موقف حزب الله من الحراك اللبناني

03.11.2019

ملف خاص (3/3)

تحدثنا في المقالين السابقين عن حزب الله، وظروف نشأته وأيديولوجيته، وهذه السلسة من المقالات التي نختتمها بمقال اليوم تهدف بالأساس لتعريف القارئ العربي المهتم بمتابعة الشأن اللبناني بموقف هذا الحزب المثير للجدل، خصوصا بعد تدخله العسكري في سورية، وموقف أمينه العام الأخير من التظاهرات اللبنانية، وسنتناول كلا الموضوعين في مقالنا الختامي، مع رؤية استشرافية لمستقبل الحزب وسلاحه.

من المهم قبل أن نتخذ أي قرار تجاه طرفا ما أن نعرف أولا من نكون لنعرف ماذا نريد، ونفهم الطرف الأخر ليكون موقفنا منه أي كان مبني على فهمنا له ولدوافعه، ووفق هذه القاعدة فإن محاولة الفهم لا تعني التبرير.

دوافع وحسابات حزب الله بالتدخل العسكري في سورية:

مع المعروف والمسلم به أن حزب الله يعتبر النظام السوري بقيادة بشار الأسد. حليف مخلص له، وخلافا لأهمية سورية التاريخية بالنسبة للبنان عامة فإنها أكثر أهمية وذات خصوصية بالنسبة لحزب الله، فمن يحكم دمشق قادر على تحديد مصير ومستقبل الحزب بشكل كبير، وحال وصل إلى السلطة في سورية نظام سياسي معادي أو على أحسن تقدير محايد فمستقبل حزب الله سيكون على المحك.

وفر النظام السوري عبر تحالفه مع إيران للحزب إمكانية انطلاق الحرس الثوري وخبراءه من دمشق إلى جنوب لبنان لتدريب شباب الحزب وتأسيسه عام 1982م. والطريق الوحيد الذي يحصل منه على السلاح يمر من الأراضي السورية، وعبر المخابرات السورية كان يحصل على المعلومات التي يستفيد منها عسكريا في حربه مع إسرائيل، وبالتواجد العسكري والوصاية السياسية السورية على لبنان من عام 1982م. إلى 2005م. تمكن من البقاء وظهره مؤمن من تلقي أي طعنه من الداخل اللبناني الذي كان يتربص به من خلال عدة تيارات رافضة له ولمقاومته، وحال سقط هذا النظام فقد أصبح الحزب معزولا محاصرا بالداخل اللبناني، وقدرته على البقاء محل شك خصوصا لو تعرض لحملة عسكرية إسرائيلية كبرى على غرار حرب يوليو/تموز 2006م. عندها لن يتمكن من الحصول على أسلحة وذخائر جديدة، ولأجل ذلك كله مسألة إسقاط النظام السوري لم تكن بالنسبة لحزب الله مسألة داخلية سورية. بل كان شأن خاص بالحزب وبمصيره وبقاءه وهذا ما لم يفهمه الكثيرين، الذين نظروا لمسألة تدخله بالنظرة السطحية للأمور شعب وثورة ونظام مستبد وصراع سوري – سوري فلماذا يقحم حزب من خارج الحدود نفسه فيه.

كذلك يبرر حزب الله تدخله بأنه لم يكن ضد الشعب السوري. فالثورة قد انطلقت في 15 مارس/أذار 2011. بينما تدخله العسكري لم يبدأ إلا في الرابع من أبريل/نيسان 2013م. أي بعد مرور أكثر من عامين كان قد خرج فيها الشعب من المعادلة، وأصبح الصراع بين النظام ومسلحين محليين وقادمين من دول ومنظمات عديدة، وأنه أخر من تدخل من الأطراف الخارجية بالحرب بعدما تحولت كما يصفها "لحرب كونية" ضمت عشرات الآلف من المقاتلين القادمين من بلدان عدة مما برر له التدخل العسكري لحماية نفسه أولا، وحليفه ثانيا كما فعلت من قبله الأنظمة المعادية للنظام لنصرة حلفاءها بالداخل السوري، وبناء عليه فهو لم يتورط في صراع مع الشعب بل مع مسلحين.

يعتقد حزب الله أن مخطط إسقاط النظام السوري عبر القوة المسلحة لم يكن سيوقف عند هذا الحد، وأن السيناريو الذي كان معد لهذه الحرب هو إسقاط النظام عبر مقاتلين ينتمون للتيارات السلفية الجهادية، وبعد انتهاء مهمتهم سيتم التخلص منهم عبر نقلهم لأماكن ثلاث، المكان الأول روسيا الاتحادية عبر مرورهم من تركيا إلى جورجيا حليفة الولايات المتحدة، وعبر الحدود الجورجية الروسية الجبلية الوعرة في منطقة القوقاز سيتدفقون على شمال القوقاز الروسي لنقل الحرب داخل روسيا [1] وهو ما حدث من قبل أثناء حرب الشيشان، ويدللون على ذلك بوجود آلاف المقاتلين الشيشانيين والروس حتى أن "وزير دفاع" داعش كان أبو عمر الشيشاني، ولذلك وضع التدخل العسكري الروسي في أولوياته التخلص من هؤلاء المقاتلين حتى لا يعودوا إليه مرة أخرى، أما المكان الثاني سيكون الصين الشعبية وتحديدا في أقاليم شينجيانغ "تركستان الشرقية" ذات الأغلبية المسلمة، ودليلهم على ذلك وجود مقاتلي الحزب الإسلامي التركستاني الذي قام بعدة عمليات إرهابية في الصين، ويتلقى دعما مباشرا من تركيا، وخرج مقاتلين ينتمون إليه يهددون الحكومة الصينية، وحذر العديد من التركستانيين "الأويغور" المقيمين في تركيا من خطر قتالهم في سورية [2] ولذلك تدخلت الصين في هذا النزاع عبر استخدامها حق النقض "الفيتو" لأول مرة في تاريخها داخل مجلس الأمن بالرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2011م. [3] مع وجود آلاف من المقاتلين ينتمون لبلدان آسيا الوسطى السوفيتية السابقة، والذين سيهددون السلم الأهلي بتلك البلدان، ويتدفقون على الصين وروسيا لإدخال كلا البلدين بصراعات أهلية خدمة للسياسة الأمريكية كما سبق وحدث في حرب أفغانستان والشيشان.

الفريق الأخير كان سيتوجه إلى لبنان حسبما يعتقد حزب الله، وشواهده في ذلك نشوء ظاهرة الداعية السلفي أحمد الأسير في صيدا. للتمهيد لهذا التدخل عندما يحين أوانه عبر تجييشه الدائم لشباب السلفية ضد حزب الله، والتحريض على الحرب في سورية لإسقاط النظام، وتوعده حزب الله بأن الخطوة القادمة بعد سقوط بشار الأسد ستكون التخلص منه أمام جمع من أنصاره [4] زاد من قلق الحزب تصاعد تلك الظاهرة حتى أنضم لها المطرب اللبناني الشهير فضل شاكر وتبنيه بين ليلة وضحاها هو الأخر خطاب معادي لحزب الله والنظام السوري، ووصفه بحزب الشيطان [5] وكل هذه الأحداث سبقت تدخله العسكري في سورية، وصولا لتشكيل الأسير لمجموعة مسلحة تحت اسم "جماعة الدفاع عن أهل السنة" قامت بالهجوم على الجيش اللبناني ودخلت معه في معركة مسلحة استمرت لعدة أيام بدء من 23 يونيو/حزيران 2013م. [6]  سميت بمعركة صيدا راح ضحيتها أكثر من 15 مجند من الجيش اللبناني [7] وظهر المطرب السابق فضل شاكر ليتحدث عن قيامه بقتل جنديين لبنانيين أسماهم "بالخنازير" [8] والجدير بالذكر أن المطرب السابق قد ظهر منذ أربع سنوات ليعلن توبته وتبرأه من هذه الأعمال [9]

بعد القضاء على هذه الجماعة المسلحة التي كانت تغطي قناة الجزيرة القطرية أنشطتها بكثافة، وكانت بمثابة المنبر الدعائي لها. تم القبض على أحمد الأسير في مطار بيروت [10] يوم 15 أغسطس/آب 2015م. بعدما غير من مظهره وكان بطريقه إلى نيجريا عبر مصر.

بالتزامن مع ظهور حركة أحمد الأسير، والهجوم الإعلامي المنظم ضد الحزب من قبل فضائيات المعارضة السورية، والجزيرة القطرية، والفضائيات التابعة لها، وكذلك فضائيات المعارضين اللبنانيين لحزب الله بالداخل. بدأت حملة تحريضية اتخذت شكلا طائفيا ضد الشيعة في جملتهم بدأها الشيخ يوسف القرضاوي بالأول من يونيو/حزيران 2013م. [11]حيث عبر في إحدى خطبه على أن علماء السلفية بالسعودية كانوا أكثر نضجا منه بهجومهم الدائم على الشيعة والذي وصل حد التكفير، كذلك خرجت في عاصمة الشمال اللبناني، ومعقل أهل السنة مدينة طرابلس أصوات جديدة تهاجم الحزب وتتوعده بعد إسقاط النظام، وكان الصوت الأبرز لها داعي الإسلام الشهال. زعيم الحركة السلفية في لبنان ومؤسسها والمدعوم سعوديا، والذي هدد بدفن الجيش اللبناني في مارس/أذار 2013م. لما يعتقد أنه انحيازا منه لحزب الله [12] كذلك أعلن عن إمكانية إرساله آلاف "المجاهدين" إلى سورية بفتوى واحدة منه في حوار له مع جريدة الجمهورية اللبنانية [13] الجدير بالذكر أن الشهال يقيم في السعودية منذ العام 2017م. لصدور مذكرة توقيف ضده من الجيش اللبناني لضبط مخزن للأسلحة في أحد منازله.

كان الظرف عصيب على حزب الله خاصة، والشيعة عامة مع تنامي موجة من الدعاية الطائفية لم تشهد لها المنطقة مثيل من ذي قبل، ولعل أبرزها ما حدث في مصر من قتل للداعية الشيعي حسن شحاته [14]يوم 23 يونيو/حزيران 2013م. وهي الحادثة الأولى في تاريخ مصر الحديث التي يقوم فيها الأهالي بالهجوم على شيعة وقتلهم وسط صمت رسمي، وتبني النظام المصري الجديد بقيادة الإخوان المسلمين لخطاب يحض على الكراهية وذلك في ما سُمي "مؤتمر الأمة المصرية لدعم الثورة السورية" بحضور الرئيس الأسبق محمد مرسي وكبار دعاة السلفية [15] الذي كان عبارة عن منبر كراهية وتحريض ضد الشيعة حول العالم، وبروز محور جديد تمثله تركيا بدعمها اللوجستي والدبلوماسي الدولي لإسقاط النظام السوري، وقطر بالدعم المادي والإعلامي، والإخوان والسلفيين بالحشد الأيديولوجي. أمام كل هذا الجو العام الضاغط على الحزب لم يكن أمام سوى التدخل العسكري المباشر في عام 2013م. بعدما تدخل الجميع من الخارج والداخل اللبناني وفق تبريراته.

حزب الله وحلف الأقليات:

بعد العرض السابق يمكن القول باطمئنان أن حزب الله كان سيتدخل في كل الأحوال في سورية، على الرغم من كل ما سبق من دوافع ومبررات وذلك نظرا للارتباط الأيديولوجي بينه وبين النظام السوري، والتحالف العسكري والسياسي، ووحدة المصير بين كلا الطرفين، فكما أسلفنا سقوط النظام في سورية كان سيتبعه سقوط وحصار حزب الله في لبنان، ولكن نظرا لبدائية وغوغائية المحور المعادي لإيران ومحورها، وفقدانه التنظيم الداخلي، وعدم وجود استراتيجية واضحة لديه، أو أيديولوجية يعتمد عليها، أو تصور لمرحلة وماذا بعد فقد تمكن الحزب وحلفاءه من استغلال أخطاءه وثغراته لتبرير تدخله العسكري، والتسويق لحاضنته الشعبية، وحلفاءه ومناصريه أن هذا التدخل ضرورة فرضتها الظروف، وألا مجال للتأخر فيه بعدما تدخل الجميع بالحرب، ولعل اعتراف وزير الخارجية ورئيس مجلس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم. بتقديم الدعم المالي والإعلامي والعسكري للمسلحين ولمتطرفي جبهة النصرة، وبالتنسيق مع أمريكا وتركيا والسعودية. وأن فشلهم ناتج عن خلافات داخلية وصفها بمقولته "تهاوشنا على الصيدة" [16] ويقصد اصطياد النظام السوري وإسقاطه فضاع كل شيء، وهذا ما حدث بالفعل أن الطرف المعادي لإيران دوما لا يعرف ماذا يريد ولا يفهم إيران ومحورها كيف يفكر، وبالتالي دوما يرتكب الأخطاء تلو الأخطاء التي تساعدها وتبرر للسياسة الإيرانية تدخلها بالمنطقة، وهو ما أحسن حزب الله استغلاله بشكل جيد ليس فقط لدى حاضنته الشعبية، بل ولدى حلفاءه من الأقليات، والتي راعها المشهد المقبلة عليه المنطقة من صعود لتيارات إسلامية، ودعم مالي وإعلامي تركي – قطري سخي للغاية، وما يبدو أنه ارتباك سعودي بالتعامل مع الأزمة، وصمت بطعم الرضا من أمريكا.

كذلك استغل الحزب ظهور أصوات من المتظاهرين وإن كانت نشاز، ولا تعبر عن الشعب السوري وحراكه، ولكنه استغل أخطاء خصومه بشكل جيد كتلك الهتافات التي خرجت في درعا وبعض المحافظات السورية "يا الله يا الله بدنا سني يخاف الله" أو "العلوية على التابوت والمسيحية على بيروت" هذا خطاب شعر معه المسيحيين بعامتهم، والدروز، وباقي الطوائف الشيعية الغير إماميه اثنا عشرية، بل والتيارات السنية الغير سلفية، والكثير من العلمانيين بكافة الطوائف. أن مصيرهم بات مرتهن على من سينتصر بتلك المعركة، وأن حزب الله بالنهاية لا يمتلك كونه شيعي وجزء من الأقليات بالمنطقة أن يتغول علينا أو يهدد وجودنا وبقاءنا ومستقبلنا، فهو مثله مثلنا سيعاني، ومن مصلحته أن نتكاتف معنا لمنحه الغطاء الشرعي بهذه المعركة، وبالتالي لابد للأقليات أن تتحالف في حلف واحد، ومعركة واحدة ولو خلف الجمهورية الإسلامية الإيرانية حفاظا على مصيرنا من وحش يهددنا جميعا.

كذلك وهنا نعود أيضا لنفس المنطق الغائب عربيا. ألا وهو ضرورة معرفة من نكون، لنعرف ماذا نريد، ومعرفة الخصم وفهمه لنتمكن من التعامل معه، وفي ظل غياب هذه القواعد كالعادة تم إطلاق الوحش السلفي الجهادي، وهو كاسحة ألغام لمواجهة الخصوم، يمكن إطلاقه للهجوم عليهم في أي وقت لكن لا يمكن التحكم فيه فيما بعد وهذا ما حدث، وهو ما يختلف تماما عن الحركات الإسلامية الشيعية، ويكمن عدم إدراك هذا الخطأ وتكراره لغياب القواعد السابقة في فهم نفسك وفهم خصومك، داخل المذهب الشيعي لا وجود لفوضى فتاوى على الفضائيات، ولا صراعات مشايخ على مواقع التواصل الاجتماعي كما هو الحال بالمذهب السني، فالفتوى داخل المذهب الشيعي محصورة في مراجع التقليد وعددهم جميعا لا يتجاوز عشرة مراجع حول العالم، ولا يحق لأي فرد مهما بلغ علمه ومعرفته مالم يكن مرجع تقليد معتمد أن يصدر فتوى، وحال فعل فلن يستمع إليه من الجمهور الشيعي احد.

كذلك لا وجود لجماعات مسلحة تعمل خارج نطاق المرجعية الدينية وقرارها ومركزيتها، وذلك لطبيعة المذهب الشيعي التي شرحنا لمحة سريعة عنها بالمقال السابق (حزب الله وولاية الفقيه). [17] فلا دولة ولا جهاد ولا حمل للسلاح بدون فتوى من مرجع تقليد معتمد، وحال قرر أي رجل دين أو شخص ما تأسيس جماعة إسلامية مسلحة شيعية فلن يجد شيعي واحد يقبل بالانضمام إليه، ووفق هذه القواعد الصارمة والمركزية المنظمة لا يشعر الأخرون ولا الأقليات بخطر من حزب الله كما هو الحال تجاه الجماعات المسلحة السلفية، حتى لو تعهدت لهم بالحماية وعدم التعرض، وذلك لعلم الجميع ألا مركزية أو قدرة لأي مرجعية دينية أو سياسية بالسيطرة على قرارها وضمان التزامها بتعهداتها، وحتى الغرب نفسه مع الوقت أدرك ذلك، وبالتالي عند تفجير الصراع على أسس طائفية فهذا الأمر يقوي من جبهة حزب الله بالداخل، ويوحد حاضنته الشعبية كلها خلفه لمواجهة الخطر خصوصا مع سلسلة التفجيرات الانتحارية التي طالت الشيعة في الضاحية الجنوبية ببيروت بالفترة من 2012. إلى 2014م.

كذلك تشعر الأقليات التي لديها ميراث سيء مع هذه الجماعات، وكذلك الإمبراطوريات السابقة التي كان يتولى قيادتها حكام سنة وتعرضوا للتهجير أو الأسلمة القسرية عبر قراراتهم بالخوف وضرورة الوحدة، ولكل ما سبق تمكن حزب الله وحلفه من الأقليات بالانتصار عسكريا رغم محدودية قدراتهم المالية والعددية والإعلامية، ووسط حصار دولي وإقليمي مقارنة بخصوهم الذين كانوا يمتلكوا كل شيء، إلا أنهم في حالة فوضى وغياب مشروع ورؤية، مقابل من كانوا أكثر تنظيما ومركزية في قرارهم ويعرفون جيدا ماذا يريدون، ويفهمون خصمهم ويستغلون أخطاءه.

موقف حزب الله من التظاهرات الأخيرة: -

سنسعى هنا لعرض مبررات حزب الله من خلال ما عرضه وعبر تحليلنا لتصوراته وفكره لموقفه من هذه التظاهرات بالنقاط التالية:

أولا: حزب الله ليس معني بقضايا الفساد التي يريد المتظاهرين القضاء عليها وذلك لأسباب عديدة، فمشاركته بالحكومات اللبنانية لم تحدث إلا بالعام 2004م. أي منذ 14 سنة فقط، كانت لبنان قد دخلت في تلك المرحلة بحالة عوز مالي، وتزايد للديون، وتراجع لمعدلات النمو والدعم الخارجي ولم يعد هناك شيء لنهبه، وكل مؤسسات الدولة ومواردها الاقتصادية تم احتكارها وتقسيم مغانمها على الزعامات الطائفية السياسية منذ اتفاق الطائف عام 1989م. ولم يعد هناك من مكان له لينال أي حصة من حصص الفساد، كما أن مشاركته بالحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ تلك المرحلة كانت عبر وزيرين، وكانت تهدف كما أسلفنا في مقالنا السابق لحماية سلاحه عبر مراقبة الحكومة وامتلاك الثلث المعطل فيها لإيقاف أي قرار قد يتخذ ضد سلاحه مما يضعه أمام مواجهة مع المجتمع الدولي، خصوصا بعدما فقد حليفه السياسي المؤثر على الساحة اللبنانية ألا وهو النظام السوري، كذلك جميع المكاسب المالية التي كان يمكن للحزب الحصول عليها جاءت في إطار المقايضة على سلاحه بالتخلي عنه مقابل موقع سياسي مميز، وعوائد مالية ضخمة، ونظرا لرفضه لهذه المقايضة فقد تم استثناءه من أي مكاسب مالية شرعية أو عبر الفساد، بالإضافة لتمتعه بدعم مالي من حاضنته الشعبية، ورجال الأعمال اللبنانيين الشيعة المنتشرين بالقارات الأربعة، والتجارة الغير مشروعة التي يقوم بها لتفادي العقوبات الدولية في أفريقيا وأمريكا اللاتينية تحديدا، وأموال الخمس التي يدفعها المواطنين الشيعة لوكيل المرجع الإيراني علي خامنئي ويحصل الحزب عليها، وبالتالي فهو ليس متهم من أي طرف في قضايا فساد، ولا يزعجه مطالبة المتظاهرين بضرب الفساد والمفسدين، بل يقول الحزب أنه أول من حذر من الهدر والفساد ومخاطره على الدولة اللبنانية، وطالب الشعب بالتصدي له، وحاول مع السياسيين لكنه لم يجد تجاوب من أي طرف، ويستدل بخطاب أمينه العام منذ سبعة أشهر قبل انطلاق التظاهرات ونقاشه حول هذا الأمر [18]

ثانيا: فيما يخص الإصلاح السياسي، وإلغاء الطائفية السياسية فالحزب أكبر المستفيدين من ذلك، وقد طالب أمينه العام منذ عامين عندما اختلف السياسيين حول قانون الانتخابات بقانون انتخابي نسبي كامل يجعل من كل لبنان دائرة واحدة، بما يضمن اختيار الشعب لقوائم انتخابية قائمة على برامج سياسية لا أشخاص أو طوائف، وكل قائمة ستجتهد لضم أكبر عدد من الطوائف والمناطق لضمان حصولها على أكبر شريحة من أصوات الناخبين بما يضمن أن يكون الاختيار على أساس غير طائفي أو مناطقي [19] إلا أن جميع الأطراف السياسية رفضت هذا القانون، واعتبرته محاولة من حزب الله للهيمنة السياسية على البلد، وإنهاء "الديمقراطية التوافقية" التي ستقضي على الزعامات السياسية الطائفية لصالحه هو وحلفاءه، كونهم يمثلون الامتداد الأكبر جغرافيا بلبنان، ولذلك رضخ الحزب لمطالب الجميع لعدم قدرته على فرض قانون لم يؤيده فيه أي حزب من الأحزاب الرئيسية بالبلد، وبالتالي مطالب المتظاهرين بإلغاء الطائفية السياسية قد سبقهم إليها بل وتصب في مصلحته.

ثالثا: إعادة النظر في السياسة الاقتصادية للبلاد. يرى الحزب أنه أول من طالب بتغييرها، وأنه لم يضعها أو يشارك في صنعها، وهي سياسة وضعها رئيس مجلس الوزراء الأسبق الشهيد رفيق الحريري، وعلى خطه ونهجه مضت جميع الحكومات اللبنانية، وبالتالي مطالب المتظاهرين في هذا الشأن تعبر عن توجهاته، والتي سبق وعرضها بمجلس الوزراء أكثر من مره بتنويع مصادر الدخل، وتنويع العلاقات الاقتصادية وعدم حصرها في أوروبا وأمريكا، والتوجه نحو بلدان أمريكا اللاتينية التي للبنان فيها أعداد ضخمة من المهاجرين، وكذلك الصين وروسيا، وكان يلاقي معارضة من الحكومات الراغبة بالحفاظ على ارتباطها بالغرب حصرا وقبول شروطه، والتوسع في الاقتراض، أو التوجه نحو جيوب الشعب بفرض مزيد من الضرائب هو نفسه كان ينتقدها ويرفضها لكنه مجرد مشارك بالحكومة عبر وزيرين وليس هو كل الحكومة.

إذن وبناء على ما سبق لماذا لم يؤيد الحزب هذه التظاهرات؟!

هنا يمكن أن نحلل هذا الأمر بفهمنا للحزب وعقليته بعدة عوامل!

يرى الحزب أنه مستهدف منذ زمن طويل، وأن هذا الاستهداف ليس سرا يخفيه خصومه أو فرضية مؤامرة يسوقها لجمهوره. بل واقع يقر به الجميع بدأ بالتسعينات وتمكن من حماية نفسه عبر وجود السوري في داخل لبنان، وعندما انسحب الإسرائيلي على أمل نشوء صراع بينه وبين الدولة والموارنة لكنه فوت الفرصة عليه، ثم تم اللجوء لمجلس الأمن بالقرار رقم (1559). لعام 2004م. والذي نص على خروج الجيش السوري من لبنان، ونزع سلاحه، ولما فشل القرار الدولي كان اغتيال الحريري وما تبعه من سلسلة اغتيالات تهدف لإلصاق التهمة به، رغم عدم وجود أي دليل مادي على ارتكابه لهذه الاغتيالات، مع تمتعها بحرفيه عالية الدقة لم تترك دليل واحد خلفها لا يمكن له أن يمتلكها، ورغم ذلك تم اتهامه على أن يكون ثمن سحب هذه الاتهامات انسحاب الجيش السوري وهو ما حدث عام 2005م. ثم نزع سلاحه وهو ما فشل خصومه في تحقيقه، فكانت حرب العام 2006م. التي شنتها إسرائيل عليه، ودعمتها أنظمة عربية وكذلك أطراف لبنانية تهدف كما يعتقد للقضاء عليه وفشلت، ثم كانت محاولة الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة في القضاء على شبكة اتصالاته لكي يسهل اختراقه داخليا، إلا أنه أفشل هذه المحاولة عام 2008م. ثم الحرب السورية والسعي لإسقاط حليفه بالقوة العسكرية، وتحريض الجميع عليه لكنه تمكن من الانتصار في هذه المعركة، وبالتالي الحزب أصبح لديه توجس دائم من أي تحرك يؤيده الغرب وخصومه الإقليميين، ويرى فيه تهديدا له نتيجة لهذا الميراث الطويل من المحاولات للقضاء على وجوده فكان رد فعله يبدو طبيعيا وغير مستغرب للمتتبع لسيرته وطريقة تفكيره.

الجانب الأخر الذي دفع حزب الله لعدم الحماسة لهذه التظاهرات هي مطالبتها بإسقاط النظام السياسي الذي تشكل عبر الطائف، وعلى الرغم من كونه ووفق الأوزان النسبية سيكون مستفيد من إعادة النظر في التشكيلة السياسية وتوزيعها بين الطوائف، إلا أنه لا يطمح لمكاسب سياسية ويكتفي بما هو عليه الأن لأن مشروعه ليس السلطة في لبنان لاستحالة ذلك نظرا لوضع لبنان الطائفي المركب والمعقد، وعدم امتلاكه الأغلبية الشعبية ليحكم لبنان منفردا أو يصبح هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وحال انحاز لمطالب المتظاهرين خارج نطاق مؤسسات الدولة والتوافق مع الفرقاء السياسيين، سيفقد بالضرورة حلفاءه المسيحيين عموما والموارنة على وجه الخصوص، وفقدانه للغطاء الماروني لما للموارنة من قيمة تاريخية كبرى في لبنان، وما يشكله هذا الغطاء من شرعية بالداخل والخارج لسلاحه، وبالتالي خسارته ستكشفه وتجعله يبدو تيارا شيعيا مع مجموعة من الحلفاء من بعض الأقليات بينما أكبر طائفتين بالبلاد ضده، مقابل مجموعة من الشباب غير منظمين، وغير معروف توجهاتهم الحقيقية تجاه قضية "المقاومة" وسلاحه، والغير قادرين حال انحاز لهم على حمايته وتوفير غطاء سياسي له، وبالتالي انحيازه لهم ستكون مغامرة تصل حد المقامرة والانتحار وهو ما يسعى خصومه لجره إليه عبر هذه المطالب النبيلة، ليتحمس لها وينجر خلفها فيفقد التيار الوطني الحر أكبر كتلة مارونية بالبرلمان، وصاحب الشعبية الأكبر مع حزب القوات اللبنانية داخل المجتمع الماروني، وبالتالي يصطف الموارنة كلهم ضده، ومعهم السنة، وكذلك التيار الدرزي الأبرز ممثلا في وليد جنبلاط، وباقي المسيحيين، وهذا التكتل خلفه داعمين إقليميين ودوليين وبلحظة ضعف شديدة لحلفائه الإقليميين فسورية في حالة حرب، وإيران بحالة حصار، وروسيا لا تمتلك من القوة ما يمكنها من حمايته، وبالتالي يجره خصومه عبر هذه التظاهرات لتصفيته وتحقيق ما لم يتمكنوا من تحقيقه عبر الحروب والقرارات الدولية والمحكمة الخاصة بقتلة الحريري. فهل يقوى هؤلاء الشباب مع التسليم بطاهرتهم وعدم اختراقهم على توفير الأمان له؟!

هذا هو السؤال الذي يدور في رأس حزب الله وقياداته، وهو ما يفسر لنا تصريح أمينه العام للمتظاهرين نريد أن نطمئن نظموا أنفسكم وتعالوا تحاوروا معنا.

هناك أيضا معركة أخرى تهدف لنزع الورقة المارونية من الحزب وهو أكثر ما يخشاه، بعدما تصاعدت الأصوات المطالبة بإسقاط رئيس الجمهورية الذي ليس له فعليا بعد اتفاق الطائف صلاحيات داخلية، وصلاحياته تم توزيعها على مجلس الوزراء، واصبح دور الرئيس العلاقات البروتوكولية والخارجية، وعندما وجد البعض أن هذا المطلب صعب التحقق بدأت حملة ضد صهر الرئيس ميشيل عون، ورئيس حزب التيار الوطني الحر الذي ينوي الترشح لرئاسة الجمهورية القادمة جبران باسيل، والمطالبة بعدم مشاركته بالحكومة، ووضع شرط إخراجه من الحكومة وضرورة انحياز حزب الله لهذا المطلب كشرط لبقاء حكومة الحريري، وجبران باسيل يمتلك أكبر كتلة برلمانية داخل مجلس النواب تقدر بحوالي (30). نائب وحزبه متمسك به، وتدخل حزب الله بإقصائه يعني خسارة تحالفه مع التيار الماروني الأكبر، وهو ما يصب بنفس ذات الهدف بكشف الغطاء المسيحي عنه.

نضيف على ما سبق أن حليفه على الساحة اللبنانية حركة أمل. لن يعجبه وهو المتورط بقضايا فساد عديدة انحياز الحزب لمطالب المتظاهرين بعيدا عن مؤسسات الدولة، وبالتالي سيفقد حتى حليفه الشيعي، وهو الذي حسب وثائق ويكيليكس [20] كان ينتظر تخلص إسرائيل منه في حرب 2006م. ليصبح هو الطرف الوحيد المسيطر على الساحة الشيعية، وأن كان مكتب نبيه بري قد نفى صحة هذه الوثائق وطالب السفارة الأمريكية بالكشف عن الوثائق الأصلية لتظهر الحقيقة، وهو طلب طبعا معروف استحالة قيام الخارجية الأمريكية به، ولذلك ولكل هذه الأسباب شخصيا لم أكن مستغربا من موقف الحزب، وأيضا لم استغرب من ارتباك حسن نصر الله في خطاباته الأخيرة، وظهوره بمظهر الغير قادر على الحديث رغم ما هو معروف عنه من طلاقة اللسان، مع عدم القدرة على فهم ماذا يريد من تصريحاته المشوشة، وذلك كون حسن نصر الله رجل عقائدي أكثر منه سياسي، ويتحدث بما يؤمن به حقا بغض النظر عن صحته من عدمه لدى الأخرين، ونظرا لكونه غير مقتنع بحديثه ولا باختراق التظاهرات ولكنه أيضا غير قادر على الانحياز لها بشكل مطلق، وكأن لسان حاله يقول للحراك قلبي يريده وعقلي يرفضه.

حزب الله وأول هزيمة سياسية له بالداخل اللبناني:

لأول مرة تقريبا منذ ظهور حزب الله على الساحة اللبنانية، يجد نفسه في حالة حصار كامل، وفاقد لأي هامش للمناورة، وكل خياراته أحلاها مر وهناك خسارة محققة وأكيدة لا يملك أمامها سوى البحث عن أقل خسارة لا الخروج منتصرا كعادته في صراعاته السابقة.

حال انحاز لمطالب المتظاهرين وقرر المضي معهم لأخر الطريق سيتم طرح مسألة سلاحه، ومهاجمته من كل خصومه والكثير من حلفاءه، والترويج باستقوائه بالشارع وقوته العسكرية ليهيمن على لبنان كاملا، وساعتها سينفض المتظاهرين من حوله، ونحن أمام حزب عقائدي مازالت قصص من قبيل قصة انفضاض أهل الكوفة عن نصرة الحسين ومسلم بن عقيل بعد انحيازهم إلى مطالبهم، وفقدانهم وقتها للرؤية الاستراتيجية لموازين القوى السياسية تؤثر على تصرفاته وأفكاره.

أما لو تجاهل مطالب المتظاهرين سيتهم بمشاركته بالفساد رغم عدم وجود قضايا تورط فيها، وسيتصاعد شعار "كلن يعني كلن نصر الله واحد منن" وهو ما حدث بالفعل، وسيتم طرح مسألة سلاحه ولكن بالاتجاه المغاير، وأنه يستقوي به لفرض الحكومة على المتظاهرين خلافا لرغبتهم، وأنه يحمي الفاسدين بسلاحه، ويصبح عرضه للهجوم عليه من المتظاهرين وخصومه السياسيين على حد سواء.

القبول بإسقاط الحكومة دون تصور بديل يجعل أمن البلد على المحك، ويثير مخاوفه من انتقال بقايا داعش والنصرة مع قرب تصفية وجودهم في سورية للداخل اللبناني، وبالتالي يجد نفسه محاصرا بخصوم الداخل، والمتظاهرين، والمسلحين في سورية وداخل لبنان، وتربص إسرائيل به وربما قيامها بعدة ضربات ضده تسميها "ضربات وقائية" ستنال دعما دوليا وإقليميا، وبالتالي لم يكن أمامه سوى الدفاع على الحكومة رغم فسادها ورفض المتظاهرين لها وكأنها حكومته هو وحده.

حال سقطت الحكومة لا يقين لديه من موقف الجيش والقوى الأمنية، وهل ستكون على الحياد الإيجابي، أم السلبي، والحياد الإيجابي بالنسبة لحزب الله أنها ستترك المتظاهرين، وستحميهم، ولكن حال وجدت هناك ما يهدد السلم الأهلي، ووحدة المجتمع ستتدخل لفرض سيادة الدولة على الجميع، ومن هذا المنطلق يمكن أن نفهم إرساله لبعض شبابه للتهجم على المتظاهرين، فهذا الأمر كما أفهمه هو بالون اختبار من الحزب وليس سعيا منه للقضاء على التظاهرات التي يدرك أن العشرات لن يكونوا قادرين على إنهاءها، كما لا يمكنه أن يُقدم على هكذا أمر وهو قادر عليه دون الحصول على موافقة من جميع الشركاء بالحكومة، وعلى رأسهم سعد الحريري ببقاء الحكومة، وتطبيقها للورقة الإصلاحية، مقابل توليه هو إنهاء التظاهرات والاعتصامات، ولكنه أراد من هذا التحرك أن يجرب بشكل عملي رد فعل الجيش والأجهزة الأمنية، ولا استبعد قيامه عبر اختراق التظاهرات وهو أمر سهل الحدوث في مثل هكذا تظاهرات بلا قيادة، أن تُخترق من عناصر تعمل لصالحه لقطع بعض الطرق أيضا لاختبار رد فعل الجيش والأمن، وقد تأكد أن الموقف ليس بصالحه، وهناك حياد سلبي من وجهة نظره، وأن الجيش أو قوى الأمن لن تتدخل مهما حدث، وبالتالي حال حدوث فوضى سيجد نفسه مجبر على النزول منفردا للشارع، وهذا الأمر سيؤدي لهجوم الجميع عليه، بينما كان يأمل حال تدخلت قوى الأمن أن يكون في مأمن من النزول منفردا، وينسق وقتها مع الجيش في أن يكون مقاتليه بأمرة الجيش، وبالنسق الثاني لدعمه وتأمين ظهره فيظهر أن الجيش هو من يفرض الأمن لا حزب الله منفردا.

مشكلة إسقاط الحكومة تكمن أيضا في استغلال لحظة ضعفه بفرض شروط قد تؤدي لخسارته حلفاءه، أو حكومة تكنوقراط غير سياسية، وغير مشارك فيها لا هو ولا حلفاءه، وتؤيد قرارات دولية صادرة بحقه، وتسوقها للشعب اللبناني على أن المعادلة أصبحت رفاهية لبنان وخروجه من أزمته أو احتفاظ حزب الله بسلاحه، وحال طُرحت القضية بهذا الشكل وسط هذه الأزمة فلا يضمن أن يتخلى بعض حلفاءه عنه، أما تشكيله حكومة أغلبيه يمتلكها مع حلفاءه، ودون مشاركة الأخرين تعني حصار دولي وإقليمي، وإفلاس للبنان، وتحمله تبعات سياسة الحريري الأب الاقتصادية طيلة 30 سنة، وخروجه من الحكومة ومجيء حكومة جديدة تحظى بدعم شعبي وقبول إقليمي ودولي، وقادرة على اتخاذ قرارات راديكالية ضده، ولذلك تقديم سعد الحريري استقالته مثلت خسارة كبرى للحزب هي الأولى على الإطلاق في تاريخه بالداخل اللبناني، ووضعته أمام خيارات كلها صعبة وتنطوي على مخاطر كبرى.

مستقبل حزب الله وسلاحه:

الحديث عن مستقبل حزب الله وسلاحه، أمر يحتاج لنقاش مطول، ويصعب التنبؤ به، لكن يمكنا استشراف المستقبل عبر عدة سيناريوهات من خلال ما عرضناه من بانوراما سابقة عن الحزب والصراعات الدائرة حوله وحول سلاحه، مع وضع بعض النقاط الهامة في الحسبان. ألا وهي أن الكثير من الأقليات في لبنان، ومن كافة الطوائف بل حتى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، قد أكد على إمكانية بقاء سلاح حزب الله حتى الوصول لتسوية نهائية مع إسرائيل [21] ولكنه اشترط أن يكون قرار الحرب بالتوافق، وليس قرارا منفردا من حزب الله.

هناك زعامات طائفية رغم هجومها على حزب الله وسلاحه، لكنها تشعر أن وجودها وقيمتها، وحصولها على دعم مالي وسياسي اقليمي ودولي مرتبط بقضية سلاح حزب الله، وإنهاء هذا الملف سيعني نهاية لدورها والدعم المقدم لها، لذلك تستمر بالهجوم لكن لا تريد فعلا إنهاء لهذا الملف.

للطوائف حساباتها المختلفة في مسألة سلاح حزب الله، منهم من يرى ضرورة بقاء السلاح لمواجهة إسرائيل في ظل ضعف الجيش اللبناني، والحظر المفروض على تسليحه بأسلحة حديثة تشكل تهديدا لإسرائيل، وعدم الوصول لتسوية حول مزارع شبعا وكفر شوبا المحتلتين، والبعض الأخر يرى في هذا السلاح ضمانة لبقاء الطوائف الأخرى حال حدثت فوضى بالمنطقة يمكن من خلالها للحزب حماية نفسه وحلفاءه، خصوصا مع غياب سياسة عربية ومشروع عربي قادر على طمأنة هذه الأقليات، وفريق يرى أن السلاح مهم ليشكل قوة ردع وورقة مقايضة أمام المجتمع الدولي حال الوصول لتسوية مع إسرائيل بألا تكون على حساب لبنان بتوطين اللاجئين الفلسطينيين، وهم في غالبيتهم الساحقة مسلمين سنة، وهو ما سيخل بالتوازن الطائفي داخل لبنان، ويمثل خسارة للشيعة والمسيحيين والدروز، ومصلحتهم المشتركة عدم حدوثه، وبالتالي حزب الله حليف في هذا الملف وسلاحه ورقة القوة الوحيدة التي تمتلكها لبنان لمواجهة مثل هكذا مشروع، وفريق يرى أن لبنان مقبل على سنوات من الرخاء في ظل وجود اكتشافات جديدة لمكامن النفط والغاز بالمتوسط، وتستدعي وجود سلاح الحزب ليشكل ورقة ضغط أيضا في المفاوضات حول شروط الاستخراج والاستثمار لهذه الثروات بما يضمن توزيعها العادل على جميع الطوائف، واستفادة لبنان منها وفق شروط اقتصادية في صالحها.

الحاضنة الشعبية لحزب الله من الشيعة، وهؤلاء لابد من فهمهم، ومعرفهم مخاوفهم، وقراءة تاريخهم، وما فعله حزب الله لهم لكسب ولاءهم. فقد ظل الشيعة في لبنان رقما مهملا، ومهمشين سياسيا، وفي حالة فقر وعوز اقتصاديا، وأراضيهم مرتعا ومشاع لكل من أراد أن يقاتل إسرائيل من اللبنانيين والفلسطينيين والعرب، والقادمين من كوبا والأرجنتين المنتمين لحركات يسارية راديكالية، كذلك لم تمنحهم الدولة أي دعم أو امتيازات عكس المناطق الأخرى، ولولا الدعم الاقتصادي الذي قدمه الحزب، وتسهيلاته عبر العلاقات مع إيران لسفر شبابه للخارج، وتوفيره للحماية العسكرية وسط هذا الجو الطائفي المشحون لربما تم القضاء عليهم كما يعتقدوا، ونعيد ونكرر غياب السياسة العربية والمشروع الجامع لكل مكوناته هو ما جعل هذا الثوب العربي مليء بالثقوب، ومنها دخل الأخرون وخلقوا لأنفسهم نفوذ.

في اعتقادي لا يمكن الإبقاء على ثنائية السلاح والسياسة في آن واحد، وقدرة حزب الله على الصمود طيلة السنوات الماضية لم تعد كما كانت مع ما تتعرض له إيران من عقوبات اقتصادية هي الأشد قسوة عبر التاريخ، وضعف سورية، والضغوط الداخلية والخارجية عليه لن تمكنه طويلا من الحفاظ على تلك المعادلة، كذلك من المهم فهم العقلية الغربية بل والإسرائيلية، فهناك توجه منهما بقبول حزب الله ككيان سياسي، ومنحه الحصة الأكبر رغما عن أنف الجميع بلبنان، وامتيازات اقتصادية كبرى، بل والاحتفاظ بسلاحه أو دمجه مع مقاتليه داخل الجيش اللبناني بما يضمن أن يظل متفوقا عسكريا وفي إطار شرعية الدولة، ولكن كل هذا مشروط بقبوله بالاعتراف بإسرائيل، وعقد معاهدة صلح معها، وفي هذه الحالة ليس لدى الغرب ولا إسرائيل أي مشكلة من أن ينفرد حتى بالحصة الأكبر في حكم لبنان، وهذا الأمر هو أكثر ما يخيف بعض خصومه.

ما يمكن قوله في نهاية هذا البند أن مسألة سلاح حزب الله لن يتم حسمها إلا في إطار حل إقليمي شامل، حزب الله ورغم ما تحدثنا عنه بالمقال السابق عن أيديولوجيته إلا أنه يمارس بالداخل اللبناني سياسة مستقلة عن إيران، وهو من يديرها وفق ما يراه مناسبا له ولحفائه، ولدى إيران ثقة كبيرة فيه، لكن فيما يخص السياسة الخارجية فالحزب جزء لا يتجزأ من السياسة والاستراتيجية الإيرانية بالمنطقة، وتحالفه قائم على الحفاظ على هذا الارتباط حتى وصول إيران لتسوية مع الغرب بقيادة أمريكا، وعبر هذه التسوية تضمن له إيران موقع متميز بالساحة اللبنانية مقابل ما قدمه من خدمات استراتيجية لها، ووفق هذه المعادلة، والحديث عن مفاوضات سرية بين الإيرانيين والأمريكان، أو ما ستؤول إليه الأمور في نهاية المطاف من اتفاق حتمي يمكن فهم طبيعة الصراع الدائر الأن، ومعركة تكسير العظام بين كل الأطراف المتنافسة، والتي يسعى من خلالها كل طرف لتعزيز مكاسبه، أو تقليص خسائره لينال أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل الوصول لهذه التسوية النهائية.

الخاتمة:

إنها معركة النفوذ والسلطة والثروة بالمنطقة، ومعركة الجميع على أمريكا لا ضد أمريكا، والخلاف فيها بين من رأى ضرورة الاستسلام لها ولشروطها منذ اللحظة الأولى، والحصول منها على ما ستقرره، وبين من رأى أنه يستحق أكثر مما تعرضه عليه أمريكا، وعبر الشغب أو المقاومة أو الممانعة أو المماحكة أو المعاندة يريد الوصول معها لاتفاق تقر فيه بمطالبه، ولذلك لا وجود لمعركة حق وباطل، أو صراع خير وشر، أنها معركة سياسة بحته استخدمت فيها كل الأطراف كافة الوسائل الممكنة للحشد والتجييش، وبالتأكيد حققت فوائد لأطراف عدة مستقلة وتقاطعت مع مصالح وطنية وقومية عربية.

المحور الإيراني بالمنطقة لا أعتقد من مستقبل له يمكن أن يتحقق في ظل عدم وجود مشروع واضح ومحدد المعالم له لما بعد "المقاومة" والحروب لنهضة شعوبه، كذلك وإن تقاطعت بعض التيارات القومية أو اليسارية معه في بعض المعارك إلا أن التحالف معه مستحيل، ولا يمكن أن يصمد بعد انقضاء غبار هذه المعارك لسببين رئيسيين. أولا لأن إيران ليست دولة عربية شأنها شأن تركيا، ولا يمكن لتحالف ينشأ معهما إلا في ظل وجود تكتل عربي ولو بالحد الأدنى متماسك، أو سيصبح تحالف غير متكافئ، السبب الثاني ليس لكون إيران شيعية بل لكونها دولة ذات بعد ديني، وهو ما يؤدي بشكل مستمر لتنامي طموحات وأحلام التيارات الإسلامية السنية في تكرار هذه التجربة في بلداننا العربية مع ما يرافق ذلك من فوضى وصراعات أهلية، وعدم وجود ما يمكن لإيران تسويقه أيديولوجيا إلا داخل بيئة شيعية، وهو ما يجعل قدرتها على التمدد بالمنطقة مهما بدت كبيرة إلا أنها محضورة في جغرافيا محددة، ودائمة الصراع لا يمكن تحصيل مكاسب اقتصادية منها، وستجعلها في حالة استنزاف مستمر لثرواتها وقدراتها وسمعتها، وتنامي لمشاعر الغضب الداخلي ضد قيادتها.

العرب مالم يكن لديهم مشروع سياسي، واقتصادي، واجتماعي واضح المعالم، ويظهر للعلن في أسرع وقت ممكن، فلن يحتل أراضيهم أحد، ولكنها ستتحول لمجرد كانتونات نفوذ لقوى دولية وإقليمية ينقرض العرب داخلها مع الوقت مثل الديناصورات.

الحراك اللبناني على نبل مقاصده، ومشروعية مطالبه إلا أني لا أتوقع أن يحقق الكثير، وهذا ثمن السكوت الطويل على هذا الفساد، وتحول ملف الإصلاح الداخلي لورقة من أوراق الصراع الإقليمي في ظل غياب قوى سياسية معبرة عن الحراك، ولديها مشروع بديل عن النظام الحالي الذي تأسست عليه الجمهورية اللبنانية الثانية عام 1989م.

أتمنى أن أكون وفقت قدر المستطاع في نقل الصورة الكاملة لحزب الله وتحالفاته ودوافعه لنفهمه ونعرف كيف نتعامل معه وعلى أمل أن تجمعنا مقالات أخرى أكثر تفصيلا عن إيران ومحورها ومستقبله بالمنطقة.


[21] https://www.youtube.com/watch?v=A7QnAChNdIM&t=768s (الدقيقة السابعة – حوار البطريرك الماروني)