شو هو لبنان .... دليلك لمعرفة الخريطة السياسية اللبنانية

20.10.2019

كانت قرطبة عاصمة الأندلس في الزمن الغابر محط اهتمام وشغف الكثيرين، كان ومازال هذا الشغف حتى الأن يثير نوستالجيا اليوتوبيا العربية حول هذا المكان البديع، الذي يمثل النموذج المثالي لكل الحالمين. إلا أنه كان يُخفي تحته الكثير من المآسي والصراعات والتناقضات لذا أجمل وأشمل ما وصفت به الأندلس وعاصمتها قرطبة على وجه الخصوص. تلك المقولة التي تقول (قرطبة أول الزمان وآخره، المبتدى والمنتهى، حاضرة الدنيا ومجمع الأضداد، الساحة والمعترك، قاعدة الخلفاء والأمراء والعلماء، وحانة الفساق والزعار، سلم الصعود إلى الذروة ومنحدر السقوط إلى الجحيم النار والنعيم قرطبة). من قرطبة إلى لبنان بلد الأرز والجبال، والموضة والجمال، والتنوع الذي يمثل فسيفساء كل الطوائف والأعراق، والمذاهب والأديان الذي لا يختلف كثيرا في وصفه عما ورد في وصف قرطبة لمن قرأوا عنها ولم يروها، وكذلك لبنان الذي نسمع عنه أو نزوره للسياحة والاستمتاع بجماله. دون العيش فيه ومعرفة واقعه وتناقضاته وصراعاته.

إن إغراء الصورة، وجمال وعذوبة الكلمات المكتوبة تجعلنا نعتقد في أحيان كثيرة أشياء لا علاقة لها بالواقع، وهذا ما يمكن أن يلحظه المتابع لتعليقات الكثير من العرب عامة والمصريين على وجه الخصوص عن لبنان، وحول ما يحدث فيه من أحداث وتظاهرات، ولذلك وجدت من المناسب كتابة هذا المقال. ليمثل بداية ينطلق منها المهتمين بمعرفة لبنان وأوضاعه، وأحب هنا أن أشير لنقطة أراها هامة. فالطريق لفهم السياسة العربية يبدأ من لبنان، وذلك لأسباب عديدة أهمها أن كل ما بالعالم العربي من تنوع وتناقض موجود حصرا في لبنان. فهو الممثل الحقيقي للعرب من المحيط إلى الخليج بأفكارهم وأيديولوجياتهم وعقائدهم ومذاهبهم وأديانهم وأعراقهم، ونجاحاتهم وإخفاقاتهم بل وحتى خيباتهم ونكساتهم، هذا الأمر لن تجده مجتمعا في مكان واحد سوى لبنان. هذا البلد الصغير بحجمه والكبير بتأثيره. الذي قرر الجميع أن يكون ساحتهم المفضلة لإدارة الصراعات فيما بينهم على أرضه، وهذا الأمر يعطيه أهمية خاصة كمدخل لفهم خريطة الصراعات وتوازنات القوى بالمنطقة ولمن تميل.

التاريخ القديم والوسيط مفتاحك لفهم لبنان الحديث:

في هذا المقال نحاول تبسيط وتلخيص قصة عمرها ثلاثة آلاف عام تسمى لبنان. لا يمكن فيها فصل التاريخ عن الحاضر. فهذا بلد مازال التاريخ يحكم حاضره، ويحاصره ولم يخرج بعد من بوابته لينطلق نحو آفاق العالم الحديث. بدأ تاريخ ما يسمى الأن لبنان مع الفينيقيين، وقد تميزت حضارتهم بقدرتهم على الإبحار عبر المتوسط، وصولا لكافة سواحه حاملين معهم منتجات الهند، وفارس، والشام، ومصر، والقرن الإفريقي. كما تميزت صناعتهم بجانب التجارة بعدة منتجات مثل صباغة الملابس الأرجوانية، والخزف، والزجاج، والعاج، والنبيذ، وتصدير خشب الأرز، وكانت لهم عدة مستعمرات تجارية على طول ساحل المتوسط تعتبر قرطاجة في تونس حاليا أشهرها، ولم يكن للفينيقيين دولة مركزية عبر التاريخ، وذلك نظرا للتضاريس اللبنانية الصعبة، والتي تُمكن كل مدينة من حماية نفسها، والاستقلال عن باقي المدن الأخرى، وكان التنافس والصراع على أشده بين المدن اللبنانية، وكان لكل مدينة أسرة إقطاع سياسي تحكمها، والمقصود بها أسرة إقطاعية يتم توارث الحكم داخلها لكنهم ليسوا ملوك، ولا مدنهم تسمى ممالك، ويعاونهم مجلس أشبه بالشيوخ مكون من الإقطاعيين الكبار، وباقي الشعب رعايا تابعين لهؤلاء الإقطاعيين، ولم يحدث وأن قامت دولة بالمعنى الحقيقي، والمتعارف عليه بذلك الزمن في لبنان. إنما ما يشبه اتحاد كونفدرالي يجمع أمراء المدن الكبرى حال كان هناك خطر خارجي يهدد مصالح الجميع، وما إن ينتهي هذا الخطر حتى يعودوا لصراعهم المعتاد.

بعد بدء عصر الإمبراطوريات وظهورها بالمنطقة، وتطور التقنيات الحربية التي مكنت الجيوش من غزو أراضي صعبة التضاريس مثل لبنان. تعاقب على حكمه العديد من الإمبراطوريات أبرزها (الأشوريين – المصريين القدماء – الفرس الأخمينيين – المقدونيين – الرومان – الروم البيزنطيين – العرب – المماليك – العثمانيين). تخلل هذه الحقب فترات من الاستقلال الجزئي أو الكلي عبر أمراء محليين طامحين. إلا أن كل هذه الفترات لم يكن لديها القدرة على الصمود لوقت طويل. كما كانت سيطرة الإمبراطوريات على لبنان نتيجة صعوبة تضاريسه أمرا صعبا للغاية عانى منه جميع الغزاة والفاتحين بالإضافة لدور أمراء الإقطاع السياسي وإن ضعف نفوذهم لكنهم ظلوا في قلب المعادلة ولم يخرجوا منها، حيث كان لهم ظاهر يختلف عن باطنهم. فعلى سبيل المثال كانوا يراسلون الملك المصري بسماتيك الثالث. ويتعهدون له بالوفاء والتحالف معه في مواجهة الفرس بينما يعقدون الاتفاقيات في نفس ذات الوقت مع قمبيز الثاني. وهكذا كانت سياستهم عبر التاريخ اللعب على المتناقضات والتلاعب في بعض الأحيان بالقوى الكبرى المتصارعة بالمنطقة.

أسباب التنوع والتناقض داخل لبنان:

كان الصراع هو القاسم المشترك في كل تاريخ لبنان. وكان يتخذ في كل حقبة من حقب التاريخ شكلا يتناسب مع طبيعته، فكان في البدء الانقسام والصراع على المصالح التجارية بين المدن الفينيقية، ثم أصبح صراع بين الأسر الإقطاعية على ولاءاتها الخارجية للإمبراطوريات المتصارعة بالمنطقة، ومع ظهور الديانات الإبراهيمية وتحديدا المسيحية، ومن بعدها الإسلام، وهي ديانات تختلف عن الديانات القديمة "الوثنية" الغير تبشيرية. فتغير وجه الصراع ليأخذ شكلا دينيا.

كانت أولى هذه الصراعات ما نتج عن مجمع خلقيدونية المسكوني عام 451. من انشقاق داخل الكنيسة نظرا للخلاف حول طبيعة المسيح. بين من يعتقد بالطبيعة الواحدة "الميافيزية " مقابل المعتقدين بأن للمسيح طبيعتين " الملكانيون"[1]  ولما كان أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة من السريان هم الأغلبية، مقابل بعض أتباع مذهب الطبيعتين ممن ارتبطوا بتعاليم القديس السوري مارون. المولود في حلب بالنصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، وكانت مراكز انتشارهم في إدلب، ومعرة النعمان، وحلب، وحمص، وحماة، ومنبج، وأنطاكيا. فقد قرروا الهجرة هربا إلى مناطق لبنان الجبلية الوعرة، والتبشير بالمسيحية بين سكان هذه المناطق، وتأسست هناك ما عُرفت فيما بعد بطائفة (الموارنة). التي هي خليط غالبيته قادم من سورية والبقية من سكان المناطق الجبلية اللبنانية.

بعد ظهور الإسلام. وتوسع حركة فتوحاته نحو الشام. بدأت تتسع رقعة النزاعات القبلية في عهد الدولة الأموية بالشام ومن أشهرها حروب الثرثار الأول [2] والثرثار الثاني [3] بين قبائل قيس وتغلب، وهذه الحروب خلقت وجها أخر للصراع على أساس قبلي، وكان لبنان مسرحا لهذا الصراع بين من انتقلوا إليه من هذه القبائل، ومع ظهور الانشقاقات المذهبية داخل الإسلام. هاجر إلى لبنان بعض الشيعة وتحول جزء من أهله للتشيع، وكذلك الدروز، والعلويين، والإسماعيلية وغيرها من باقي الطوائف، وكانت لبنان بحكم موقعها الخارج عن السيطرة المركزية للدول والإمبراطوريات الحاكمة الكبرى لصعوبة مسالكه، ووعورة طرقه وإمكانية العيش بشكل آمن في بعض مناطقه. يوفر ملاذا آمنا لكل الطوائف والأعراق الغير متوافقة مع السلطة السياسية، بينما المناطق الساحلية والسهلية غالبا ما يسكنها من يدينون بالولاء السياسي أو الديني للسلطة الإمبراطورية الحاكمة.

عندما دخول الصليبيين إلى بلاد الشام. انحاز لهم بعض المسيحيين الموارنة في لبنان. ثم بعد هزيمتهم وطردهم من المنطقة على يد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس. جرت أعمال انتقامية ضد هؤلاء المتعاونين الموارنة. بالتزامن مع عمليات تحول ديني كبرى ليحمي بها البعض نفسه من القتل عملا بالحديث الوارد في صحيح مسلم (الإسلام يهدم ما كان قبله)! وقد تكرر هذا الأمر مع كافة الطوائف عبر تاريخ لبنان الديني الإبراهيمي، ووفق موازين القوى ولأي اتجاه تميل. بل أن بعض الزعامات الإقطاعية كانت تغير دينها وفقا لمصالحها، ولدينا العديد من الأمثلة على ذلك لعل المعنيون والشهابيون والجنبلاطيون أبرزهم، وعليه ونظرا للأسباب السابقة فقد أصبح لبنان بؤرة تحوي داخلها كافة المتناقضات، وكل فئة أو طائفة متحصنة بداخل مدنها وقراها تعيش في أمان وعزلة عن المخالفة لها، وهو ما خلق لنا هذه الفسيفساء شديدة التنوع والاختلاف المعروف اليوم بلبنان.

الحقبة العثمانية وأثرها على زيادة الانقسامات اللبنانية:

من الظلم التاريخي، والاستخفاف بالمنهج البحثي قبول نظرية البعض بتحميل كل البلاء الذي تعيشه لبنان للحقبة التركية العثمانية، وكأن لبنان كان يعيش في سلام ووئام قبلها. بينما يوجد بأحداث التاريخ المتفق تقريبا عليه بين الجميع الكثير من الأمور التي يمكن الحديث فيها عن الدور شديد السلبية للدولة العثمانية. ليس بتاريخ لبنان فحسب بل بالمنطقة كلها، وكانت أبرز هذه السلبيات التي كان لها دور كبير في تفكيك لبنان حتى اليوم استخدام سياسة العصبيات الدينية لخدمة أهداف السلطنة العثمانية. [4] فكان لبنان عبر تاريخ حكم الإمبراطوريات له به هامش ما من الحرية طالما أقر الجميع بسلطان الإمبراطورية، ودفع الضريبة للحاكم، وهو ما سمح لكل الطوائف الراغبة بالهرب والاحتماء بالطبيعة بالهجرة إليه، ومنذ دخول العثمانيين إلى الشام عام 1516. استمرت سياساتهم على هذا المنوال حتى تغيرت مع بروز حركات انفصالية بمنطقة جبل لبنان غير قادرين على السيطرة عليها.

بدأت هذه المحاولات مع الأسرة المعنية. وهي أسرة عربية درزية أبرز أمرائها فخر الدين المعني الأول. الذي أدعى مناصرة السلطان المملوكي قانصوه الغوري. ثم تفاهم سرا مع السلطان العثماني سليم الأول. على ترك ساحة المعركة في مرج دابق. مقابل أن يثبت زعامته في لبنان. ثم تحالف حفيده فخر الدين المعني الثاني. مع دوق توسكانا فرديناندو الأول دي مدتشي. وفرنسا وهولندا، واستقل عن العثمانيين. وكان يغير عقيدته تبعا للمصلحة فهو درزي، وسني وماروني، وعلى أي دين يمكن أن يحقق له ما يصبو إليه، إلا أن محاولته باءت بالفشل، وأعدمه العثمانيين عام 1653.

تكررت محاولات الاستقلال عن السلطنة العثمانية. مرات عديدة وصولا لفترة حكم بشير الثاني الشهابي. من أسرة الشهابيون العربية الأصل، والتي تدين بالإسلام السني، وتحول بعض قادتها للمسيحية تبعا للمصلحة السياسية، وقد عقد بشير الشهابي الثاني حلفا مع محمد علي باشا. واستقل عن السلطنة العثمانية. إلا أن هذه المحاولة فشلت بانسحاب الجيش المصري. من الشام عام 1840. تحت وطأة الضغوط الغربية.

نتيجة لهذه الأحداث وجد العثمانيين أن الوسيلة المناسبة لإحكام السيطرة على لبنان. تكمن في اللعب على متناقضاته، وصراعات أمراء الإقطاع السياسي التاريخية، والميل نحو فئة على أخرى للموازنة بين الجميع، وكان من نتائج هذه السياسة خروج الصراع عن نطاق السيطرة، وتمدده وصولا لمذابح العام 1860. [5] بين الإقطاع الدرزي والمسيحيين ثم دخل باقي المسلمين فيه طرفا، وهو ما أدى لحملة واسعة من التهجير، وتغيير الخريطة الطائفية للبنان. مما أنعكس عليه سياسيا بفصله من الناحية الإدارية عن ولاية سورية. التي كانت تضم كل بلاد الشام. على أن يتولى الحكم فيه والي مسيحي من رعايا الدولة العثمانية، يتم تعيينه بعد موافقة الدول الأوروبية الست (بريطانيا – فرنسا – روسيا – النمسا – إيطاليا – بروسيا "ألمانيا حاليا"). حيث كان لكل هذه الدول عملاء وأتباع بالداخل اللبناني. تحركهم تبعا لمصالحها، وسُميت هذه الولاية الجديدة (متصرفية جبل لبنان). وهي التي تمثل لبنان التاريخي، ومساحته (3500) كيلو متر مربع. وقد ظلت قائمة منذ العام 1861 إلى 1918. كان لهذه السياسة بالغ الأثر على لبنان الحديث، وخلقت تغيير كبير في تركيبته الطائفية، وشيوع حالة من الحقد العام مازالت آثارها مستمرة حتى الأن، وتحول مناطق بأثرها للإسلام ليحفظ السكان المسيحيون أرواحهم، ومنها مناطق ذات أغلبية شيعية اليوم. كان اعتناق الإسلام وسيلة لحفظ الأرواح، وربما تبني مذهب مخالف لمذهب السلطة وسيلة للإبقاء على المعارضة لكن داخل دائرة نفس دين هذه السلطة.

الفرنسيين وظهور دولة لبنان الكبير:

ظل حكم متصرفية جبل لبنان. وصولا للانتداب الفرنسي وفق اتفاقية (سايكس – بيكو). بين بريطانيا وفرنسا لتقسيم تركة الإمبراطورية العثمانية المنهارة، وفي هذه الحقبة نشأت ولأول مرة بالتاريخ دولة لبنانية لها حدود واضحة، وهو ما يسمى "لبنان الكبير" الذي أعلن ميلاده في الأول من سبتمبر/أيلول 1920. المندوب السامي للانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا - الجنرال هنري غورو. لتصبح مساحته (10452) كيلو متر مربع، وقد خلق تأسيس هذه الدولة إشكالية كبرى بين المسلمين الذين وجدوا أنفسهم ولأول مرة بالتاريخ داخل نطاق دولة معزولة عن الشام "دمشق" رافضين لهذا التقسيم القسري، وغير معترفين بشيء يسمى لبنان، وراغبين بالوحدة مع سورية التي اعتبروها الوطن الأم لهم، والتي منها أقطعت أراضي لصالح هذا الكيان اللبناني الجديد "لبنان الكبير" مقابل رفض من النخب المسيحية المارونية لأي وحدة مع سورية، وأدى هذا الشقاق بين الطرفين للإبقاء على الانتداب الفرنسي الذي اشتعلت ضده عدة ثورات مطالبة بالاستقلال.

الميثاق الوطني والتأسيس للحكم الطائفي:

ظل الخلاف بين النخب المارونية والمسلمة حول لبنان الكبير، وهويته، ومستقبله، ومصيره. حتى حدث الاتفاق التاريخي الذي سمي (الميثاق الوطني). [6] عام 1943. وهو اتفاق عرفي غير مكتوب بين الزعيم الماروني بشارة الخوري؛ والزعيم السني رياض الصلح؛ والزعامات الشيعية، وقد نصت بنوده على أن يقبل المسلمين بدولة لبنان الكبير، ويتوقفوا عن المطالبة بالوحدة مع سورية. مقابل أن يتخلى الموارنة عن مطالبتهم فرنسا بالبقاء في لبنان، ويؤيدوا مطالب المسلمين بانسحابها وإعلان الاستقلال، على أن يكون رئيس الجمهورية ماروني، ورئيس مجلس الوزراء سني، ورئيس مجلس النواب شيعي، ونائب رئيس البرلمان من الروم الأرثوذكس، ونسبة نواب البرلمان 6 للمسيحيين. مقابل 5 للمسلمين على التوالي. كما أقر الاتفاق بعدد (17). طائفة معترف بها تحصل جميعها على تمثيل في الحكومة ومجلس النواب، وقد تم التوافق على هذه المحاصصة بناء على إحصاء عام 1932.[7]  الذي قامت به سطات الانتداب الفرنسي. وأظهر أن 51.2% من سكان لبنان الكبير مسيحيين. بينما 48.8% مسلمين. إلا أن هناك العديد من الدراسات شككت في صحة هذا الإحصاء وانحياز السلطات الفرنسية فيه لصالح المسيحيين على حساب المسلمين [8]. وفق هذه الصيغة أعلن استقلال لبنان وقيام الجمهورية. التي كان أول رؤساءها بشارة الخوري يوم 21 سبتمبر/أيلول 1943.

اللبنانيين المحدثون:

يتضح من العرض السابق ألا وجود لعرق ما، أو قومية مهيمنة في لبنان. فقد كان مركزا للتجارة الفينيقية التي انطلقت منه لسائر ساحل المتوسط، وقد أختلف على أصل الفينيقيين إلا أن هناك شبه اتفاق بين المؤرخين على كونهم قدموا إلى لبنان من ساحل الخليج العربي، وهناك عدة دراسات مدعمة بالوثائق والمراجع التاريخية لكبار المؤرخين من عصور مختلفة حول هذا الأمر [9] وأي كان أصل الفينيقيين. فالأكيد أنهم قد انتشروا في أماكن عدة واستوطنوا فيها بجانب الهجرات الكبرى التي شهدها لبنان عبر تاريخه، وموجات الاستيطان التي أقامت على أرضه نتيجة لتعاقب حكم الإمبراطوريات المختلفة له، وكونه كان ملجأ آمن للعديد من القوى السياسية والدينية والقومية المناوئة لسلطات الحكم الإمبراطوري بالمنطقة، وعليه فلا وجود لأمة ذات خصائص عرقية قديمة وواحدة في لبنان. بل خليط من الشعوب، وهذا الخليط ينتمي في النهاية بأغلبيته الساحقة لشعوب المنطقة، وغير غريب عنها. كما أن كافة الأديان والطوائف في لبنان. لا يمكنها الادعاء بوجود أصل عرقي واحد يجمعها كون عملية التحول الديني اتسمت بالديناميكية وفق مبدأ الترهيب والترغيب، والمصالح السياسية، وهناك الكثير من الأسر المتنوعة دينيا نظرا لهذا الأمر، كما أن الحضارة الفينيقية قد بادت وانتهت إلا أن آثارها الثقافية مازالت حاضرة بحياة اللبنانيين اليوم، وتتجلى في مظاهر عديدة سواء باللهجة والتراث والعادات الاجتماعية، أو حتى بعض الطقوس الدينية شأنهم شأن المصريين، والعراقيين، والسريان، والأمازيغ، وكل الشعوب ذات الحضارات القديمة بالمنطقة، حتى أصبحت في النهاية العربية لغة جميع السكان، والأديان الوافدة عليهم من الخارج هي معتقدهم البديل عن الديانات القديمة.

عدد الطوائف اللبنانية المعترف بها الأن حكوميا ولها تمثيل في البرلمان (18). طائفة وهم (الموارنة – الروم الأرثوذكس – الأرمن الأرثوذكس – الأرمن الكاثوليك – السريان الأرثوذكس – السريان الكاثوليك – الكلدان – اللاتين – الإنجيلين – الأقباط الأرثوذكس – الأقباط الكاثوليك – الأشوريين – السنة – الشيعة – العلويون – الإسماعيليون – الدروز – اليهود). ويبلغ عدد سكان لبنان في إحصاء عام 2017. 6.082 مليون. بينما يبغ عدد اللبنانيين في الشتات ما بين (12) إلى (18). مليون.

الصراع على لبنان:

شهد لبنان منذ لحظة ميلاده الأولى صراعا حادا حول هويته، وقد ازدادت حدة هذا الصراع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم لمعسكرين شرقي وغربي، وقيام دولة إسرائيل. وما أعقب ذلك من تقطيع لأوصال المنطقة، وقدوم موجات من اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي اللبنانية، وعدم قناعة قطاع من اللبنانيين بالدولة الناشئة، أو شعورهم بأنها لا تمثل طموحاتهم وتطلعاتهم بجانب إحساس بعض المسلمين بالتهميش في ظل نظام حكم يمنح الموارنة النفوذ الأكبر، والسلطات الأوسع بيد رئيس الجمهورية الماروني، ومع المتغيرات التي طرأت على المنطقة من انقلابات عسكرية ذات طابع "ثوري" والاستقطاب العنيف الذي شهدته بعدها. انقسم لبنان على نفسه بين من يرى أنه طرف بالصراع الدائر مع إسرائيل، ولابد أن يكون جزء من منظومة الأمن القومي العربي، وبين من يرى أن لبنان لابد أن ينأى بنفسه عن صراعات المنطقة، وان هويته بحر أبيض متوسط، والبعض رأي أنها أوروبية، والبعض الأخر فينيقية قديمة، وأصبح الصراع هو السمة الرئيسية بين جميع هذه الأطراف يسعى كل طرف عبر استخدام الشعارات الأيديولوجية لتحقيق مكاسب سياسية، وتغيير في موازين القوى يؤدي لتغيير في شكل الميثاق الوطني لعام 1943.

لبنان والطريق إلى الحرب الأهلية:

يُروى عن عالم الفيزياء النووية الأمريكي روبرت أوبنهايمر. المنسق الرئيسي للمشروع النووي الأمريكي أنه قد قال بعد إلقاء القنبلة النووية على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين (لقد أنجزنا هذا العمل نيابة عن الشيطان). كذلك الأمر كان في لبنان فلم يكن للشيطان أن يضيع وقته فيها، فالطريق كان ممهدا ومعبدا لقيام الحرب الأهلية منذ اليوم الأول لإعلان الجمهورية بعد الاستقلال. فالعديد من النخب المارونية كانت ترى في الجمهورية فرصة تستغل ما منحها إياه الميثاق الوطني من صلاحيات. للهيمنة على كافة مقدرات الدولة الاقتصادية والسياسية والأمنية الهامة، واجتذاب لبناني الشتات إليها وهم في غالبيتهم العظمى من المسيحيين. ثم الانقضاض على الميثاق وتغييره بعدما تتغير موازين القوى لصالحهم، في المقابل كانت بعض النخب المسلمة ترى في الميثاق مجرد محطة، وتفويت للفرصة على الفرنسيين بالبقاء في لبنان، وبخروجهم يفقد المسيحيين الحامي والدعم الرئيسي لهم، ومع مرور الوقت يمكن قلب المعادلة لصالحهم، بينما كان البعض الأخر يرى في نفسه الزعامة وأنه الأجدر على حكم لبنان. بينما النظام الطائفي، وتوزيع المناصب وفق الميثاق لن يمنحه سوى منصب وزير على أقصى تقدير، وعليه فبقاء هذا النظام يشكل عائق أمام طموحاته الشخصية، وفريق أخر يعتقد أن ما عجز عن الحصول عليه داخل طائفته لكونه لا ينتمي لإحدى عائلات الإقطاع السياسي، أو ينتمي إلى طائفة وزنها النسبي محدود سيتمكن من الوصول إلى السلطة عبر سحر وقوة الأيديولوجية في ظل زمن كانت فيه الأيديولوجيات تفعل فعلها. اجتمع كل هؤلاء لينجزوا نيابة عن الشيطان عمله المضنى والشاق لتكون لبنان جائزته الكبرى دون عناء، وحدثت عدة اشتباكات وصراعات سياسية كانت أحداث العام 1958. المسلحة أبرزها.

ارتدت آثار هزيمة 1967. على لبنان، ومعها فقد جمال عبد الناصر. هيبته بالعالم العربي، وقدرته على التحكم في الأطراف المتنازعة في لبنان. فقد كان قرار تعيين الرئيس تاريخيا يمر من القاهرة ويعتمد فيها قبل أي عاصمة أخرى، وشكلت القاهرة لبيروت شريك سياسي وثقافي وحضاري وعمق كبير، كذلك تحالف جميع الخصوم على تحطيم "الشهابية" والمقصود بها المؤسسات الأمنية والعسكرية التي أسسها العماد "الفريق" فؤاد شهاب. رئيس الجمهورية اللبنانية الثالث بالفترة من 1958 إلى 1964. حيث خشي زعماء الإقطاع السياسي، والطامحين بأن يحلوا محلهم من هذه الأجهزة القادرة على خلق دولة مؤسسات قوية تفقدهم زعامتهم الحالية أو المأمولة بجانب (اتفاق القاهرة) 1969. الذي سمح بوجود المنظمات الفلسطينية المسلحة داخل لبنان، والعمل من خلال أراضيه تجاه إسرائيل، ومع وفاة عبد الناصر عام 1970. ذهب الضامن لحالة السلم بحده الأدنى بين جميع هذه القوى، ثم مع وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل عام 1974. وما أعقبها من زيارة السادات. للقدس عام 1977. وبدء مصر لمسار صلح منفرد مع إسرائيل، وصولا لاتفاقية السلام المصرية – الإسرائيلية عام 1979. وسقوط حكم الشاه، وسيطرة التيار الإسلامي بزعامة روح الله الخميني. على مقاليد السلطة في إيران، وقيام الحرب العراقية – الإيرانية، وفقدان المنطقة العربية للقيادة المصرية، وعدم قدرة أي طرف عربي على ملء الفراغ المصري، ازدادت حدة الصراع، وأفلتت كل القوى من عقالها لتبدأ حرب أهلية طويلة تمتد لمدة 15 عاما. راح ضحيتها ما بين 150 إلى 200 ألف لبناني وفلسطيني، ونزوح ما يزيد عن المليون مواطن بجانب الإصابات والاختفاء القسري، والدمار الذي لحق بكل لبنان. وأضع عدة روابط لآراء مختلفة من أقصى اليمين لليسار عن هذه الحرب للمهتمين بدراستها بشكل أكثر عمقا.[10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19]

اتفاق الطائف:

كان المسلمين في لبنان يغلب عليهم الطابع الأيديولوجي لا الديني، وكان السنة، والدروز في طليعة وقيادة العمل السياسي ولديهم زعامات تتمتع بثقافة وكاريزما عالية، أو ينتمون إلى أسر إقطاعية سياسية، بينما كان الشيعة طائفة مهمشة سياسيا، وفقيرة ماديا، ولا داعم إقليمي أو دولي لها في ظل وجود داعم إقليمي ودولي لكل الطوائف الكبرى في لبنان، كما أن الشيعة عانوا بجانب الفقر والتهميش من تحرش الحركات المسلحة الفلسطينية بهم، وتحكمهم في قراهم ومناطقهم المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة، وتلقيهم الضربات الإسرائيلية الانتقامية، وفي هذه الأثناء فكر شاه إيران محمد رضا بهلوي. في خلق نفوذ بالساحة اللبنانية مستغلا حالة التهميش التي يعاني منها الشيعة، ووجود قائد شيعي إيراني من أصول لبنانية يتمتع بكاريزما، وهو السيد موسى الصدر. فقدم الدعم له للتوجه إلى لبنان عام 1958. هذا الأمر يوضح بأن الوجود الإيراني في لبنان سابق للثورة الإسلامية، وأن تخيل البعض بأن سقوط النظام الإيراني كفيل بإنهاء هذا النفوذ تصور غير دقيق. فالدول لو كانت حقا دول أمنها القومي ومناطق نفوذها لا تتأثر بتغير الأيديولوجية أو الحاكم، تمكن الصدر. من جمع شتات الشيعة وخلق شعبية كبيرة له داخل الطائفة وخارجها، كما استفاد عسكريا من التنظيمات الفلسطينية المتواجدة في جنوب لبنان. بتدريب بعض كوادر الحركة على حمل السلاح وصولا لتأسس حركة أمل "أفواج المقاومة الإسلامية" عام 1974. [20]

بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية. واختفاء الإمام موسى الصدر. في ليبيا عام 1979. وشيوع الأفكار الدينية بالمنطقة وغياب الشخصية الكاريزمية التي تخلفه في قيادة الحركة انشق جناح منها ذو توجهات دينية، وأصبح أكثر قربا من إيران فتأسس حزب الله عام 1985. ليمثل هذا الجناح، وكان مشروعه منذ تأسيسه مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ولم يتورط بالحرب الأهلية اللبنانية، وعبر هذا التوجه ولفقدان الدولة اللبنانية لجيش حقيقي قادر على حمايتها، وإنهاك كافة القوى السياسية المسلحة من الصراع الطويل بالحرب الأهلية ثم خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان إلى تونس. أصبح هو عنوان المقاومة اللبنانية للمحتل الإسرائيلي. لذلك عندما ابرم اتفاق الطائف بالعام 1989. قرر نزع سلاح جميع المليشيات المسلحة، واستثني حزب الله من هذا القرار كونه الطرف المسلح الوحيد الذي يوجه بندقيته للخارج، ولم يتورط بالداخل ولا صراعاته.

كان لفشل سياسات اليمين الماروني في الاستحواذ على الدولة اللبنانية، وتحقيق حلمه باستعادة المهاجرين المسيحيين من الخارج لزيادة أعدادهم، والتوترات التي شهدتها لبنان منذ حقبة الرئيس الثاني كميل شمعون. وصولا للحرب الأهلية بالغ الأثر على المكون المسيحي الماروني. الذي تراجع وزنه، وخرج من الحرب دون انتصار بل دخل بصراع فيما بينه، وبالتالي تم تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية في اتفاق الطائف 1989. [21] عما كانت عليه في الميثاق الوطني 1943. كما تم إعادة توزير الحصص الحكومية والبرلمانية مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وغابت الزعامات السنية التقليدية، وخرجت مصر من المعادلة وحلت السعودية محلها، ودخلت إيران وسورية بثقلهما، ونظرا لكون القيادات السنية التاريخية، والتي كانت تتلقى الرعاية من مصر لم تكن تناسب السعودية فكريا فقد تم الدفع بالحريري الأب. الذي كان يعمل بالسعودية، ويحمل جنسيتها، ويتمتع بثقة مسئوليها، وعبر دعمه سياسيا وماليا تمكن من قيادة السنة، وهو الذي لا ينتمي لعائلة إقطاعية أو سياسية شهيرة، وانتهت الحرب الأهلية بمنح سورية دور الدولة الضامن لاتفاق الطائف عبر تواجد عسكري لقواتها داخل الأراضي اللبنانية، وإدارة العملية السياسية وتوافقاتها فيما يصفه خصومها بعصر "الهيمنة السورية" وتشكل في لبنان مشهد جديد كعادته في تغير تركيبته وموازين القوى بشكل مستمر عبر التاريخ والعصور.

كيف هيمن حزب الله على الساحة اللبنانية:

أدى احتكار السنة في شخص الحريري الأب. الذي لم يكن مقنعا للكثير من الزعامات السنية التاريخية، مع غياب الدافع الأيديولوجي لشعب تفعل فيه الأيديولوجية فعلها، ثم اغتياله في 14 فبراير/شباط عام 2005. وضعف أداء خلفه سعد الحريري. وضعف قدراته المالية، وقلة الدعم المالي الخارجي المقدم له، وعدم وجود دولة راعية للسنة تمتلك سياسة واضحة بعيدة المدى، وتصارع عدة أطراف على السنة في لبنان مع غياب مصر وتراجعها وصولا لانعدام دورها. بجانب ضعف وتفكك المارونية السياسية لأحزاب شتى، وتراجع دور العائلات الإقطاعية الكبرى، وبروز زعامات مارونية أسست لنفسها أحزاب خصمت من حصتها سمير جعجع؛ وميشيل عون. نموذجا، وتراجع دور فرنسا. الراعي التاريخي للموارنة، وفقدانها القدرة على تقديم دعم ملموس وحقيقي لهم، وعدم فهم السياسة الأمريكية لتركيبة البلد وتعقيداته، ووضع إسرائيل وأمنها في أولوية سياساتها تجاه لبنان، وفقدان بريطانيا الراعي التاريخي للدروز لأي تأثير حقيقي له قيمة تذكر، أما روسيا الراعي التاريخي للروم الأرثوذكس والأرمن. فقد كانت سياساتها بعيدة عن الاصطفاف الطائفي أثناء حقبة الاتحاد السوفيتي. ثم عانت من فترة فوضى بالتسعينات فقدت معها تأثيرها ودورها، مع تفشي للفساد والرشوة السياسية داخل النخب اللبنانية، وخروج الجميع منهكين من الحرب، والانسحاب السوري من لبنان عام 2005. في أعقاب اغتيال رفيق الحريري، وما خلفه من فوضى سياسية نظرا للألغام التي وضعها النظام السوري بالساحة اللبنانية، ودخول أطراف جديدة على المشهد مثل قطر، ودورها في اتفاق الدوحة عام 2008. الذي أنهى الأزمة السياسية في لبنان، وتزايد هجرة الكفاءات السنية، وزيادة معدلات الهجرة المسيحية.

مقابل كل هذه المتغيرات تمكن حزب الله من الانتصار على جيش لبنان الجنوبي، وهو جيش مكون بالأساس من اليمين المسيحي الماروني تلقى تدريبه ودعمه المالي والعسكري من إسرائيل، وكان حليفا لها باحتلال جنوب لبنان. تلا ذلك انسحاب الجيش الإسرائيلي ليلا. بعدما أصبح وجوده مكلفا للغاية، وفشل رهان إيهود باراك. حيث كان يعتقد أن الانسحاب سيؤدي لسيطرة حزب الله على الجنوب مما سيخلق صدام بينه وبين الدولة اللبنانية. أو قيامه بأعمال انتقامية ضد الموارنة المتعاونين مع إسرائيل. فتشتعل الحرب الأهلية. لكن الحزب فاجأ إسرائيل بوعيه السياسي ودهاءه حيث تعمد أن يكون رئيس الجمهورية إميل لحود. وهو حليف له ولسورية أول من يدخل الجنوب، وسلم الأراضي المحررة للجيش اللبناني، وأرسل لقادة الكنيسة المارونية بأنه لا ينوي الانتقام من أي شخص تعاون مع الاحتلال، ومن تورط في جرائم تخابر أو قتل ستتولى المخابرات العسكرية للجيش اللبناني محاكمته وفقا للقانون، كذلك أنهى الحزب صراعه مع حركة أمل. التي رأت فيه تهديدا لزعامتها على الطائفة الشيعية، وأنها الحركة الأم التي أنبثق الحزب منها، كما مثل الحزب ظاهرة جديدة في نزاهته بوقت صالت فيه أصابع الاتهام بالفساد جميع النخب السياسية، بجانب تمتعه بزعامات ذات ثقل روحي وسياسي مثل الأب الروحي للحزب السيد محمد حسين فضل الله، وزعيم سياسي يتمتع بكاريزما مثل عباس الموسوي، والذي إغتالته إسرائيل عام 1992. وخلفه زعيم أخر أكثر كاريزمية وهو حسن نصر الله. الذي تعرض ابنه البكر هادي للاغتيال على يد إسرائيل عام 1997. وهو بعمر الثمانية عشر عاما. مما منح قادة الحزب مصداقية في تضحيتهم بأنفسهم وأبناءهم، كما أن الحزب وإن كان ذو مرجعية دينية إلا أنه لم يفرض تصوره على الدولة أو المجتمع وقبل بصيغة الحكم المدني. أدت كل هذه العوامل لنيله شعبية جارفة تخطت حدود لبنان لتشمل العالم العربي بأثره حتى أن الفنان الكوميدي المصري محمد هنيدي. أراد أن يستغلها للتسويق لنفسه في فيلم (همام في أمستردام). عام 1999. عندما طلب من صديقه اللبناني صورة للسيد حسن نصر الله. كونه يحبه جدا. تبع ذلك كله تحرير الأرض من إسرائيل بالقوة العسكرية ودون مفاوضات أو اتفاقية سلام أو اعتراف بإسرائيل.

على المستوى الداخل تمكن حزب الله من إبرام تحالف وثيق مع حركة أمل، وكلا التيارين هما المهيمنين على الساحة الشيعية، والصوت الشيعي يذهب لهما وبالتالي غير مفتت لصالح عدة تيارات وأحزاب مثل خصومه، كما أسس الحزب نظام اقتصادي داخلي قوي للغاية عبر شبكة علاقاته الواسعة، وما توفره له الدولة الإيرانية بقدراتها كدولة كبرى، ولها أجهزتها الأمنية والاستخباراتية القوية، وعبر هذه الشبكة هناك العديد من المشاريع الاقتصادية المتنوعة، والممتدة حول العالم، والتي تضمن مصادر تمويل يصعب رصدها، ولا يمكن للعقوبات الدولية أن تطالها، وبالتالي توفير موارد مالية دائمة للحزب. بالإضافة للنظام المركزي القوي والصارم والمنضبط داخل الطائفة الشيعية. فكل مسلم شيعي ملزم بتقليد مرجع ديني معتمد عبره يحصل على الفتوى، ويدفع له الخمس من أمواله لوكلاء هذا المرجع، وهو يتولى بدوره توزيعها على الفقراء والمحتاجين داخل الطائفة لخلق تكافل داخلي، ونظرا لكون الغالبية من الشيعة بلبنان يتبعون مرجعية المرشد الأعلى الإيراني فأموال الخمس تذهب إلى وكلاءه في لبنان، ويسلمها هو بدوره لقيادات الحزب، وبالتالي توفر إيران جزء كبير من إنفاقها بالداخل اللبناني من أموال اللبنانيين أنفسهم عبر تجميعها ووضعها بيد حزب الله. الذي ينفق منها على المنظومة الإعلامية، وكفالة أسر الضحايا، والمقاتلين في ساحات المعارك، وكافة القضايا الاجتماعية.

كذلك الطائفة الشيعية بجانب المارونية هما أكبر طائفتين لهما مهاجرين خارج لبنان. إلا أن الشيعة يتميزون بأن هجريتهم متنوعة لشتى بقاع الأرض، ويرسل المهاجر بدلا من الخمس خمسين وثلاثة حسب مقدرته، ويكفل ويعيل أسرته بالداخل اللبناني، ويأتي إلى ضيعته "القرية" ليتزوج منها وينبي لنفسه منزلا فيها، ويخلق ترابط قوي بينه وبين العائلة والحزب عكس باقي المهاجرين اللبنانيين الذين غالبا ما تنتهي علاقتهم بالبلد بعد استقرارهم بالخارج. لكل هذه الأسباب أصبح لدى الحزب شبكة اقتصادية ومالية يستحيل تقريبا رصدها، وقدرة العقوبات الدولية على القضاء عليها تظل محدودة، وشعبية داخل حاضنته الاجتماعية قوية، وتحالف حقيقي وقوي ومتين مع سورية وإيران. في ظل استراتيجية ومشروع محدد المعالم وهو ما يفتقده الحلفاء الاقليميين لجميع خصومه.

أثبت الحزب قدرته على الصمود بعدما تخطى الموجة العنيفة التي تعرض لها على إثر الاحتلال الأمريكي للعراق، وتهديد حليفه بشار الأسد، والعقوبات على الدولة الراعية له إيران، وجريمة اغتيال رفيق الحريري، وانسحاب الجيش السوري. فكانت حرب يونيو/تموز 2006. والتي كانت تهدف بالأساس للتخلص منه عسكريا. إلا أن الحزب خرج بنصر معنوي لعدم قدرة إسرائيل على القضاء عليه. بينما حققت إسرائيل نصر سياسي بوضع قوات الأمم المتحدة بينها وبينه مما يفقد الحزب عنصر المفاجأة أو المبادرة بالحرب وتحديد توقيتها، وبالتالي انتهت الحرب بينه وبين إسرائيل عمليا. وكانت تأمل من وراء ذلك في تحول فائض القوة الذي حققه ليدخل بصدام مع الداخل اللبناني مع تعالي صيحات خصومه بضرورة نزع سلاحه، وهو ما حدث بأحداث 7 مايو/آيار 2008. بحدوث مواجهات عسكرية بين حزب الله وخصومه السياسيين، وسيطرته على العاصمة بيروت في ساعات قليلة، وبدأ منذ ذلك الوقت نزيف النقاط في شعبية الحزب وصولا لذروتها بعد بدء الحرب السورية عام 2011.

تمكن حزب الله. من استغلال الدعاية الطائفية التي شُنت عليه لتصبح لصالحه، فعبر هذه الدعاية قويت وحدته الداخلية بعدما أصابها بعض الخلل نتيجة غياب الصراع والتحدي مع إسرائيل بعد حرب 2006. وميل سكان الجنوب للإعمار والعمل والتجارة، كذلك أصابت الدعاية الطائفية العنيفة، وصعود التيارات الإسلامية الراديكالية باقي الطوائف اللبنانية بالهلع والخوف من تكرار تجارب الماضي، وفي ظل غياب لأي مشروع عربي حقيقي بالمنطقة، وتصارع جميع التيارات اللبنانية، نشأ ما يمكن تسميته بحلف "الأقليات" أو حلف "المتضررين" وكانت فلسفة هذا التحالف قائمة على معادلة واضحة. هناك "وحش" سني يسعى لكي يلتهم المنطقة بأكملها، ومحركيه غير قادرين على السيطرة عليه، وهذا الوحش ينتمي إليه غالبية السكان، وكان الحكم بيدهم عبر التاريخ، وجميع الأطراف الأخرى كانت بحالة إقصاء. فهم اليوم ينادون "بقطف رؤوسنا" نحن الشيعة والخطوة التالية ستكون باقي الأقليات في ظل هيمنة الأفكار السلفية، والتمدد الإخواني – التركي – القطري. وعليه قوي هذا الحلف وأصبح الشيعة كلهم صوت واحد، ومعه حلفاءه من التيار الوطني الحر الممثل الأكبر للمسيحيين الموارنة، وحزب الطاشناق الممثل للأقلية الأرمينية، وحزب المردة الممثل للموارنة في شمال لبنان، والحزب الديمقراطي اللبناني الدرزي، وحزب التوحيد العربي الدرزي الذي وأن كان غير ممثل بالبرلمان إلا أن له قاعدة شعبية لا يستهان بها وسط الدروز، والتيارات ذات التوجه القومي من الروم الأرثوذكس، والتيارات القومية السنية، وبعض التيارات اليسارية التي عانت من إهمال الأطراف العربية، والعلويون والإسماعيلية، والتحالف مع البيت السني العريق آل كرامي، وبالتالي أصبح للحزب حلفاء ممثلين لكل الطوائف والمناطق وتحالفه معهم متين، وحليفيه الرئيسيين سورية؛ إيران. يعملون على تقوية هذه التحالفات بالداخل اللبناني، مقابل الضغوط التي تمارس على سيعد الحريري.  من حلفاءه الإقليميين والدوليين، وضعف قدرتهم على تماسك هذه الأحلاف التي يتصارع فيها كل طرف ضد الأخر ويشي به، وتراجع قدراته المالية، وتفكك تحالفه مع التيارات المارونية، ومواقف وليد جنبلاط. الممثل الأبرز للدروز، والتي تتسم بالمراوغة.

الخلاصة:

بعد العرض السابق لتاريخ لبنان، والتركيبة السياسية الحالية، وموازين القوى. تنبع خطورة ما يحدث الأن من مطالبات البعض بإسقاط الحكومة، وتوهم بعض الأطراف أن هذا الفراغ ربما يكون في صالحها، إلا أن حدوث فراغ سياسي، وعدم وجود تصور بديل واضح، ومحدد المعالم، في ظل تحالف فضفاض غير متفق على شيء سوى العداء لحزب الله وهذا لا يكفي لتحقيق انتصار سياسي مقابل تماسك لجبهة الحزب وحلفاءه، ربما يؤدي لتشكيل حكومة تسيير أعمال مدعومة من الجيش اللبناني. مع انتشاره بالأرض لضمان وحفظ الأمن يعاونه بالمشهد الخلفي حزب الله. أو نزوله إلى الشارع حال تم تشكيل حكومة من المناوئين له أو المطالبة بإسقاط الرئيس ميشيل عون، والحزب لديه القوة العسكرية، وحقق انتصار في سورية، وحلفاءه متماسكون بالإقليم والإدارة الأمريكية بحالة فوضى، وأوروبا ضعيفة تخشى من موجات هجرة إضافية، وهناك توافق روسي - تركي - إيراني بالمنطقة، وبالتالي سيطرح الحزب ومعه حلفاءه معادلة جديدة مفادها. لقد فشلتم بالقضاء علينا عبر إسرائيل في حرب 2006. وفي الحرب السورية، وعبر الانتخابات التشريعية، وبالتظاهرات بالشارع وإسقاط الحكومة أو العهد، وكنا بحالة صراع مفتوح ونحن خرجنا منه منتصرون، وعليكم الإقرار بالهزيمة، وبما أنكم قررتم الوصول بالصراع لمداه، ولم تعد معادلات الماضي قابلة لحكم الحاضر في ظل الخلل الديمغرافي، والاقتصادي، والعسكري، والسياسي، وبخريطة التحالفات على مستوى الإقليم، والتي تميل كلها لصالحنا فقد ذهب اتفاق الطائف إلى منيته وانتهى، وعلينا البحث عن تصور وشكل جديد للدولة اللبنانية وفق موازين القوى الحالية لضمان استقراها، وبالتالي يتغير وجه لبنان مرة أخرى كما حدث عبر التاريخ.

كما لا يمكن فصل ما يحدث في سورية. وقرب دخولها مرحلة جديدة من الحل السياسي، وما يحدث في الإقليم عما يجري في لبنان. مع الإقرار بوجود مطالب، وتحرك شعبي حقيقي يسعى كل طرف ليستغله، وما يُخشى منه الأن رهانات القوى الخارجية ومغامراتها من أن تعصف بلبنان ووحدته الهشة، وننهي بهذا مقالنا والذي سعيت فيه لربط الماضي بالحاضر، وتوضيح أفكار الأطراف المتنازعة على السلطة داخل لبنان. وكيف يفكر كل طرف.


[2] http://arabicmegalibrary.com/pages-5454-10-895.html (يوم الثرثار الأكبر - تاريخ الأشراف – البلاذري – صفحة 359)

[3] http://islamport.com/w/tkh/Web/331/759.htm (الكامل في التاريخ - ابن الأثير)