رحلة إيران من قيادة المذهب السني إلى التشيع!

10.11.2019

ملف خاص (5/2)

تحدثنا في المقال الأول الذي كان بعنوان (العرب وإيران .... ميلودراما تراجيديّة عمرها ألفي عام) [1] عن تعقيدات هذه العلاقة، والمراحل التي مرت بها وصولا للفراق بين الطرفين، وهيمنة الترك على الدولة العباسية، وبدء تراجعها على يديهم، وسنتحدث في هذا المقال على مساهمات الفرس في الحضارة العربية – الإسلامية، ودورهم في تأسيس المذهب السني، وكيف تحولت إيران للمذهب الشيعي، وقبل ذلك كيف حافظت على لغتها وتراثها الفارسي، وأثر هذا التحول على سياساتها وعلاقتها بالعرب في حاضرنا.

مأسسة الإسلام:

عندما توفي رسول الإسلام محمد عام 632م. اختلف صحابته منذ اليوم الأول على من يتولى قيادة المسلمين من بعده، وتم التوصل عبر تسوية ما بأن يكون أبو بكر الصديق، الذي وصف عمر بن الخطاب أمر توليته الخلافة بمقولته الشهيرة التي أوردها البخاري (إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها). [2] وقد أختلف مفسري الأحاديث في معنى كلمة "فلتة" بين من يرى أنها تعني السرعة والعجلة، وبين من يرى أنها تمت على حين غفلة من باقي المسلمين، وبين من يرى أنها إقرار من عمر بن الخطاب بعدم شرعيتها نظرا لعدم موافقة الجميع عليها لذلك كان يمكن أن يأتي من خلفها فتنة لكن الله وقى المسلمين شرها.

أي كان تولى أبو بكر الصديق الخلافة، ومن بعده عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان الذي قتل على يد "الثوار" ثم علي بن أبي طالب حتى مقتله على يد أحد أتباع "الخوارج" وسط صرعات دموية حدثت بين الصحابة وصولا لتنازل الحسن بن علي لصالح معاوية بن أبي سفيان، ثم ترسيخ الحكم الأموي في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان عام 685م. في كل هذه الأثناء كان الإسلام دينا بسيطا للغاية، ولا يوجد فيه طبقة رجال دين، ولا كتب، ولا مصنفات لعلومه، ولا علوم متنوعة مثل العقيدة، والفقه، والسنة، والأحاديث، وخلافه مما هو متعارف عليه الأن. بل لم يكن هناك مذاهب بالمعنى الحقيقي، ورغم خروج بعض الأفكار مثل التشيع، والخوارج، والقدرية، والمرجئة. إلا أنها كانت أفكار سياسية أكثر منها فقهية وعقائدية دينية لها أسس صلبة تعتمد عليها، أو كتب ومؤلفات تسند أراءها إليها.

نظرا لكون العرب ذو ثقافة شفهية، وحتى أديانهم القديمة كانت بدائية للغاية، ولم يكن لديهم طبقة رجال دين أو كهنة، أو كتب مقدسة، بل مجموعة من الأفكار والطقوس البسيطة، وثقافة تعتمد على الحفظ أكثر من التدوين، ولم يكن قد تم تدوين أي شيء ذو قيمة عن الإسلام سوى القرآن. وقد تم ذلك بشكله النهائي بعهد عثمان بن عفان عام 645م. وكانت الحروب والصراعات الأهلية الداخلية، والغزوات والفتوحات الخارجية هي شاغل المسلمين الأكبر، ولم يحظى التدوين بأي عناية تذكر، خصوصا وأن الرسول محمد قد نهى عن تدوين أحاديثه كما ورد بعدة أحاديث منها ما ورد في مسلم (لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه). [3] وقام أبو بكر بحرق أحاديث الرسول التي دونها بنفسه، ونهى الناس من أن تكتبها [4] وكذلك فعل عمر بن الخطاب [5] بل وعمم على جميع الولايات أمره بحرق من لديه أي أحاديث مدونة عن الرسول [6] ومضى على نفس سيرتهما ووصايا الرسول الخلفاء من بعدهم.

بعد استقرار الدولة العربية – الإسلامية، وتراجع الصراعات الداخلية، وتوسع حركة الفتوحات الخارجية بدأت الجدالات الفكرية بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، وكان المسلمين في ذلك الوقت لديهم من رحابة الصدر ما أفسح المجال ليوحنا بن سرجيوس بن منصور التغلبي المعروف مسيحيا باسم (يوحنا الدمشقي). أو "ينبوع الذهب" بأن يعقد نقاشات يبين فيها أراءه بأن الإسلام دين بشري وليس منزل من عند الله [7] وقد دون مناظراته مع المسلمين في كتابه الشهير (الهرطقات) [8] حيث صنف الإسلام بأنه "الهرطقة" رقم مائة.

مع انفتاح المسلمين على باقي الأمم والشعوب التي فتحوا أراضيها، ورغبة أهل هذه البلدان في معرفة الإسلام، وتعلم بعضهم العربية زادت المناظرات والمجادلات الفكرية، وظهر مدى ضعف العرب المسلمين في تبيان حجتهم، وقلة حيلتهم في الرد على أسئلة ذات بعد فلسفي عميق لم يكن لديهم بها دراية ولا معرفة، وبدا وكأن الإسلام مجرد دين بسيط يتحدث عن أمور عامة، ولا يمتلك أهله سوى نص مقدس وهو القرآن مكتوب باللغة العربية الصعبة، ولا قدرة لأهل هذه اللغة على الإجابة على أسئلتهم، كما طرح غير المسلمين من ضمن أسئلتهم سؤال جوهري حول ما هي معجزات رسولكم فكتابكم القرآن يتحدث عن معجزة جاء بها كل نبي ليؤكد على نبوته، بينما لا وجود لمثل هكذا معجزة لديكم، كذلك طرح يوحنا الدمشقي سؤال أخر حول اعتقاد المسلمين بأن المسيحيين على عقيدة غير سليمة كونهم يؤمنون بأزلية المسيح، وبنوة الله له، فقال لهم هل تؤمنون بأن القرآن كلام الله فقالوا نعم، فقال وهل هو أزلي أي قديم أم محدث نزل زمن رسولكم، فقالوا بل أزلي قديم، فقال ألم يقل قرآنكم (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه). [9] إذن فحسب كلامكم وكلام قرآنكم فالمسيح كلمة الله، والقرآن كلام الله الأزلي، وبالتالي المسيح أزلي مع الله كما نؤمن وكما يقول القرآن، وعليه لماذا تعتبرون عقيدتنا فاسدة؟!

طرحت مثل هذه القضايا وغيرها حالة من الجدل داخل المجتمع العربي – المسلم، وعجز عن الرد بشكل قادر على إقناع الخصوم، وأصبح هناك حاجة لوجود ردود قوية، وتأسيس لعلوم دينية مفصلة كان يتزامن مع هذه الأحداث ما قد سبق وشرحناه في مقالنا السابق من بدء تعلم الفرس للعربية، وتحول نسبة كبيرة منهم للإسلام، وسعيهم في ذلك الوقت لقيادة هذه الدين عبر حضارتهم ومعارفهم التي رأوا أنهم يتميزوا فيها عن العرب، ونشط الفرس في هذه العملية لما لديهم من خبرات قديمة بالتدوين، وقد أخذ العرب منهم نظام الدواوين، بجانب معرفتهم بطرق وأساليب الجدل الديني والفلسفي، وتراجع المسلمين عن النهي بتدوين السنة لضرورة وجودها ليتم الاستعانة بها لتفسير آيات القرآن، والرد على الخصوم العقائديين مع ضرورة وجود فقه، وبدأت منذ تلك اللحظة عملية مأسسة الإسلام والتي كانت نتيجة لهذه الظروف، وكان الطرف المستعد والمؤهل لها هم الفرس الأكثر كفاءة ودراية بهذه الأمور في ظل انشغال العرب بالحكم والسلطة وحركة الفتوحات الخارجية، والصراعات فيما بينهم على أسس قبلية.

الانكفاء السياسي والنشاط العلمي:

مر الفرس كما أسلفنا في علاقتهم مع العرب بأربع مراحل رئيسية، المرحلة الأولى التي تصوروا فيها أنهم مجرد غزاة سيكتفون بالغنائم ويرحلون عن بلادهم، والمرحلة الثانية التي أدركوا فيها أنهم فاتحون جاءوا لكي يستقروا ويبنوا إمبراطورية جديدة، وكان لديهم إعجاب بشجاعة وحيوية الأمة العربية الناهضة ودينها القريب في الكثير من قيمه ومبادئه من ديانتهم الزرادشتية، وسعوا ليكونوا جزءا منه، وعبر علومهم ومعارفهم سيكون لهم المكانة الأكبر في هذه الإمبراطورية كما كانوا يعتقدون، لكن خابت آمالهم من خلال معاملة الولاة الأمويين لهم بشكل فيه تعسف وظلم وتقليل من شأنهم، ثم كانت المرحلة الثالثة بالتحالف مع الأسرة العباسية الهاشمية، وقد أدى هذا التحالف لقيام دولة بني العباس، وإسقاط دولة بني أمية، ومساواتهم بالعرب في كافة الأمور على أن تكون الخلافة للعرب والوزارة وشئون الدولة لهم، ومع تراجع الخلفاء العباسيين عن هذا الاتفاق، وخشيتهم من نفوذ الفرس وطموحهم اللامتناهي، دخلوا بالمرحلة الرابعة وهي القطيعة مع العرب دون القطيعة مع الإسلام والانكفاء عن ممارسة أي دور سياسي بعدما أنهكتهم الحروب والثورات التي قُتل فيها العديد من قادتهم.

بدأت البذرة الأولى لنبوغ الفرس العلمي بالعصر الأموي، وتحديدا على يد "روزبه پور دادویه" المولود عام 724م. في مدينة فيروز آباد الواقعة الأن في محافظة فارس بإيران، وقد كان مجوسيا ثم أسلم وغير اسمه إلى عبد الله بن المقفع، وأتقن اللغة العربية، بجانب معرفته باللغة الفارسية، واليونانية، والبنغالية، والهندية السنسكريتية، وترجم من كل هذه اللغات إلى العربية، وترجمته العربية هي المرجع الذي ترجمت منه لباقي اللغات الأخرى حتى اليوم نظرا لفقدان النسخ الأصلية لهذه المؤلفات، ولعل أشهر ما ترجمه الكتاب الرائع (كليلة ودمنة). الذي ترجمه من اللغة الفارسية بأبجديتها الفهلوية القديمة إلى العربية، وله أكثر من (12). كتاب بين مؤلفات خاصة أو كتب ترجمها للعربية من اللغات سابقة الذكر، وكان بذلك أول من أسس مدرسة الترجمة والأدب العربي، وعبر هذه المدرسة أنطلق قطار الأدب العربي الذي يعتبر الأعظم والأهم بلا منازع بكل العالم في العصور الوسطى.

تأسيس المذهب السني:

مع دخول العديد من الفرس للإسلام، وإتقانهم اللغة العربية، وتبنيهم لهذا الدين ولغته التي نزل بها القرآن، والهدوء والاستقرار الذي شهدته الدولة العربية – الإسلامية في عصرها العباسي الأول، وزيادة النشاط العلمي على حساب الأعمال الحربية حيث سيطر المسلمين في ذلك الوقت تقريبا على أهم بلدان العالم القديم، وعلى خطى كل الفاتحين القدامى مضوا في فتوحاتهم حتى وصلوا غربا إلى مدينة تولوز بجنوب فرنسا، وشرقا إلى كاشغر في شمال شرق الصين، تصدى الفرس المسلمين لكل "الشبهات" والانتقاضات الموجهة للإسلام من الفرس الغير مسلمين، وسكان المناطق الشرقية التي كانت غنية بالثقافات والفلسفات القديمة، وازدادت الحاجة مع هذه المناظرات والصراعات الفكرية لوضع قواعد علمية يستند عليها المسلمين في ردودهم ونقل دينهم للأخرين، فقد كان الإسلام كما أسلفنا دينا بسيطا للغاية، وليس بحاجة لتدوين وشروحات نظرا لأنه نزل بلغة العرب، ورسوله عربيا منهم، ودخل فيه العرب إما مسلمين مؤمنين، أو مستسلمين لقوة دولة المدينة بعدما شن أبو بكر الصديق والقائد العسكري خالد بن الوليد حربا شرسا ضد كل المتمردين، ثم جاء عصر الفتوحات والمغانم وأصبح الإسلام جزء لا يتجزأ من الهوية التي يمكن تسميتها بالقومية للعرب، والشعار الذي عبره يقوموا بغزو وفتح البلدان الأخرى، بينما لم يكن الأمر كذلك مع باقي القوميات والأجناس والثقافات الغير عربية، وهنا برزت قيمة وأهمية الدور الفارسي في مأسسة وصياغة الإسلام بطريقة حديثة تناسب العصر وثقافات وأسئلة هذه الشعوب.

يطول الحديث عن العلماء الفرس المسلمين، وربما نحتاج لمجلدات بلا أي مبالغة للحديث عنهم وعما قدموه للإسلام بل وللغة العربية، فعلى سبيل المثال كانت اللغة العربية لغة شفهية، يتحدث بها العرب بفصاحة وبلاغة نتيجة بيئتهم التي ولدوا فيها، ولكنها لم تكن تعتمد على قواعد نحو وصرف وغيرها من القواعد المعروفة الأن للغات حتى يتمكن غير المتحدثين بها من إتقانها، وشكل هذا الأمر خللا كبيرا في تلقي الأخرين لها، وعدم قدرتهم على فهمها بالشكل السليم، وهنا تدخل سيبويه، وهو عالم لغوي وأديب فارسي، والغريب أن هذا الفارسي الأصل هو من وضع قواعد اللغة العربية المدونة والمعروفة حتى الأن في كتابه الشهير (كتاب سيبويه). [10] بالقرن الثامن الميلادي، الذي قال الجاحظ في وصفه "لم يكتب للناس في النحو كتاب مثله" وعبر مأسسة اللغة العربية، ووضع قواعد لها وتدوينها، تمكن غير العرب من تعلمها بسهولة، وأصبح الكثير من المستعربين أكثر فصاحة من العرب الأقحاح فيها، ومكن هذا الكتاب العلماء فيما بعد من تأسيس علم خاص باللغة العربية وقواعدها، وساهم في تأسيس علم تفسير القرآن عبر استخدام هذه القواعد.

على الرغم من نهي الرسول وخلفاءه الأربعة من بعده عن تدوين الأحاديث، إلا أن هذه الأحاديث النبوية قد شاعت بين الناس، وأصبح الجميع تقريبا يرددها بلا أي قواعد أو قيود مما شكل بلبلة كبرى بين المسلمين، بجانب حاجتهم لنص أخر بجانب القرآن يوضح بعض معانيه أو ما لم يتحدث فيه وهنا تعامل الفرس مع المسألة بواقعية، وبدأوا في وضع قواعد للأحاديث وصولا لتحوله لعلم مستقل بذاته، وقد بدأت هذه العملية بجمع الأحاديث ثم النظر في صحتها من عدمه، ووضع قواعد تطورت مع الزمن وصولا للقواعد المعمول بها حتى الأن والتي تم تدوينها فيما تسمى (كتب الصحاح الستة). وسنلاحظ أن كاتبوا هذه الصحاح إما من الفرس، أو ذو ثقافة فارسية وعاشوا أو تربوا في وسط هذه الثقافة بمنطقة خراسان الكبرى. وهم محمد بن إسماعيل بن بردزبه المعروف باسم (البخاري). المولود في خراسان عام 810م. وصاحب "صحيح البخاري" ومسلم بن الحجاج بن كوشاذ الذي يعتقد البعض بأنه عربي قشيري، بينما يرى الأخرون أنه كان عربيا بالولاء لا بالنسب، وعلى كل الأحوال فقد نشأ وسط بيئة فارسية وولد عام 822م. في مدينة نيسابور شمال شرق إيران حاليا، وهو صاحب كتاب "صحيح مسلم" وصاحب الكتاب الثالث (سنن النسائي). أحمد بن شعيب النسائي المولود عام 829م. في مدينة نسا بخراسان، والكتاب الرابع (سنن أبي داود). لأبي داود سليمان المولود عام 817م. في سجستان بخراسان وأصله عربي فارسي الثقافة والمولد، والكتاب الخامس (سنن الترمذي). لأبو عيسى محمد الترمذي، المولود في بلدة ترمذ عام 824م. بمنطقة خراسان الكبرى، والكتاب السادس والأخير (سنن ابن ماجة). لمحمد بن ماجة القزويني المولود عام 824م. في مدينة قزوين الإيرانية، بجانب الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك، وغيرهم من علماء الحديث الذين كانوا في أغلبهم من الفرس.

كذلك برز الفرس في علوم الفقه، وكانوا من المساهمين الرئيسيين في تأسيسه، وأبرزهم أبو حنيفة النعمان بن ماه المولود عام 699م. بالكوفة وهو من أصل فارسي، وكذلك فقيه أهل مصر الليث بن سعد المولود عام 713م. لأسره أصلها من أصبهان الفارسية، أما المذهب الظاهري فقد أسسه داود الأصبهاني المولود عام 816م. في الكوفة، وهو المذهب الخامس داخل مذاهب أهل السنة وكان من أبرز علماءه ابن حزم الأندلسي الفارسي الأصل المولود في قرطبة عام 994م. وغيرهم كثر من الفقهاء الذين لا يسعنا ذكرهم.

في علوم العقيدة فالمدارس السنية الأربعة الكبرى (الأشاعرة). مؤسسها الفعلي أبو المعالي الجويني المولود عام 1082م. في نيسابور شمال شرق إيران، والملقب بإمام الحرمين، وصاحب المساهمات الكبرى في الرد على غير المسلمين وانتقاداتهم للإسلام، المدرسة الثانية (الماتريدية). ومؤسسها أبو منصور الماتريدي المولود بالقرن التاسع الميلادي في سمرقند بخراسان، والمدرسة الثالثة (أهل الحديث). والرابعة (الظاهرية). وكلاهما كما أسلفنا مؤسسيها ذو أصول فارسية، بجانب مذهب المعتزلة الذي كان للفرس فيه مساهمات كبرى.

في تفسير القرآن ساهم كما سبق وذكرنا ما وضعه سيبويه من قواعد لغوية في سهولة تفسير القرآن لغير العرب، وكذلك المفسر الشهير الحسين البغوي المولود عام 1044م. في مرو الروذ الفارسية وصاحب كتاب (معالم التنزيل). في تفسير القرآن.

كان للفرس دور كبير أيضا في نشأة وتطور التصوف الذي يعتبر إمامه الأكبر الجنيد المولود بالقرن التاسع الميلادي، ويعود أصله إلى مدينة نهاوند الفارسية، وأبو حامد الغزالي المولود عام 1058م. في "طوس" مدينة مشهد الإيرانية حاليا، وأبو إسحاق الشيرازي، وجلال الدين الرومي، وشمس التبريزي صاحب كتاب قواعد العشق الأربعون، والحلاج وغيرهم كثير من أئمة التصوف.

أما في الطب، والهندسة، والفلك، والجبر، والفلسفة فتطول القائمة سنذكر أبرزه علماء الفرس أو ذوي الثقافة والمولد الفارسي مثل (الحسن بن الهيثم – البوزجاني – الخوارزمي – الفارابي – جابر بن حيان – زين الدين الجرجاني – عمر الخيام – الرازي – الطبري – السهروردي – الزمخشري - ابن سينا).

الفردوسي انبعاث الفرس والعودة إلى الذات:

في نهاية القرن العاشر الميلادي كان الفرس قد أدركوا تماما فشل جميع مساعيهم في مشاركة العرب بحكم الإمبراطورية الإسلامية، أو الاستحواذ عليها وقيادها، أو أن يكون لهم فيها النصيب والحصة الأكبر، وتراجعت دولتهم، وانتهى نفوذهم، وتفرغوا للعلوم بكافة فروعها، وكانوا أصحاب المساهمة الأكبر في تأسيس المذهب السني، ومأسسة الإسلام بوجه عام، إلا أن الثقافة الفارسية، وتاريخ الفرس القديم، واللغة والأدب الفارسي قد شهد تراجع كبير، وكاد أن يُنسى ويضيع وسط الفوضى التي عانت منها إيران، وتعاقب الحكام والسلالات الأجنبية على أرضيها من عرب، وترك، وديلم، وأفغان، وأوزبك، وطاجيك، وتتار، ومغول، ولم يعد للفرس لغة واحدة تجمعهم، وضاعت أبجديتهم الفهلوية القديمة، ومع استيطان العديد من هذه الأقوام داخل إيران فقد تعددت اللغات داخلها والناظر في تلك الحقبة يخيل إليه أن الفارسية قد انتهت ولن تعود مرة أخرى.

في عام 940م. يولد في مدينة "طوس" مشهد الحالية بإيران الحسن بن إسحاق بن شرف شاه المعروف باسم (الفردوسي). ويصبح مهموما بما وصل إليه حال الفرس وثقافتهم، ويتفرغ للعلم والقراءة والاطلاع، ويتعلم الفهلوية الفارسية القديمة، ويجمع مخطوطات تاريخ بلاد فارس القديم، ويعمل بشكل دائم وبلا انقطاع حتى ينتهي عام 1000م. من كتابة الملحمة الشعرية التاريخية (الشاهنامه). [11] في ستين ألف بيت، والتي يروي فيها وصول الفرس للهضبة الإيرانية عام 2000 ق.م، وتاريخ إيران منذ العصور القديمة حتى عصر الفتح العربي، وسقوط الإمبراطورية الفارسية الساسانية.

شكل كتاب (الشاهنامه). انبعاث جديد للروح القومية الفارسية التي كادت أن تنتهي للأبد، واستعاد عبرها الفرس معرفتهم بتاريخهم المجيد الذي لم يكن يعرف أحد منهم عنه أي شيء، وعبر الصياغة الشعرية البلاغية الحماسية لهذه الملحمة تمكن فيما بعد علماء اللغة من وضع قواعد اللغة الفارسية الحديثة والمعروفة حتى يومنا هذا، وشاعت هذه اللغة ذات الأبجدية العربية وبفضلها لم ينصهر الفرس بالثقافات الأخرى، وأصبح لديهم مناعة ثقافية ذاتية عبر معرفتهم بتاريخهم ولغتهم وهما المكونين الرئيسيين لبناء الدولة الأمة وإعادة بعثها من جديد، والمتابع الجيد للشئون الإيرانية حاليا سيدرك مدى أهمية واعتزاز الفرس بكل أعراقهم بشخصية الفردوسي، بل إن النظام الجمهوري الإسلامي الذي تأسس بعد ثورة 1979م. أكثر من اعتنى بهذا الرجل، ونصب له تماثيل في كل مدينة، ومحافظة، وميدان كبير في إيران، فالقومية لا تتعارض مع الإسلام في إيران كما هو الحال في العالم العربي، والدين والقومية ركنان أصيلان للشخصية الفارسية الحديثة.

عودة الأمة الفارسية من جديد:

مع شيوع كتاب الفردوسي (الشاهنامه). واستعادة الفرس لهويتهم الحضارية والثقافية، ونشاط حركة الكتابة والثقيف بالإرث القومي والتاريخي الفارسي نشأت في بلاد فارس قومية من نوع أخر، قومية حديثة خلافا لتلك القومية القديمة التي عفى عليها الزمن، قومية قائمة على الثقافة والإرث الحضاري لا على العرق كما كانت، هذه القومية الجديدة قوامها اللغة الفارسية التي تجمع كافة الشعوب التي تسكن الهضبة الإيرانية بغض النظر عن لغاتهم الإثنية فالكل يُجيد ويتحدث بالفارسية وهي القاسم المشترك بين الجميع، والتاريخ المجيد لمن سكنوا هذه الأرض بالماضي، وأسسوا فيها إمبراطوريات وممالك عظيمة، والأن كل ساكني هذه الأرض هم ورثة هذه الحضارات والإمبراطوريات، وبينهم قاسم مشترك في عيشهم بمكان واحد وعليه فالقومية الفارسية أصبحت وعاء جامع للجميع بغض النظر عن أصلهم العرقي سواء كانوا تركمان، أذر، كرد، بلوش، لور، عرب.

بزوغ هذه القومية الجديدة، وشيوعها في نفوس ساكني الهضبة الإيرانية باختلاف أصولهم العرقية، كانت البداية لعودة الدولة الأمة ذات الخصائص الثقافية والحضارية واللغوية الخاصة، وكانت كل الظروف مُهيئة لمن يلتقط راية الفرس من على الأرض ويرفعها عاليا ليلتف حوله الجميع لتوحيد أراضي إيران، وتأسيس دولة قومية جديدة ذات خصائص فريدة عن محيطها الذي استنزفها، ونهب ثرواتها، واستأثر بالحكم والقيادة دون أهلها، وكان الصفويون هم أولئك الذين كانوا متنبهين لهذه التحولات الكبرى التي تجري في إيران، والمبادرين لرفع الراية ليجتمع حولها جميع الشعوب الإيرانية.

بدأت نواة الحكم الصفوي بحركة دينية صوفية، أسسها جد الصفويين الأعلى الشيخ صفي الدين الأردبيلي المولود عام 1252م. في أردبيل شمال غرب إيران، وكان من أهل السنة والجماعة، شافعي بالفروع، أشعري بالأصول، متصوف بالمنهج والسلوك، وأسس لنفسه حركة صوفية سميت على اسمه (الطريقة الصفوية).

اهتم صفي الدين الأردبيلي بتقديم إسلام ذو خصائص فارسية، وباللغة الفارسية، ودعم الثقافة القومية المقاومة للثقافات الوافدة على إيران، ووجدت دعوته هذه  قبولا وتأييدا شعبيا واسعا لدوافعها القومية، ورؤيتها الدينية الفلسفية، وزهد قائدها، وقوة ولاء أتباعه، والخدمات الاجتماعية التي يقدمونها للضعفاء والمساكين، وإنفاقهم للأموال التي تأتيهم من الأغنياء على الفقراء، وعدم حصولهم على شيء منها، فشكلت هذه الطريقة الصوفية ملجأ لكل الإيرانيين، وبديل يمكن تسميته بالوطني وفق المصطلح الحديث عن تلك السلالات الحاكمة الوافدة من خارج البلاد.

عام 1334م. تولي صدر الدين موسى ابن المؤسس قيادة الحركة الصفوية الصوفية، وتمتع بكاريزما وقيادة روحية قوية مثل أبيه، ومع الفوضى السياسية التي كان يعاني منها الشرق بأكمله تمددت هذه الحركة لتشمل غالبية الأراضي الإيرانية، واستمرت بالتمدد على يد خليفته خوادجا بن صدر الدين موسى، وابنه من بعده إبراهيم بن خوادجا حتى شاعت بكل مناطق إيران وآسيا الوسطى والأناضول، وأصبحت حركة دينية سياسية لها مكانتها وقدرتها على تحريك المجتمع وإعلانه الثورة حال دعتهم إلى ذلك.

ظلت الحركة الصفوية في حالة صعود، ومحافظة على انتماءها السني الصوفي، حتى جاء إسماعيل الصفوي المولود في أردبيل عام 1487م. وتولى فيما بعد زعامة الحركة الصفوية، وقد بلغت في عصره أوج قوتها مقابل ضعف الدولة التيمورية أخر الدول القوية التي حكمت إيران بعد المغول، وتقاسم الحكم في إيران قبيلتان تركمانيتان هما الآق قويونلو "الخرفان البيض" وقبيلة القراقويونلو "الخرفان السود" وقد نشأت بينهما صراعات دامية عانى منها الإيرانيون، وضاقوا ذراعا بهذه الحروب والفوضى التي لا تنتهي، وكانت الظروف جاهزة ليقبلوا من يدعوهم لدولة مركزية جديدة تعيد لهم أمجادهم التاريخية، وهو ما فعله الحفيد الخامس لمؤسس الحركة الصوفية الصفوية إسماعيل الذي أصبح يلقب بالشاه إسماعيل الصفوي، أول حكام الدولة الصفوية ومؤسسها عام 1501م. ليصبح للفرس ولأول مرة منذ 850 سنة دولة خاصة بهم، ويحكمها حاكم منهم، ويوحد كافة أراضيها التاريخية، ويتوسع خارج حدودها ليستعيد أمجاد إمبراطورياتهم البائدة، بجانب ما صنعه الفردوسي ومن جاءوا من بعده ببعث الروح القومية الفارسية، واستعادة اللغة والإرث التاريخي القديم.

العرب والفرس ولعبة الأقدار:

قد يكون من المستغرب لدى البعض أن الفرس هم المؤسسين الفعليين للمذهب السني، وأن إيران كانت بغالبيتها الساحقة بلدا سنيا، ولعلمائها الدور الأكبر في كل ما يدرسه أهل السنة والجماعة بكافة مذاهبهم الفقهية والعقائدية، ومدارسهم الصوفية، وتفسير القرآن، وعلوم النحو والبلاغة واللغة العربية، حيث ارتبطت إيران في أذهان العديد من العرب بالتشيع، وتخيل البعض أنها كانت دولة شيعية منذ اليوم الأول، بل قد يتفاجأ البعض أن مذهب النواصب كان شائعا في إيران بالقرن العاشر الميلادي، والنواصب حسب التعريف السلفي [12] هم الذين يبغضون ويكرهون ويسبون أهل بيت رسول الله وتحديدا علي بن أبي طالب، والحسن والحسين، ووالدتهما فاطمة الزهراء. حتى أن الحاكم النيسابوري صاحب كتاب المستدرك في علم الحديث كان يخشى على نفسه من القتل، ويجلس في بيته لا يستطيع الذهاب لصلاة الجماعة بالمسجد لأنه كان يميل لأهل البيت ولا يذكر فضائل معاوية بن أبي سفيان، وقد أتهمه الكثير من العلماء بالتشيع الباطني رغم أنه أحد أئمة أهل السنة [13] حتى ذهب إليه العالم الصوفي الكبير أبو عبد الرحمن السلمي، وقال له أذكر حديث في فضل معاوية لتأمن على نفسك من غدر الناس، لكنه رد عليه بأن قلبه لا يطاوعه على مثل هكذا فعل [14]

هناك خلاف حول نسب الصفويين الأصلي والمرجح أنه من أصول تركية أذرية، فارسية الثقافة واللغة والمولد، وتزامن صعود الشاه إسماعيل إلى السلطة مع تنامي قوة الدولة التركية العثمانية، والأوزبك والأفغان، وبدء سيطرة المغول المسلمين السنة على شبه القارة الهندية، فوجد نفسه وسط محيط كله يمثل خطر وتهديد على حكمه، وعلى الدولة الجديدة التي تتمتع بثقافة وهوية فارسية ولكن دينها الإسلام السني شأنها شأن كل البلدان والممالك الإسلامية المحيطة بها، وهذا الأمر يشكل خطورة، وعنصر ضعف للولاء بالداخل لابد من تقويته بتمايز ديني ليضاف بجانب التمايز الثقافي الفارسي، وبالتالي يضمن قوة الدولة وقدرتها على مواجهة الأعداء الخارجيين، ومن هنا جاءته الفكرة بتبني المذهب الإسلامي الشيعي الإمامي الاثنا عشري.

منذ ظهور المذهب الشيعي كان يعيش في إيران العديد من الشيعة بمذاهبهم المختلفة، الشيعة الزيدية بطائفتيهم الجارودية والهادوية، والشيعة الإسماعيلية بطائفتيهم النزارية والمستعلية، والشيعة الإمامية تحديدا في مدينة قم الإيرانية التي بها الأن الحوزة العلمية الثانية للشيعة حول العالم بعد النجف بالعراق، وتحتوي على مزارات هامة لأهل البيت مثل مسجد ومرقد فاطمة المعصومة بنت الإمام السابع لدى الشيعة الإمامية موسى الكاظم، وكذلك مسجد چهل ‌اختران الذي يحتوي على مراقد أربعة عشر حفيد للإمام الثامن علي الرضا، ورغم ذلك كان الشيعة قلة وغالبية سكان المدينة شافعية أشاعرة سنة.

لم يجد الشاه إسماعيل الصفوي داخل إيران العدد الكافي من العلماء، ولا من لديهم سعة العلم والمعرفة بالمذهب الشيعي القادرين على نقله للشعوب الإيرانية، وتدريسه وخلق حوزة علمية كبرى قادرة على تدوين علوم المذهب وتدريسه، وتخريج طلبة علم فرس فيما بعد يتولون نشره داخل وخارج إيران، ولذلك لجأ للعرب، وتحديدا في منطقة القطيف الواقعة الأن بشرق المملكة العربية السعودية التي كانت تسمى في ذلك الوقت "النجف الصغرى" أو "النجف الأخرى" وذلك لوفرة العلماء الكبار بالمذهب الشيعي، والذين لم يكن لهم مثيل بكل العالم الإسلامي ولا يتفوق عليهم سوى علماء النجف بالعراق، وكذلك لجأ لعلماء النجف بالعراق، وجبل عامل في جنوب لبنان حاليا، وقد أصبح هؤلاء العلماء العرب هم مؤسسي المذهب الشيعي في إيران، والساعد الأيمن للشاه إسماعيل الصفوي في مشروعه لخلق تحول مذهبي بالبلاد، بل وأصبح لهم الكلمة العليا في الحكم والسياسة حيث أن المذهب الشيعي كما تحدثنا في مقال سابق يمكن العودة إليه بعنوان (حزب الله وولاية الفقيه). [15] لا يقر قيام دولة حتى ظهور الإمام الثاني عشر الذي هو نفسه المهدي المنتظر، وقد شكل قيام الدولة الصفوية على أساس شيعي معضلة كبرى، ولذلك لجأ الشاه الثاني طهماسب الأول الذي تولى السلطة عام 1524م. لفكرة ولاية الفقيه، والتي شرحناها بالمقال السابق أيضا، وكانت في طورها الأول قبل أن يطورها فيما بعد عام 1969م. روح الله الخميني، وكانت ولاية الفقيه قائمة في ذلك الوقت على تحالف تم بين علي الكركي العاملي العربي اللبناني، بأن يكون هو القائد للدولة من الناحية الدينية، ويمنح الشاه طهماسب الأول تفويضا منه بإدارة الشئون السياسية على أن يعود إليه في أمور الحرب والسلم، وغيرها من الأمور التي تحتاج إلى فتوى ليجيزها.

من مفارقات الزمن ولعبة الأقدار أن يؤسس العرب المذهب الشيعي داخل إيران، ويصبحوا هم قادة الدولة دينيا، وأصحاب القرار السياسي فيها، وتصبح إيران دولة ذات أغلبية شيعية على يديهم، بينما أسس الفرس المذهب السني للعرب، وأصبح غالبيتهم يدين بهذا المذهب حتى اليوم!

دوافع الصفويين بالتحول إلى المذهب الشيعي:

هناك أسباب عديدة دفعت الشاه إسماعيل الصفوي لصنع هذا التحول أخرها هو الولاء للدين أو المذهب، وربما يعتقد البعض أن الأديان والمذاهب انتشرت عبر التاريخ بالحب، والتبشير، والصراع الفكري، ومقارعة الحجة بالحجة والدليل، وهذا كلام رومانسي لا علاقة له بالواقع، وعلى سبيل المثال كانت المسيحية لا يزيد عدد معتنقيها عن 10% على أفضل تقدير داخل الإمبراطورية الرومانية حتى قرر الإمبراطور ثيودوسيوس الأول عام 391م. إبطال كافة العقائد "الوثنية" وجعل المسيحية الديانة الرسمية والوحيدة لسكان الإمبراطورية الرومانية، وبذلك القرار والتنكيل الذي تم ضد باقي أهل الأديان الأخرى انتشرت المسيحية، وأصبح أغلبية اليهود بالعالم في أوروبا الشرقية وروسيا، وذلك بعد قرار أتخذه بالقرن التاسع الميلادي إمبراطور الخزر بالتحول لليهودية، وجعلها الديانة الرسمية لشعوب الإمبراطورية، وهم المعروفون الأن باليهود الأشكيناز، وبقرار من الأمير فلاديمير الأول عام 995م. أصبح كل سكان روسيا السلافية من الأرثوذكس، وبقوة السيف والتوسع العسكري الذي حققه العرب المسلمين أصبح غالبية سكان المنطقة الواقعة من طنجة إلى جاكرتا مسلمين، وبقرار من الملك هنري الثامن رسخته فيما بعد إليزابيث الأولى أصبح غالبية الإنجليز على المذهب الأنجليكاني، وبقرار من السلطان المملوكي الظاهر بيبرس أصبح غالبية المصريين المسلمين الساحقة من السنة بعدما أصدر قرار بألا يجوز لمصري مسلم أن يعتنق مذهب خلافا للمذاهب السنية الأربعة (المالكي – الحنفي – الشافعي – الحنبلي). وهذا أيضا ما حدث في إيران.

كانت دوافع الشاه إسماعيل الصفوي عديدة ولكن أهمها وأكثرها تأثيرا أن يخلق دولة قومية فارسية ذات خصائص دينية مختلفة عن محيطها المعادي لها، وتحديدا الترك العثمانيين فكلا الأسرتين من أصول تركية عرقيا، وكلاهما من السنة، وكلاهما يتبعون النهج الصوفي، ولكن الدولة التركية العثمانية كانت أكثر قوة من الدولة الفارسية الصفوية الوليدة، ولم يكن من سبيل لمواجهتها، وتقديم الشعوب الإيرانية للتضحيات في سبيل الحفاظ على استقلاليتها مالم يكن هناك عقيدة خاصة مرتبطة بالأسرة الصفوية الحاكمة.

كذلك استعان الشاه إسماعيل الصفوي في بداية حكمه بجيش غالبيته من الترك "القزلباش" وتعني أصحاب الرؤوس الحمراء نظرا للون الأحمر للقبة التي تتوسط عمائمهم، وهم من ترك الأناضول وكانوا على المذهب الشيعي، وقد لجأ الشاه إسماعيل لهم كونه لم يكن هناك وقت بعد لتأسيس جيش ذو عقيدة شيعية قوية من سكان إيران يمكنه أن يحارب العثمانيين، فكان العرب الشيعة هم القادة الدينيون، والترك الشيعة هم القادة والجنود العسكريون، والفرس هم وزراء وقادة الدولة السياسيون، والشاه والدولة فارسية الثقافة حتى ترسخ المذهب الشيعي واصبح الفرس هم الممسكين بزمام كافة الأمور بالدولة فيما بعد.

الخاتمة:

الخلاصة التي نخرج بها من مقال اليوم أن الأمة الفارسية تمكنت من العودة إلى ذاتها، وقررت إيران أخيرا بعد عدة محاولات للاندماج والتحالف مع العرب أن تكون كما هي فارسية، وقد بدأت هذه العملية القومية بتحولين كبيرين الأول على مستوى استعادة الوعي القومي عبر التاريخ واللغة والذي قاده الفردوسي، والثاني عبر الحفاظ على الإسلام ولكن بمذهب ذو خصائص خاصة تتلاءم مع الشخصية والثقافة الفارسية.

يتحدث الكثير من المؤرخين العرب قديما وحديثا عما تسمى "الشعوبية" والمقصود بها الحركة الاجتماعية الفكرية التي قامت بها بعض الأجناس الغير عربية، والتي كانت واقعة تحت حكم الإمبراطورية العربية – الإسلامية في نهاية عصر الدولة الأموية، وتحقر من شأن العرب، وتصفهم بالهمجية والتخلف، وكان من أقطاب هذه الحركة الأقباط المسيحيين في مصر، والفرس في خراسان، والأمازيغ في بلاد المغرب الكبير، ويصف بعض المؤرخين هذه الحركة بالعنصرية، ولكن عندما نتأمل في تاريخ هذه الحركات نجد من التجني على شعوبها وصفهم بالعنصريين حيث تم توصيف رد الفعل وإغفال الفعل نفسه الذي أدى بهم للوصول لهذه الحالة من تردي لأحوالهم، واستثناءهم من السلطة والثروة، والتحكم في أرزاقهم، وإهانة كرامتهم والتحقير من شأنهم، ولذلك لم يكن من الغريب أن يكون كتاب (الشاهنامه). مليء بالألفاظ التي يمكن تصنيفها بالعنصرية تجاه العرب كرد فعل على هذه المظالم.

كثيرا ما نسمع عن المجازر التي ارتكبتها الدولة الصفوية ضد أهل السنة والجماعة، وقد حدثت ولاشك شأن كل عمليات التحول الديني بكافة الأمم والأديان والمذاهب عمليات قتل، وترهيب وترغيب للتحول لمذهب السلطة السياسية، إلا أن الحديث عن مليون قتيل، أو إبادة كاملة لأهل السنة هو مبالغة لا يؤيدها واقع الأحداث من وجود لأهل السنة والجماعة حتى الأن داخل إيران يدعي حتى أصحاب النظرة السلبية للشيعة أنهم اليوم حوالي 20 مليون سني من أصل 80 مليون إيراني [16] من حين يدعي الناشط الإيراني السني أبو المنتصر ملا زاده البلوشي أنهم 30 مليون، واي كان الرقم فكيف يتبقى هذا العدد الكبير ويتسق مع ما يقال حول إبادة جماعية أنهت الوجود السني في إيران؟!

يدعي البعض من باب الدعاية للتاريخ التركي العثماني أن معركة جالديران. عام 1514م. وهي الحرب الأولى التي خاضتها الدولة التركية العثمانية ضد الدولة الفارسية الصفوية  كانت لنصرة أهل السنة، بينما الأسباب الحقيقية لهذه الحرب كانت رغبة السلطان سليم الأول "ياغوز" الذي تولى السلطة بعد الانقلاب على أبيه بايزيد الثاني "الصوفي" وأخيه قورقود، ومساندة الجيش العثماني "الانكشارية" له ورغبتهم في غزوات جديدة لينالوا نصيبهم من الأموال والغنائم كما وعدهم، فتوجه نحو الدولة الصفوية كونها الأقرب والأضعف بالنسبة له، ودخل العاصمة تبريز، ومكث فيها فترة ليست بالقليلة، وكذلك دخلها ابنه سليمان الأول "القانوني" أكثر من مرة، ولو كان هناك حاضنة شعبية سنية تم إجبارها على التشيع لاستغلت فرصة وجود العثمانيين وسيطرتهم لأكثر من مرة على العاصمة، وعادوا لما كانوا عليه، بينما لم يتمكن العثمانيين من السيطرة على إيران لوجود حاضنة شعبية رافضة لهم، وتقديم الإيرانيين لقوميتهم على الدين والمذهب، وتمسكهم أكثر بالتشيع ليشكل عازل واختلاف بينهم وبين العثمانيين فلا يطمعوا في أراضيهم.

الجدير بالذكر أن الدولة الفارسية الصفوية، وسلطنة المماليك البرجية في القاهرة كانوا حلفاء ضد الأطماع التركية العثمانية، وكان هذا التحالف أحد الأسباب التي استخدمها السلطان سليم الأول "ياغوز" لغزو مصر وفتحها، وحتى يبرر هذه الحرب أدعى أن السلطان قانصوه الغوري قد تشيع، ويسعى لنشر التشيع في مصر مثل إسماعيل الصفوي، وهذا طبعا كان محض افتراء ومن باب الحروب الدعائية التي تستخدم بالحروب ضد الخصوم.

في النهاية تمكنت إيران من صنع قومية جديدة، واستعادة دولتها القومية بعد 850 سنة، ويمكن من خلال هذا السرد التاريخي أن نفهم الأن لماذا لم تصبح العربية لغة سكان إيران كما هو الحال بالمنطقة والأسباب التي أدت لتحولها للمذهب الشيعي، ومن ساهم في هذه التحول ودوافعه، ومع الوقت ونظرا لإهمال العرب للحوزة العلمية في النجف الأشرف، وموقف حزب البعث العراقي السلبي تجاهها وإضعافها وحصارها أصبحت الحوزة في قم هي الأكثر قوة وأهمية، وكذلك ما تعرضت له الحوزات العلمية في القطيف والإحساء شرق السعودية من إضعاف ثم إغلاق بعد قيام الدولة السعودية، وبالتالي أخلى العرب الساحة بسياساتهم قصيرة النظر لإيران لتصبح هي زعيمة العالم الإسلامي الشيعي.

كثيرا ما نسمع حديث البعض عن ضرورة التفرقة بين التشيع العربي والتشيع الصفوي، وقد وضح لنا أن التشيع في إيران أصله عربي، ولكن ثمة حقيقة تنطوي على هذه المقولة بعيدا عن الأهداف السياسية التي يستخدمها البعض وسيكون هذا الأمر أحد موضوعات مقالنا القادم.


[4] تذكرة الحفاظ للذهبي: 1 / 5 ، و كنز العمال: 10 / 85 ، والاعتصام بحبل الله المتين: 1 / 30 ، وتدوين السنة الشريفة: 264

[5] الطبقات الكبرى لابن سعد: 5 / 140

[6] كنز العمال: 10 / 291 – المتقي الهندي

[9] سورة النساء – الآية 171

[13] الخطيب البغدادي – تاريخ بغداد – الجزء الخامس – صفحة 473