بوتين على ضفاف الخليج ... وصل الماضي البعيد بالحاضر القريب

13.10.2019

ملف خاص

يبدأ الرئيس الروسي فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين. زيارة توصف بالتاريخية يوم الاثنين 14 أكتوبر/تشرين الأول. للمملكة العربية السعودية؛ وباليوم التالي لدولة الإمارات العربية المتحدة. وتكتسب هذه الزيارة التي جرى الإعداد لها منذ عامين وبالتحديد أثناء زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود. لموسكو في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2017. أهمية خاصة وسط مستجدات الأمور على الساحة السياسية الدولية، والإقليمية، وبعد حالة التوتر الغير مسبوق منذ غزو العراق عام 2003. بمنطقة الخليج. ونظرا لأهمية هذه الزيارة، وتشعب العلاقات الروسية – السعودية؛ واهتمام قطاع عريض من الجمهور العربي بمعرفة طبيعتها، واستشراف مستقبلها ومآلاتها نجد من الضروري التعريج سريعا قدر المستطاع على تاريخ هذه العلاقة، وما تميزت به من قدم ومحطات متنوعة ربما لا يدركها الكثيرين.

حقبة روسيا الإمبراطورية:

بدأت علاقة روسيا. بشبه الجزيرة العربية. منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وبالتحديد عام 1880م. عندما افتتحت الإمبراطورية الروسية. قنصلية لها بالبصرة. تدير من خلالها شئونها التجارية وتخدم رعاياها بالمنطقة، ومع تزايد عدد الحجاج المسلمين من الإمبراطورية، والذين كانوا يشكلوا أكثر من ربع السكان افتتحت عام 1890م. أول قنصلية لها في الحجاز وكان مقرها مدينة جدة.

حقبة روسيا السوفيتية:

بعد سقوط السلطة الإمبراطورية على إثر ثورة فبراير عام 1917. وما تلاها من سيطرة البلاشفة على الحكم بعد ثورة أكتوبر من نفس العام. نشأت رغبة مشتركة بين السلطة السوفيتية؛ والمملكة الحجازية الهاشمية. بقيادة الملك الحسين بن علي الهاشمي. في استعادة العلاقات بين كلا البلدين، وقد تجليت هذه الرغبة في اللقاء الذي جمع وزير الخارجية السوفيتي جورجي تشيشيرين؛ وممثل الخارجية الحجازية حبيب لطف الله. في مؤتمر لوزان. نهاية العام 1922. وقد بدأت بالفعل العلاقات الدبلوماسية بشكل رسمي بعدها بعامين.

أوفد الاتحاد السوفيتي. عام 1924. الدبلوماسي الروسي كريم خاكيموف. المولود عام 1892. في مدينة أوفا. بمنطقة باشكورستان. ذات الأغلبية المسلمة لأسرة من الترك – التتر. ليكون أول قنصل عام سوفيتي بأراضي الحجاز؛ وكان يعاونه زميله مويسي أكسلرود. وهو عنصر استخباراتي سوفيتي. يهودي. كان يجيد الإنجليزية والإيطالية؛ والألمانية؛ والعربية؛ بجانب لغته الأم الروسية. عمل مع خاكيموف. بغطاء دبلوماسي، ودوره كان يكمن في كتابة تقارير للسلطة السوفيتية. يصف فيها المنطقة العربية عامة، ومنطقة شبه الجزيرة العربية على وجه الخصوص، وأحوالها الاجتماعية، وظروفها السياسية، والفرص الاقتصادية التي يمكن من خلالها أن يستفيد الاتحاد السوفيتي.  الذي كان يعاني في تلك الفترة من حصار اقتصادي غربي، وهكذا ظلت العلاقات بين الطرفين مميزة، ونشأ تبادل تجاري نشط، يرتكز في الأساس على توريد الكيروسين والكتان، والأخشاب الروسية. في هذه الأثناء اشتد الصراع بين الهاشميين؛ وآل سعود؛ وبناء على تقرير استخباراتي أرسله مويسي أكسلرود. إلى القيادة السوفيتية. يشرح فيه طبيعة الصراع، وخلفياته، وموازين القوى بين الطرفين، ورجح في تقريره دعم السلطان عبد العزيز آل سعود. لعدة أسباب كان من أهمها. أنه الأكثر قوة، وذكاء، وطموح وقدرة، واستقلالية عن باقي أمراء، وملوك المنطقة، وحال تمكن من توحيد كافة أراضي شبه الجزيرة العربية؛ فحتما سيحدث صدام بينه وبين البريطانيين؛ والفرنسيين، وبالتالي يمكن أن يغدو حليفا جيدا لنا، ويخلق دولة عربية موحدة كبرى. قادرة على مواجهة القوى الاستعمارية القديمة. فكان قرار السلطة السوفيتية الرهان على سلطان نجد؛ والتواصل معه لنسج علاقات جيدة، مع المحافظة على العلاقة بالهاشميين.

بناء على هذا التصور، وجه وزير الخارجية السوفيتي تشيشيرين. عدة نصائح للقنصل العام خاكيموف. منها أن يتواصل مع سلطان نجد؛ ويبرز اهتمامه بإقامة الشعائر الدينية الإسلامية. نظرا للدعاية البريطانية المناهضة للسوفييت في ذلك الوقت بشبه الجزيرة العربية. وأنهم "ملحدون" يريدون تدمير الأديان، وكذلك احترام العادات والتقاليد العربية وممارستها، والانخراط داخل المجتمع، حتى أن خاكيموف. أصبح يلبس الزي العربي؛ ولقب في ذلك الوقت من سكان الحجاز بلقب "الباشا الأحمر"

تكللت هذه العلاقة بإنجاز هام وكبير حيث ذهب خاكيموف. يوم 15 فبراير/شباط 1926. للقاء الملك عبد العزيز آل سعود؛ وسلمه مذكرة اعتراف رسمية من الاتحاد السوفيتي. بمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها؛ ليكون الاتحاد السوفيتي. أول بلد بالعالم كله يعترف بالدولة السعودية الجديدة ونشأت علاقة خاصة بين الملك؛ والقنصل العام السوفيتي. حتى أنه الوحيد بحكم كونه مسلما الذي كان يمكنه لقاءه بشكل مباشر في مكة [1].

شكل هذا التطور الكبير بالعلاقة تحديا لبريطانيا. التي لم تكن مرتاحة لها وبدأت تمارس حربا تجارية تجاه الاتحاد السوفيتي. في السعودية. مستعينة بالتجار الحجازيين ذوي الأصول الهندية والحضرمية. الذين كانت لديها بهم روابط قوية، ويمتلكون رؤوس أموال كبرى للتضييق على المنتجات السوفيتية، ومع الوقت ضعفت العلاقة الاقتصادية بين الطرفين، وتم استبدال خاكيموف. عام 1929. بقنصل عام جديد نذير تيورياكوف. مسلم من أصول كازاخية.

على الرغم من كل هذه التحديات استمرت العلاقة بين الطرفين ثابتة وكانت آمال الاتحاد السوفيتي. أن يشكل الملك عبد العزيز آل سعود. قوة جديدة تهيمن على المنطقة، وتوحدها، وفي العام 1932. ونتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية المتأثرة بالكساد الكبير، والتي أدت بدورها لتراجع عدد الحجاج، والتجارة مع بعض التمردات التي قادتها بعض القبائل على حكم الملك عبد العزيز آل سعود. فساءت الأحوال الاقتصادية بالبلاد، وذهب الأمير فيصل. لزيارة خاصة للاتحاد السوفيتي. استمرت لمدة عشرة أيام. بدأت في 20 يونيو/حزيران 1932. شملت عدة مدن سوفيتية، وزيارات متنوعة للمصانع ومعامل تكرير النفط، ومصانع الأسلحة، والمتاحف، والمسرح والأوبرا، ولقاء قيادات الحزب الشيوعي السوفيتي. وقد طلب خلالها الأمير قرضا بقيمة مليون جنيه إسترليني ذهبية. إلا أن ظروف الاتحاد السوفيتي. الصعبة وقتذاك، وتوجيه كافة موارد الدولة لتنفيذ الخطة الخمسية، لم يمكن القيادة السوفيتية من تلبية طلب مملكة الحجاز ونجد، إلا أن الحكومة السوفيتية. عرضت تقديم مساعدات عسكرية، وتقنية، لكن هذا العرض لم يلقى حماسة من الأمير فيصل؛ وذلك إدراكا منه لخطورة هذه الخطوة على علاقات الأسرة مع بريطانيا؛ وما يمكن أن ينتج عنها من دعم الأخيرة للعناصر المتمردة على الحكم السعودي. لكنه رحب بالتعاون التقني، وقد تم توصيل أول خط هاتف بالمملكة العربية السعودية. عام 1934. في الطائف. بخبرات سوفيتية. وكان أول اتصال يجريه الملك السعودي. مع السفير السوفيتي تيورياكوف. كما أوفدت السعوديين بعثة من موظفي البريد لروسيا وذلك عام 1935. للتدريب على تقنيات عمل البريد والتليغراف [2].

حظيت زيارة الأمير فيصل. بتغطية إعلامية واسعة، وكان الأمير. هو أول مسئول عربي يتعرف عليه مواطني الاتحاد السوفيتي من خلال جرائدهم، حيث نشرت جريدة برافدا السوفيتية، وكذلك مجلة (اوجونيوك – Огонёк). الروسية العريقة التي صدر عددها الأول عام 1898. مقال مطول عن الأسرة السعودية، والحركة التوحيدية لأراضي شبه الجزيرة العربية. التي قادها الملك عبد العزيز آل سعود؛ وتفاصيل زيارة الأمير فيصل.

ظلت العلاقة في تراجع نتيجة للضغط البريطاني، ومع قرب قيام الحرب العالمية الثانية. جُمدت العلاقات من طرف السوفييت عام 1938. وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية. وبالتحديد في العام 1943. سعى الملك عبد العزيز آل سعود. لاستعادة العلاقات من جديد، وأفود المستعرب البريطاني – اليهودي الأصل عبد الله جون فيلبي. للقاء مسئول الاستخبارات بالسفارة السوفيتية بالقاهرة. وفاتحه في هذا الشأن، إلا أن السفير السوفيتي بالقاهرة نيقولاي نوڤيكوڤ. خشي من إبلاغ القيادة السوفيتية. بهذا الاتصال، وما قد ينتج عنه من شكوك فيه نظرا لعلاقة فيلبي. بالمخابرات البريطانية؛ وعليه قطعت السعودية. الرجاء من هذه العلاقة وأقامت علاقة تحالف استراتيجي مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. منذ اللقاء الشهير الذي جمع الملك عبد العزيز آل سعود؛ والرئيس الأمريكي روزفلت. في العام 1945. وصولاً لحرب الخليج الثانية عام 1991. والتي تم فيه استعادة العلاقات بين الطرفين، ودفعت كلا من السعودية؛ والإمارات. حسب شهادة فيكتور غيراشينكو – رئيس البنك السوفيتي السابق. مبلغ قدرة 4 مليارات دولار. للاتحاد السوفيتي. نهاية العام 1991. نصف المبلغ نقدا، والنصف الأخر معدات سيقومون بشرائها من الغرب. بناء على طلب السوفييت. لمحطات تكرير النفط وذلك نظير التزام موقف حيادي تجاه عملية تحرير الكويت [3].

حقبة روسيا الاتحادية:

عاشت روسيا. في حقبة عقد التسعينات من القرن الماضي. حالة من الفوضى، وتردي الأوضاع على كافة المستويات، وكانت الدعاية الإعلامية الموجهة ضد السعودية. سلبية للغاية، نظرا لدور العديد من المقاتلين القادمين منها، والمشاركين مع الحركات الإسلامية الانفصالية في شمال القوقاز. وبالتحديد في جمهوريتي الشيشان؛ وإنغوشيتيا. الفيدراليتين الروسيتين؛ وكان من أبرز هؤلاء القادة سامر السويلم. الشهير باسم "خطاب"؛ وأبو الوليد عبد العزيز عمر الغامدي؛ بجانب الفتاوى الدينية "الوهابية" حسب وصف القيادات الروسية؛ والتي أغرقت البلاد في أتون من العنف والفوضى، والدعم "المادي" للمقاتلين الشيشان الذي كانت تغض الحكومة السعودية؛ الطرف عنه حسب الرواية الرسمية الروسية؛ إلا أن مساعي كلا البلدين لتطوير العلاقات الاقتصادية لم تتوقع لكن دون جدوى، وقد عزى السفير الروسي الأسبق بالرياض أندريه باكلانوف. سبب ذلك الجمود بالعلاقات لحالة التخلف التقني التي كانت عليها روسيا. في ذلك الوقت، وغياب مركزية القرار نتيجة الفوضى السياسة العارمة التي كانت تجتاحها، واللوبي الرأسمالي اليهودي الصهيوني، والموالي لإسرائيل بالكامل وجميع أفراده حاصلين على الجنسية الإسرائيلية [4] والذين عطلوا مسار هذه العلاقة، والجدير بالذكر أن الرئيس بوتين. قد خاض حربا شرسة ضدهم، وقضى على نفوذهم وسيطرتهم فيما عرف بخريف الأوليغارشية الروسية.

الخلاصة:

يمكن القول بعد العرض السابق. أن العلاقات الروسية – السعودية. علاقات قديمة للغاية، وشهدت أسبقية في عدة مجالات على جميع البلدان العربية الأخرى، بل والحليفة شديدة الصلة بروسيا حتى اليوم  فقد كانت روسيا السوفيتية. أول دولة في العالم اعترفت بالسعودية؛ وكانت السعودية أول دولة عربية أقامت علاقات دبلوماسية معها وأول مسئول عربي رفيع المستوى يزور روسيا. كان الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود؛ وأول مشروع تقني روسي بالمنطقة كان لصالح السعودية؛ وأول بعثة تعليمية عربية ذهبت لروسيا كانت أيضا من السعودية. ونتيجة لحقبة ما يسمى "الإرهاب الستاليني" والحرب العالمية الثانية وما أعقبها من عملية إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وصراع "الرفاق" على "الإمبراطورية" الستالينية. بعد وفاته، وسياسات جورباتشوف. الغير متزنة كما يصفها العديد من الخبراء الروس. ثم سنوات الأمين العام ليونيد بريجنيف. التي اتسمت بالجمود، مع التحالف الوثيق الصلة الذي نشأ بين الولايات المتحدة الأمريكية؛ والسعودية؛ وتحول الأخيرة لحليف أساسي لواشنطن بالمنطقة. ثم حرب أفغانستان؛ وحرب المضاربات على أسعار النفط بالثمانينيات. نهاية القرن الماضي. ثم حالة الفوضى وفقدان روسيا. لبصلتها السياسية بحقبة التسعينات. حتى العام 2005. أدت كل هذه الأسباب لما يسميه العديد من الخبراء الروس المهتمين بدراسة هذه العلاقة لسنوات "الفرص الضائعة" على كلا البلدين في إقامة علاقات سليمة، ومتزنة، ولعل البروفيسور ألكساندر ياكوفليف – المتخصص بشئون شبه الجزيرة العربية والعلاقات السعودية – الروسية. من أفضل من كتب عن هذه العلاقات خصوصا في كتابة الرائع، والذي أتمنى أن يترجم للعربية (الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس العربية السعودية - Король Абдель Азиз: создатель Саудовской Аравии). والذي جمع فيه العديد من الوثائق الهامة من الأرشيف السوفيتي. تؤرخ لهذه العلاقة، وقد صدر هذا الكتاب بالعام 2007.

النظرة الروسية لعهد الملك سلمان وولي عهده:

تسود نظرة إيجابية في الإعلام الروسي تجاه عهد الملك سلمان. والإصلاحات العميقة على مستوى التطور الاجتماعي كما توصف، والتي تصب بشكل غير مباشر في صالح روسيا. حيث أن المسلمين الروس يشكلون ما نسبته 20 إلى 30%. من المجتمع الروسي. وكانت الدعاية "الوهابية" تشكل معضلة دائمة للسلطات الروسية؛ تحديدا في منطقة شمال القوقاز. وتراجع السعودية. عن تصدير هذه العقيدة، والترويج لها. يحرر العلاقة بين الطرفين من الكثير من القيود، والمخاوف الأمنية، ويسهم في تطويرها، ويرفع الحرج عن الكرملين. حيث أن علاقاته بدت في مرحلة من المراحل مميزة مع إيران. على مستوى العالم الإسلامي. بينما في حالة تراجع مع البلدان ذات الأغلبية السنية، وكما هو معروف فمسلمي روسيا. غالبيتهم الساحقة من أهل السنة والجماعة. وتجمعهم الأبرز في منطقتين رئيسيتين. الفولجا غالبية مسلميها ماتريدية بالأصول وأحناف بالفروع، بينما مسلمي القوقاز أشاعرة بالأصول وشافعية بالفروع، والشيعة لا يمثلون في كافة أراضي الاتحاد الروسي. سوى نسبة ضئيلة لا تزيد عن 20 ألف غالبيتهم في جمهورية داغستان الفيدرالية الروسية بشمال القوقاز؛ ولذلك كانت توزان روسيا. دوما بعلاقاتها مع العالم الإسلامي عبر تركيا. والانفتاح على السعودية. سيشكل عنصر استقرار إضافي للعلاقة مع المجتمع الروسي المسلم، والمرجعيات الدينية الإسلامية. التي تنظر لها نظرة احترام، وإجلال. نظرا لوجود المقدسات الإسلامية على أراضيها. بينما يُنظر لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. على أنه مصلح، ومجدد، يستخدم سلطاته الملكية المطلقة لتحديث المجتمع السعودي؛ وإعادة دمجه بالعصر الحديث. حتى أن بعض الصحف الروسية قد شبهت ما يقوم به من إصلاحات. بما سبقه إليه الإمبراطور بطرس الأكبر المتوفى عام 1725. والذي انتشل روسيا. من براثن الجهل، والتخلف، والرجعية الاجتماعية، والدينية. التي كانت سائدة فيها بالقرن الثامن عشر. وفي هذا الإطار كتب الكاتب الصحفي والفيلسوف، والمؤرخ الروسي الكبير فاليري بتروفيتش ليبيديف. المولود في روسيا السوفيية عام 1937. مقالا صحفيا عنونه بالعنوان التالي (محمد العربي – بطرس الأكبر السعوديين). [5] كما أن هناك حماس شديد لدى قطاع المال والأعمال الروسي. لرؤية ولي العهد (2030). وما يمكن أن تجنيه روسيا. من مكاسب اقتصادية منها بجانب أن الخلافات العميقة بين الطرفين والتي تمثلت في الملف السوري بالأساس قد تجاوزتها السعودية، ويرجع الفضل في ذلك لسياسة ولي العهد. الذي كان واضحا حسب ما يتناقله المجتمع السياسي الروسي. من أن قضية سورية قضية خاسرة، والسعودية لم تعود تتورط فيها، وكل ما تسعى إليه استعادة الدولة السورية. لعافيتها ووحدتها، وعدم انفراد إيران؛ وحلفائها بها.

المعادلة الروسية في علاقتها مع السعودية:

لا يوجد ولا ينبغي أن نتصور أنه يوجد لدى الكرملين. أي أوهام في شكل وحجم ما يمكن أن تصل إليه العلاقات مع السعودية. المعادلة الروسية في هذه العلاقة، واضحة ومحددة وبسيطة للغاية المملكة العربية السعودية. بلد كبير وله تأثير طاغي في المنطقة، التي يتنافس فيها كلا من إسرائيل؛ وإيران ومحورها، وتركيا ومحورها، والسعودية التي تقود محور، والبقية إما تابعين أو أرقام هامشية لا قيمة حقيقة لهم بالمعادلة الشرق أوسطية، وهذه الدولة كانت لنا معها علاقات هي الأقدم عربيا، ولأخطاء تاريخية معينة لم تحقق نجاحات تذكر. بل ووصلت إلى حد الصراع ولعب دور سلبي على المستوى الأيديولوجي والاقتصادي، والأمني والجيوسياسي بالنسبة لروسيا. فتحولها لبلد محايد مكسب، وتحولها فيما بعد لصديق يمكن التفاهم معه في ملفات عدة مكسب إضافي، وتحول العلاقة الأن إلى تعاون اقتصادي وسياسي وأمني، وإيجاد موطأ قدم لروسيا بمنطقة الخليج. فهو مكسب كبير للغاية. مقارنة بما كانت عليه العلاقة سابقا، والوجود بالخليج رغبة وحلم روسي. قديم منذ عهد القياصرة، وكان أحد المطالب التي طرحتها روسيا الإمبراطورية في مفاوضاتها مع دول (الوفاق الثلاثي). والذي نتج عنه معاهدة (سازونوف - سايكس – بيكو). [6] وتكرر نفس الطلب لاحقا مع (الحلفاء). أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية في عهد الإمبراطورية الروسية الحمراء [7]. وعليه ووفق هذه المعادلة. لا ينبغي مقارنة العلاقات السعودية – الروسية. بنظيرتها الأمريكية. فلا مجال للمقارنة وحتما المقارنة ستكون غير موضوعية. لكن بناء على هذه المعادلة فقد حققت روسيا. اختراق كبير للغاية. كما أن الكرملين وهذا أمر أخر هام وربما يستدعي مقال مفصل مستقل. لديه نظرته الخاصة في إدارة علاقاته مع الولايات المتحدة؛ ولا يسعى لتحديها في مراكز نفوذها حول العالم، ولا من طموحاته الدخول معها في سباق نفوذ على مناطقها. بل يعرض ومنذ زمن طويل احترام لمناطق نفوذ كلا الطرفين، وتأمين كل طرف لمصالح الأخر دون التعدي عليها، ولم تُلقي أمريكا بالا للروس، وما تسعى إليه روسيا حاليا استغلال اللحظة التاريخية التي تراها مواتية. لكي تجبر واشنطن على قبول هذه المعادلة دون الدخول معها في صراع أو معركة تكسير عظام. كما أن روسيا تدرك جيدا أن السعودية؛ وبحكم التكوين، والعلاقات الاستراتيجية المتشابكة، والمتشعبة مع أمريكا. ليس من مصلحتها اتخاذ خطوات بالعلاقة مع العربية السعودية تبدو تحديا لواشنطن. مما قد يعطل مسار العلاقة بالكلية، ووفق ما سبق يمكن فهم المعادلة الروسية بهذه العلاقة الهامة لكلا الطرفين.

المعادلة الاقتصادية:

أدركت روسيا؛ ومعها السعودية أن خلاف كلا الطرفين وهما عملاقي النفط بالعالم عواقبه وخيمة عليهما مقابل المكاسب التي يمكن أن تتحقق من الاتفاق، والتفاهم فيما بينهم والتواصل بشكل دائم، وتنسيق المواقف وفق آلية (أوبك بلس). والتي أثبتت فاعليتها في ضبط أسعار النفط، وعليه فهذا الملف قد توصل فيه كلا الطرفين لتفاهم كبير ومتين عبر عزله عن أي خلاف سياسي، وعدم استخدامه في أي إشكال يقع بينهما مهما كان، وهذا الدرس التاريخي الذي استوعبته روسيا وعبر عنه السفير الروسي الأسبق بالرياض من خلافات كلا البلدين بثمانينيات القرن الماضي وبالعام 2014. [8]

تطمح روسيا في الحصول على الحصة الغير مستغلة من قبل أمريكا في السوق السعودي؛ وتذهب إلى الصين؛ أو تركيا؛ أو بعد بعض بلدان آسيا؛ وأوروبا؛ وتحديدا في مجالات الفضاء، وتقنياته، والأقمار الصناعية، والتنقيب عن الغاز والنفط ببعض المكامن البعيدة، والمجال الثقافي عبر استغلال حالة الانفتاح الاجتماعي الحالي لتقديم عروض سينمائية، ومسرحية، وغيرها من هذه الأنشطة، بجانب مجال التنقيب عن الآثار، وتشييد المتاحف، والصناعات النووية للأغراض السلمية، وتصدير الحبوب الروسية، والمنسوجات، وبعض الصناعات العسكرية الخفيفة المشتركة بين الجانبين، وقطاع النقل، والرغبة في ضخ السعودية استثمارات في قطاع الزراعة الروسي. الذي يشهد منذ العقوبات التي فرضتها روسيا على بلدان الاتحاد الأوروبي. ردا على عقوبات العام 2014. نهضة قوية، واهتمام متزايد من الدولة به، والاستثمار بهذا القطاع يصب في اتجاه المصلحة السعودية. بخطتها للأمن الغذائي، وكذلك الاستثمار بقطاعات البنية التحتية الروسية؛ والنفط، والغاز. حيث يتوقع كيريل دميتريف – مدير عام صندوق الاستثمارات الروسي أن تتخطى الاستثمارات السعودية بالسوق الروسية العام المقبل 2020. حاجز الخمسة بلايين دولار أمريكي [9] وقد قام ديميتريف. بعدة زيارات للسعودية؛ وعقد عدة لقاءات مع أطراف مختلفة، ونسج علاقات وطيدة مع ولي العهد السعودي الذي كرمه بمنحه وسام الملك عبد العزيز آل سعود. من الطبقة الثانية.

المعادلة الأمنية:

أصبح وللمرة الأولى منذ حرب أفغانستان بالعام 1979. توافق يصل حد التطابق بالرؤى بين كلا البلدين في ملف الإرهاب والتصدي له، وللأفكار المشجعة عليه. أما فيما يخص أمن المنطقة فقد تعلم الروس من تجاربهم، وأنا هنا أدعو كافة السياسيين، والمفكرين، والكتاب، والنشطاء السياسيين العرب. لدراسة ما يجري في روسيا. من نقاش هادئ وعقلاني، وبشكل علمي ممنهج منذ 10 أعوام. في تقييم التجربة الروسية الإمبراطورية، والتجربة السوفيتية. حيث أن روسيا هي البلد العظمى الوحيد بالعالم الذي سقطت إمبراطورتيه مرتين في قرن واحد. رغم اختلاف الإيديولوجية والتوجهات. الإمبراطورية الروسية الأرثوذكسية في العام 1917. والإمبراطورية الحمراء البروليتارية الاشتراكية عام 1991. ومما تعلمه الروس من هذه التجربة ألا ينحازوا بشكل مطلق إلا لمصالح روسيا القومية، وألا يبادروا بقطع العلاقات مع أي طرف مهما بلغ حجم الخلاف معه، ومازالوا حتى الأن يتذكرون بالكثير من الألم. كيف أنهم بانحيازهم لمصر بعد حرب الخامس من يونيو/حزيران 1967. وقظعهم للعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ثم ذهبت مصر؛ وحاربت بسلاحهم، ثم عقدت سلاما منفردا استثنتهم منه، وتعرضوا لأكبر خسارة جيوسياسية بالمنطقة، ولذلك ليس غريبا وفق هذا المنهج الروسي. الذي استقاد من تجربته التاريخية. أن نجد علاقاتهم مميزة مع كافة الأطراف المتصارعة، ويسعوا لتحويل الصراعات لقيمة مضافة لهم. فهم حلفاء النظام السوري، وعلى علاقة جيدة للغاية مع تركيا؛ وإسرائيل؛ وينسجون خيوط علاقة مميزة، ومتينة مع بلدان الخليج العربي؛ وتحديدا السعودية؛ والإمارات، وفي نفس الوقت تربطهم علاقة شديدة المتانة مع إيران؛ كما أن العلاقات الروسية – القطرية. تشهد نمو على نطاق واسع في مجالات اقتصادية، وسياسية، وأمنية. وبين كافة الأطراف المتصارعة في اليمن؛ وليبيا. مقابل الولايات المتحدة. التي ليس لها علاقات مباشرة مع عدة أطراف متصارعة، وعبر تبني هذه السياسة، وفاعلية دورها المتزايد بالمنطقة تحولت موسكو لقبلة للعديد من سياسيي الشرق الأوسط، وعليه فلن تفرط روسيا في علاقاتها مع أي طرف لصالح الأخر، وتحديدا إيران. التي تربطها معها علاقة متشعبة وتشمل مجالات عدة، وتمثل قيمة جيوسياسية هامة لروسيا. لكن يمكن أن تشكل عنصر توافق، وتفاهم بين كافة هذه الأطراف مما يصب في النهاية بصالحها. في المقابل عبر الاتفاقيات الأمنية. المرتقبة بين السعودية؛ وروسيا. أمنت الرياض ظهرها من ناحية إيران. حال تغيرت الإدارة الأمريكية. بإدارة ديمقراطية أو أبرم ترامب الطواق لعقد الصفقات صفقة مع طهران. فلديها ضمانة أمنية روسية. كما أصبح لروسيا موطأ قدم بالمنطقة وحقق بوتين. الحلم الذي عجز عن تحقيقه نيقولا الثاني؛ ويوسف ستالين. وإن كان بشكل مختلف عما كانا يسعا إليه [10]

المعادلة الجيوسياسية:

مما لا شك فيه أن لروسيا دور وقدرة بالتأثير على تصرفات طهران. مع مراعاة مصالحها. فلولا السياسة الإيرانية؛ ومشاغباتها أو أي كان مسماها لما كان هناك حاجة لاستدعاء روسيا للمنطقة وتوسع دورها، ومن المهم إدراك هذا الأمر للمفاوض السعودي، وهو يتحدث مع الروس، وأعتقد أن لديهم فهم جيد لهذا الأمر. فيمكن لروسيا أن تساهم في الحوار السعودي – الإيراني وتعزيز مساعي رئيس مجلس الوزراء العراقي؛ والباكستاني. وتشكل ضمانة لأي اتفاق بين الطرفين حال توصلا إليه. كذلك إيجاد حل لمعضلة حرب اليمن عبر علاقاتها مع طهران؛ وجماعة أنصار الله "الحوثيين" كذلك ستستفيد روسيا من الدور السعودي؛ والتنسيق معه في كبح جماح إيران وحلفائها في سورية. عندما يحين الآوان لحل سياسي نهائي ينهي هذا الأزمة، كما ستشكل عبر السعودية؛ وحلفائها عنصر ضغط على تركيا. لسحب قواتها مستقبلا من سورية؛ وفي المقابل ستضمن روسيا دورا فاعلا للسعودية في سورية الجديدة تقلص من خلالها خسائرها من هذا الصراع، وعبر بوابة إعادة الإعمار ستعيد العلاقة بين السعودية؛ والنظام السوري، وتضمن وجود عدة أطراف متنافسة على سورية. كلهم ذوي علاقة جيدة معها، وكلهم يقبلون بوساطتها، وكلهم يتصارعون على لعب دور في عملية إعمارها، وهو ما تريده روسيا لتحقق مكسب سياسي، وإعادة إعمار ما هدمته الحرب بعد نصرها العسكري وترسيخ دورها في سورية كحكم فصل بين الجميع. مما سيجعلها صاحبة الكلمة العليا. كما أن كلا البلدين تقريبا متفقون فيما يخص ملف العراق؛ وأفغانستان أما ما يخص الأزمة الخليجية. فهذه الزيارة، والاستثمارات المشتركة المرتقب الشروع في تفعيلها. ستؤدي لتنافس خليجي – خليجي على ضخ المزيد من الاستثمارات في روسيا وهو ما تسعى إليه.

المعادلة العسكرية:

وفق الاتفاقية المتوقع توقيعها بين الطرفين سيتوفر لروسيا موطأ قدم بمنطقة الخليج؛ وبتكلفة زهيدة مقارنة بالتكلفة الأمريكية؛ وضمانة إضافية للسعودية في ظل الضمانة الأمريكية. ومصلحة مشتركة لكلا الطرفين لضمان أمن إمدادات الطاقة، وعزله عن أي صراع جيوسياسي بين المتصارعين على ضفتي الخليج. أما ما يخص صفقات السلاح وتحديدا منظومة الدفاع الجوي (إس-400 تريومف). لا أعتقد من الناحية التقنية، ولا العسكرية وقبل ذلك السياسية أنها صفقة جادة. حيث أن أعداء السعودية المفترضين تسليحهم شرقي، وهذه المنظومة موجهة للتسليح الغربي في الأساس، والوضع التركي مختلف عن السعودي حيث عين تركيا على اليونان، ومشكلة قبرص معها وحاجتها لسلاح قادر على مواجهة السلاح الغربي، وهو نفس الدافع الذي دفع أثينا للحصول سابقا على منظومة الدفاع الجوي (إس – 300). بجانب المواجهة التركية المحتملة على مكامن الغاز في المتوسط. بينما الوضع السعودي مختلف، وروسيا عموما لديها مرونة، وبراغماتية كافية في الإعلان عن صفقة عسكرية ما تدرك جيدا أنها لن تنفذ، والغرض منها الحصول على بديل اقتصادي، والتسويق الدعائي لسلاحها، وإبراز تسابق حلفاء أمريكا؛ والغرب على طلبه مقابل تشكيله لورقة ضغط للسعودية التي تلكأت أمريكا في منحها منظومة الدفاع الجوي (ثاد). التي تم التوصل لإتفاق على توريد واشنطن لها في 29 سبتمبر/تشرين الثاني 2018. [11] إلا أن التعاون العسكري لها أوجه عديدة يمكن القيام بها بين الطرفين. خصوصا في ظل سعي ولي العهد السعودي لتوطين التكنولوجيا العسكرية بالسعودية، ومن الوارد التفاهم على تصنيع مشترك لبعض الصواريخ، والأسلحة الخفيفة، ومضادات الدروع. على غرار التعاون الروسي – الأردني. في إنتاج (آر بي جي-32). المسماة [12] "هاشم".

الخاتمة:

بعد استعراضنا السابق لمجمل العلاقات السعودية – الروسية والفرص التاريخية الضائعة فيها، والظروف الحالية الملتهبة بالمنطقة، والترتيب الهادئ لهذه الزيارة، وما عرضناه من أوجه للتعاون المشترك بين الطرفين. نعتقد أننا أمام صفقة رابحة للفريقين، وبدء نشوء علاقة جادة بينهما ستتعزز مع الوقت. تشكل تقدم جديد لروسيا بالمنطقة والعالم، وتأمين للسعودية وأمنها القومي دون المساس بجوهر العلاقة الاستراتيجية، وتحالفها الذي لم يعد فيه خيار، ولا مجال للتراجع مع أمريكا. كما أعيد التأكيد على ضرورة دراسة التجربة الروسية؛ وما ذلك إلا لأوجه الشبه معها في مجالات عدة وإمكانية الخروج من تقييمها لتجاربها بما هو مفيد على المستوى العربي. كما أن روسيا الأن بها أحزاب، وحركات سياسية، وفكرية، وثقافية نشطة للغاية، ولها دورها المؤثر على صناع القرار في الكرملين، وتوجيه دفة الرأي العام اعلاميا، ومن المفيد للعرب عدم إغفالهم.