمها.

صعود حسن نصر الله وبداية عصر التحولات بالحزب:

مسألة ولاية الفقيه والتبعية المطلقة لإيران باستراتيجيتها ومشروعها بالمنطقة، واعتبار الحزب جزء من منظومة تصدير الثورة، وممثل لإيران ومرشدها الأعلى في لبنان لم تكن محل اتفاق بين جميع أفراد وقيادات الحزب في مراحل تكوينه الأولى، وكان هناك ما يمكن تسميته انقسام مكتوم بين جناحين الأول يرى في إيران حليف يقدم الدعم والمساندة لتحرير جنوب لبنان، وبالمقابل عملية التحرير والضغط على إسرائيل تخدم الأمن القومي الإيراني مع تأمين موقع نفوذ لها في لبنان مثلها مثل باقي القوى الدولية والإقليمية، وفريق أخر يرى ضرورة الانحياز الكامل والمطلق لمشروع الجمهورية الإسلامية، واعتبار الحزب جزء لا يتجزأ منه، وكان على رأس هذا الفريق المتحمس لهذا الخيار الشاب الذي تلقى تعليما دينيا بالحوزة العلمية بالنجف، والذي يمتلك موهبة خطابية وكاريزما حسن نصر الله.

قام هذا الشاب بعدة جولات نشطة ولقاءات وخطب عديدة ليؤكد فيها على ضرورة أن يكون الحزب واضح في خياراته تجاه إيران، وهناك مقطع شهير متداول على مواقع التواصل الاجتماعي يتحدث فيه عن هذا الأمر بوضوح [4] كذلك نشط في شرح عقيدة ولاية الفقيه، والرد على كل "شبهات" رافضيها من علماء الشيعة لترسيخها في نفوس المجتمع الشيعي الجنوبي [5]

أثناء فترة قيادة صبحي الطفيلي الأمين العام الأول للحزب لم يتمكن من معالجة هذا الانقسام، وعندما تولى عباس الموسوي المسئولية خلق توافق داخلي بين كلا الفريقين دون حسم الخلاف عبر تأكيده على ضرورة الوحدة والاتحاد لأجل المعركة، وبعد اغتياله على يد إسرائيل عام 1992م. تولى حسن نصر الله منصب الأمين العام وقائد الحزب ولم يكن عمره قد تجاوز 32 عام، ويعتقد على نطاق واسع أن توليه لهذه المنصب، وفي هذا السن الصغير في ظل وجود العديد من القيادات الأكبر سنا والأكثر علما منه بناء على اختيار إيراني بالأساس.

بعد تولي حسن نصر الله لقيادة الحزب انتهى زمن الحلول الوسطية ومحاولات خلق التوافق، وتمكن بشخصيته القوية وقدراته الخطابية، ومعارفه الدينية من حسم خيارات الحزب في مسألة ولاية الفقيه، والولاء المطلق لمشروع الجمهورية الإسلامية في إيران، ودفع الجمهور الشيعي الموالي للحزب في غالبيته لتقليد مرجعية علي خامنئي.

كان الخميني يدرك جيدا أن هناك خصوصية للبنان وشيعته، ومكانة مميزة لمرجعية محمد حسين فضل الله الزعيم الروحي للحزب، وصاحب الفضل الأول في خلق نخبة من الشباب الشيعي المتلقي للتعليم الديني، وهذه النخبة هي التي مكنت إيران من استغلالها وتحويلها لقاعدة لبناء الحزب، ونظرا لهذه المكانة، ومن باب العرفان له بالجميل فقد ترك مسألة التقليد له ولم يُلزم الحزب وجمهوره بضرورة تقليده. بينما لم يراعي مرشد الدولة الجديد علي خامنئي هذه الخصوصية، وأيده فيها حسن نصر الله خصوصا وأن موقف محمد حسين فضل الله لم يكن متحمسا على أقل تقدير إن لم يكن رافضا لولاية الفقيه ويراها مسألة اجتهادية الخلاف فيها جائز ولا تصلح سوى للمجتمع الإيراني [6]

يمكن القول بعد هذا العرض السابق أن إيران وجدت رجلها الصادق الصدوق، المؤمن حقا بكل مبادئ وأفكار الجمهورية الإسلامية، وهذه ميزة كبرى مكنت إيران من تحقيق انتصارات عدة بالمنطقة، وتحديدا في لبنان، لأن حسن نصر الله رجل عقائدي مؤمن، دخل السياسة من خلال بوابة الدين، ومقتنع تماما بكل ما يقوم به، ولذلك يعتبر مشروع حزب الله في لبنان هو أنجح مشروع واستثمار إيراني بالخارج على الإطلاق، ورغم أن جميع السياسيين اللبنانيين تابعين للخارج، إلا أن تبعية حزب الله عبر أمينه العام تختلف عن باقي الزعامات السياسية والطائفية الأخرى، فهذه الزعامات يمكنها وبكل سهولة أن تنقلب على مشغليها حال وجدت مشغل أفضل لمصالحها، بينما حزب الله بفضل عملية التحول الكبير التي قادها ورسخها أمينه العام أصبحت مسألة الولاء لإيران مسألة عقائدية لا مجرد مصلحة يمكن الانقلاب عليها حال وجود طرف أخر أكثر فائدة، وهذا الأمر من أهم أسباب خوف خصومه منه بالداخل والخارج.

وجب التنويه أن هناك العديد من الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم من جمهور حزب الله ومؤيديه، والداعمين له سياسيا وماليا، والمصوتين لمرشحيه في أي استحقاقات انتخابية لكنهم لا يقلدون علي خامنئي، ومنهم من يقلد غيره من المراجع، أو ظلوا حتى الأن يقلدون مرجعية محمد حسين فضل الله على الرغم من وفاته عبر تلاميذه النجباء، وهناك أيضا علماء دين شيعة ومؤيدين للحزب لا يقلدون خامنئي [7] وبالتالي مسألة اعتبار جمهور حزب الله بالمطلق مقلد للمرجعية الدينية الإيرانية ومؤيد لسياساتها تعميم غير دقيق.

مسألة السيادة في لبنان:

مسألة سيادة الدول بمفهومها الكلاسيكي والمتعارف عليه منذ صلح وستفاليا عام 1648م. والذي ترسخ بعد تأسيس الأمم المتحدة عام 1945م. أمر لا علاقة للبنان به، وربما لا يشاركها في هذا الوضع الفريد من نوعه أي بلد أخر حول العالم، ولعل أفضل وصف لحالة السيادة في لبنان كان للسياسي الشهير نجاح واكيم عندما قال (لبنان عبارة عن شركة متعددة الجنسيات). [8] لذلك أي مقارنة يعقدها أي عربي بين ظروف دولته أو دول العالم ولبنان هي حتما في غير محلها، فمن المهم لمن يريد فهم لبنان أن ينظر إليه بعيون لبنانية لا بعيون مصرية أو سورية أو سعودية وهكذا.

عندما تحدث الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. منذ عدة أيام عن جهات تتلقى تمويلا أجنبيا من سفارات وتشارك في الحراك [9] شاهدت العديد من التعليقات لمواطنين عرب غير لبنانيين يتعجبون من صدور مثل هكذا تصريح من شخصية سياسية هي نفسها تتباهى وتفخر وبشكل علني بتبعيته وحزبه المطلقة للمرشد الأعلى الإيراني وتلقي الدعم العسكري والمادي منه [10] مثل هكذا قول من البعض يبرز اللبس الحاصل في عدم فهم مسألة ومفهوم السيادة في لبنان، وحديث الأمين العام لحزب الله لا تناقض فيه وفقا لهذا المفهوم اللبناني جدا!

لا يوجد في لبنان منذ تأسيسه بالعام 1920م. وإعلان الجمهورية 1943م. أي زعيم سياسي أو طائفي يدعي أنه مستقل، أو غير تابع لقوى إقليمية أو قوى دولية. هذا شرف لم يتجرأ زعيم واحد على ادعاءه طيلة تاريخ لبنان، ربما هناك شخصيات سياسية لا تمتلك أحزاب، وليس لديها زعامة طائفية يمكنها ادعاء الاستقلالية ويمكن عد الصادقين منهم على أصابع اليد الواحدة، فالمعادلة في لبنان قائمة على تابع جيد مقابل تابع غير جيد، بمعنى عندما يتهم حسن نصر الله بعض خصومه بالتبعية لسفارات أجنبية فلا يشعر بأي خجل من هذا الاتهام، ولا يلومه باقي الزعماء عليه، ولا يلومونه بالمقابل على تبعيته لإيران. لأن الخلاف ليس حول التبعية بل جدوى هذه التبعية، فعلى سبيل المثال حزب الله يقول نحن تابعون لإيران وما يسمى "محور المقاومة" وبهذه التبعية نضمن حرية لبنان، واستقلاله، وتحرير المتبقي من أراضيه وسيادته عبر محور يقاتل لأجل أن يصبح قراره نابع من داخله لا مفروض عليه من قوى خارج المنطقة، بينما خصومه يقولوا نعم نحن تابعين لأمريكا والغرب، وقوى إقليمية عربية خليجية  أو ما يسمى "محور الاعتدال" بل وربما إسرائيل، لأن هذه القوى هي الأقوى عالميا، والقادرة على ضخم أموال واستثمارات، ومنها تأتي عوائد السياحة وبالتالي بتبعيتنا لهم نضمن رفاهية لبنان، ونحافظ على أمنه، تماما مثل تصنيف الغرب للإرهاب بين إرهاب طيب وأخر شرير، لذلك من المهم فهم خصوصية مسألة "السيادة" في لبنان بمعزل عن أي مفاهيم أخرى. 

الفارق الوحيد بين حزب الله وباقي خصومه أنه جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الإيرانية ومشروعها في المنطقة، لكنه يمتلك حرية كاملة في تقرير ما يراه مناسبا بالداخل اللبناني من عقد أو فك التحالفات، وإدارة الملفات الحكومية دون تدخل إيراني مباشر عملا بمقولة "أهل مكة أدرى بشعابها" طالما في الاستراتيجي العام هناك اتساق مع إيران، وهذا ربما ما يفتقده خصومه من حرية بالعمل الداخلي وتعرضهم في أحيان كثيرة لتدخل القوى الخارجية المشغلة لهم وفرض رؤى عليهم ربما لا تتناسب مع لبنان وتركيبته الداخلية.

حزب الله ومرحلة (الموجات العارمة - Tidal Waves):

بكل تأكيد لم تكن إسرائيل ولا العديد من القوى الإقليمية والدولية، ولا القوى الداخلية اللبنانية راضية عن سلاح حزب الله منذ اليوم الأول لاتفاق الطائف، ولكن موازين القوى والمواجهة مع إسرائيل لم تمكن أي طرف خصوصا بالداخل اللبناني من المجاهرة بهذه الحالة من عدم الرضا، ربما كان يعبر عن ذلك بعض الشخصيات السياسية والصحفيين، وكان الأمن السوري واللبناني يتولى عمليات اعتقالهم وتعذيب أو تهديد بعضهم.

وجدت كل القوى الرافضة لسلاح حزب الله في الانسحاب الإسرائيلي، ووفاة الأسد الأب وتولي الابن الشاب السلطة في سورية، ووصل أمريكا لمرحلة القوة المطلقة بإدارتها لشئون العالم منفردة فرصة في المجاهرة بضرورة خروج الجيش السوري من لبنان لأنه أصبح يشكل عبء على الدولة والمواطنين، ونزع سلاح حزب الله لكونه حقق الهدف منه وهو تحرير الجنوب، إلا أن هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح، وزاد من تمسك النظام السوري والإيراني ومن خلفهما الحزب بسلاحه الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م. والضغوط التي تم ممارستها على النظام السوري والإيراني، فكان وجود هذا السلاح ورقة ضغط هامة لتهديد إسرائيل حال تم التعرض لهما، كذلك أدى تعثر عملية السلام وانطلاق الانتفاضة الفلسطينية، وبقاء إسرائيل محتلة لمزارع شبعا ذريعة للحزب بأن مشروع التحرير لم يكتمل بعد للحديث عن نزع السلاح.

كان هناك ضرورة لشيء ما كبير يحدث على الساحة اللبنانية، ليتم إجبار النظام السوري على الانسحاب، ونزع سلاح حزب الله بعد فشل المخطط الإسرائيلي في توريط الحزب بصراع داخلي بعد انسحابه من الجنوب، وفشل قرار مجلس الأمن (1559). الذي قدمته كلا من أمريكا وفرنسا يوم 2 سبتمبر/أيلول عام 2004م. والقاضي بضرورة الانسحاب السوري من لبنان ونزع سلاح حزب الله.

كان الحدث الكبير اغتيال الزعامة السنية الشهيرة رفيق الحريري يوم 14 فبراير/شباط 2005.م والذي أُتهم فيه حزب الله من قبل خصومه بأنه المدبر لهذه العملية، اعقب ذلك اغتيال عدة شخصيات كانت مناوئة للحزب أو سورية مثل القيادي الشيوعي جورج حاوي، والصحفي جبران تويني، ومحاولة اغتيال الإعلامية مي شدياق، بينما يرد الحزب وحلفاءه على هذا الاتهام بالنفي المطلق، والتأكيد على أن هذه السلسلة من الاغتيالات كانت تهدف في الأساس للقضاء عليه أو إضعافه، ويدللون على ذلك بنتائج هذه الاغتيالات في إجبارها للنظام السوري على الانسحاب من لبنان، وتشكيل أكبر جبهة سياسية معارضة للحزب وحلفاءه وهي تحالف 14 أذار، وتعالي الأصوات بكل جرأة ووضوح ولأول مرة منذ العام 1982م. بضرورة نزع سلاح حزب الله، وتراجع نفوذه بالداخل، ولذلك يؤكد الحزب على أن أي عاقل يدرك سلفا أن مثل هكذا اغتيالات لن تصب في صالحه، وبالتالي ينبغي البحث عن المستفيد وهي أمريكا وإسرائيل، بينما هناك رؤية ثالثة تدعي أن منفذي هذه العمليات ربما من الجهات الأمنية السورية المخترقة أمريكيا وإسرائيليا بمرحلة إعادة ترتيب بشار الأسد لنظامه بالداخل، وقد قامت بها بناء على أوامر غربية لتوريط سورية وحلفاءها في لبنان، والتخلص من بشار الأسد في احدى حلقات الصراع على السلطة داخل سورية.

دوافع حزب الله للمشاركة في الحكومة:

كما أسلفنا كان موقف حزب الله منذ نشأته ناقد للعملية السياسية اللبنانية، ورافضا للمشاركة فيها مؤكدا على فسادها، ومتمسكا بنهجه كحركة مقاومة ومكتفي بدوره الاجتماعي لمساعدة الفقراء والمحتاجين داخل حاضنته الشعبية، وعندما دخل البرلمان عام 1992م. كان دخوله نتيجة ضغوط من حليفه السوري وبفتوى وأمر من المرشد الأعلى الإيراني، ويهدف في المقام الأول لخلق أكبر كتلة بالبرلمان اللبناني مؤيدة لسورية، ولخدمة جمهوره في قضايا حياتهم الخدمية اليومية، وكان نوابه نواب خدمات أكثر منهم نواب سياسيين منخرطين بتفاصيلها.

كانت دوافع حزب الله بالتحول من حركة مقاومة، إلى حزب سياسي له نواب بالبرلمان، ثم إلى حزب سياسي له ممثلين في الحكومة حيث دخل لأول مرة في تشكيلة الحكومة اللبنانية عبر وزيرين في يوليو/تموز 2005م. نابعا من خشيته بعد فقدان الداعم السوري، وعدم ثقته في حركة أمل، ووجود جو معادي له عالميا وإقليمية وداخل لبنان. بأن يؤدي لتبني الحكومة اللبنانية لقرار مجلس الأمن (1559). مما يعني أنه قد أصبح في مواجهة مع المجتمع الدولي لا يمكن له أن يتحمل نتائجها، ولذلك أراد الدخول في الحكومة ليضمن عبر تشكيله لتحالف من عدة قوى مواجهة تحالف خصومه المسمى 14 أذار. فشكل ما أسماه تحالف 8 أذار، وكان لهذا التحالف ثلث أعضاء مجلس الوزراء، وبالتالي ضمن وجود الثلث المعطل لصدور أي قرار ضده.

لم يكن لدى الحزب مشروع سياسي حقيقي، ولا رؤية اقتصادية، ولا كوادر مؤهلة لتولي حقائب وزراية، ولا قدرة على حكم لبنان منفردا ليتخذ خيارات سياسة تؤدي لتغيير المعادلة، وكانت مشاركته مجرد إثبات وجود، وصوت يعلو ضد خصومه حال وجد أن هناك تهديد لسلاحه.

على جانب أخر شكل الحزب تحالف واسع ضم كافة الطوائف والأطياف السياسية تقريبا: (التيار الوطني الحر/ماروني - تيار المردة/ماروني - الحزب الديمقراطي المسيحي/ماروني - تيار الكرامة/سني - جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية/صوفي - حزب الطاشناق/أرمن - الحزب الديمقراطي اللبناني/درزي - حزب التوحيد العربي/درزي - حركة أمل/ شيعية - الحزب العربي الديمقراطي/علوي - حزب البعث العربي الاشتراكي/قومي - الحزب السوري القومي الاجتماعي/قومي - التنظيم الشعبي الناصري في لبنان/قومي - حركة الشعب/يسار قومي - شخصيات سياسية سنية ومن الروم الأرثوذكس مستقلة).

نظرا للتناقضات الهائلة داخل هذا التحالف، واختلاف واختلال أوزانهم السياسية على الساحة اللبنانية، وطموحات ودوافع كل طرف المختلفة في تحالفه مع حزب الله. بجانب غياب الخبرة والرؤية للحزب لكيفية إدارة دولة، ووجود قيود والتزامات دولية سياسية واقتصادية على لبنان، ورغبة كل طرف في الحصول على حصته السياسية والاقتصادية. تم تأسيس هذا التحالف على قاعدة أن يناصروا حزب الله في قضية عدم نزع سلاحه وبقاءه مقاومة مشروعة، ومقاومة أي قرار دولي يهدف للتخلص منه، مقابل ألا ينافسهم الحزب على حصصهم الاقتصادية والسياسية، وأن يُغمض عينيه عن قضايا الفساد والإصلاح وتغيير بنية النظام السياسي اللبناني، وقد وافق الحزب على هذا الاتفاق الذي خدمه في قضية سلاحه، ولكنه ساهم في تشويه سمعته والقضاء مع الوقت وبالتزامن مع عدة عوامل أخرى على هالته الإعلامية.

الحرب والسياسة:

وصل حزب الله لقوة مفرطة لم تعد تُطيقها إسرائيل، ومع تصاعد الاستقطاب بالمنطقة بعد الغزو الأمريكي للعراق، والفراغ الذي خلفه سقوط نظام صدام حسين، وتقدم إيران لملئه في ظل غياب عربي كامل فأصبح لها النفوذ الأقوى في بغداد، شاطرت بعض النظم العربية إسرائيل في قلقها من إيران وكل حلفاءها بالمنطقة وعلى رأسهم حزب الله، ونشأ بين الطرفين تقاطع مصالح، وبدأ يتشكل محورين بالمنطقة.

محور الاعتدال يضم (مصر – الأردن – السعودية – الإمارات – البحرين – المغرب). هذا المحور مرتبط بالولايات المتحدة الأمريكية والغرب، وهناك تقاطع مصالح بينه وبين إسرائيل.

محور المقاومة يضم (إيران – سورية – حزب الله – الأحزاب الشيعية الحاكمة في العراق). هذا المحور قريب من روسيا والصين، وتربطه تقاطعات بالمصالح مع قطر، والحركات المسلحة الفلسطينية، وجماعة الإخوان المسلمين، وذو علاقة جيدة مع تركيا.

أدركت إسرائيل أن مشروعها بالانسحاب عام 2000م. وسقوط حزب الله في فخ الصراع مع الدولة والموارنة قد فشل، وكذلك فشل قرار مجلس الأمن الدولي (1559). في نزع سلاح الحزب رغم تحقيقه لنصر كبير بالانسحاب السوري، وفشل خصوم الحزب بالداخل اللبناني على التخلص منه بعد اغتيال الحريري، وتخطيه للموجه العارمة وتصاعد قوته السياسية بجانب العسكرية التي لم تعد تُحتمل، ورأت أن الأجواء الإقليمية والدولية تعمل في صالح توجيهها لضربة عسكرية خاطفة وسريعة تقضي على الحزب وتنهي وجوده، لكن لابد لهذه الحرب من مبرر، فكان اختطاف حزب الله لثلاث جنود إسرائيليين وأسرهم مبررا كافيا لشن حرب يوليو/تموز 2006.

تباينت الآراء حول من كان أكثر رغبة من الأخر في قيام هذه الحرب، رأت مصر والسعودية والأردن أن هذه الحرب مغامرة غير مسئولة من حزب الله [11] وحملوه تبعاتها، وحسب شهادة وزير الخارجية المصري الأسبق أحمد أبو الغيط. فقد أكد أن الموقف المصري والسعودي كان يرى في أن هذه الحرب خدمة لإيران أمر حزب الله بإشعالها لتحسين موقفها بالتفاوض حول الملف النووي [12] بينما يرى حزب الله أنه أجبر على هذه الحرب، ولم يكن يسعى إليها، وما كان يتوقع أن يؤدي أسر الجنود الثلاثة لحرب، ولو كان يعلم ذلك ما فعل هذه العملية حسبما صرح بذلك حسن نصر الله نفسه [13] بينما هناك رؤية ثالثة ترى أن إسرائيل قد تمكنت من فهم عقلية حزب الله جيدا، وتوقع ردود أفعاله، وأنها هي من وضعت له هذا الطعم ليقع في المصيدة نظرا لأن عملية اختطاف الجنود كانت شديدة السهولة، وتأمينهم كان بدائي للغاية، والمعروف عن الجيش الإسرائيلي دقته في تأمين جنوده المنتشرين على طول الحدود مع لبنان، وأن الحزب أبتلع هذا الطعم ليبرر لإسرائيل شن حرب مدمرة أستمرت لمدة 34 يوم، راح ضحيتها أكثر من 1200 قتيل وحوالي 4500 جريح، ونزوح لأكثر من مليون مواطن لبناني، وتدمير مدن وقرى بأكملها، وصفتها آنذاك وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس. بمخاض لولادة شرق أوسط جديد [14] وقد عزز هذا التصريح من هذه الرؤية بأن الحرب كانت بمبادرة وتنسيق أمريكي – إسرائيلي، ودعم من بعض النظم العربية تهدف للقضاء على حزب الله، وإخضاع النظام السوري والإيراني، وإعادة ترتيب الشرق الأوسط الجديد وفقا للرؤية الأمريكية.

أي كانت الدوافع ومن بادر بهذه الحرب فقد أدت إلى انتصار عسكري ومعنوي لحزب الله بعدم قدرة إسرائيل على هزيمته، وتمكنه من الصمود أمامها والمحافظة على سلاحه. بينما أدت لنصر استراتيجي سياسي لإسرائيل بسحب وحدات الحزب المسلحة إلى ما وراء نهر الليطاني، وهو ما يشبه وضع القوات المصرية غرب القناة بعد حرب 1967م. لكن دون هزيمة عسكرية أو وضع الأراضي تحت الاحتلال الإسرائيلي كما حدث في سيناء، وكذلك وضع قوات دولية (اليونيفيل). لتفصل بين الحزب وإسرائيل وتراقب التزام كلا الطرفين بوقف إطلاق النار، وهو ما يشبه وضع القوات المصرية بعد حرب السويس 1956م. واكتفت إسرائيل من هذه الحرب بهذا النصر الاستراتيجي بفقدان حزب الله قدرته على مباغتها بأي هجوم، وضرورة طلبه انسحاب القوات الدولية قبل قيامه باي هجوم عليها مما يفقده عنصر المفاجأة ويجعله في مواجهة أمام المجتمع الدولي، وبالمقابل لا تستطيع إسرائيل اجتياح لبنان دون أن تصطدم بالقوات الدولية وبالتالي تقنيا انتهت الحرب فيما بين الطرفين.

تحطيم الهالة الإعلامية:

بعد انتهاء حرب 2006. سارعت الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة بالإجهاز على قدرات الحزب اللوجستية، وذلك عبر قرارين حكوميين صدرا في 7 مايو/آيار 2008. بمصادرة شبكة الاتصالات الخاصة التي يستخدمها حزب الله بمعزل عن الشبكة الحكومية منعا لاختراقها من إسرائيل، وإقالة العميد وفيق شقير قائد جهاز أمن المطار، والحليف القريب من الحزب، والذي يسهل له نقل الأموال السائلة، وحرية تحرك قياداته وأفراده أثناء سفرهم من المطار إلى الخارج.

شكل القرارين استفزازا صريحا لحزب الله، وتم سحبه لفخ استخدام سلاحه ولأول مرة بالدخل اللبناني، ونزلت قواته بالتعاون مع حلفاءه إلى شوارع العاصمة بيروت، وتمكنوا من الاستيلاء عليها بالقوة العسكرية في ساعات معدودة فيما سميت أحداث 7 أيار. والتي راح ضحيتها أكثر من 70 لبناني وتدمير لعدة ممتلكات، وحالة من الفوضى والذعر اعادت للبنانيين ذكريات الحرب الأهلية، بمبادرة من قطر تم التوصل لتسوية بعد مفاوضات طويلة أدت لوصول قائد الجيش اللبناني ميشيل سليمان لرئاسة الجمهورية مقابل إلغاء القرارين الوزاريين وكان ذلك في (اتفاق الدوحة). [15] يوم 21 مايو/أيار من نفس العام.

عملية اغتيال الحريري، واغتيال العديد من القادة اللبنانيين، وحرب 2006، وقبل ذلك قرار مجلس الأمن بنزع سلاح الحزب 2004. وأحداث أيار 2008. وصولا لأحداث الثورة السورية، والتدخل العسكري لحزب الله فيها، وتحول الحزب لمنبر دعائي لإيران وسياساتها بالمنطقة، وخطابات أمينه العام حسن نصر الله الناقدة والمتدخلة في شئون عدة دول عربية مثل البحرين، والسعودية، والدور العسكري في العراق، والخلافات التي حدثت مع قطر وجماعة الإخوان المسلمين، وصولا لصراع وتراشق طائفي ومذهبي، وتحول خطابات حسن نصر الله للهجوم على خصوم إيران بالمنطقة بعدما كانت تهاجم وتتوعد إسرائيل، وتصدر بيانات بانتصاراتها، واتخاذ هذه الخطابات أيضا لمنحى طائفي وعصبي في كثير من الأحيان بعيدا عن لغته الهادئة وأحاديثه السابقة عن التوافق والوحدة، مع مشاركة الحزب بحكومات فاسدة، ومنحه الغطاء للفاسدين من شركاءه وحلفاءه بالحكومة، والسماح لخصومه بممارسة الفساد بلا رادع مقابل الصمت عن سلاحه أو عملا بالمقولة الشعبية "شيلني وأشيلك" أدت كل هذه الأسباب مجتمعة لفقدان الحزب للتعاطف الشعبي العربي معه، وتحول قضية سلاحه بالداخل اللبناني من قضية متوافق عليها ولو بالحد الأدنى لقضية نزاع كبرى قسمت البلد، وأدت لإحداث شروخ عديدة بالجدار اللبناني الهش أصلا، بالإضافة لتورطه بصراعات حزبية وطموحات شخصية لحلفائه المتصارعين على المناصب، أو الطامحين بالوصول لرئاسة الجمهورية.

انتهت أسطورة حزب الله، وتحول لحزب سياسي شيعي مسلح، وأصبح على أغلب قوائم الإرهاب العربية والدولية، وتم ابتذال كلمة المقاومة وخسارتها لمعانيها النبيلة التي رافقت بداية ظهوره وصولا لتحقيق انتصاره المشرف على 2000م. وأصبح اليوم في نظر الكثيرين رمزا للدفاع عن الاستبداد ممثلا في بشار الأسد ونظامه في سورية، أو الفساد في دفاعه المستميت عن حكومة سعد الحريري المستقيلة، أو أداة إيرانية بتدخله في شئون اليمن والبحرين والسعودية، أو داعم طائفي لدعمه للحشد الشعبي العراقي الشيعي في غالبيته.

الخاتمة:

أتمنى أن أكون وفقت في تقديم صورة كاملة عن أيدلوجية حزب الله، وعقيدة ولاية الفقيه وإشكاليتها، وتورط الحزب في العملية السياسية وكيف نجح خصومه في إسقاطه بفخاخ عدة، وكيف تحطمت صورته الدعائية وأصبح داعميه ومؤيديه محصورين في فئة محدودة وضيقة.

سيكون مقالنا الختامي غدا موضوعه دوافع حزب الله بالتدخل العسكري في سورية، ودوافعه في رفض إسقاط حكومة الحريري ودفاعه عن بقاءها رغم رفضها شعبيا، وسنسعى في الختام لوضع سيناريوهات استشرافية لمستقبل الحزب بعد كل هذه الأحداث والمتغيرات التي طرأت على الساحة الإقليمية والدولية



[3] https://www.constituteproject.org/constitution/Iran_1989.pdf?lang=ar (المادة الخامسة – الفصل الأول – الأصول العامة)