الحب فى التراث العربى والإسلامى - (3/2)

06.12.2019

ناقشنا فى الجزء الاول من هذا الموضوع عن الحب والمحبة فى التراث العربى والاسلامى اهم ما ورد من امور العشق والمحبة وما قيل فى امرهم من فقهاء وفلاسفة مسلمين وما نقلوه عن غير المسلمين من فلاسفة اليونان وغيرهم فى تفسيرات العشق واسبابه ودوافعه، وسنحاول فى هذا المقال جمع اهم ما ذكره المحدثين فى التراث عن قصص العشق والعشاق الخالدة فى التاريخ، بعضها فى مرحلة ما قبل الاسلام وبعضها فى العصرين الاموى والعباسى منها الطريف المضحك ومنها ما انتهى نهايات حزينة

( الحب غريزة انسانية )

* قال سبحانه وتعالى فى الكتاب ( ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) فجعل تعالى خلق بعضهم من بعض لسكون بعضهم الى بعض .. كما قال تعالى فى آية اخرى ( هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها ) ..

وجاء فى التراث ان الله تعالى لما خلق آدم واسكنه بقى فى الجنة وحده مستوحشا، ليس له من يسكن اليه، فألقى الله عليه السنة ( الغفوة ) ثم اخذ ضلعا من اضلاعه من شقه الايسر فخلق منها حواء، فاستيقظ، فإذا هى عند رأسه، فسألها : ما انت ؟ فقالت : إمرأة، قال : ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إلى. فذلك قول الله تعالى ( هو الذى خلقكم من نفس واحدة ) وكان هبوطهما الى الأرض وانتشار الذرية . ( تحفة العروس ومتعة النفوس )

* وقد اهتم الاسلام بالمحبة كمكون اساسى ورابطة اساسية للزواج ومنها على سبيل المثال ما يروى فى التراث الإسلامى أن ( بُريرة ) كانت أمة لأحد أسياد قريش، فزوجها سيدها هذا لعبد حبشى له يُدعي ( مُغيث ) فلما أشترتها السيدة عائشة رضى الله عنها منه، اعتقتها، فصار من حقها بعد أن تحررت أن تفسخ زواجها من مغيث، فقررت فسخ زواجها منه لعدم محبتها له، لكن مغيث الذى كان يعشقها بجنون كان يطوف حولها ودموعه تسيل على خديه من شدة حبه لها ، فرق العباس عم النبى  لحاله لما رآه على هذا الحال، وكان يقول :" كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكى ودموعه تسيل على لحيته"، حتى إن النبى نفسه تعجب من حب لمغيث لبريرة وعدم محبتها له وقال للعباس :" ألا تعجب من حب مغيث لبريرة ؟"

وتشفع النبى لمغيث عند بريرة وطلب منها ان ترجع فى قرار فسخ زواجها من مغيث، قال لها: "لو راجعته يا بريرة؟" ، فقالت له : "أتأمرنى يا رسول الله؟" فقال لها النبى :"إنما أنا شفيع له عندك" فأصرت بريرة على موقفها وقالت للنبى :"ليس لى حاجة فيه"

فتقبل النبى بكل رقة وسماحة  قرارها بالإبتعاد عن مغيث ورفضها لشفاعته وهو من هو ، لعلمه بحق القلب فى إختيار من يحب ويعشق وهو القائل فى الرواية ( الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها إئتلف، وما تناكر منها إختلف  (. ( الحب فى التراث العربى )

( قصة عروة وعفراء )

أحد المتيمين الذين قتلهم الهوى، لا يعرف له شعر إلا في عفراء ابنة عمه، مات ابوه وهو صغير وتركه فى رعاية عمه عقال، فتربى عروة مع عفراء منذ الصغر وآلفا بعضهما واحبها بعضهما لدرجة العشق، وكان عمه يقول له عندما يراهما وهما متآلفان : أبشر يا عروة فإن عفرة امرأتك، فلما بلغا اشدهما، ذهب عفرة ليشكو وجده ومحبته لعفرة الى عمته هند ويطلب منها ان تذهب الى عمه وتذكره بوعده له بزواجه من عفرة، فذهبت عمته هند الى اخيها فسألته ما طلبه منها عروة وذكرته بوعده له، فقال لها عقال : ( ما عنه مذهب، ولا هو دون رجل يرغب فيه ، ولا بنا عنه رغبة، ولكنه ليس بذي مال ) وكانت امها تريد تزويجها برجل ثرى بدلا من عروة، فلما ذهب اليها عروة رفضت تزويجهم الا بمهر غال، فذهب الى عمه " يا عم، قد عرفت حقي وقرابتي، وإني ولدك وربيت في حجرك، وانت قد وعدتنى بعفراء، فإن زوجتها بغيرى قتلتني وسفكت دمي، فأنشدك الله ورحمي وحقي، فرق له عمه وقال له : "يا بني، أنت معدم، وحالنا قريبة من حالك، ولست مخرجها إلى سواك، وأمها قد أبت أن تزوجها إلا بمهر غال"

وخرج يوما الى الشام مع قافلتهم للتجارة ليجمع المهر المطلوب منه بعد ان اخذ على عمه العهد بألا يحدث امرا فى شأن عفراء حتى يعود، فجاء رجل ذى مال ونسب من البلقاء ونزل فى حى عفرة وكان مسكنه بجوار مسكنهم، فرأى عفرة واعجبته وذهب الى ابيها ليخطبها منه، فرفض وقال له قد خطبتها الى ابن عمها، فذهب الى امها وساق اليها المهر المطلوب فوافق عندها قبولا، ووافق ابوها بعد الحاح امها بسبب غياب عروة الذى طال فزوجها وذهبت مع زوجها الى الشام وهى حزينة على فراق عروة، وقالت قبل ان تسافر مع زوجها :

يا عرو إن الحي قد نقضوا .. عهد الإله وحاولوا الغدرا

واتفقت امها مع ابيها على ان يجدد احد قبور الحى ويخبر عروة عند عودته بوفاة عفراء، ففعل، وحين عاد اخبروه بما حدث فكاد ان يجن وذهب الى قبرها ينتحب، حتى اتت جارية واخبرته بالحقيقة

فاعتراه السقم حتى شارف على الموت من شدة الحزن على عفراء، يقول صاحب مصارع العشاق ( ثم ان عروة انصرف الى اهله واخذه البكاء والهلاس حتى نحل فلم يبق منه شئ، فقال بعض الناس : مسحور ، وقال قوم : بل به جنة ، وقال آخرون بل هو موسوس وإن بالحاضر من اليمامة طبيبا يداوى من الجن والوسوسة فلو اتيتموه لفعل وداوى عروة، فساروا اليه، فجعل الطبيب يسقيه السلوان (*وهو خرزة كان يضعها العرب فى الماء ويسقون المجنون او المريض بها فيشفى فى زعمهم) وهو يزداد سقما،

فقال عروة للطبيب : هل عندك للحب دواء او رقية؟ فقال لا والله، فمروا حتى اتوا طبيب بحجر، فصنع به مثل ما صنع الاول، فقال عروة : والله ما دائى ودوائى الا شخص مقيم بالبلقاء، فهو دائى وعنده دوائى، وانشد يقول:

جعلت لعراف اليمامة حكمه .. وعراف حجر ان هما شفيانى

فقالا نعم نشفى من الداء كله .. وقاما مع العواد يبتدران

فما تركا من رقية يعلمانها .. ولا سلوة الا وقد سقيانى

فقالا شفاك الله، والله ما لنا .. بما ضمنت من الضلوع يدان

قال : فلما قدم على اهله،وكان له اخوات اربعة، فمرض دهرا، فقال لهم : اعلمن انى لو نظرت الى عفراء نظرة ذهب وجعى، فذهبن به حتى نزلوا البلقاء واخذوه الى بيت عفراء حتى رآها، ثم مات بعدها بثلاثة ايام فى طريق عودته مع اهله فى وادى القرى، فلما علمت عفراء بموته استأذنت زوجها وخرجت الى قبره تبكى عليه وتقول :

الا ايها الركب المحبون ويحكم   بحق نعيتم عروة بن حزام

فلا هنئ الفتيان بعدك غارة   ولا رجعوا من غيبة بسلام

فقل للحبالى لا ترجين غائبا   ولا فرحات بعده بغلام

قال : ولم تزل تردد هذه الابيات وتبكى حتى ماتت، فدفنت الى جانبه، وقد روى جعفر السراج رواية عن شجرتين قد التفتا على قبريهما ( عروة وعفراء ) متلاصقتين قد خرج من كلا القبرين ساق شجرة، حتى إذا صارا على قامة التفا، وحين يسوق السراج هذا الخبر يتبعه بقول الناس تعليقا على هذا المشهد الغريب :

" تآلفا في الحياة وفي الممات " .

( يزيد بن عبد الملك وحبابة )

ورد فى التراث ان يزيد بن عبد الملك كانت له جارية يعشقها تسمى ( حبابة ) بتشديد الباء الأولى قد اشتراها فى زمن ملك اخيه سليمان من من عثمان بن سهل بن حنيف بأربعة آلاف دينار، وكانت جميلة جدا، ثم امره اخوه ببيعها، فباعها، فلما تولى الملك، اشتاق الى حبابة فاشتراها مرة اخرى .. فلما عادت اليه قرر الاختلاء بها مدة من الزمن وقال لحاجبه : "والله إنى لأحب ان اخلو بها ولا ارى احدا غيرها" وأمر صاحب الشرطة ان يصلى بالناس بدلا منه، وجهز بستانا بساتينه للبقاء مع حبابه وحدهما ومنع احد ان يدخل عليه، يقول صاحب البدايه والنهاية (وجمع إليه في قصره ذلك حبابة، وليس عنده في أحد، وقد فرش له بأنواع الفرش والبسط الهائلة، والنعمة الكثيرة السابغة فبينما هو معها في ذلك القصر على أسر حال، وأنعم بال، وبين يديهما عنب يأكلان منه، إذ رماها بحبة عنب وهي تضحك فشرقت بها فماتت ) فلم يزل بجانبها ثلاثة ايام وحدهما غير مصدق انها تركته وماتت حتى جيفت او كادت تجيف وهو يرفض تركها حتى عاتبه اصحابه ولاموه وعابوا عليه ما يصنع، حتى أذن لهم فغسلوها وخرجوا بها ليدفنوها، فلما دفنت بقى جوار قبرها يقول : اصبحت والله كما قال كثير، وانشد :

فإن يسلُ عنك القلب أو يدعِ الصِّبا
فبالبأس يسلو عنك لا بالتجلّد
وكل خليل لامنى فهو قائل
من اجْلك: هذا هامة اليوم أو غد

ثم رجع فما خرج من منزله حتى مات وخرج بنعشه ( البداية والنهاية – مصارع العشاق )

( الفتى العذرى وسعاد )

اذن معاوية بن ابى سفيان للناس يوما بالدخول عليه فى قصره فكان ممن دخل عليه فتى من بنى عذرة، فلما دخل الفتى انشد يقول :

معاوى! يا ذا الحلم والفضل والعدل   وذا البر والإحسان والجود والبذل

اتيتك لما ضاق فى الارض مسكنى   وانكرت مما قد اصيب به عقلى

ففرج، كلاك الله، عنى فإننى    لقيت الذى لم يلقه احد قبلى

فقال له معاوية : ما خطبك يا غلام ؟

فقال الفتى : اننى رجل من بنى عذرة احببت ابنة عمى سعاد وتزوجتها، وكان لى بعض المال فانفقته عليها فلما اصابنى الضيق وذهب مالى رغب عنى ابوها وطلب منى تطليقها، فأبيت، وذهب الى عاملك على الكوفة ابن ام الحكم فذكرت له ما حدث بينى وبينهم، فبلغه جمال ابنة عمى، فاعطى الى ابيها عشرة الاف من الدراهم، وحبسنى وضيق على حتى اصابنى من العذاب ما اصابنى فطلقتها وتزوجها هو، وقد اتيتك يا امير المؤمنين حتى تفرج همى وانت غياث المكروب وسند المسلوب، ثم بكى ..وانشد يقول :

فى القلب منى نار   والنار فيها شنار

وفى فؤادى جمر   والجمر فيه شرار

والجسم منى نحيل   واللون فيه اصفرار

والعين تبكى بشجو  فدمعها مدرار

والحب داء عسير   فيه الطبيب يحار

  فرق معاوية بن ابى سفيان الى حاله وكتب الى ابن ام الحكم كتابا غليظا كتب فى اخره :

ركب امرا عظيما لست اعرفه    استغفر الله من جور امرئ زان

قد كنت تشبه صوفيا له كتب    من الفرائض او آيات قرآن

حتى اتانى الفتى العذرى منتحبا   يشكو الى بحق غير بهاتن

طلق سعاد وفارقها بمجتمع   أشهد على ذلك نصرا وابن طيبان

وبعث اليه بوافد منه لتطليق سعاد واخذها الى زوجها السابق، فما امرها ابن ام الحكم بالخروج وكانت ذات دلال وغنج وهيبة وجمال، فلما رآها وافد معاوية فتنه جمالها وقال : والله ما تصلح هذه الا لأمير المؤمنين لا لإعرابى، فكتب ابن ام الحكم الى معاوية يصف له سعاد ويقول :

سوف تأتيك شمس لا خفاء بها   ابهى البرية من انس ومن جان

حوراء يقصر عنها الوصف ان وصفت   اقول ذلك فى سر واعلان

فلما ورد الكتب الى معاوية وجاءت معه سعاد، فتحدث معها معاوية فاحسنت الحديث وكان كلامها رقيقا فاعجبت معاوية فأراد ان يتزوجها، وطلب من الفتى العذرى ان يطلقها ويتركها له : هل من سلو عنها بأفضل الرغبة ؟ فرفض الفتى ان يتركها الا وهو ميت : نعم ان فرقت بين رأسى وجسدى وانشد يقول :

لا تجعلنى والامثال تضرب بى .. كالمستغيث من الرمضاء بالنار

اردد سعاد على حران مكتئب .. يمسى ويصبح فى هم وتذكار

والله والله لا انسى محبتها .. حتى اغيب فى رمس واحجار

كيف السلو وقد هام الفؤاد بها .. واصبح القلب عنها غير صبار

فغضب معاوية غضبا شديدا، ثم قال لسعاد : اختارى ، ان شئت امير المؤمنين وان شئت ابن ام الحكم وان شئت الاعرابى، فاختارت سعاد الاعرابى  انشدت:

هذا وان اصبح فى اطمار .. وكان فى نقص من اليسار

اعز عندى من ابى وجارى .. وصاحب الدرهم والدينار

فقال معاوية للفتى العذرى : خذها لا بارك الله لك فيها، ففرح الاعرابى وانشد يقول :

خلوا عن الطريق للاعرابى .. ان لم ترقوا، ويحكم، لما بى

فضحك معاوية وامر للاعرابى وسعاد بعشرة الاف درهم وأمر ابن ام الحكم بتطليقها وبقيت فى قصره حتى انتهاء عدتها ثم اخذها الاعرابى