في معنى التصوف

18.11.2019

قبل ان يبدأ البدء أو يكون الكون..

قبل ان تصفع الشمس بظلالها على الأرض..

قبل أن تُخلق الأرض من انفجار كوني او إبتسامة كونية نتيجة أمر يتألف من حرفين..

قبل أى قبل..

كان الله ولا شئ مع الله ولا شئ قبله.

البحث عن معنى التصوف في الإسلام والإحاطة بمفهومه الشامل يكاد كون مستحيلا فقد تمت كتابة مئات الكتب عن حقيقة التصوف والبحث في معانيه ومفاهيمه فى محاولة لايجاد بعض من حقائقه سواء من باحثين ومستشرقين ومن علماء مسلمين ومع ذلك لم يصل أحد الى المفهوم الكامل عن التصوف واختلف كل منهم عن الأخر في المنظور الذي يعالج منه هذه القضية.

فظاهرة ما يسمى بالتصوف ظاهرة متسعة المجال شاسعة الابعاد بحيث لم يستطع أحد أن يحيط بها وصفا [1]

وكما ذُكر في كتاب المثنوي أن من أراد أن يصف التصوف كمثل العمى الذين تحسسوا فيلا فوصفوه حسبما وقعت عليه أيديهم من أجزاء جسمه فأتى وصفهم مرة انه عرض ومرة انه مروحة ومرة انه نرجيلة ولم يستطع واحد منهم أن يتصور ذلك الحيوان على كامل هيئته.

ولسنا بصدد مناقشة الاراء الفقهية المختلفة التى قيلت فى التصوف واهله بالتكفير والتحريم والرد عليها واختلاف المذاهب فى رؤيتهم لأهل التصوف ومع ذلك سنحاول فى هذا المقال ايراد بعض المفاهيم التى تمت كتابتها عن التصوف سواء من داخله من المتصوفين أنفسهم او من خارجه حيث دراسات المستشرقين والمهتمين بالبحث عن مفهوم هذا التيار الكبير داخل الإسلام وسنحاول الرد على بعض الاسئلة التى تثار دائما باختصار شديد حول هذا التيار الروحى او الثورة الروحية فى الاسلام كما يصفها الدكتور أبو العلا عفيفي.

ما هو التصوف؟

  1. نقول بصفة مبدئية في الاجابة عن هذا السؤال ان التصوف بوجه عام فلسفة حياة وطريق معينة فى السلوك يتخذهما الانسان لتحقيق كماله الأخلاقي وعرفانه بالحقيقة وسعادته الروحية أن التصوف الذي يوصف بانه أكبر تيار روحي يسرى في الأديان جميعها "التوحيدية" وبمعنى اشمل يمكن تعريف التصوف بإنه إدراك الحقيقة المطلقة سواء سميت هذه الحقيقة حكمة أو عشق أو عدم [2]

 

  1. يقول بعض المتصوفة أن التصوف فى مفهومه البسيط جدا كما ورد فى الحديث عندما نزل جبريل الى النبى محمد عليه الصلاة والسلام وسأله عن مراتب الإيمان والإسلام والإحسان فقال له النبي لما سأله عن الإحسان. الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ومن هنا كان مقام الاحسان هو الركن الأساسي عند المتصوف فمقام الإحسان عند الصوفية هو مرحلة الانتقال من الايمان الغيبى الى الايمان الشهودى او رؤية الله فى كل افعال العباد فالاسلام هو عمل الجسم والمظاهر والظواهر والإيمان عمل القلب أما الإحسان فهو عمل الظاهر والباطن. فالإحسان هو المقام الذي يلي الإيمان الغيبي الاعتقادي ليصبح الإيمان عند مستوى الإحسان إيمانَ شهودٍ وتحقيق “كأنك تراه” .

 

  1. اختلف العلماء في تحديد الاصل التاريخى لكلمة  (التصوف) أو  (الصوفي) فيقول بعض الباحثين فى هذا الامر ان الكلمتين متحدثتين فى الاسلام وقد ظهرتا اول الامر فى بغداد ( رغم نفى الطوسى فى كتاب اللمع لهذ الامر وقوله ان كلمة الصوفى ظهرت قبل البغدادين بوقت طويل ) واستدل القائلون بهذا الراى ان هذه الكلمة لم تظهر فى عهد الصحابة ولا فى عهد الجيل الاول من التابعين، ذلك لان الاقبال على الدين والزهد فى الدنيا فى هذين الجيلين كانا عامين بين المسلمين فلذلك لم تكن هناك حاجة للتمييز او الى اسم خاص يمتاز به الأتقياء [3]  ولكن لما فشا الاقبال على الدنيا كما يقول ابن خلدون وجنح الناس الى متاع الدنيا دعت الحاجة الى وجود صفة يمتاز بها بعذ الخواص الذين كانت لهم عناية بامر الدين، واشتدت هذه الحاجة لما ظهرت الفرق الاسلامية وادعى اصحاب كل فرقة انهم على حق، وهنا ظهرت هذه التسمية وانفرد بها المقبلون على العبادة [4] الثورة الروحية في الإسلام.

 

  1. هناك من يقول إن الكلمة مشتقة من أهل الصفة وهم الفقراء الذين كانوا ينزلون فى جانب من مسجد الرسول وانقطعوا للعبادة وكانوا مشهورين بالزهد والتقوى ومنهم من قال ان الكلمة مشتقة من الصفاء ومنهم من يقول إن الكلمة مشتقة من بعض الزهاد الذين كانوا يرتدون الخرقة الصوفية.. الخ..

 

  1. من التعريفات الذي ذكرها العلماء فى اصول كلمة التصوف ما قاله الهيجويرى فى كشف المحجوب وقد جمع اربعة تعريفات اشتقت منها كلمة الصوفي: قالت جماعة إن الصوفي سمى بهذا الاسم لانه يلبث ثياب الصوف وقال اخرون انهموا سموا صوفية لأنهم فى الصف الاول وقالت طائفة انهم سموا كذلك لأنهم يتولون أصحاب الصفة وقال اخرون ان هذا الاسم مشتق من الصفاء.

 

  1. اما الكلاباذى فقد رأى ان نسبتهم الى الصفة ولبس الصوف هو تعبير عن ظاهر احوال المتصوفة فقط وليس عن حالهم أما من نسبهم الى الصفة والصوفة فإنه يعبر عن ظاهر احوالهم وذلك انهم انهم قوم قد تركوا الدنيا فخرجوا عن الاوطان وساحوا فى البلاد واجاعوا الاكباد واعروا الاجساد لم ياخذوا من الدنيا الا ما يجوز تركه من ستر عورة وسد جوعه.

 

  1. ينقل الإمام القشيري صاحب الرسالة قول الامام الجنيد امام العراق فى زمانه ان التصوف هو طمأنينة القلب وتسيلم الروح وليس بكثرة الصلاة ولا الصيام.

 

  1. من اعم واشمل مفاهيم التصوف هى ما ينسب الى الامام الجنيد فى كشف المحجوب للهيجويرى انه التصوف مبنى على ثمانية خصال وهي (السخاء والرضا والصبر وقلة الكلام والغربة والسياحة ولبس الصوف والزهد والفقر). ثم قال (يبنى التصوف على ثمانية خصال اقتداء بثمانية أنبياء فيقتدى فى السخاء بإبراهيم لانه بلغ ان ضحى بولده، وفى الرضى باسماعيل لانه سلم لامر الله وقال بترك روحه، وفى الصبر بايوب لانه صبر على بلاءه وفى كلام زكريا للناس رمزا "إلا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا" - آل عمران - وفى الغربة بيحيى الذى كان غريبا فى وطنه وغريبا فى أهله، وفى السياحة بعيسى لانه كان فى سياحته من التجرد ولم يكن يملك الا وعاء ومشطا القاهما بعد ان راى رجلا يشرب بحفنتيه ورجلا اخر يخلل شعره باصابعه، وفى لبس الصوف بموسى، وفى فقر محمد الذى ارسل الله اليه مفتاح كنوز الارض وقال له "لا تشق على نفسك وهيئ لنفسك من هذه الكنوز متاعا واسبابا ، فقال : لا اريد اللهم اشبعني يوما وأجعني يوما".

 

  1. عرف بعض الصوفية التصوف كما يذكر الطوسى بأنه "ألا تملك شيئا ولا يملكك شيء" في إشارة إلى الزهد والانقطاع التام عن الدنيا والتخلص من حب الذات.

 

  1. وقد ورد في كتاب التعرف انه قالت طائفة إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها ونقاء أثارها وقال بشر ابن الحارث الملقب بالحافى ان الصوفى هو من صفا قلبه لله وقال بعضهم الصوفى من صفت لله معاملته فصفت له من الله كرامته وقال قوم سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله عز وجل لارتفاع هممهم اليه وإقبالهم عليه ووقوفهم بسرائرهم بين يديه.

 

  1. أورد الدكتور أبو العلا عفيفى فى كتاب التصوف الثورة الروحية فى الاسلام اكثر من 65 تعريفا للتصوف فى محاولة للوصول الى حقيقة الكلمة وظهورها وايجاد معنى مشترك بين هذه التعريفات ورغم ذلك وجد صعوبة شديدة فى الوصول إلى هذا الأمر يقول كنا نطمع بعد دراسة خمسة وستين تعريفا للتصوف ان نجد معنى عاما مشتركا ينظمها جميعا لكننا لم نظفر بهذا المعنى على وجه التحديد ووصلنا الى معنى قريب منه يمكن ان يقال ان الغالبية العظمى من التعريفات تتفق فيه وهو ان التصوف فى اساسه "فقد ووجود" فقد (لأنية العبد) ووجود له بالله او فى الله أى فناء عن الذات المشخصة واوصافها وآثارها وبقاء في الله.

 

  1. للإمام القشيري رأى لطيف فى التصوف وهو الا نحاول تعريفه ولا نسأل عن معناه وان التصوف هو لقب وليس صفة (ليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق والأظهر انه كاللقب فأما من قال انه من الصوف وتصوف إذا لبس الصوف كما يقال تقمص إذا لبس القميص – فذلك وجه ومن قال انهم منسوبون الى صفة مسجد رسول الله فالنسبة الى الصفة لا يجئ على نحو الصوفى، ومن قال انه من الصفاء فاشتقاق الصوفى من الصفاء بعيد فى مقتضى اللغة. وقول من قال انه مشتق من الصف فكأنهم فى الصف الاول بقلوبهم من حيث المحاضرة مع الله تعالى فالمعنى صحيح ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف).

 

  1. انفرد البيروني بقوله ان هناك صلة بين اسم الصوفي والكلمة اليونانية "صوفيا" بمعنى الحكمة وهو من أضعف الآراء في هذا الشأن.

 

  1. وهناك المزيد من التعريفات عن معنى التصوف والصوفى مما ذكرها الامام القشيرى وذكرت فى طبقات الصوفية للسلمي واللمع للسراج الطوسىى ولكن لن نستطيع ان نوردها كاملة فى هذا المقال وقد اوردنا بعض الاراء المهمة والشائعة فى محاولة تفسير هذه الظاهرة.

متى ظهرت هذه الكلمة؟

في كتاب الصوفية والفقراء يشير ابن تيمية الى ان كلمة الصوفى لم تكن موجودة فى القرون الثلاث الاولى (أما لفظ الصوفى فإنه لم يكن مشهورا فى القرون الثلاث الاولى، وانما اشتهر التكلم به بعد ذلك، وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الائمة والشيوخ كالامام ابن حنبل وابى سليمان الدارانى وغيرهما) ورغم ذلك يقول الدكتور ابو العلا عفيفى انه قد روى ان ابن حنبل كان يسأل الحارث المحاسبى فى بعص المسائل ويقول: ما تقول فيها يا صوفي؟  وان ابن تيمية كان يتحدث عن انتشار لفظ الصوفى وليس عن ظهور الكلمة.

هناك راى ذكره الاستاذ لويس ماسينيون فى المقال الذي كتبه فى دائرة المعارف بحثه الدكتور أبو العلا عفيفي إن كلمة الصوفى ظهرت فى النصف الثانى من القرن الثانى الهجرى وقد تم اطلاقها على جابر ابن حيان الذي كان يدعو الى مذهب خاص فى الزهد .

لا يوجد تعريفا محددا لمفهوم كلمة التصوف او الصوفى قبل نهاية القرن الثانى الهجرى وقد كان لبعض العلماء قبل هذا التعريف ممن يحسبون على التيار الصوفى كالفضيل بن عياض والحسن البصري وداود الطائى اقوال عديدة عن الدنيا والزهد فيها وعن محاربة النفس وضرورة تجنب المعاصى وما غير ذلك مما هو متصل بالجانب العملي من الطريق الصوفي.

في القرن الثالث والرابع تم وضع تعريفات عديدة صريحة للتصوف عندما بدات مرحلة ظهور هذا التيار بشكل صريح وكامل واختلفت هذه التعريفات مع اختلاف الثقاقات وما دخل منها داخل مفهوم التصوف بعد انفتاح الحضارة الاسلامية على الثقافات والمعتقدات الاخرى سواء فى بلاد فارس وبلاد ما وراء النهرين التى اثرت هذا التيار بالعديد من اقطاب هذا التيار على مدار سنين طويلة وقد جمعت كل هذه التعريفات كما ذكرنا فى كتب مثل الرسالة القشيرية وتذكرة الاولياء للعطار وكشف المحجوب للهيجورى وجمع منها الدكتور ابو العلا عفيفى اكثر من تعريف وضعت على يد اكثر من اربعة وعشرون عالما صوفيا عاشوا فى الفترة من بداية القرن الثانى حتى نهاية القرن الرابع يتسع المجال لذكرها.

كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة:

ينفرد التصوف من بين جميع الاساليب التى يحاول الانسان ان يشبع بها رغباته فى معرفة الحقيقة بانه يفترض وجود حقيقة مطلقة يمكن معرفتها والوصول اليها والاتحاد بها عند البعض منهم فمحور التجربة الصوفية هى محاولة الاتصال بين المتناهى واللا متناهى او الاتصال بين المطلق والمحدود وانمحاؤه فيها فى ما يعرف بالفناء فى الله ومحاولة جعل ارادة الله هي عين إرادة المريد فالصوفي دائما يعيش فى حالة من التسليم التام لارادة الله تعالى فالإرادة عند الصوفى هى الإرادة الاهلية المطلقة لانه فى حالة حالة فناء مع الله وكل ما يجرى من مظاهر فى الكون من حوله هى من مظاهر الارادة الإلهية لانه لا فاعل فى الحقيقة الا الله من وجهة النظر الصوفية.

يرى التيار الصوفي أن النبى محمد هو الصوفى الاول وهو رأس رجال الصوفية فهو الإنسان الكامل وهو سبب وجود الخليقة وهدفها وهو شفيع الامة عند الله فهو العابد الزاهد الذى كان ينقطع فى غار حراء عن الدنيا انقطاعا تمام فى سبيل الوصول الى الحقيقة المطلقة التى كان يبحث عنها حتى بعث الله جبريل بالوحى الذى ما كان يبعث الا بوصل محمد الى حالة التطهر والنقاء الكاملين بالإضافة الى أمية النبى التى يراها بعض الصوفية احد الاساسيات التى وجب وجودها فى النبى حتى يستطيع نقل الرسالة فكما ان كان ينبغى ان تكون مريم بنت عمران عذراء كى تتلقى كلمة الله ثم تهبها للعالم فى شكل روح الله عيسى بن مريم كذلك كان ينبغى للنبى محمد ان يكون اميا كى تبقى كلمات الله التى تلقاها محفوظة ونظيفة فتخرج منه فى صورة كتاب فبقى النبى وعاء لم يدنسه العلم العقلى فاستطاع ان يبلغ الكلمات التى اعطيت اليه عن طريق الوحى بيضاء نقية.

يعتمد الصوفى تجربته للاتصال بالمطلق على ما يسمى (الذوق) وهى كما يقول الدكتور ابو العلا عفيفى مظهر من مظاهر الاتصال الروحى الخارجة عن أعمال العقل الواعي ولهذا لا تخضع المعرفة الصوفية او المعرفة الذوقية للامور العقلية والمنطقية ولا يمكن حتى شرحها او وصفها لغويا ولذلك قال محمد بن عبد الجبار النفرى فى المواقف والمخاطبات (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة) فكل ما اصطلح عليه لغويا غير كافى اطلاقا لشرح التجربة الروحية التى يحاول فيها المريد الوصول الى غايته فالعبارة ضيقة ولا تستطيع احتواء كل المعانى القلبية التى تشرق فى قلب المريد اثناء الرحلة او عند الوصول فمعرفة الحالة الصوفية لا تأتى الا بالتذوق وحده فعندما اتى تلاميذ شيخ الصوفية الاكبر محى الدين ابن عربى واشتكوا له من الفقهاء وانهم ينكرون عليهم اقوالهم وافعالهم وانه لا دليل على ما يدعون من العلوم الالهية فقال له ابن عربي: اسالوهم كيف تعرف حلاوة العسل؟ فإن أجابوكم: بالتذوق فقولوا لهم كذلك أحوالنا وأفعالنا وقد اجمع الصوفية فى كل العصور على ان تجاربهم الروحية تستعصى على الوصف وتعلو على التعبير كما ذكرنا فآثر الكثيون منهم الصمت ولم يحاولوا ان يضعوا لها تفسيرا وتعديلا وإنما وصفوا ما أدركوه أو شاهدوه أو كشف لهم عنه من الأحوال أمور (ذوقية) أو وجدانية لا تفى اللغة بالتعبير عنها او ترجمتها بالألفاظ.

المحبة والحب هي الجزء الأعظم من تكوين الرؤية الصوفية حول وجود العالم ورؤيتهم للذات الالهية والعلاقة بين العبد والمعبود فيرى الصوفية ان الحب سبب وجود هذا العالم فيروى ابن عربى فى كتاب التنزلات الموصلية حديث قدسى غير معروف النسب عن الله انه قال  (كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق وتجليت عليهم فعرفوني) فالحب عند ابن عربى وعند بعض المتصوفة مقام الهى فهم يرون ان الله قد نسب الحب إلى نفسه فمن أسماءه الودود والقرآن يذخر بآيات كثيرة يذكر فيها حب الله لعباده المؤمنين والمتطهرين والحب المتبادل بين المؤمن وبين الله وفي الحديث القدسي "ما تقرّب المتقربون بأحب إليّ من أداء ما افترضته عليهم ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" وأيضا حديث "وجبت محبتي للمتحابين في"  في المقابل ينفى الله عن نفسه حبَّ قوم اتسموا بصفات لا يحبها فالأصل أنه لا يحب ما تحققوا به وأحبّ زوال تلك الصفات فالله  (لا يحبّ الظالمين) و(لا يحبّ المعتدين)  و(لا يحبّ كلّ مختال فخور)  لذا فإنّ أصل المحبة عند ابن عربي هو المحبة الإلهية وكلّ مظاهر الحب المنسوبة إلى الإنسان هي من أصل تلك المحبة الإلهية.

ومقام المحبة عند ابن عربى منقسم إلى أربعة القاب أولها هو الحب وهو خلوصه الى القلب وصفاءه عن كدرات العوارض فلا غرض للحب ولا ارادة له مع المحبوب – والثانى هو الود وله اسم إلهي وهو الودود – والثالث هو العشق وهو افراط المحبة وهو التفاف الحب على المحبوب حتى خالط جميع اجزاءه وهو لا يطلق على الله وان كان الله قد وصف نفسه فى الخبر بشدة الحب –والرابع هو الهوى وهو استفراغ الارادة فى المحبوب والتعلق به.

والباحث فى الاشعار الصوفية عند ابن الفارض او ابن عربى او العفيف التلمسانى والكثير من شعراء المتصوفة سيجد الحب الالهى هو الركيزة الاساسية التى تقوم عليها العلاقة بين الله وبين المؤمنين من وجهة الظر الصوفية.

يمكن تعريف التصوف انه محاولة للوصل الى (المطلق) فى تجربة روحية ذاتية مختلفة من شخص الى أخر تجربة لا يسعها معنى ولا مفهوم إن الغاية عند المتصوفة حقيقة لا يمكن وصفها ويمتنع ادراكها او التعبير عنها بالمدارك والأساليب العادية فلا الفلسفة قادرة على ان تحيط بمفاهيمها ولا العقل وهو تجربة روحانية لا صلة لها بالمناهج الفكرية والعقلية والعلمية يقول الإمام الغزالي ان التصوف تجربة روحية وانه مختلف تمام الاختلاف عن العلم وعن الفلسفة لا يكتسب بهما ولا يستند اليهما وان العلم وحده لا يجعل العالم صوفيا (وظهر لى ان خواص خواصهم مالا يمكن الوصول اليه من بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات فكم من الفروق بين ان يعلم الانسان حال الصحة وحد الشبع واسبابهما وشروطهما وبين أن يكون صحيحا وشبعانا وبين أن يعرف حد السكر وبين أن يكون سكرانا فكذلك فرق بين ان تعرف حقيقة الزهد وشروطه واسبابهن وبين ان يكون حاله الزهد وعزوف النفس عن الدنيا .. فعلمت يقينا انهم (أي الصوفية) أرباب أحوال لا أصحاب أقوال) [5]

على جانب اخر فالصوفية ترى ان العقل حجاب تحول بين المريد وبين المطلق فالقلب هو مقام المحبة الإلهية وهو مستقر الرحلة وهو بدايتها ومحل الوصول ويرى بعض الصوفية ان علم الكلام والفلسفة وغيرها من العلوم العقلية هى علوم لا قيمة لها اذا قورنت بالعلم الالهى او بالكشف او العلوم الصوفية التى تاتى بالمشاهدات القلبية وبالنظر فى كتاب الله المنظور ولسنا بصدد الحديث عن هذا المبحث (الصوفية والعقل) في هذا المقال وقد لخص الهيجويرى موقف الصوفية الاوائل من العلم والكلام بقوله (العلم كثير والعمر قصير وليس تعلم كل العلوم فريضة على الناس إلا بالقدر الذى يتعلق بالشريعة من كل هذه العلوم) وهذا يعنى قليل من علم الفلك لتحديد اتجاه القبلة وقليل من علم الرياضيات لحساب مقدار الزكاة الواجبة الخ.. ويرى بعض الصوفية ان اول خطوة فى طريق التصوف هى (كسر الدواة وتمزيق الكتب) لانه علومهم بعيدة كل البعد عن العلوم الوضعية ويروى في التراث الصوفى ان عمر السهروردى وهو أحد أقطاب التصوف قد درس فى شبابه الفلسفة وعلم الكلام فلما اتى الى أحد الاولياء لتعلم امور التصوف وضع الولى يده على صدره فأنساه كل ما درسه أو كما يقول هو: انه ملأ صدري بالعلم اللادنى. وهنا صوفيون اخرون رأوا فى منامهم ان يلقوا بكل كتبهم الثمينة في البحر.

التصوف يمكن ايضا أن يعرف بانه حب مطلق فبذلك الحب يتميز التصوف عن كل طقوس الزهد الأخرى وحب الاله يجعل المريد يتحمل كل الآلام والمصائب التى يبتليه الله بها ليختبر حبه ويطهره وذلك الحب يمكن قلب المحب من الاتصال بالحضرة الالهية ويجعله يغيب عن حاضره.

ينظر الصوفية اساسا الى الحب كعنصر اصيل من عناصر الكون وسبب هام من اسباب الخلق يقول تعالى (ما خلقت الجن والأنس الا ليعبدون). والعبادة قمة من قمم الحب وكمالاته وقد فسر ابن عباس كلمة العبادة بالمعرفة والمعرفة لازمة للحب ومن عرف الله اكثر احبه اكثر ومن لم يعرف عن الله الا القليل كان حبه على قدر معرفته والمحبة  صفة اساسية فى العلاقة بين الصوفى وبين الله وقد افرد الصوفيون مساحات واسعة من كتاباتهم  لمفهوم المحبة باعتباره حالة من الصفاء والنقاء لازمة للمريد فى رحلته الصوفية وباعتبارها علاقة متبادلة بين العبد وبين الله ، فالعلاقة بينه الله وبين الصوفى قائمة على المحبة، فالصوفى لا يرى انه يعبد الله خوفا من ناره ولا طمعا فى جنته ويبالغ بعض الصوفية فى هذا الامر ويروا ان عبادة الله خوفا او طمعا  نوع من الرياء وان االله يعبد لذاته او لانه اهل للعبادة او حبا وشوقا اليه كما قالت رابعة العدوية (ما عبدته حوفا من ناره ولا طمعا فى جنته فاكون كأجير السوء، انما عبدته حبا له وشوقا اليه )، وقول الامام على (أن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار،وقوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وان قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار). ويتوقف الصوفين كثيرا أمام قوله تعالى (يا ايها الذين امنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه). فالله تعالى لا يخوف الذين يرتدون عن دينه بان يلقيهم فى النار او يصب عليه عذاب الجحيم بل يخوف المرتدين بالحب، بان يستبدل بهم قوما غيرهم يحبهم ويحبونه، وكأن الله تعالى بهذا أقسى الذنوب بارق ما فى االوجود وهو الحب، يقول جلال الدين الرومى ان كلمة (يحبهم) يقين كامل، اما كلمه (يحبونه) فمن ذا الذي يصدق عليه هذا الوصف؟

يشير الرومى الى ان الحب عطاء وتكرم والله وحده هو الذي يملك العطاء والكرم والله وحده هو الذي يحب، اما كلمة يحبونه، فالحب البشرى فى ارفع صوره ولو كان موجها الى الله فماذا يستطيع ان يعطى؟ لا شيء، فلو اعطى الانسان وقته لله فالوقت ملك لله اصلا ولو اعطى كل ماله لله فالمال وديعة الله عند عبده، اما الله فهو المعطى الوهاب حقا.

يستدل بعض الصوفيون على وجوب المحبة  كشرط  للايمان والعبادة والعلاقة بين الله وبين العبد بقول الله تعالى (والذين امنوا اشد حبا لله) وقوله تعالى فى الصلة بينه وبين عباده (يحبهم ويحبونه) هي اشارة الى  ان حقيقة الصلة بين الله وبين عباده المؤمنين هى الحب لا القهر والاكرام لا الخوف،  واعتبار الصوفيون ان الحب الالهى هو اسمى وانقى انواع الحب وقد افرد ابن عربى لهذا الامر مجالا كبيرا فى فتوحاته المكية وزخرت كتب الصوفيون بكنوز من الشعر الخالد فى الحب والمحبة الالهية من امثال جلال الدين الرومى وفريد الدين العطار وعمر ابن الفارض وابن عربى وغيرهم من شعراء وفلاسفة التصوف.

واخيرا كما قال الاستاذ احمد بهجت، اختلفت مصائر الصوفية كما اختلفت طرائقهم فى التذوق وان جمع بينهم جميعا خيطا واحدا وهو الحب، انهم يرون انهم يحبون الله كما لا يحبه احد، وهم يرون ان الحب نسيج اصيل فى الكون وسر غائر من اسراره، يقول الرازى ان الآيات الورادة فى القرآن عن الاحكام الشرعية اقل من ستمائة آية، وان البواقى فى بيان التوحيد والنبوة والدعوة الى الله، والقرآن يذكر كلمة الحب وينسبها الى الله تجاه البشر، وينسبها الى البشر ازاءه سبحانه وتعالى، وقال تعالى على لسان نبيه فى سورة آل عمران ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ) ، وقال تعالى حاكيا عن موسى ( والقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى ) وقال مخاطبا عموم المسلمين (أن الله يحب المتقين)، وقد فسر الامام الغزالى قوله تعالى (والذين امنوا اشد حبا لله) فقال اثبت الله الحب واثبت انه يزيد عن المؤمنين مصداقا لقوله تعالى (والذين امنوا اشد حبا لله). هكذا ينظر الصوفية الى العالم، انهم يرون الحب حاكما فى الوجود وسببا في ميلاده.


[1] الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف (آنا ماري شيمل)

[2] التصوف/الثورة الروحية في الإسلام (أبو العلا عفيفي)

[3] فرسان العشق الإلهي (عمار على حسن)

[4] مدخل إلى التصوف (أبو الوفا التفتازانى)

[5] المنقذ من الضلال (الإمام الغزالي)