حزب الله وإيران ... التأسيس وبناء الهالة الإعلامية

30.10.2019

ملف خاص (3/1)

المقدمة:

نخلط في أحيان كثيرة بين (النقيضان) و (الضدان). اللفظ الأول يعني أمران لا يجتمعان في الوقت والشيء الواحد. كالوجود والعدم والحركة والسكون. بينما اللفظ الثاني لصفتان وجوديتان يمكن اجتماعهما أو تعاقبهما في موضع واحد مثل تعدد الألوان المختلفة، وعندما أتحدث اليوم في هذا المقال عن (حزب الله) وعلاقته مع إيران. أجد نفسي أمام أمر شائك وموضوع شديد الحساسية لكلا الضدين في رفضهما لنظرية الضد وإجبارهم الجميع تقريبا على معادلة النقيضان!

أنت مع حزب الله حتى النهاية، ومؤيد "للمقاومة" والحرية والكرامة، وأنا بتنفس حرية ما تقطع عني الهوا. أو ضده بالمطلق ومؤيد لكل من هم ضده حتى لو كانت إسرائيل، والحياد أو ما يسميه البعض "موضوعية" تعني خيانة وتبعية لإيران ومحورها!

هذا الأسلوب والمنطق المبني على الشمولية والإقصاء والإرهاب الفكري، وثقافة القطيع، والشيخ والمُريد القائمة على التلقين، والعقيدة الحدية مع أو ضد، حق أو باطل، وطنية أو خيانة، كفر أو إيمان. هو ما سطح العقل العربي، وخلق لدينا كسل فكري، ورؤى متطرفة لا تقبل إلا بما تراه وتعتقده، واستسلام للرواية الرائجة لا للرواية المنطقية مع تغييب هذا الأسلوب للعقل النقدي، وعلى الرغم من كل ما سبق سأتناول هذا الموضوع في مقالنا اليوم بناء على طلب العديد من القراء والمتابعين، على حلقات ثلاث وفق قاعدة ومنطق علم الاجتماع السياسي، والتحليل البارد متضمنا رؤية أصحابها ومقارنتها بأفعالهم، مما يمكن القراء أنفسهم دون تلقين من غيرهم بتحديد الصورة الأقرب للحقيقة بناء على ما فهموا ويعتقدوا أنه الصواب. أما المقالات التعبوية والدعائية فالساحة العربية زاخرة بها حتى أنه لم يعد تقريبا مطروحا سواها.

تمهيد:

الملف اللبناني بطبيعته معقد للغاية على المتخصصين، وبالتالي أكثر تعقيدا وصعوبة على غيرهم، ومع تصاعد الأحداث الجارية في لبنان ازداد الاهتمام بمعرفته وتكونيه، وخريطة أحزابه وارتباطاتها الخارجية، وحتى يمكنا فهم هذه المعادلة الصعبة نحتاج دوما إلى عودة ولو قليلا إلا الوراء لأن الواقع اللبناني الحالي ما هو إلا نتاج ظروف وأحداث تراكمت عبر الزمن حتى وصلت لما وصلت إليه الأن، وللمهتمين بمزيد من المعرفة بالخريطة السياسية اللبنانية أنصحهم بالاطلاع على مقال سابق بعنوان (شو هو لبنان ... دليلك لمعرفة الخريطة السياسية اللبنانية). [1]

نشأ لبنان منذ اليوم الأول لولادته عام 1920م. على يد الفرنسيين كبلد لا يمكنه الاعتماد على نفسه، ولا مجال فيه للحديث عن دولة أو استقلال وطني بمعنى الكلمة، فهو تركيبة معقدة من المتناقضات الدينية والعرقية والطائفية والمناطقية، ولم تنشأ فيه عبر التاريخ دولة مركزية، وكان ما يُعرف بلبنان تاريخيا منطقة محصورة في نطاق (3500). كيلو متر مربع، أما لبنان الحالي أو "لبنان الكبير" كما سماه الفرنسيين فمساحته أصبحت (10452). كيلو متر مربع بعد اقتطاع أراضي سورية ليتوسع على حسابها، ومنذ تلك اللحظة نشأت الأزمة الكبرى حول لبنان. ما بين أغلبية من المسلمين رافضين له وغير مؤمنين بدولة غريبة عليهم تفصلهم عن أراضيهم وعمقهم التاريخي مع سورية وباقي بلدان الشام الكبير، ومشروعهم قائم على مقاومة الانتداب الفرنسي وإخراجه من المنطقة والوحدة مع سورية، وأغلبية من المسيحيين الموارنة يرفضون رفضا باتا أي وحدة مع سورية، ويريدون دولة لبنانية مستقلة بحدودها الجديدة التي وضعها الفرنسيين، أو اقتطاع دولة مسيحية لهم وليذهب المسلمين للوحدة مع سورية بمفردهم.

لم يمتلك المسلمين القوة لفرض وجهة نظرهم، وكذلك الأمر بالنسبة للمسيحيين، والانتداب الفرنسي كان لابد له من الخروج يوما ما، ونتيجة لهذا التوازن من القوى وفقدان أي طرف لعامل الحسم تم التوافق المرحلي على صيغة تأسيسية للجمهورية اللبنانية الأولى، وهو ما يُعرف بميثاق العام 1943م. الذي بموجبه يؤيد المسيحيين مطالب المسلمين بالانسحاب الفرنسي من لبنان، ويؤيد المسلمين مطالب المسيحيين بلبنان مستقل دون طلب الوحدة مع سورية، ووفق هذه المعادلة قامت الجمهورية اللبنانية. على أمل من المسلمين بانتظار خروج الفرنسيين ثم الانقضاض على هذا الاتفاق وتوحيد لبنان مع سورية، ونظرية مسيحية ترى أن في هذا الاتفاق مجرد مرحلة يتم فيها إقرار استقلاله وبما يمتلكوه من صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية الماروني، وترسيخ لنفوذهم داخل مؤسسات الدولة، والدعم الغربي المقدم لهم سيتمكنوا من اجتذاب لبنانيي المهجر للعودة إليه، وهم في غالبيتهم من الموارنة، وعبر تزايد أعدادهم، وقدراتهم المالية سينقلبوا على هذا الاتفاق لتصبح لبنان دولة ذات أغلبية مسيحية، ولذلك نشأ هذا الكيان هشا منذ تأسيسه.

بعد استقلال سورية، وقيام النظام الجمهوري في مصر، وما تحقق لجمال عبد الناصر. من شعبية جارفة نتيجة للانتصار السياسي الذي حققه بعد العدوان الثلاثي، وقيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية عام 1958م. دخل لبنان في انقسام شعبي حاد بين وجهتي نظر مختلفتين مازالت قائمة حتى الأن وإن تغيرت أطرافها، لكن جوهرها واحد ألا وهو هوية لبنان ولمن ينبغي أن ينتمي.

الرؤية الأولى: رفع أصحابها شعار (قوة لبنان في ضعفه). تلك المقولة الشهيرة التي أطلقها رئيس حزب الكتائب اللبنانية بيار الجميل، وأيدتها باقي الأحزاب المارونية. يمكن اختصار هذه الروية في أن لبنان هويته فينيقية قديمة، وغربية بحر أبيض متوسط حديثة، والوضعية المثالية له تكمن في أن يصبح سويسرا الشرق كما سويسرا في أوروبا بلدا محايدا، ويفصل نفسه عن هذه المنطقة العربية ومشاكلها، وينفتح على الجميع بلا استثناء، ويعقد صلحا مع إسرائيل لتجنيبه خطر الدخول في حرب معها، ولا يتمتع بأي قوة عسكرية أو موقف منحاز فلا يشكل بالتالي خطرا على أي طرف وهنا تكمن قوته في تحوله لمركز للتجارة، والاستيراد والتصدير، وتجارة الترانزيت، والبنوك والمصارف، والسياحة والترفيه، ومركز شرق أوسطي للخدمات، وحال تعذر الاتفاق حول هذه الهوية فالبديل نظام فيدرالي ذو صلاحيات موسعة، يسمح للأطراف المسيحية والمؤمنة بهذه الرؤية أن تقرر مصيرها بمعزل عن الرافضين لها، ومع الوقت تطور هذا التصور وصولا لتأسيس جبهة تعبر عنه تحت اسم (الجبهة اللبنانية). عام 1976م. ضمت 4 كيانات سياسية وعسكرية مسيحية مارونية ذات اتجاه يميني أطلق عليها خصومها "الجبهة الانعزالية".

الرؤية الثانية: رفع أصحابها شعار (عروبة لبنان). ناقدين لشعار "قوة لبنان في ضعفه" مؤكدين على أنها رؤية سخيفة وساذجة، ولا يمكن تطبيقها على أرض الواقع نظرا لكون الشرق الأوسط ليس أوروبا، ولبنان ليس سويسرا، فهذه منطقة تشكلت فيها إمبراطوريات وحدت أراضيها عبر التاريخ وأصبحت العربية لغتها، وعاداتها وتقاليدها وجغرافيتها واحدة، وعلى حدود لبنان تم زرع كيان دخيل عليها لا ينتمي إليها، قطع أوصال المنطقة، وهذا الكيان بطبيعته توسعي استعماري وعدائي، ولا يمكن ضمان السلام معه دون امتلاك القوة، كما أن لبنان لا يمكنه الانعزال عن هذا الصراع ولديه آلاف من اللاجئين الفلسطينيين من مصلحته عودتهم لديارهم، وإلا سيتم توطينهم فيه مما سيخل بالتوازن الطائفي بالبلد ويؤدي لتفجيره، كما أن فكرة انعزال لبنان ما هي إلا فكرة استعمارية تهدف لعزله عن محيطه وانسلاخه منه ثقافيا، بعدما خلق هذا الاستعمار إسرائيل لتكون كيانا مختلفا دينيا وثقافيا وتاريخيا يقسم العرب، وبالتالي فعليا لبنان سيكون منحاز للخيار الغربي على حساب المصالح العربية، وسيصبح لقمة سائغة للغرب ودولة بلا أي إرادة أو قيمة بالمنطقة، ولن يأمن سائح أو مستثمر على المجيء إليه. فنكون لا استقلال خلقنا ولا رفاهية اقتصادية حققنا، وقد مثل هذه الاتجاه ما عُرف فيما بعد باسم (الحركة الوطنية اللبنانية). التي تأسست عام 1969م. وضمت حوالي 8 أحزاب وجبهات سياسية من مختلف الطوائف اللبنانية وكان يغلب عليها المسلمين.

نتيجة للخلافات الدائمة بين جميع الأطراف اللبنانية منذ تأسيس الجمهورية وقبل خروج هذه الجبهات إلى النور حدثت (أزمة 1958). وهي عبارة عن صراع مسلح بين الطرفين اتخذت فيما بعد طابعا دينيا بين المسلمين والمسيحيين، وكانت البروفة الأولى للحرب الأهلية اللبنانية، وبتدخل وتوافق (مصري – فرنسي – أمريكي). تم الاتفاق على تولي العماد "الفريق" فؤاد شهاب. قائد الجيش اللبناني رئاسة الجمهورية، وأن ترعى مصر المصالحة داخل لبنان، وضمان السلم الأهلي بالاتفاق مع الأمريكيين والفرنسيين، وقدم جمال عبد الناصر دعما قويا لفؤاد شهاب، وتعهد للبطريرك الماروني الكاردينال بولس بطرس المعوشي. بحفاظ مصر على استقلالية لبنان واستقراره، وقد دعم المعوشي. فؤاد شهاب، وأثنى على عبد الناصر ودوره. حتى أن اليمين الماروني سماه "محمد المعوشي" الجدير بالذكر أن الرئيس الفرنسي شارل ديجول كان قد نصح البطريرك الماروني بالتوافق مع مصر، وأنها تشكل ضمانة للمسيحيين في لبنان، وحذره من الانسياق خلف الأمريكان كونهم لا يفهمون المنطقة بشكل جيد، أما إسرائيل فلا تهتم إلا بأمنها ومصالحها كما ورد في شهادة الصحفي والدبلوماسي الفرنسي إيريك رولو. [2]

الدور المصري النشط بالمنتصف الثاني من الخمسينات والستينات ضمن السلم الأهلي في لبنان، وكان دورا مقبولا بالحد الأدنى من جميع الطوائف والأحزاب، إلا أن هذا الدور قد تعرض لاهتزاز وفقدانه للهيبة بعد الهزيمة المذلة التي تعرض لها نظام جمال عبد الناصر في حرب يونيو 1967م. وبدأت تحدث بعض التوترات على الجبهة اللبنانية. لكن ظلت مصر قادرة على عدم تحولها لصراع يهدد الدولة حتى توفي عبد الناصر، ومع تولي السادات ثم قيام حرب أكتوبر، وما أعقبها من بدء مسار جديد في شكل وتوجهات الدولة المصرية وتراجع دورها عربيا. تجرأت الأطراف اللبنانية على بعضها البعض وبدأ الصراع فيما بينهم من جديد، وفي هذه المرحلة رفع الرئيس السادات شعاره الشهير "أرفعوا أيديكم عن لبنان" في جلسة مجلس الشعب المصري يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول 1975م. والذي فسرته الأطراف المتصارعة على أنه تخلي مصري عن دور الضامن للسلام، ونتيجة خشية المسيحيين من فقدانهم الضامن المصري سارع الرئيس اللبناني الخامس سليمان فرنجية. لتحطيم ما تسمى "الشهابية الأمنية" وهي المؤسسات الأمنية التي أسسها فؤاد شهاب. لحفظ الأمن وجمع المعلومات كونها كانت مزعجة لكل الأطراف، التي لا تريد دولة في لبنان بالمعنى الحقيقي بل إدارة وبلد مشاع يتم فيه تداول السلاح وتبادل المعلومات بين الجميع بلا أي رقابة.

شكلت زيارة السادات للقدس عام 1977م. الضربة القاضية لكل مجهودات إيقاف الحرب الأهلية، وألهبت نيرانها الجميع، الفريق الأول من اليمين الماروني خرج ليقول لقد تأكد للكل صواب رؤيتنا منذ البداية، وضرورة انعزالنا عن مشاكل المنطقة، وها هي الدولة الكبرى مصر بقدراتها وإمكانياتها تذهب لعقد صلح منفرد مع إسرائيل، بينما رأى الفريق الثاني العروبي أن تصرف السادات يخصه ويعبر عن توجهاته لا عن توجه الأمة، وسيتأكد للجميع مستقبلا أن هذا التوجه سيُطلق يد إسرائيل بالمنطقة لتعبث بأمنها دون أي رادع، ولن تقبل في النهاية بعقد سلام مع أي دولة عربية، وأن هدفها من السلام مع مصر عزلها عن المنطقة لتُأمن ظهرها، مع اتهامهم للسادات "بالخيانة" وهنا اشتعلت الحرب الأهلية وصولا لاجتياح إسرائيل ولأول مرة لعاصمة عربية عندما قامت باحتلال بيروت عام 1982م.

في ظل هذه الظروف وخروج مصر من المعادلة العربية والصراع مع إسرائيل التي أمنت ظهرها بهذا السلام وأصبحت تضرب جميع خصومها من العرب بلا أي رادع قامت الجمهورية الإسلامية في إيران، وقطعت علاقتها مع إسرائيل، وأعلنتها عدو لابد من مقاومته، وهنا وجد النظام السوري حليفا بديلا عن مصر حيث لم يكن لديه القدرة منفردا على مواجهة إسرائيل، وبدأت في ظل هذه الظروف وحدوث الفراغ العربي قصة حزب الله اللبناني.

السياسة تكره الفراغ:

يقال إن الشعوب العربية عاطفية، وتحكم الأحقاد والغرائز رؤيتها السياسية، وبغض النظر عن صحة هذا الرأي من عدمه. حال نظرنا للسياسة الدولية برؤية عقلانية، سندرك بكل بساطة وسهولة أنها ليست جمعية خيرية، ولا تعتمد على حسن الجوار، واحترام استقلالية الدول، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وكل هذه الشعارات التافهة. حسن الجوار واحترام الدول يكمن في قوتها، واحترامها أولا لنفسها عبر عملها وامتلاكها لأدوات القوة التي تمكنها من فرض إرادتها، والسياسة تكره الفراغ ولا تقبل به. فعندما يترك أحدا ما مكانه حتما سيتجه غيره إليه ليحل محله، وهذا ما حدث بالمنطقة وفي كل العالم قديما وحديثا وسيحدث مستقبلا، الأخلاق والدين والإيمان والفضيلة، وإرجاع الحقوق لأصحابها قضايا فردية تخص أصحابها، لا يمكن أن تحكم العلاقة بين الدول أو تصبح معيار يتم بناء علاقات دولية على أساسه، تلك هي قواعد العمل السياسي بعيدا عن تنظيرات غريبة نسمعها في عالمنا العربي، ومن بعض زعماءه نتيجة ضعفهم وهوانهم وكأننا في إحدى الحارات أو القرى التي وصى فيها الرسول على سابع جار!

إيران ورحلة البحث عن حزب الله:

يوجد عالم عربي مكون من عدة دول، وهذه الدول بهذه المنطقة من العالم تتمتع بثراء وموقع استراتيجي فريد وهام للعديد من القوى الدولية والإقليمية، ونظرا لغياب الحد الأدنى من الوحدة والاتفاق والقوة للعرب، يسعى القريب قبل البعيد لاستغلالهم وخلق نفوذ على حسابهم، وهذا بالضبط ما فعلته الجمهورية الإسلامية الإيرانية ما بعد الشاه، والتي وجدت نفسها بمحيط معادي لها بعد الثورة، وتعرضت للهجوم الخارجي بالعام الثاني من قيام ثورتها بقيادة العراق المدعوم عربيا وغربيا في حرب استمرت من العام 1980. إلى 1988. دمرت كل مواردها، وكل القوة التي راكمتها منذ بدء القرن العشرين، وعليه اعتمدت الاستراتيجية الإيرانية على العقيدة النابليونية. بنقل الحرب لأراضي خصومها، ورفع شعار "تصدير الثورة" عملا بالقاعدة الشهيرة خير وسيلة للدفاع الهجوم، وفي ظل بحثها عن فراغات بمحيطها لتشغله وتشكيل تحالفات جديدة. استغل نظام الخميني الفراغ الذي خلفته مصر بالمنطقة بعدما انسحبت منها، ورفعت شعار "مصر أولا" مع عدم قدرة أي طرف عربي أخر على ملئه، ووجدت ضالتها في النظام السوري الذي كان يبحث هو الأخر عن حليف قوي يستند عليه بعدما أصبح وحيدا بعد خروج مصر من الصراع، وفي ظل الفوضى التي ضربت لبنان، وحاجة إيران لأوراق ضغط على أمريكا وحليفتها وقاعدتها العسكرية الرئيسية بالمنطقة إسرائيل لتكون أداة ضغط عليها، بدأت تبحث في لبنان على من تقدم له الدعم المادي والعسكري، ويدين أيضا بالولاء لها، ويستطيع الضغط على إسرائيل. في البداية اعتقدت إمكانية تحقيق ذلك عبر المنظمات الفلسطينية المسلحة المتواجدة في لبنان، ولكن الاختلاف الأيديولوجي، وانحياز ياسر عرفات للعراق في حربه على إيران أدى للتخلي عن هذا الخيار.

كثفت إيران من مجهودات بحثها في المجتمع الشيعي الذي كان لها فيه قاعدة شعبية أسسها شاه إيران. سعيا منه لخلق نفوذ في لبنان، وهنا نؤكد مجددا أن الدول التي تمتلك مؤسسات حقيقيه تتغير أيديولوجياتها وتوجهاتها وسلطة الحكم فيها، وتظل منظومة أمنها القومي ثابته، وكان الشاه قد قدم الدعم لشخصية دينية إيرانية من أصول لبنانية وهو السيد موسى الصدر، ليؤسس مجتمع شيعي قريب من إيران في لبنان، وقد تمكن من ذلك عبر تأسيسه عام 1974. (حركة المحرومين). التي أصبحت فيما بعد (أفواج المقاومة اللبنانية – أمل). إلا أن موسى الصدر اختفى في ليبيا منذ 31 أغسطس/آب 1977م. ويعتقد على نطاق واسع أن نظام القذافي قد تخلص منه هناك، وفي ظل الحرب التي كانت تخوضها إيران مع العراق، وبحثها عن حلفاء بالعالم العربي، والعلاقة الجيدة التي ربطتها بنظام معمر القذافي، وعلمها بأن موسى الصدر قد قتل بالفعل، فغلبت مصلحتها الآنية على قضية "اختفاءه" التي لم يعد يجدي الحديث فيها كونه أصبح في عالم آخر، إلا أن هذا الموقف قد أزعج قيادات حركة أمل وهاجموا على إثره إيران وسياساتها، مع وجود اختلاف ثقافي كبير بين الاتجاه الذي بدأت معالمه تتضح للنظام الإيراني عبر تبنيه للرؤية الفقهية المسماة (ولاية الفقيه). وهو ما لم يجد قبولا لدى حركة أمل وجمهورها، في هذه الأثناء بحثت إيران عن الفئات الشيعية المتدينة والمرتبطة بعلوم الحوزة الدينية، وقد تشكلت هذه الفئة قبل قيام الثورة الإيرانية، وتوسعت على يد رجل الدين الشهير محمد حسين فضل الله، وبناء على اقتراح علي أكبر محتشمي – السفير الإيراني في سورية، ومحمد منتظري، ومصطفى شمران. تم تأسيس حزب ديني موالي لإيران، ومؤمن بولاية الفقيه وهو "حزب الله" على أن يتولى الحرس الثوري الإيراني تدريبه، وبالفعل تم إرسال 1500 خبير عسكري إيراني متخصص عبر الحدود السورية، وتابع هذه العملية محمد حسن اختري السفير الذي حل محمل محتشمي في سورية حتى تم الإعلان عن قيام الحزب عام 1982م.

الظروف تعمل لصالح حزب الله:

عندما خرج حزب الله إلى العلن عام 1982. كان قد مر على الحرب الأهلية اللبنانية 7 سنوات، تورط الجميع فيها بلا استثناء بالدم اللبناني، وأنهكت الحرب كافة القوى وأصبحت سمعتها في الحضيض، وبعد اجتياح إسرائيل لبيروت وسط صمت وعجز عربي، مع ما يتعرض له سكان جنوب لبنان منذ أكثر من ثلاثون عام من ويلات تلقيهم كل الضربات الإسرائيلية نيابة عن باقي اللبنانيين، وفوضوية وانحراف المنظمات الفلسطينية التي كانت تعمل على أرضيهم. ثم أمراء الحرب من الطوائف اللبنانية المتصارعة، وجيش "لبنان" الجنوبي، وهي مليشيا تم تأسيسها عبر انشقاق جنودها وضباطها من الجيش اللبناني، وانضمام بعض المقاتلين المسيحيين لها، وكانت تتلقى الدعم من إسرائيل.

عانى سكان الجنوب الشيعة في غالبيتهم، وخُربت جميع قراهم، ولم يعد هناك من بيت شيعي جنوبي إلا وفيه قتيل أو معاق أو مفقود، بجانب وضع اقتصادي كارثي. هنا يظهر لهم المنقذ، شباب لم يتورط بالحرب الأهلية، وذو أخلاق حسنة مبنية على القيم الدينية، هدفهم حماية الجنوب وسكانه وينتمون إليه ولا يقاتلون سوى إسرائيل وعملائها، ولم يوجهوا سلاحهم بالداخل إلا بشكل متقطع للدفاع عن أنفسهم من اعتداءات حركة أمل التي أرادت القضاء عليهم كونهم يهددوا زعامتها الشيعية، يقود هؤلاء الشباب روحيا شخصية لها ثقلها وشعبيتها مثل السيد محمد حسين فضل الله، مع قدرتهم على تحقيق الأمن مقارنة بالوضع الذي كان من قبل مما دفع العديد من الشباب للانضمام إليهم، ووقوف السكان المحليين بجوارهم، حيث وجدوا فيهم الملجأ والملاذ الآمن في ظل عدم وجود دولة، وغياب عربي كامل عن مواجهة العربدة الإسرائيلية، وانشغال حركة أمل بسلطتها والحرب الأهلية، فشكلت هذه الظروف بيئة وحاضنة شعبية كبيرة للحزب، وإخراج مثالي له ساعده فيما بعد عند اتفاق الطائف عام 1989م. بأن يُستثنى من قراراته بنزع السلاح من جميع المليشيات وتسليمها للجيش اللبناني.

أصبح لأهل الجنوب الشيعة الذين عانوا من الفقر والخراب لأول مرة درع حامي لهم. كما تدفقت عليهم الأموال من إيران بشكل سخي، وأحسن قادة الحزب الأوائل إنفاقها على حاجات الناس الأساسية، فشكل الحزب حماية، وداعم اقتصادي، ومقاومة للمحتل وعملاءه، وذلك كله عبر شباب ينتمي إليهم ويفهم ثقافتهم عكس ما كان من ذي قبل أثناء تواجد المنظمات الفلسطينية، وحلفائها اليساريين من جنسيات مختلفة.

كذلك أدرك سكان جنوب لبنان أن كل هذه الخدمات التي يقدمها الحزب الفضل فيها يعود لإيران وبالتالي أصبح للحزب وإيران قاعدة شعبية داخل مجتمع لبناني عانى من هذه الظروف الصعبة، ويتصف بالعناد وإيمانه بعقيدة الثأر والانتقام، ولذلك حاضنة الحزب وعداءها لإسرائيل ليس مبنيا على دعاية "شعوبية" كما يظن البعض أو شعارات، بل مرتبطة بواقع عاشوه وآثاره مازالت ماثلة في ذاكرتهم حتى الأن، ومن لم يعاصر هذه المرحلة يذكرها دائما عبر أخيه أو أبيه أو قريب له تعرض للقتل أو الخطف نتيجة لهذه الحروب.

مع مرور الوقت وجد النظام السوري في حزب الله حليف جيد، على الرغم من عدم ارتياحه له بالبداية كونه يحمل أيديولوجية دينية، لكن بفضل تدخلات إيران وتقريبها لوجهات النظر بينهما، وإثبات الحزب فاعليته في قتال إسرائيل وعملاءها، وكون الحزب شيعي وهذه نقطة هامة لا ينبغي إغفالها. فبكل تأكيد ما كان ليسمح النظام السوري بوجود حزب ديني سني ولو كان لا يقاتل سوى إسرائيل وحليف وموالي له، لأن ترك مثل هكذا حزب سيؤدي لسعي البعض لتكرار واستنساخ التجربة داخل سورية ذات الأغلبية السنية، أما حزب الله الشيعي، فلم يشعر النظام السوري بتهديد مباشر عليه بالداخل.

حزب الله يثبت أقدامه في لبنان:

بعد اتفاق الطائف عام 1989م. وتأسيس الجمهورية اللبنانية الثانية، ونزع السلاح من جميع المليشيات وحصرها بيد الجيش اللبناني الذي خرج من الحرب الأهلية منهكا ومفككا، كان الطرف الوحيد خارج نطاق الجيش الذي يحمل السلاح، ولديه شرعية كونه يقاوم بها الاحتلال هو حزب الله، وفي هذه الأثناء بدأ الحزب يحقق انتصارات على جيش "لبنان" الجنوبي الموالي لإسرائيل، وتصاعدت شعبيته بالداخل اللبناني وفي حاضنته الشعبية بشكل كبير، وساعدته المخابرات الإيرانية والسورية بالمعلومات، وزاد الدعم الإيراني المالي له بعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية عام 1988م. وأصبحت علاقته أكثر استقرارا مع النظام السوري، الذي وكله المجتمع الدولي بوضع لبنان تحت حمايته، وأصبح مهيمنا على القرار السياسي اللبناني فيما يسمى "عصر الوصاية السورية" فلا يمكن لسياسي أن يقرر أي أمر هام دون العودة لقادة النظام الأمنيين في بيروت مثل غازي كنعان أو رستم غزال، وحال كان الأمر أكثر أهمية فعليه الذهاب إلى دمشق، مع تواجد عسكري سوري يقدر بحوالي (30.000) ومع هذا التواجد الكثيف لعسكريين في بلد مفتوح مثل لبنان، وعبر اختلاطه بالسكان كان من الطبيعي أن يعم الفساد الجنود والضباط، كما استخدم النظام أدواته القمعية المعهودة ضد كل صوت معارض له أو لحلفائه  وهو عكس الضمانة التي شكلتها مصر لاستقرار لبنان والتي كانت قائمة على قواها الناعمة وخلق توافق بين جميع الأطراف. في المقابل وفر النظام السوري للحزب معبر آمن للأسلحة القادمة له من إيران، وتسهيلات أمنية كبرى لقادته وأفراده، وضغط على حركة أمل لتتوقف عن مشاغباتها للحزب وأنشطته.

وسط هذه الظروف تصاعدت الأصوات المعارضة للوجود السوري في لبنان، وكان النظام بحاجة لحليف قوي يستند عليه بجوار حلفاءه التقليديين، ولذلك أراد أن يستغل انتصارات حزب الله العسكرية بما يخدم ويعزز وجوده فطلب من الحزب أن يدخل اللعبة السياسية ليخلق توازن بالبرلمان. بينما كان الحزب يرفض أي مشاركة بالعمل السياسي، ويصفها بالعملية الفاسدة التي لن يلوث نفسه بالمشاركة فيها، ولكن نتيجة للضغط السوري، وبفتوى دينية من علي خامنئي دخل برلمان عام 1992م. وكافة الانتخابات البرلمانية من يومها حتى الأن، وقد أدى دخول الحزب للبرلمان لانشقاقات داخله تم تطويقها سريعا بفضل مهارة وقيادة أمينه العام الذي تولى منصبه حديثا في ذلك الوقت حسن نصر الله، والذي كان أكثر قربا وصدقا في تحالفه مع إيران نتيجة تعليمه الديني، وإيمانه العميق بولاية الفقيه.

تحرير لبنان والفخ الإسرائيلي:

نتيجة للضربات القوية التي تعرضت لها إسرائيل من حزب الله، ومقاومته الصلبة لها، ووجود حاضنة شعبية موالية ومؤيده له جعلت من اختراقها للجنوب أمرا صعبا، ومعرفته بالأرض وتعاون السكان المحليين معه. أصبح الوجود الإسرائيلي مكلف للغاية، ومصدر إزعاج للسلطات وتذمر ومعارضة قوية داخل المجتمع الإسرائيلي، والجيش العميل "لبنان" الجنوبي لم يتمكن من الصمود أمام قوات الحزب، وأثناء الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 7 مايو/آيار 1999م. حضرت إشكالية التواجد العسكري الإسرائيلي في لبنان بقوة، وفاز فيها إيهود باراك بناء على وعده للناخبين بتسوية هذا الملف في أسرع وقت ممكن، ومع محاولات باراك. في الوصول لتسوية سياسية، أو تحقيق أي نصر عسكري، وضغوط الشارع عليه لم يجد بدا من الانسحاب الغير مشروط، وبدون إلزام لبنان بتوقيع معاهدة سلام في ليل 25 مايو/آيار 2000م.

اعتمدت سياسة إسرائيل بالانسحاب بعدما فشلت بالحصول على صلح يؤدي لاعتراف لبنان بها، أو نصر عسكري يجبرها على ذلك. بأن تُبقي على منطقة صغيرة تسمى مزارع شبعا تحت سيطرتها، يمكن تأمينها وحمايتها دون تكاليف باهظة كما كان الحال في جنوب لبنان، على أن تساوم في مرحلة ما على هذه القطعة من الأرض باستعادتها مقابل صلح واعتراف بها، أو تضمها لأراضيها وتفقدها لبنان.

توقعت إسرائيل وفق عقيدتها بالغزو والتوسع أن قيام حزب الله بتحرير أرض الجنوب، سيؤدي لبسط سيطرته عليه، وخلق صدام مباشر بينه وبين الدولة اللبنانية مستغلة وفاة حافظ الأسد، ومجيء ابنه الشاب بشار. عديم الخبرة والمشغول في ترتيب أوضاع نظامه الجديد، كذلك توقعت قيام عناصر الحزب بعمليات انتقامية ضد "المتعاونين" مع إسرائيل، وغالبيتهم من الموارنة، كذلك عدم قدرة الحزب على التحكم في قواعده الشعبية التي ستسارع بالثأر من هؤلاء "المتعاونين" وبالتالي ستنشأ حرب أهلية شيعية – مارونية بجانب صدام بين الحزب والجيش يؤدي لتدخل المجتمع الدولي وتفكيك حزب الله والتخلص منه، وإرغام لبنان على عقد صلح مع إسرائيل.

فاجأ حزب الله قادة إسرائيل، ولم يسقط في الفخ الذي نصبته له، وطلب من رئيس الجمهورية إميل لحود. بأن يكون أول من يزور الجنوب المحرر ومعه وحدات الجيش اللبناني، وعودة مؤسسات الدولة لتعمل في الجنوب مع اكتفاءه بقواعد عسكرية لحمايته، كذلك تواصل مع حزب الكتائب اللبنانية الماروني، والكنيسة المارونية، وطلب منهم زيارة الجنوب، وطمأنة رجال الدين، والتأكيد على حماية المسيحيين، وعدم السماح لأي طرف بالتعرض لهم، وحل مشكلة "المتعاونين" عبر القضاء العسكري اللبناني بالقانون.

أدت هذه التصرفات لتعزيز الثقة في حزب الله، وازدياد شعبيته، وإعادة بعض الأحزاب والشخصيات المارونية النظر إليه كقوى منظمة، ومنضبطة لا تسعى للثأر أو الاستئثار بالسلطة، وهو ما انعكس على تحالفه لاحقا مع أكبر تيار سياسي مسيحي ماروني.

حزب الله أيقونة عربية للتحرير والاستقلال:

على عكس ما توقع الإسرائيلي سلم حزب الله الأراضي المحررة للجيش والحكومة اللبنانية، وخاطب الكنيسة المارونية بإرسال رجال دين للأراضي المحررة قبل دخوله إليها لتطمين سكانها بأن أحدا لن يتعرض لهم، وأظهر حنكته السياسية مع كفاءته العسكرية، وسوق لهذا النصر على أنه النصر العربي الوحيد الذي تم عبر استخدام المقاومة المسلحة واسترداد الأرض دون اعتراف بإسرائيل أو توقيع معاهدة صلح معها كما فعلت مصر، وتبعها فيما بعد الفلسطينيين والأردنيين، مما حول الحزب لأيقونة لكل من يرون في إسرائيل عدوا بالمنطقة أي كانت اتجاهاتهم الفكرية والأيديولوجية.

ساعدت شخصية الأمين العام للحزب حسن نصر الله، الذي تولى مهام منصبه عام 1992م. وما تتمتع به من شباب وحيوية، وكاريزما في زيادة شعبية الحزب، بجانب مقتل ابنه البكر هادي في عمر 18 سنة، وهو يقاتل في الصفوف الأولى مع باقي مقاتلي الحزب إسرائيل، واحتفاظ الأخيرة بجثمانه حتى استعادته عام 1998. سبق ذلك اغتيال إسرائيل للأمين العام السابق عباس الموسوي، فمنحت هذه التضحيات مصداقية للحزب.

 كذلك تزامن هذا التحرير مع فشل خيار السلام الذي اتخذه العرب خيارا استراتيجيا، وتيقن من آمنوا به كوسيلة لحل النزاع باستحالة تحقيقه لأي نتيجة بعدما قدم العرب والفلسطينيون كافة التنازلات مقابل عدم حصولهم على شيء من إسرائيل، ومع تفجر الانتفاضة الثانية. بدأ الحزب ولأول مرة يقدم دعم خارج أراضيه، ويعلن عن ذلك علنا بتقديمه للدعم العسكري واللوجستي لفصائل المقاومة الفلسطينية ذات الصبغة الإسلامية، وتحديدا حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

سعت جماعة الإخوان المسلمين للتسويق لهذا الانتصار ليخدم شعارهم "الإسلام هو الحل". بينما سوقت له التيارات القومية بأن التحرير عبر المقاومة المسلحة أكد صحة شعارهم "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة". كذلك سوقت التيارات الاشتراكية لانتصار حزب الله ومقاتليه على أنهم مجموعة من "الكادحين" الذين آمنوا بقضيتهم واعتبارهم حلفاء في معركتهم ضد الصهيونية والإمبريالية العالمية، وهكذا سوق لهذا الانتصار الجميع بما يخدم خطابهم السياسي، ورأت فيه الشعوب العربية الغير مسيسة، والغير مهتمة بالصراعات الأيديولوجية والفكرية أنه نصر لطرف عربي على العدو الإسرائيلي نتيجة المقاومة وبشكل مشرف يحفظ الكرامة المهدرة مقابل الحلول الفاشلة التي طرحتها الأنظمة العربية "المستسلمة".

تمكن أيضا الحزب من تغيير الصورة النمطية المعروف بها التيارات الدينية، وذلك لموقفه المؤيد للحريات العامة والخاصة، وإيمانه بالعمل السياسي، والصيغة التوافقية لحكم لبنان، وعدم سعيه لنيل أي مناصب، وعدم فرضه لأيديولوجيته الدينية على الأخرين. فعزز بأفعاله من صورته كتيار إسلامي مقاوم له رؤية خاصة لا يسعى لتطبيقها على باقي المجتمع مثل باقي التيارات السلفية الجهادية.

امتلك الحزب ماكينة إعلامية ساهمت إيران في تأسيسها وتدريب كواردها ليصبح له صوت معبر عنه داخل لبنان وخارجها، وماكينة إعلامية متطوعة للتيارات العربية السياسية المختلفة نتيجة الإعجاب به من خلال ما ذكرناه سابقا من أسباب، فتحول لأيقونة ورمز للحرية والكرامة والمقاومة من المحيط إلى الخليج، وهذا ما أزعج الإسرائيليين وبعض الأنظمة العربية التي كانت تنظر إليه على أنه مجرد ذراع لإيران بالمنطقة، ولم يريد التوسع في الاطلاع على ظروف نشأة حزب الله وشخصية أمينه العام في هذا القائمة [3] سيجد القراء لقاءات ووثائقيات تمثل كافة الرؤى والآراء المختلفة.

الخلاصة:

بعد العرض السابق أتمنى أن يكون قد تشكل لدى القراء الكرام صورة عامة عن ظروف نشأة الحزب، وكيف تمكنت إيران بلحظة فراغ عربي من استغلال الفرصة لصالحها، وكيف أصبح لحزب الله هالة إعلامية مقدسة، لكن الأمور لن تظل هكذا، والفخ الذي وضعته إسرائيل له وفشل ستتمكن من وضع فخاخ أخرى ستحقق نجاحات كبرى، مع دخول الحزب في حقبة من الصدامات والصراعات الداخلية، والاختلاف على سلاحه ودوره، وما هي أيديولوجيته وخطورتها كما يراها البعض. كل هذه المواضيع ستكون محور نقاشانا في المقال القادم.