الموقف الروسي من صفقة القرن!

02.02.2020

أسعى في هذا المقال. لتحليل الموقف الروسي من "صفقة القرن" وموقف الكرملين أيضاً من نتنياهو، وما يبدو أنه دعماً يصل حد التدليل له ولسياساته، وقبل التطرق لهذا الموضوع لابد لنا من مقدمة سنجملها في نقاط سريعة.

أولاً: لدى روسيا خبرة كبيرة في التعامل مع ملفات المنطقة عامة، وملف الصراع العربي – الإسرائيلي على وجه الخصوص، وقد انخرطت في هذا الصراع مبكراً. حيث كانت أول داعم لقيام الدولة الإسرائيلية، ولذلك أسباب عدة. أهمها تخيلات ساذجة في ذلك الوقت جرى تسويقها للقيادة السوفيتية. بأن اليهود في فلسطين غالبيتهم من الإمبراطورية الروسية، ويسعون لإقامة نموذج اشتراكي على غرار السوفيتي في الشرق الأوسط، ويستنسخون الكثير منه. على سبيل المثال التعاونيات الجماعية "كولخوزي" بالروسية يقابلها بالعبرية "كيبوتسيم" وأن هذه الدولة الجديدة ستحارب قوى الاستعمار القديم، وتغدو حليف وثيق الصلة بالسوفييت. على جانب أخر أراد ستالين أن يتخلص من مشروع قديم طُرح بعد قيام ثورة أكتوبر 1917م. بقيام وطن قومي يهودي في شبه جزيرة القرم، وهي منطقة شديدة الأهمية الجيوسياسية بالنسبة لروسيا. كما أنه لم يكن يفضل بقاء الصهاينة داخل الاتحاد السوفيتي، ويعتقد بأن تخلصه منهم أفضل. حيث كان شديد الريبة منهم. ساهمت كل هذه العوامل مع وجود ما يمكن تسميته بلوبي قوي داعم لإسرائيل داخل القيادة السوفيتية. فياتشيسلاف مولوتوف، وزوجته بولينا زيمشوزينا نموذجاً. أو متعاطفين مثل أندري غروميكو. على هذا الأساس جرى دعم إسرائيل، وتقديم السلاح لها عن طريق تشيكوسلوفاكيا. وبعد قيامها بعام تقريباً تيقنت القيادة السوفيتية من سذاجة تخيلاتها وأوهامها حول إمكانية تحولها لحليف، وتغير الموقف منها. لكن لا شك أن ستالين أيضاً قد ربح التخلص من عبء اليهود عامة، والحركة الصهيونية خاصة، ومطالبهم بالقرم، ورد لهم الجميل على ما قدموه من مساعدات أثناء الحرب العالمية الثانية، وكذلك معلومات بشأن البرنامج النووي الأمريكي عبر جواسيسهم الذين تعاونوا مع الاستخبارات السوفيتية - KGB.

ثانياً: انحاز السوفييت للموقف العربي في الصراع مع إسرائيل، وكان هذا الانحياز قائماً على تطبيق قرار التقسيم. ثم تطور للعودة لحدود الرابع من يونيو/حزيران 67. بعد الهزيمة. إلا أن المتتبع لتاريخ هذه العلاقة، والمطلع على وثائقها التي توفر الكثير منها. سيلاحظ غياب أي محددات واضحة لتحالف حقيقي بين الطرفين عكس ما كان يبدو ظاهراً، وأن العرب تعاملوا مع روسيا السوفيتية وفق منطق الضرورة، ولم يحملوا وداً لهذه العلاقة أو قناعة بها، ويكفي أن نتابع حجم الهجوم الكاسح من النخب المثقفة المصرية على جمال عبد الناصر، والطعن بشكل دائم حتى قبل هزيمة 67. في جدوى هذا التحالف، والكراهية الشديدة التي كانت تكنها العديد من القيادات العسكرية المصرية للخبراء السوفييت الفريق أول محمد صادق نموذجاً. أما الصادقون في هذا التحالف فكانوا إما ديماغوجيين. أو ثوريين طفوليين. كما ساد سوء الفهم طبيعة العلاقة بين الطرفين منذ اليوم الأول، ووصل الأمر لأخطاء كانت حتى في الترجمة بلقاءات كلا الجانبين، أو الفهم الغير مبني سوى على تمنيات. على الجانب الأخر كانت القيادة السوفيتية في ذلك الوقت تعاني من حماسة شعبوية أثناء عهد خروتشوف. أو جمود بيروقراطي، وتخلف تقني بعهد بريجنيف. وكلا الطرفين تحالفهم كان شديد البدائية والسطحية، ولا يتسم بأي شكل من أشكال الاحترافية، وهو عكس طبيعة التعامل الأمريكي مع حلفائها، وعلى الرغم من ذلك فلا يمكن أن تدعي مصر، ولا بلدان العالم العربي التي كانت حليفة للسوفييت. بأن هناك أي طرف أجنبي قدم لهم الدعم والمساندة، وصنع جيوشهم وبنيتهم التحتية، وقدراتهم الصناعية سوى روسيا.

ثالثاً: تعرضت روسيا السوفيتية لأكبر هزيمة جيوسياسية في تاريخها على يد العرب، وذلك عندما حاربوا إسرائيل بسلاحها وانتصروا عليها. ثم ذهبوا للتفاوض دون استشارتها، أو حتى قبول وجودها كطرف في المفاوضات، وهي التي قدمت لهم الدعم السياسي، والدبلوماسي، والعسكري، وقطعت علاقاتها مع إسرائيل بعد حرب 67. وبلعت كما يقال بالعامية الروسية "مخاطها" ولم تتخذ موقفاً إزاء الإهانة التي قام بها السادات. بعد طرده الخبراء الروس من مصر عام 1972م. وهو مالم تجرأ أي بلد على فعله، وما كان ليجرأ صانع القرار المصري على القيام به لو كانت أمريكا محل روسيا. ولذلك لابد من وضع كل هذه الأمور، وهذا الأمر تحديداً في اعتبارنا، ونحن نقيم الموقف الروسي. الذي أجرى مراجعة شاملة، وبشكل هادئ لكل سياساته، واستراتيجياته بالعهد السوفيتي، وقدم سياسييه، وأكاديمييه خلاصات محددة للكرملين عنها، عبرها أعاد تقييم مجمل سياساته بالمنطقة مع مراعاة المتغيرات التي طرأت عليها.

رابعاً: على الرغم من أن روسيا السوفيتية، وتحديداً منذ عهد ستالين. تحولت سياساتها باتجاه مصالحها الجيوسياسية، وتقديمها على الأفكار الأيديولوجية. حيث كانت الأخيرة مجرد شعار، وعامل حشد جماهيري، وخلق موالين لها حول العالم. إلا أنها بالمقابل لم تتحلل تماماً منها. أما روسيا الاتحادية حالياً تنطلق من منطلقات مصالحها القومية في المقام الأول، وهو الأمر المنطقي لكل بلدان العالم، والعظمى على وجه الخصوص، وحال فهمها العرب سيدركون أن هناك تقاطع مصالح عديدة وكبيرة بين كلا الطرفين.

بعد شرحنا للعناصر السابقة. يمكن أن ننطلق منها لفهم الموقف الروسي، ومفاده بكل بساطة. أن لديها الأن أولوية تعلو فوق جميع الأولويات، وهي تحويل نصرها العسكري، والجيوسياسي في سورية. إلى نصر سياسي كامل عبر إنهاء الحرب، وخروج جميع القوات المسلحة الأجنبية من أراضيها، وبدء مسار سياسي جديد يمهد لإعادة إعمارها، وبحكم الأمر الواقع، والجوار الجغرافي يمكن أن تشكل إسرائيل عامل تعطيل لهذه الجهود، ولذلك فهي لا ترغب في خلق أي مشكلة معها، وتتساهل مع بعض استفزازاتها حتى لا تضيع جهودها سدى أو تتعقد في اللحظات الأخيرة من الحل النهائي.

يبلغ عدد الإسرائيليين من أصل روسي أكثر من 2 مليون حسب الوكالة اليهودية "سخنوت" وحوالي 20% من مواطني إسرائيل يتحدثون الروسية كلغة أولى، ونسبة اليهود الفعليين منهم لا تتعدى ربما النصف مليون، والبقية "مدعين" علاقة ما تجمعهم باليهودية عن طريق الأم، أو أحد الأجداد، ونسبة كبيرة منهم أرثوذكس، ويمارسون طقوسهم الدينية الأرثوذكسية، والبعض الأخر لا دينيين. بل وبعضهم مسلمين! ودافع هؤلاء للهجرة كانت الظروف الصعبة التي عانت منها دول الاتحاد السوفيتي السابق بعد سقوطه، وقبل ذلك سياسة البيريسترويكا، والبحث عن حياة أفضل، بالمقابل أرادت إسرائيل استغلال وجود عناصر سلافية أوروبية توازن بهم التزايد الكبير لليهود الشرقيين، وتراجع عدد الأشكيناز، واستغلال مهارتهم العلمية في خدمة مسار التطور التقني الإسرائيلي. حيث أنهم أضافوا في عام واحد لإسرائيل ما كان يمكن لها أن تصنعه بمجهوداتها الذاتية في 30 عام. كما صرح بذلك وزير الاتصالات الإسرائيلي الأسبق. هؤلاء الروس يعيشون على الطريقة الروسية، ويتحدثون الروسية، ويشكلوا البديل الجديد لقيادة إسرائيل بالمستقبل القريب بعد تراجع النخبة الأشكينازية، وجميعهم يحمل جوازات سفر روسية، ومرتبطين حتى الأن بها ولبعضهم أملاك فيها، وتعتقد روسيا أنهم كما مثلوا لإسرائيل رصيد يوماً ما. سيكونون عبئاً عليها، وذلك عبر ارتباطهم بروسيا، واحتقارهم للثقافة الإسرائيلية. حيث يرونها ثقافة هشة بلا حضارة أو مضمون، أو فنون حقيقية. وعبرهم سيكون لها أكبر حزب سياسي واجتماعي داخل إسرائيل موالي لها في ظل التنافر القومي بين الإسرائيليين أنفسهم، وسيؤدي هذا التنافر لاستعانتهم بروسيا وتدعيم دورها، ولذلك لا تريد أن تبدو أنها منحازة ضد إسرائيل، وفي نفس الوقت لا تكرر نفس الخطأ الذي وقعت فيه سابقاً بأخذ جانب واحد من الصراع، وهو ما أدى لخروجها من إطار التسوية، وهو نفس الخطأ الذي ترتكبه أمريكا الأن.

تعتقد روسيا أن وجود علاقات مميزة تربطها بإسرائيل، وكذلك بسورية، وإيران، وباقي العرب. مع الانحياز الأمريكي الفج لصالح إسرائيل. سيؤدي لفشل أي مشروع تسوية، ووصول الصراع لطريق مسدود يستدعي وجود طرف مقبول من الجميع لحلحلته، وعندها ستكون ذلك الطرف المقبول والمتوافق عليه من كل أطراف الصراع المختلفة.

منطقة شرق المتوسط الغنية بالغاز الطبيعي، والقريبة من أوروبا، والتي تتطلع للاستفادة من ثرواتها بخلق توازن مع واردات الغاز القادمة من روسيا، وأمن الطاقة أحد أهم عناصر الأمن القومي الروسي، وبالتالي وجودها بالمنطقة، وعلى علاقة توافقية مع إسرائيل. يمكنها من أن تكون أحد أطراف هذه الصفقات، ولشركاتها دور فيها كما هو الحال في مصر الأن، وسورية ولبنان مستقبلاً عندما تبدأ عملية الإنتاج، وبالتالي ترى إسرائيل أن من صالحها حصول روسيا على حصة من "آبارها" لتضمن عبرها تأمينها من أي هجمات قد تحدث عبر حزب الله أو حلفاء إيران، وعليه يكون الغاز الواصل لأوروبا بكل الأحوال لروسيا قدرة على التحكم فيه.

موقف روسيا مما تسمى "صفقة القرن" سبق طرحها، وذلك عبر تأكيدها على رفض أي حل لا يتضمن الاتفاقيات السابقة، وقرارات الشرعية الدولية، وتريثها في إعلان ذلك أعتقد أنه يهدف لمنع إحراج ترامب. حيث من مصلحتها حصوله على ولاية ثانية. لأنها ترى في وجوده بالسلطة تراجع لليبرالية الغربية سياسياً، والعولمة اقتصادياً، ويؤدي لتفكك أوروبا واقترابها منها، وكذلك يحافظ على سياسة الصين الودية تجاهها. بينما الصفقة كما تراها غير قابلة للتطبيق الفعلي، ويمكن أن تعلن موقفها بعد الرفض الفلسطيني ثم العربي. بأنها تؤيد المفاوضات وفق قرارات الشرعية الدولية، ولا تبدو أنها أحرجت ترامب. أو كانت سبباً في رفض الفلسطينيين للصفقة، ولذلك استخدمت الدبلوماسية المباشر للتأكيد على هذا الرفض دون إعلانه رسمياً. عبر اتصال المبعوث الخاص للرئيس الروسي ميخائيل بوغدانوف. بالقيادي الفلسطيني صائب عريقات.

حتى الأن يبدو نتنياهو هو الطرف السياسي الأقوى في إسرائيل. وتتعامل معه روسيا وفق هذا المنطق، وعلى أساس الواقعية السياسية، وتقدم له الدعم الكامل لتسهيل التفاهم معه حول سورية، وكذلك الحصول على مزيد من ثقة الشارع الإسرائيلي في سياساتها، واستغلال علاقات نتنياهو القوية بالرئيس ترامب، والشخصيات المؤثرة في واشنطن حال بقي في السلطة يمكن أن تستخدم هذا الرصيد في إطار الحل السوري، وحال رحل ستتعامل مع من يأتي من بعده، والذي سيدرك قيمة الدور الروسي، ولا يمكنه استثناءه بعدما ترسخ أثناء فترة نتنياهو.

لا يمكن أن نغفل بعد كل ما سبق دور الأوليغارشية الروسية المرتبطة بالكرملين. صحيح تم القضاء على الأوليغارشية في روسيا بعد تولي بوتين، ولكن واقعياً ما تم القضاء عليهم هم الموالين للغرب. بمعنى لا مشكلة في أن تكون أوليغارشي، وفاسد، ولص. طالما أنك موالي لروسيا، ومؤيد لسياسات الكرملين، وتقدم الدعم بالداخل والخارج لأطراف مفيدة له، ولا يريد أن يظهر بالصورة. أو ببعض مناطق النزاعات مثل شرق أوكرانيا، وليبيا، وغيرها.وهذه الأوليغارشية مرتبطة بمصالح مالية مع نخب يهودية صهيونية، وعبرها تم تبييض جزء من أموالهم بالمصارف الغربية، وهؤلاء يشكلوا ولا شك عنصر ضغط قوي. بجانب بعض الليبراليين غربي الهوى، والمواليين للكرملين. الذين يبالغون من قيمة ودور اللوبي الصهيوني في الغرب، وإمكانية استفادة موسكو منه في خلق تفاهمات معه، وهو ما أثبتت التجربة أنه مجرد وهم كبير.

أخيراً لماذا تتخذ روسيا مواقف راديكالية من إسرائيل وسياساتها، ولا تقدم الدعم لنتنياهو، والنظم العربية تتبارى في تقديم الهدايا المجانية له ولإسرائيل، وتطلب وده وتتعامل معه سراً وعلانية، والشارع العربي ميت متعفن لا يجرأ على الحركة ولو في مظاهرة واحدة ضد قرارات الإدارة الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية. نعم لروسيا مصالح مع العرب أكبر بكثير جدا منها مع إسرائيل، والعرب هم حلفائها الحقيقيين، والقضية الفلسطينية وعدم هيمنة الصهيونية عليها مصلحة جيوسياسية، واستراتيجية، ودينية أرثوذكسية لروسيا، ولكن على العرب أولاً أن يعرفوا من يكونوا حتى يعرفوا ماذا يريدوا، وساعتها ستكون معهم روسيا، والصين، وأوروبا، وآسيا، وأفريقيا، وأصوات لا يستهان بها داخل أمريكا، ووسط اليهود أنفسهم.