العلاقات الروسية-التركية في سياق العثمانية الجديدة

12.12.2020
دراسة بحثية حول مستقبل العلاقات الروسية-التركية. صادرة من (معهد الاستراتيجيات الروسية - Институт Русских стратегий). تم نشرها في يوم: الثلاثين من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. ترجمة: أحمد دهشان.

تقييم الوضع

روسيا وتركيا خصمان تاريخيان أبديان، ودائمًا في حالة منافسة شرسة للسيطرة على الفضاء السياسي المجاور لهما. يتفاقم هذا التنافس بسبب حقيقة أن الدولتين متجاورتين، ويقاتلا من أجل نفس المورد، ويطبقا نفس المعايير والاستراتيجيات في هذا الصراع. تفككت الإمبراطوريتان الروسية والعثمانية في وقتٍ واحد تقريبًا تحت تأثير الإمبراطورية البريطانية، وتشهدان ردود الفعل نفسها للانتقام التاريخي مما حدث لهما.

هناك منطقة مشتركة من تطابق معايير التقييم والمقاربات والأهداف والغايات الجيوسياسية بين البلدين. صاغ السياسي التركي المعروف أحمد داود أوغلو، في كتابه الشهير «العمق الاستراتيجي» استراتيجية استعادة مناطق المصالح التركية في العالم بعبارات مقاربة للاستراتيجيات الروسية. ورد في كتاب أحمد داوود أوغلو، مصطلحات سلبية عن النظام العالمي، وثقافة العولمة. تتفق فيها روسيا مع تركيا في تقييمها للوضع الدولي الراهن، منها: (السياسة الخارجية أحادية المحور المؤيدة للغرب، والاغتراب الجغرافي الثقافي الذي فرضته العولمة في مناطق النفوذ التقليدية، والدور المحيطي للدولة، ونظام القيم الأجنبي المفروض في شكل نهج لا بديل عنه والقائم على تبني ثقافة الغرب دون الأخذ في الاعتبار خصوصيات الثقافة الوطنية).

يمكن القول إن الجوانب المشتركة الإيجابية للمذهب السياسي الحالي التركي-الروسي، تظهر في المفاهيم التالية: (الاعتماد على التراث التاريخي والثقافي في السياسة الخارجية، والنهج الأكثر استقلالية في العلاقة مع الغرب، والمناورات التكتيكية المرنة، والتخطيط الاستراتيجي، واستخدام الفرص الفريدة، والقضاء على النزاعات مع الجيران، والعودة لدوائر النفوذ التاريخية وتوسيعها).

مساحات الاختلاف في الآراء، تكمن حول استراتيجية استعادة الدور التاريخي: تعتبر تركيا أن السياسة الخالية من المخاطر أمر سلبي ولا طائل من وراءه. لذلك تميل إلى المخاطرة والاعتماد في الكثير من الأحيان على القوة لتحقيق طموحاتها. بينما تعتبر روسيا المخاطرة أمر غير مرغوب فيه يؤدي لإضعاف موقفها، وتسعى لتجنب الوقوع في هذا الفخ بكل قوتها، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى مبادرتها بالدعوة إلى الحوار والصبر على خصومها كوسيلة لخلق توافق معهم ما وسعها ذلك – أمر آخر مختلف بين البلدين: تعتقد تركيا، أن سياساتها النشطة في محيطها، وتدخلها في كل شاردة وواردة. أمراً إيجابيًا تحت زعم أنها "خطوات استباقية" ضرورية ووسيلة لمنع الصراعات. في الواقع خلقت هذه السياسة المزيد من الصراعات، وهو ما نشاهده الآن في المنطقة. بينما تطبق روسيا سياسة رد الفعل، ولا تسعى لاستخدام تدابير استباقية إلا في حالات ضيقة ومحدودة تفرضها ظروف استثنائية.

على الرغم من تشابه عناصر استراتيجية "الانتقام التاريخي" بين البلدين. إلا أن تركيا وروسيا تدعيان أن لهما تأثير وإرث تاريخي في عدة مناطق مشتركة، مما يحولهما في الواقع إلى خصوم استراتيجيين، بعيداً عن بعض التفاهمات هنا وهناك أو تقاطع مصالح تفرضه الظروف وبشكل مؤقت. أما فيما يخض ما قد يعتقده البعض من "تحالف" بينهما. فما هو إلا أنهما تريدان الشيء نفسه لأنفسهما في نفس المناطق وبالتالي فإن لديهم خصومًا مشتركين، لذا ظاهريًا قد يحدث بينهما تفاهم ذات طبيعة تكتيكية مؤقتة لإزاحتهم ليتم حصر الصراع فيما بينهما وهو ما يعني استبعاد عقد شراكة استراتيجية روسية-تركية من حيث المبدأ.

تستخدم تركيا وروسيا نفس النداءات حول الماضي التاريخي المشترك للأمة وأهميته الروحية والثقافية في تعزيز وتعبئة الجماهير نحو إحياء الإمبراطورية. ببساطة كلا الطرفين يستخدم عقيدة أيديولوجية لتحقيق أهدافه الجيوسياسية لكنها تعتمد على الإغراء بالفرص في روسيا، والقوة اللينة في تركيا. في المقابل هناك إيران، المعتمدة على القوة الخشنة، والأيديولوجية الصلبة.

مرت كلاً من تركيا وروسيا بعملية التحديث في القرن العشرين، والتي تضمنت التغريب في محتواها: أي تحرير العلاقات الاجتماعية وعلمنتها. مع تراجع زخم التحرير واستنزاف طاقاته وأغراضه، خلقت الديناميكيات الاجتماعية مجالاً لعودة القوى التقليدية المناهضة للعولمة. يمثل الإسلام العاطفة الأقوى في تركيا للقوى التقليدية؛ بينما في روسيا ورغم ضعف العلمانية، لكن العاطفة الدينية جزء من كل وليست هي المحرك الرئيسي للقوى التقليدية الروسية.

شاركت أيضًا تركيا وروسيا، بدرجاتٍ متفاوتة وفي أوقاتٍ مختلفة، في حركات مُناهضة للاستعمار والانخراط في نزاعات وطنية مع بلدان أخرى، وبهدف واحد. ألا وهو توسيع منطقة التأثير الاستراتيجي والاستيلاء على الجسور للحد من توسع المنافسين على حسابهم. على سبيل المثال شهدت مرحلة تأسيس الاتحاد السوفياتي وتركيا الكمالية فترة محدودة من التفاهم، وتقسيم مناطق النفوذ بينهما. بينما أطلق انهيار الاتحاد السوفيتي وفقدان روسيا لذاتيتها. طموحات تركيا؛ التي رأت في تراجع روسيا، فرصة فريدة لإعادة تقسيم مناطق النفوذ وضرورة استغلال هذا الوضع رغم مخاطر دخولها في صدام، وبالتالي أصبح حوض البحر الأسود ومنطقة البحر الأبيض ​​منطقة صراع مصالح ما بين روسيا وتركيا. بالإضافة إلى ذلك، وضعت تركيا في استراتيجيتها وجود (70) دولة ومنطقة حول العالم تعيش فيها شعوب ناطقة بالتركية، واعتبارها مجالات للتوسع على أساس إثني-لغوي وثقافي، وضرورة تحولها لمنطقة مصالح تركية خالصة، أو ما تم تسميتها منطقة "العمق الاستراتيجي" التركي. تشمل هذه المناطق أراضي داخل (روسيا، والصين، وجورجيا، وأرمينيا وأذربيجان، وشمال إفريقيا، وجنوب ووسط وشرق آسيا، والشرق الأوسط). وفق الاستراتيجية التركية يعيش في هذه المناطق إما شعوب تركية؛ أو كانت في يوم من الأيام جزءًا من الإمبراطورية العثمانية؛ أو تعاني من فراغ يمكن استغلاله لصالحها؛ أو مناطق تهديد لمشروعها "العثماني الجديد" لابد من تحييدها أو حتى قمعها بالقوة إن أقتضى الأمر. لتحقيق هذه الأغراض، لجأت الاستراتيجية التركية، إلى استخدام ما تسميه "الإسلام المعتدل" في النسخة السنية أي: (التدين الجديد كظاهرة واتجاه سياسي) وقامت بربطه مع القومية التركية والعثمانية الجديدة ليشكل مضمون أيديولوجية السياسة الخارجية لتركيا، التي تسعى لإخفاء طموحاتها القومية بالتوسع السياسي تحت غطاء التفاعل الثقافي-التاريخي والتعاون الاقتصادي.

تحاول روسيا استخدام وسائل مماثلة لاستعادة النفوذ المفقود في فضاءها ما بعد الاتحاد السوفيتي، لكن ضعفها يكمن في عدم وجود أيديولوجية متماسكة ومتسقة للتوسع، وهو ما لا يسمح لها بخلق وحدة داخلية تؤدي على أساسها لخلق اختراقات بالسياسة الخارجية مثل نظيرتها التركية. على سبيل المثال مشروع دولة الاتحاد بين روسيا الاتحادية وبيلاروس، قائم على أفكار التعاون الاقتصادي دون أي إشارة للهوية الثقافية والروحية ما بين الروس والبيلاروسيين بأي شكلٍ من الأشكال. للسبب نفسه، خسرت روسيا معركة التوحيد مع أوكرانيا. كما لا تعتبر روسيا الشتات الروسي في آسيا الوسطى مصدرًا واعدًا للتأثير، وحتى حديثها عن القواسم المشتركة التاريخية للمصير مع شعوب القوقاز يظل حديثًا خجولاً دون تفعيل.

هذه الفراغات في الاستراتيجية الروسية، تم الإقرار بها رسميًا على أنها عيوب للسياسة الخارجية ينبغي الاعتراف بها والتعامل معها لحلها، وتعزيز الاتجاه السياسي الداخلي نحو السيادة، وهو ما يستدعي تحديد واضح للهوية الثقافية والروحية والتاريخية والعرقية اللغوية كما أن تغيير البيئة المحيطة بروسيا، يستلزم تغييرات في روسيا نفسها وهو ما يعني ضرورة التسريع في مقاربات السياسة الخارجية للنضال من أجل النفوذ في المجال ما بعد السوفيتي.

بناءً على ما سبق فإن العلاقات الروسية-التركية، كان لها بداية متزامنة مع مستقبلها: (وقت بداية مشترك نحو الإحياء الإمبراطوري – تحديد كل طرف لمناطق نفوذه – تقاسم النفوذ المؤقت والتفاهم التكتيكي بين الطرفين في المجالات المشتركة – مرحلة التنافس الحتمية وفقدان التوازن الحالي الذي يُوشك أن ينهار في ظل احتدام المواجهة العالمية – تجنب قيام حرب شاملة بين الطرفين لأن المستفيد منها سيكون الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنافسين الجيوسياسيين الآخرين). هكذا تقوم روسيا وتركيا ببناء نماذجهما الأيديولوجية وستواصلان هذه العملية في ظل تحول مجتمعي ونخبوي وأيديولوجي نحو الاتجاه التقليدي، والخروج من سيناريو التحديث الليبرالي. لذا النماذج الجديدة تحمل حتمًا الحاجة إلى المواجهة الداخلية والخارجية، وبالتالي فإن القدرة على العمل في ظل صراع وأزمة دائمة ستصبح سمة مميزة لنخب كلا البلدين.

صياغة المشكلة

تصطدم روسيا وتركيا بعدة حقائق حول عملية استعادة إمبراطورتيهما. ذلك لأنه يستحيل إعادة إحياء دولة الماضي كذلك لن يعود العالم القديم كما كان عليه من ذي قبل. لذا يقوما بعملية تشكيل البيئة الخارجية حول كلا البلدين في شكل أنظمة فرعية إقليمية. في ظل تحول نظام العلاقات الدولية برمته من حالة الاستقرار، إلى ما يمكن وصفه حالة صراع الكل ضد الكل. علاوة على ذلك، في كل بلد، بما في ذلك روسيا وتركيا، هناك انقسام داخلي ضعيف حول هذا الأمر، وعليه سيجري النضال من أجل إعادة بناء الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية في عالم تنتشر فيه الأسلحة النووية، ويتزايد فيه عدد الصراعات، وتتفكك تقنيات حل النزاعات، مع تحول آخر للنظام المالي العالمي القائم على الدولار الأمريكي.

شكل عدم الاستقرار الداخلي لبعض البلدان المجاورة لكلا البلدين. أهمية متزايدة لتقنيات تصدير الثورة إلى البلدان ذات الأنظمة السياسية غير المستقرة، وهو ما أدى لنوع جديد من الحروب الجيوسياسية الهجينة، حيث يسود فيها استخدام وسائل الدعاية الاقتصادية والمعلوماتية.

استراتيجيات روسيا وتركيا لها أهداف مختلفة: تسعى روسيا إلى ترسيخ وضعها في مكانة القوة العالمية. بينما تسعى تركيا لبناء قوة إقليمية وتخطط للدخول في مستوى أعلى للنفوذ العالمي بعد ذلك. مع ذلك يجب على روسيا في الوقت نفسه تعزيز مكانتها الإقليمية وما فوق الإقليمية الرائدة. تعمل كلتا القوتين الآن بسرعة على بناء أنظمة تحالفاتهما الإقليمية، وتطالبان بنفس الأراضي التي نشبت بينهما بسببها حروب في الماضي.

في الوقت نفسه، لروسيا وتركيا نفس الأعداء، وهؤلاء الأعداء متوافقين على ضرورة إضعاف كلا البلدين وتقسيم أراضيهم أو الانتقاص من سيادتهما الداخلية وإضعاف نفوذهما الخارجي، وذلك بالاعتماد على بعض الصراعات أو التناقضات الداخلية. يُدرك كلا الخصمين هذه الحقيقية مما أدى لعدم تطور تنافسهما لصراع سيشكل خطورة على وحدتهما الداخلية، وهو ما أجبرهما على إيجاد آلية للتفاهم وتنفيذ مشاريع مشتركة لضمان عدم انزلاق التنافس لصراع عسكري.

يوجد لروسيا وتركيا وجهات نظر مختلفة حول حل النزاعات مع الدول المحاورة. في روسيا، يوجد مفهوم حسن الجوار أو التعاون الإقليمي، لكن لا وجود لاسم محدد لهذا المفهوم. في تركيا يُطلق على هذه العملية مسمى "صفر مشاكل مع الجيران". مع ذلك تبين أن مفهوم "صفر مشاكل" بالنسبة لتركيا هو: اختراق لكامل الدول التي تستهدفها وخضوعها ونخبتها بالكامل لأهدافها السياسية، وعندها فقط ستصبح العلاقة معها "صفر مشاكل" كونها تحولت لبلد تابع بالمطلق لتركيا، ونخبتها مجرد رعايا مميزين للإمبراطورية التركية يتبعون سياساتها وقيمها، وحال ظهر من هذه النخب تمرد يمكن لتركيا نتيجة سيطرتها، استخدام مزيج من القوى الناعمة والصلبة والذكية لتصحيح مسارها.

بدأ المشروع "العثماني الجديد" في تحقيق أهدافه وفق استراتيجية طويلة الأمد. بدأت بزيارات وزير الخارجية التركي إلى عواصم الدول المجاورة التي تكررت عشر مرات، وتسوية العلاقات مع سوريا بشكلٍ عاجل وصولاً لفتح الحدود فيما بينهما، والمصالحة مع أرمينيا وتكثيف عملية التفاوض مع إيران. في الوقت نفسه أقامت تركيا علاقات مع حركة حماس الفلسطينية، وحزب الله اللبناني، وانفتحت في علاقاتها الدبلوماسية مع الدول العربية، وحاولت أن تصبح وسيطًا بين أفغانستان وباكستان، وأنشأت قوس مصالح من منطقة القوقاز وآسيا الوسطى إلى البلقان.

في عام 2010، افتتحت تركيا، 20 سفارة جديدة، بما في ذلك ببلدان الاتحاد السوفيتي السابق. بجانب التحضير لحوار رفيع المستوى مع أرمينيا، حيث تم افتتاح أول كلية لدراسة اللغة الأرمنية وآدابها في مقاطعة قيصري التركية. كذلك بدأت قنوات التلفزيون الحكومية تبث فقرات يومية باللغة الأرمينية وصولاً لعقد مباريات رياضية مشتركة بين تركيا وأرمينيا وزيارات لرئيسي البلدين.

بعد العام 2011. تم التخلي عن هذه السياسة. تدعم تركيا الآن بشكل مباشر أذربيجان ضد أرمينيا في صراع ناغورني كاراباخ، ولها هدف واضح ومحدد وهو إنشاء قواعد عسكرية في أذربيجان لإبراز قوتها من منطقة القوقاز أمام إيران وروسيا، ولفرد عضلاتها تجاه منافسيها في البحر المتوسط.

تراهن تركيا، على أن دورها في القوقاز سيلقى دعمًا أمريكيًا. في سياق التهديد بظهور محور بكين-طهران بعد بدء الحديث عن اتفاقية بين البلدين مدتها (25) عامًا، وهو ما يعني تواجد صيني في منطقة الخليج، وملاحقة إيرانية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وصولاً لطردها منه، وعليه فإن المشروع العثماني الجديد مفيد للولايات المتحدة كوسيلة للضغط على روسيا والصين.

في المقابل لا تبحث روسيا عن مثل هذه الأشكال من الهيمنة سواء في عهديها الإمبراطوري أو في الاتحاد السوفيتي، ولا حتى في ظل الوضع الحالي. بكل تأكيد الطبقة الحاكمة في روسيا، تسعى لتحقيق أهداف إمبريالية لا شك أو جدل في ذلك. لكنها لا تستطيع أن تعتمد على الدين أو القومية، كما تفعل تركيا. لأن مثل هذا النهج ذا نتائج عكسية على وحدة روسيا الداخلية نفسها. بسبب تنوع المجموعات العرقية الروسية، وطبيعة النموذج الإمبراطوري الروسي الذي اعتمد على وحدة منطقة جغرافية بقيادتها في ظل مجموعة متنوعة من القوميات والأديان تشارك جميعها في بناء وحكم الإمبراطورية. تاريخيًا الإمبراطورية الروسية، كانت على عكس الإمبراطورية العثمانية. لم تسعى للاستيعاب القسري للأقليات القومية وخضوعها للنخبة الحاكمة أو القومية المؤسسة للإمبراطورية. حتى بالعهد السوفيتي، كانت محاولة دمج الشعوب قائمة على فكرة ما فوق قومية ودينية ووطنية. الآن تتبنى الاستراتيجية الروسية، العقيدة الإمبراطورية القائمة على حرية كل الأعرق والأديان في ظل هوية جغرافية مشتركة، ولذلك تسعى لتجنب النزاعات العرقية والدينية وعدم الانحياز لأي مكون على حساب الآخر من أجل إشراك الأقليات القومية في عملية بناء إمبراطورية مشتركة. تجلت هذه السياسة في الموقف الروسي من النزاع بين أرمينيا وأذربيجان وتغليبها للغة الحوار وصولاً لعقد سلام بوساطتها. بينما النموذج التركي، يشكل مزيجًا من الدعاية الدينية والقومية والتكتيكات العنيفة.

في سياق الاستراتيجية الكبرى، تقع تركيا تحت تأثير عامل الناتو، وتسعى جاهدة للحفاظ على مكانتها في التسلسل الهرمي العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة، لكن دون تقيدها بشروطه. في السياق المحلي، تسعى تركيا جاهدة من أجل استقلال واضح، مدركة أن جميع حلفاءها المفترضين في الناتو، منافسون لها ويسعون لاحتوائها. نتيجة لكل ذلك، نحن أمام صراع للمصالح التركية على مستويين: قومي في الداخل، ومؤيد بالخارج لأمريكا على المستوى العالمي. يخلق هذا النموذج وضعًا غير مستقر ومتناقض في الداخل والخارج، ويخلق مشاكل لها مع روسيا والاتحاد الأوروبي بل وحتى أمريكا.

على المستوى الإقليمي، تنفيذ تركيا لأهداف التكامل القومي التركي، يهدد سلامة روسيا ويتعارض مع أهدافها في القوقاز وآسيا الوسطى أما في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تصطدم تركيا مع فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة وروسيا. تتطابق مصالح روسيا وتركيا فقط في مسألة معارضة تغلغل الولايات المتحدة في البحر الأسود وبحر قزوين. كان هذا هو سبب الاتفاق بين روسيا وتركيا حول شبه جزيرة القرم، حيث كان بديل الوجود الروسي؛ الأسطول الأمريكي، الغير مرغوب فيه تركيًا أكثر من الوجود الروسي. لذا يمكن فهم سبب الموقف اللامبالي للرئيس بوتين، تجاه التصريحات العلنية الدورية لأردوغان، بشأن عدم اعترافه بشبه جزيرة القرم على أنها روسية. تريد تركيا مراجعة مجالات النفوذ مع روسيا نفسها، دون مشاركة الولايات المتحدة التي تحصل وفق وجهة النظر التركية على كل شيء، وتترك تركيا بلا أي شيء. تركيا وروسيا على البحر الأسود كلاهما منافسان وشريكان. في البحر الأبيض المتوسط ​، مصالح روسيا أكثر تعقيدًا لأن تركيا هي بوابة هذه المنطقة ولدى روسيا موارد جيوسياسية أقل من الاتحاد السوفيتي. في إطار المشروع "العثماني الجديد" ستستمر تركيا في الضغط على روسيا لإيجاد عقبات أمام تصدير الهيدروكربونات إلى منطقة البحر المتوسط​، ومع ذلك فإنها لن تعمل لصالح الولايات المتحدة، بل ستسعى لاستغلال مخاوف الولايات المتحدة، لتحصل على مكاسب لصالحها.

الاستنتاجات

سوف تتراوح العلاقات بين روسيا وتركيا، ما بين حالة الاستقرار الديناميكي والمنافسة المتزايدة، وصراع متنامي مستمر بالفضاء الجيوسياسي. في نفس الوقت، ستسعى تركيا جاهدة من أجل الاستفادة من مخاوف الغرب تجاه روسيا، وستحافظ على الاتجاه الإسلامي وتعززه، ولكنها لن تعلن صراحة انسحابها من السعي نحو التكامل الأوروبي. بكل بساطة ترى تركيا، أن تستغل مخاوف وتناقضت الكل ضد الكل، وتنتظر اللحظة المناسبة التي يضعف فيها أي طرف لتحقيق مكاسب ذاتية على حسابه، وهذه الذاتية تحديداً هي السبب الحقيقي وراء رفض الاتحاد الأوروبي لها.

من الواضح أن روسيا متأخرة في إنشاء واستخدام أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها تركيا في الصراع على الهيمنة.

روسيا بحاجة لدراسة النموذج التركي، ونقطة قوته تكمن في قدرته على صياغة نظام للقيم يجمع ما بين شعارات الديمقراطية وقيم الإسلام كأداة للتوسع، وبهذا النموذج تمكنت من التأثير على الدول المجاورة واجتذاب شعوبها ومحاولة تحويلها في الاتجاه الذي يخدمها. الآن تركيا، باتت زعيمة الإسلام السني واللاعب الإسلامي العالمي الرئيسي، وهي قوة لا يستهان بها وقادرة على التأثير في الداخل الروسي ومحيطها.

نقطة ضعف تركيا هو أنها تتعارض ثقافيًا مع الادعاءات العربية باحتكار تمثيل العالم السني، وشرعية القيادة الدينية التي ينبغي أن تكون عربية، وكذلك تتعارض مع المشروع الإسلامي الفارسي برعاية إيران. أما على المسار الأوروبي يتصاعد صراعها مع اليونان وفرنسا وألمانيا، وعلى المسار الأوراسي يتوقع أن تشهد العلاقات تأزمًا مع روسيا وصراع، وعلى المسار الآسيوي. ينتظرها أزمات مع الصين بشأن مطالباتها في آسيا الوسطى وأفغانستان وباكستان وصولاً لداخل الصين نفسها. على مسار الشرق الأوسط، هناك صدام مع سوريا والولايات المتحدة بشأن المشروع الكردي، بجانب صراعات مع بلدان عربية أخرى.

تقاطعت مصالح تركيا مع إسرائيل، في دعم أذربيجان، وذلك لرغبتهما المشتركة في إخراج روسيا من القوقاز؛ لكن في المقابل هناك صراع بينهما حول السياسة التركية في الشرق الأوسط. كما بدأ يتصاعد النفور الإيراني من تركيا، بسبب التهديد الذي يشكله وجودها في أذربيجان، وتنمية النزعة القومية التركية لمواطني شمال غرب إيران ذوي الأصول الأذرية، مما قد يدفع إيران لتقديم دعم أكبر لأرمينيا.

تركيا مهددة بتراجع مكانتها الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، مما يجعل أوروبا تعتمد على إمدادات الهيدروكربون من روسيا. ضعف أوروبا يضرب الاقتصاد التركي، وذلك لكون الصادرات لأوروبا تمثل العمود الفقري للازدهار الاقتصادي التركي. إن عزلة تركيا عن الاتحاد الأوروبي آخذة في الازدياد، ولا يوجد حل واضح بالمستقبل للصراع بينهما.

تقويض الاقتصاد التركي لا يضع حدًا لطموحاتها العثمانية الجديدة فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى تفكك وحدة الأراضي التركية، بعد كل هذه المغامرات الخارجية. في هذه الحالة يجب الاستعداد لبعض السيناريوهات التي يمكن أن تحدث مثل: انهيار الناتو، وتقسيم أراضي تركيا بين جيرانها، والعزلة الاقتصادية لما سيتبقى من الأراضي التركية.

يمكن للولايات المتحدة أيضًا أن تدعم تفكيك تركيا، حال ظلت مصره على سياساتها. لأن الإمبراطورية العثمانية الجديدة، على الرغم من أنها تكبح الصين وروسيا. لكنها تتعارض مع الخطة الأمريكية المؤجلة قسريًا لبناء شرق أوسط أكبر لديه منطقة تجارة حرة لتوسيع الإمبراطورية الأمريكية. أما في ظل مشروع تركيا العثماني بجانب المشروع الصيني "حزام واحد طريق واحد" سيكون الموقف الأمريكي أضعف.

أحد أهم نقاط ضعف روسيا. عدم وجود مشروع اقتصادي تنافسي واضح. باستثناء بعض المشاريع الغامضة والغير مكتملة مثل الاتحاد الأوراسي، أو الوحدة بين روسيا وبيلاروس، والتي لا تزال على الورق. لذلك هناك حاجة لبناء تصور ومشروع اقتصادي محدد المعالم لروسيا.

يشكل انهيار تركيا، بالنسبة لروسيا تهديد لا يمكن استثناءه. لأنه سيؤدي لتوسع دول مثل اليونان وأرمينيا وإيران وسوريا وكردستان. كما ستنتقل السيطرة على مضيق البوسفور والدردنيل في الغالب إلى الولايات المتحدة. يعني هذا عمومًا توسيع منطقة السيطرة الجيوسياسية الأمريكية، والتي تُعتبر بالنسبة لروسيا خطر وشر أكبر من مواجهة الطموحات التركية.[1]


[1] Российско-турецкие отношения в контексте перспектив новой Османской империи - Институт Русских стратегий - 30 ноя 2020, https://russtrat.ru/reports/30-noyabrya-2020-0010-2306