القضية الفلسطينية والمقاومة الهجينة

23.11.2019

تمهيد:

مثلت القضية الفلسطينية حجر الزاوية لكل السياسات العربية، ومنبع وأصل الصراعات والخلافات بالمنطقة، وانعكست على واقعنا فيما خلقته من متغيرات سياسية، وثورات أو انقلابات بالعديد من الأقطار العربية، وذلك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولم يكن عبثا أو من باب المبالغة أن تسمى (القضية المركزية الأولى للعرب).

كانت القضية الفلسطينية جسرا لابد لأي حاكم عربي من المرور عليه، بل يمكن تسميتها بالصراط المستقيم كما يُروى عن مشهد يوم القيامة وعبور جميع البشر من فوق هذا الجسر الصعب الرابط ما بين الجنة والجحيم، وقد تعرضت للاستغلال من الجميع بلا استثناء، وكانت بوابة الشهرة والمجد والشعبية للكثير من الأنظمة العربية، والزعماء، والجماعات والأحزاب السياسية، والشخصيات العامة، وعبرها حقق الجميع مكاسبهم إما بادعاء نصرتها والصادقون من هؤلاء قلة، والغالبية كانت بالفعل مدعية، أو أولئك الذين وجدوا أن مصلحتهم تكمن في التبرؤ منها، ومقايضتها بمصالح سياسية شخصية ضيقة، يقدموا من خلالها ما لا يملكوا لمن لا يستحق، وظل الطرف الوحيد الذي يستفيد الجميع منه ومن قضيته، وهو صاحبها ولم يستفيد أي شيء الشعب العربي الفلسطيني، الذي يعاني ويلات الحروب، والحصار، والتشريد، والعنصرية، باستثناء قلة من قيادات الحركات والفصائل السياسية الذين تاجروا بقضية وطنهم وشعبهم، ولم يقدموا أي شيء، وهؤلاء لا تخلو منهم أمة ولا شعب.

يؤكد كل ما سبق بالماضي، وما نراه الأن بالحاضر، وما سيظل بالمستقبل مالم تصل هذه القضية إلى حل، أن فلسطين كانت ومازالت وستظل حجر الزاوية للصراعات بالمنطقة، وباعثها الحقيقي، وتجاوزها ما هو إلا إنكار ساذج لحقيقة تفرض نفسها على الجميع وأولهم من يدعون أنها قد أصبحت قضية هامشية.

المقدمة:

يتعامل بعض العرب مع القضية الفلسطينية، والشعب العربي الفلسطيني، وكأن فلسطين كانت قبل الاحتلال دولة مستقلة، ولديها جيش وجهاز دولة، ويتساءلون لماذا لم يحرروا أرضهم، وينتظروا غيرهم ليحررهم أو يساعد في تحريرهم، والبعض الأخر بخبث يستغل فيه حالة التردي الثقافي الحالي، وجهل الكثيرين بتاريخ الصراع وأبعاده، ويردد الرواية الإسرائيلية بأن فلسطين ليست أرض محتلة، بل كانت أرضا مشاعا ليست ملكا لأحد احتلتها بريطانيا ثم مصر والأردن عبر سيطرة الأولى على غزة، والأخيرة على القدس والضفة، وقام الصهاينة بإعلان دولة على المتبقي من هذه الأرض.

في الآونة الأخيرة تعرضت القضية الفلسطينية لحملة شعواء من الهجوم عليها، وعلى الشعب العربي الفلسطيني، والقول بأنها قضية تخص فلسطين وشعبها فما دخلنا بها، ولماذا نتحمل أعبائها، وهؤلاء يعانوا من الجهل والتجهيل المتعمد، وثقافة موجهة تم زرعها في عقولهم وأذهانهم لسنوات طويلة، ازدادت مع تراجع حركة القراءة والاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي في بناء الفكر والثقافة، وهي كما نعرف أصبحت مستنقع "للمليشيات الإلكترونية" ومخترقة من جهات عدة.

كذلك يرى بعض الشباب "الثوري" أنها مجرد حجة للأنظمة المستبدة لتبرير استبدادها، وبدلا من مواجهة هذه الحركة المنظمة بالوعي والفكر، والنفس الطويل في الشرح والبيان، وقع الشباب في صراع فيما بينهم، ولم يكن المدافعين عن هذه القضية النبيلة على القدر الكافي من المسئولية، وحولوها كما أراد لها أعداءها لقضية متنازع عليها، ومحل شقاق واختلاف لا محل إجماع واتفاق كما كانت بالماضي.

الرد على هذه الدعاية المضللة التي تتبناها دول وأجهزة بكامل أطقمها، بحاجة إلى مجهودات كل المثقفين، والمفكرين، والمهتمين بهذه القضية المصيرية بالبحث والتفكير، وفتح المجال للنقاش حول مستقبلها، والجدل المنتج لا الجدل العبثي الشعاراتي الفارغ، حتى نتمكن من صياغة تصور يلائم العصر والظروف التي نحن فيها الأن.

تاريخ فلسطين الموجز:

تورط الكثير من المفكرين والمؤرخين العرب في نقاش فرضية الوطن التاريخي لليهود على أرض فلسطين، واجتهدوا في تأليف المؤلفات، وإلقاء المحاضرات للتأكيد على زيف تلك الفكرة، وعلى الرغم من نواياهم الطيبة، إلا أن إسرائيل قد جرتهم للمنطق الذي تريده، فهي بالفعل مسيطرة على الأرض، وبدلا من مواجهتها كقوة عسكرية غاشمة محتلة، حولت القضية لنقاش تاريخي، وجدل ما بين مؤيد ومعارض، وقضايا الأوطان والشعوب ومصائرها لا يمكن تحويلها لقضايا تاريخية مختلف عليها، وننساق ونحن في القرن الحادي والعشرين لنقاش قصة متوهمة منذ 3000 سنة، تدعي أن الله قد تجسد في صورة بشر، ونزل من السماء إلى الأرض وقاتل أحد أنبياء بني إسرائيل وهو (يعقوب). وظل "الله المتجسد" يقاتله من الليل حتى بزوغ الفجر، ولم يقدر عليه، وقال له "الله المتجسد" أطلقني لقد طلع الفجر. ثم أطلق الله عليه لقب (إسرائيل). أي "مصارع الله" [1] وهذا "المصارع" نال وعدا إلهيا عبر جده (إبراهيم). بأن تكون أرض فلسطين ملكا لكل بنيه [2] ثم أكد الرب على هذا الحق "لمصارع الله" إسرائيل بأن فلسطين له ولنسله من بعده [3] كما ورد في التوراة بكتاب التناخ، ومع عظيم الاحترام والتقدير لأصحاب كل الأديان ومعتقداتها وكتبها المقدسة، ومن هؤلاء طبعا اليهود، لكننا نتساءل هل من الممكن في هذا الزمن تقرير مصائر الشعوب، والجدال حول الأوطان والحدود بناء على قصة دينية، وهذه القصة الدينية تخص أتباعها والمؤمنين منهم بها، ثم يتم فرضها على باقي الأمم وتصبح معيارا للحقوق السياسية؟!

الأغرب من هذا أن نرى "ليبراليين عرب" أو من يسمون أنفسهم "عقلانيون" يحاضروا ليل نهار عن ضرورة التفكير داخل العالم، والأخذ بالعلم والمنطق، والابتعاد عن التفكير خارج العالم والغيبيات، وأنا أؤيد هذا الرأي بشدة، إلا أن هؤلاء أنفسهم يرون لليهود حق في أرض فلسطين وفق هذه الرواية التوراتية، التي لا دليل عليها في علم الجينولوجيا، أو التاريخ، أو الآثار، إنما هي فقط رواية دينية، ولو سلمنا بالروايات الدينية، وجعلناها منطلقا لسياساتنا ونظرتنا للعالم ومعيارا للقانون الدولي، إذن لماذا قاتلنا داعش التي كانت تسعى لإقامة الخلافة، والسيطرة على العالم كله، وهم يستشهدون أيضا بآيات قرآنية دينية، وهي كثيرة منها على سبيل المثال (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم  وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) [4] ولماذا نعارض الإخوان المسلمين على سعيهم لتطبيق ما تسمى "أستاذية العالم" أو بعض الطوائف المسيحية مثل الإنجيليين الذين يعتقدون بأن المسيح سيعود إلى الأرض من جديد ويحكمها من "أورشليم" ألف عام "الألفية السعيدة" ويحاسب الأشرار، ويدان الجميع وينالوا مكافأتهم الأبدية [5] وعليه فلنفتح الباب أمام الجميع ليقامر بتاريخ البشرية وفقا لفهمه الخاص لمعتقداته الدينية!

الحديث عن البُعد التاريخي وهو أيضا حديث عبثي، وموضوع بلا موضوعية، ولو تتبعنا تاريخ كل الأمم وضرورة عودة كل أمة لما تعتقد أنها أراضيها التاريخية، إذن ستتغير خريطة دول العالم كله، وأولها الولايات المتحدة الأمريكية، وليعود المستوطنين البيض منها إلى أوروبا، ويتركوها للسكان الأصليين "الهنود الحمر" وهؤلاء قصتهم ليست أسطورة، أو لا نملك عليها دليل بل نعرفها جميعا، ومدونة بالوثائق والأدلة المادية حتى اليوم.

لا ينبغي أن نتورط في مثل هكذا حوار لا طائل منه، ولا أن ننجر لمنطق المحتل ونستهلك وقتنا وجهدنا لتأكيد زيف روايته، وهذه الرواية تحديدا التي قامت عليها دولة إسرائيل هي أحد أهم عوامل تحفيز التيارات الدينية بالمنطقة، وسعيها الدائم لإقامة دولة دينية نموذجية على النمط الصهيوني الإسرائيلي، وعبر الاستدلال أيضا بوعود إلهية.

هناك أرض تسمى فلسطين، وشعب عاش عليها يسمى الفلسطينيين، وهؤلاء لم يطردوا منها اليهود، وليسوا مسئولين عن جرائم الهولوكوست، ولم يلاحقوهم في أوروبا كما فعل ملوكها بالتحالف مع الكنيسة، ولم يكونوا حسب الرواية التوراتية أباطرة بابل أو الرومان الذين هدموا الهيكل، ولا علاقة لهم بقصص أسطورية عمرها أكثر من 3000 سنة، وغير مطالبين بنقاشها وإضاعة وقتهم في إقناع أحد بها، والله ليس مطورا عقاريا، ولا كاتب عدل أو موظف بالشهر العقاري يمنح الصكوك والعقود للأخرين ويحدد لهم ملكية أراضيهم.

مفهوم الأمة:

انتشرت بالآونة الأخيرة حالة يمكن تسميتها بالنوستالجيا أو الحنين إلى الماضي القديم للأمم، والفخر بها والتبرؤ من الانتماء العربي، فنجد الكثير من المصريين يتحدثون عن أصلهم "الفرعوني" ولبنانيين يتحدثون عن الأصل "الفينيقي" ومغاربة يتحدثون عن الأصل "الأمازيغي" وهكذا، بالمقابل وكرد فعل على هذه الحالة يرد بعض سكان شبه الجزيرة العربية بأنهم وحدهم هم العرب، وباقي الشعوب العربية هم من تمسحوا فيهم، ووصفوا أنفسهم بأنهم عربا وهم ليسوا كذلك.

تعبر هذه الحالة عن عجز وفشل بتحقيق أي منجز بالحاضر، والبحث عن عظمة أو هوية متفردة متوهمة تنتمي للماضي البعيد، وادعاء الانتماء إليها مما يمنح أصحابها شعورا ما بالعظمة، فعلى سبيل المثال عندما يتحدث بعض المصريين عن أصلهم "الفرعوني" وهي تسمية بالأساس خاطئة، وبيننا وبين المصريين القدماء أكثر من 2500 سنة، ولم يكن يعرف أحد عن تاريخهم أي شيء قبل 200 سنة فقط، ولا يعرف المصريين لغتهم، والسؤال الذي يطرح نفسه هل الفخر بهذا الماضي القديم لكونهم مصريين، وبالتالي فالفخر والعظمة صفة مكتسبة لكل من كان مصريا، أم الفخر نابع من المنجز الحضاري العظيم الذي تركته هذه الحضارة المصرية القديمة، فلو كانت الإجابة لأنهم مصريين فهذا تصور يعني أن العظمة صفة وراثة عرقية لا دخل للإنسان فيها، إلا أن هذه الفرضية يكذبها الواقع المصري منذ 2000 سنة تقريبا، فلم يحقق المصريين طيلة عشرين قرن على الأقل أي منجز حضاري ذو قيمة، أو حتى استنساخ من حضارة المصريين القدماء يوازيه بالعظمة، بل ظل الأجانب هم من يحكمون بلدهم منذ عام 525 ق.م حتى 1954م. أما لو كانت العظمة نابعة من المنجز الحضاري، إذن هذا المنجز فعل ماضي، نعتز بمن فعلوه، ونفخر بفعلهم، ولكنه لا يعني أن أسلافهم بالضرورة عظماء، ولديهم تفوق حضاري على باقي الأمم في الوقت الحاضر، وينطبق المثل ذاته على مدعي الفخر بالأصول الفينيقية، والكنعانية، والأمازيغية، والعربية، وكل هذه التشكيلة من هويات الفخر المتخيلة.

الأمة هي مجموعة من الأفراد شكلوا شعبا من الشعوب، وسكنوا أرضا معينة، وتراكم لديهم مع الزمن مجموعة من العادات والتقاليد، وأصبح لديهم لغة جامعة، ولا تعني بالضرورة لغة واحدة، وعبر مراحل تاريخية تكونت دولتهم، فلا وجود لما تسمى الأمة العرقية ذات الجد الواحد المشترك الذي منه ينحدرون سوى في الأساطير، أو التصورات الفاشية مثل النازية والصهيونية، واللغة الجامعة هي اللغة التي تتقنها جميع الشعوب الساكنة بمنطقة جغرافية واحدة رغم وجود لغات عدة لها، فعلى سبيل المثال النوبي، والسرياني، والأشوري، والأمازيغي، والكرد، والتركمان، وغيرهم من الشعوب بالمنطقة لها لغاتها الخاصة المختلفة، لكنها تجتمع على إتقان لغة واحدة تجمعها وتمكنها من التواصل مع بعضها وهي العربية، وهذه اللغة يتحدث بها سكان منطقة جغرافيا واحدة، شكلت عقلهم الجمعي وثقافتهم، وخلقت لديها عادات وتقاليد متقاربة، وتاريخ وتطور اجتماعي متشابه حد التطابق بالكثير من الحالات، مع تميز هذه المنطقة نظرا لموقعها الفريد بالعالم القديم بالهجرات الجماعية، التي غيرت وبدلت في شكل التركيبة السكانية، ولا يعني هذا أنها أمة عشوائية من شعوب غير متجانسة، لأن هذه الشعوب اختلطت فيما بينها، وعندما ظهرت المسيحية، وقبلها اليهودية وبعدهم الإسلام، اعتنقت شعوب المنطقة بأغلبيتهم الكاسحة الأديان الثلاث المتقاربة في قيمها المنتمية لجذر ديني إبراهيمي واحد، ثم استقرت بعدما توقفت الهجرات الكبرى، ووصلت لمرحلة النضج الاجتماعي والثقافي، ونتيجة لهذا الموروث خلقت شعبا واحدا وأصبحت أمة عربية بهذا المفهوم، وهذا الانتماء العربي واقع، ولا علاقه له بالأيديولوجيات، أو يعبر عن حزب سياسي يحتكره دون غيره، أما أصحاب نظريات المفهوم العرقي فهؤلاء قد تجاوزهم الزمن، والعلم، والتاريخ، وما حديثهم إلا خرافات وأساطير لا تستحق النقاش والجدل حولها.

ما يسمى الأن العالم العربي. عاش في ظل حكم إمبراطوري من خارج نطاق حدوده الجغرافية منذ أكثر من 2500 سنة، تعددت فيه الإمبراطوريات الحاكمة من فرس أخمينيين، ويونانيين، ورومان، وفرس ساسانيين، وروم بيزنطيين، ثم تشكلت من داخله إمبراطورية أسسها العرب المسلمين لكنها انتهت فعليا عام 847م. بعد هيمنة الترك على الخلافة العباسية، وتعاقب على حكم المنطقة سلالات من الترك، والكرد، والشركس القوقازيين حتى جاء العثمانيين عام 1516م.

أصبح العالم العربي كله جزء من هذه الإمبراطورية العثمانية، وتحت حكم سلطاني قسمها لولايات إدارية، ولم يكن هناك مشكلة لدى شعوب المنطقة في هذا الأمر، طالما حرية التنقل والتجارة متاحة للجميع، وهكذا كان ما يمكن تسميته بالنظام العالمي وقتها، ولم يكن بعد قد ظهر مفهوم الدولة القومية.

فجأة سقط الحكم العثماني، ودخل البريطانيين المنطقة، وتم تقسيمها مع الفرنسيين في الاتفاقية الشهيرة المعروفة باسم (سايكس – بيكو). التي راعت مصالح القوى الغربية، ولكنه أيضا راعت الخصوصيات التاريخية لكل مجتمع، ولم تكن عملية عبثية كما يتخيلها البعض، وكانت المنطقة ما بين مصر وسورية الحالية تاريخيا تسمى فلسطين، وسكانها رغم تقاربهم شأن باقي الشعوب العربية مع بعضها البعض إلا أنهم أكثر تجانسا من المصريين والسوريين، ويسمون فلسطينيين حتى قبل قيام الدولة، وعلى هذا الأساس تأسست دولة فلسطين بحدودها المعروفة اليوم عام 1920م. تحت حكم بريطاني مباشر، يعيش فيها كل سكان فلسطين من الفلسطينيين مسلمين، ومسيحيين، ويهود، ولا مشكلة بينهم حتى جولدا مائير. أقرت بذلك وبأنها وكل اليهود قبل العام 1948م. كانوا فلسطينيين [6] إلا أن الانتداب البريطاني مكن يهود البلدان الأوروبية من الهجرة إليها، ليتخلص من "عبئهم" كما كان يصرح هو بنفسه، وهؤلاء كانوا مدربين على حمل السلاح، وشارك العديد منهم بأقوى جيوش أوروبا بالحرب العالمية الأولى، وخلفهم قوة مالية عالمية ودعم القوى العظمى سياسيا، مع الخروج المفاجئ للبريطانيين أعلن الصهاينة دولة لهم، وشرعية هذه الدولة بناء على وعد منحه البريطانيين يسمى وعد بلفور عام 1917م. بتخصيص فلسطين وطنا لليهود، التي يرى الصهاينة أنها أرض تاريخية عادوا إليها وفقا للمعتقدات الدينية التي سبق ذكرها، ثم تدخلت الجيوش العربية بشكل مباشر، ولم تسمح بتدريب الفلسطينيين عسكريا، ونزعت منهم سلاحهم، وطالبتهم بترك أرضهم ووعدتهم بالعودة سريعا لها بعد الحرب، ولكنهم لم يعودوا وأصبحوا لاجئين حول العالم منذ عام 1948م. حتى الأن، وعليه فحديث البعض عن لماذا لم يحرر الفلسطينيين أرضهم، أو أن لليهود حق حصري فيها، نابع من عدم معرفة بأبسط أسس الصراع ولهذا اضطررت لكتابة هذه المقدمة.

خصائص الاحتلال الإسرائيلي:

الصراع مع المحتل الإسرائيلي حالة خاصة، ولابد للجميع أن يتفهم ذلك، فنحن أمام حالة مختلفة عن كل الحالات التاريخية للاحتلال، ولذلك القياس أو المقارنة، واستخدام نفس الوسائل التي استخدمتها حركات تحرر وطني أخرى، وتخيل أنها قادرة على تحرير فلسطين قياس فاسد، فهذا الاحتلال ليس له دولة خارج حدوده، وجاء ليحتل دولة أخرى كما كان حال الاحتلال البريطاني، أو الفرنسي، أو الأمريكي للعراق، ولا يشبه احتلال سيناء، أو الجولان، أو جنوب لبنان، حيث في هذه الحالات كان قد أسس دولة، وتمدد عسكريا لحدود دول قائمة بالفعل.

نحن أمام مجموعة بشرية غير متجانسة، ولا يجمعها لغة، ولا تاريخ مشترك، ولا عرق بعيدا عن خرافات الصهيونية، ويمكن الاطلاع على في هذا الشأن على بحث أكثر من رائع لمؤسس علم جينالوجيا الحمض النووي البروفسور أناتولي كليوسوف [7]

الشاهد أننا أمام مجموعات بشرية متنوعة، ولا يجمعها شيء سوى نظرية دينية عمرها أكثر من 3000 سنة. تدعي أنهم ينحدرون من جد واحد، ولهم أرض تاريخية هي فلسطين لابد من العودة إليها لتحقيق "وعد الله" وخلفهم أباطرة مال وأعمال، ودعم من قوى سياسية عظمى، وبقاءهم في المنطقة نظرا للمشكلة اليهودية التي عانت منها أوروبا محل إجماع من كل هذه القوى، وهذا الاحتلال استيطاني، أي جاء ليعيش على هذه الأرض، لا لينهب خيراتها ويترك سكانها كما هم، ومثل هكذا حالة فريدة من نوعها تستلزم بالمقابل رؤى غير تقليدية لمواجهتها.

الفرق بين المبادئ والمواقف والآليات:

كثيرا ما نخلط بين أمور ثلاث لا ينبغي الخلط بينهم في العمل السياسي، ونتيجة هذا الخلط الخاطئ نصبح أسرى لأفكارنا السابقة، في حالة جمود فكري وتكرار بلا إنتاج أو إبداع، وغير مقتنعين بما نردده، وغير قادرين في الوقت ذاته على تصحيحه، ونتوهم بأن هذا التحول يضرب مصداقيتنا ويفقد خطابنا تماسكه، وأنا هنا أعني تلك التحولات الفكرية الناتجة عن إعادة قراءة للمشهد السياسي العام، ومراجعات فكرية، ونقد ذاتي للأفكار السابقة، والتي تمثل مرحلة من مراحل نضوج الإنسان. لا تلك التحولات الناتجة عن ردود أفعال، وتعبر عن أزمة تخبط ومراهقة فكرية، أو المصلحية المواكبة للخطاب السائد، وركوب الموجة عملا بالمثل الشعبي المصري القائل "إلي يتجوز أمي أقوله يا عمي".

المبادئ: هي مجموعة القيم التي يؤمن الإنسان بها، وتشكل جزء لا يتجزأ من هويته، ومنطلقاته الفكرية، ورؤيته وتصوراته للحياة التي تشكلت بناء على عوامل عديدة مع الزمن، وأصبحت تمثل ما يشبه العقيدة لديه، ودستوره الخاص في تعاملاته، وهذه المبادئ في غالبيتها تمثل مبادئ إنسانية سامية لا يختلف عليها أحد مع خصوصية ببعض المبادئ التي تمثل قضيته الرئيسية.

المواقف: الموقف هو ابن ووليد اللحظة، ومعبر عن الظروف التي تم التعبير عنها بموقف ما وقت حدوثه، ومن الطبيعي أن يتغير الموقف بتغير تلك الظروف، ولهذا قيل لا عدو ولا صديق دائم في السياسة، وفي التصويت يمكن أن تصوت لصالح مرشح ما، وفي وقت أخر تصوت لضده لتغير الظروف، ولذلك الموقف بطبيعته متغير عكس المبدأ الثابت.

الآليات: الطرق والسياسات التي تتمكن عبرها من تحقيق مبادئك، وتحويل مواقفك لسياسة فاعلة تطبقها على أرض الواقع، وكما يقال لكل شيخ طريقة، ولكل عصر ظروفه وآلياته وأحكامه، فعلى سبيل المثال لو أن قضية العدالة الاجتماعية بمفهومها الشامل هي مبدأ، وقيمة مؤمن بها وبضرورة تحقيقها، أليات التطبيق تتحدد وفق ظروف المرحلة، والطريقة المثلى للوصول إلى الهدف، والوسائل المتاحة لتحقيقه، فكما قال مهندس النهضة الصينية الحديثة دينغ شياو بينغ. "لا يهم لون القط طالما أنه يصطاد الفئران" فقد شارك ماو تسي تونغ. في الثورة، وإقامة النظام الشيوعي وكان هدفهما هو قوة الصين وعظمتها، وتحقيق العدالة الاجتماعية لشعبها، استخدم ماو. لتحقيق هذا الهدف آليات عصره، وخالفها بالكامل بينغ. لمسايرة عصر جديد لم يعاصره ماو. لكنه حافظ على المبادئ وحقق نفس ذات الهدف، وهكذا الآليات هي بنت الظروف والتجارب المتراكمة التي نعتقد أنها تمثل الطريقة المثالية والأسرع لتحقيق أهدافنا وتطبيق مبادئنا.

المقاومة الهجينة:

ظهر أثناء الحرب الباردة، وما بعد الحرب العالمية الثانية، مصطلح في الاستراتيجية العسكرية يسمى (الحرب الهجينة). وتعني حرب غير تقليدية وتستخدم فيها وسائل مختلفة، ولا تقتصر على المتعارف عليه بالحروب التقليدية، لذلك مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بحاجة لما يمكن تسميته "المقاومة الهجينة" أي عدم حصر المواجهة في آلية واحدة مثل المقاومة المسلحة، فالمقاومة لها أوجه عديدة من ضمنها الشق العسكري، ولا في الحلول السياسية فقط مثل "السلام خيار استراتيجي" أو "حرب أكتوبر هي أخر الحروب" فمثل هذه الرؤى الحدية، والتي تتغير بتغير الظروف لكنها تظل حدية في تصوراتها هي أحد أسباب نكبة القضية الفلسطينية، وحالة الفشل العربي عموما، وخلق معسكرين كلاهما يزايد على الأخر ويدعي الحكمة حصرا بالتفاوض أو بالمقاومة العسكرية.

هذا صراع شديدة الصعوبة، وبحاجة لنفس طويل، والأكثر تنظيما وصبرا، واستعدادا وديناميكية هو من سينتصر فيه بالنهاية، والواقع والتاريخ، والمنطق والجغرافيا، والديمغرافيا في صالح الفلسطينيين، ولكنهم يفتقدوا للجدية بالعمل، والتنظيم الجيد، والقدرة على التكيف مع ظروف كل مرحلة، ويغلب عليهم الاندفاع الحماسي الغير متزن، ويقعون فريسة لعواطفهم التي تبعدهم عن العقل والمنطق، والتوسع بشكل يصل حد اللامعقول في "التكفير الوطني" أي الخوين على أتفه الأسباب، مع الكثير من النزق، والتعالي على أي رأي لا يوافق هواهم، وسهولة خداعهم واستفزازهم، والتلاعب بهم وبمصائرهم بأي شعارات توافق مزاجهم ولو كانت شديدة الساذجة والسطحية، ولذك أصبحوا ألعوبة بيد كل تاقه أو مغامر، وهذا المرض لم يصب قياداتهم السياسية وحسب، بل انتقلت العدوى للكثير من شبابهم مع بالغ الأسف، وأول طريق العلاج هو الاعتراف بالمرض، وتوصيف أسبابه، وتناول العلاج مهما كان مرا، وصديقُك من صدَقَك لا من صدَّقك، ومخطئ من يظن أن الصديق الحقيقي هو الذي يوافقك دائماً ويثني عليك في كل الأحوال أو يعتبر عيوبك مزايا.

على جانب أخر من الضروري تفهم أسباب هذه الحالة، وتفهمها لا يعني تبريرها، أو التعايش معها، بل إدراك أسبابها، والسعي نحو علاجها، ولنا أن نتخيل شعب بأكمله في حالة حصار، وحرب، وتحت حكم عسكري عنصري، ويعيش في لجوء دائم منذ 71 سنة. كيف ستكون حالته، بكل تأكيد الظروف الغير طبيعية تنتج بالمقابل شخصية غير طبيعية، ولكن هذا الأمر ليس قدرا، ولا يمكن ولا ينبغي الاستسلام له، فقد أضر بالقضية الفلسطينية وأساء لها أكثر من أي أمر أخر، وهذا الصراع الطويل كل العرب فيه خاسرون، ولكن يظل الخاسر الأكبر، والذي يعاني بشكل دائم هو الفلسطيني، ولذلك هو الأولى من غيره بالمبادرة نحو التغيير.

إعادة قراءة تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي:

رغم كل الصخب الحاصل حاليا، وحال الجدل المتصاعدة حول الصراع العربي – الإسرائيلي، وما قد يبدو أنه إعادة قراءة لتاريخه، إلا أن الواقع لمن ينظر ويدقق فيه سيجد أنها حالة جدلية انتقامية، ولا تعبر عن حالة جدلية فكرية تصحيحية، وهذه الحالة مصطنعة زائفة، تهدف إلى تشويه الذاكرة وبناء وعي وتصور جديد يخدم أجندات ومشاريع سياسية ترغب أطراف عدة في تسويقها.

تركيا القادمة للعالم العربي بطموحات التمدد والنفوذ، وتحمل خيبة الأمل نتيجة فشل مشروعها الذي سعت لتحقيقه عبر عقود، بأن تصبح جزء من الغرب وحضارته، وتبرأت من كل ماضيها وأهانته، وبعدما فعلت كل ما كانت تظن أنه سيؤدي لقبولها غربيا، أدركت أن الغرب حصل منها على ما يريد ولم ولن يقبل بها شريكا كاملا في منظومته وحضارته، وأقصى ما يمكن أن تحصل عليه تمتعها ببعض المميزات الاقتصادية لا أكثر، ونتيجة لهذه الخيبة والشعور بالإذلال الحضاري، أعادت من جديد الاعتبار لتاريخها، وسعت لتسويقه عربيا عبر الثقافة والدراما، وتقديم نفسها مدافعا عن مصالح العرب وقضية فلسطين على وجه الخصوص، مؤكدة على أن سقوط امبراطوريتها العثمانية كان نتيجة لموقفها الصلب بالدفاع عن عروبة فلسطين وكما كانت فلسطين سبب سقوطها، فهي من ستكون سبب عودتها للمنطقة من جديد، بجانب ما تمثله من نموذج يراه البعض مثاليا للرفاة الاقتصادية، والدولة الحديثة القادرة على التنمية وضمان استقلاليتها، ونظام ديمقراطي إذا ما قورن بواقع العالم العربي.

إيران الساعية لتأمين مصالحها، وامتلاك أوراق ضغط على القوى الغربية، وتدرك جيدا ما يتعامى عنه بعض العرب أن قضية فلسطين مركز وأساس الصراعات بالمنطقة، وملف رئيسي لكل القوى الغربية، لذلك وعبر رفع شعار ولواء "المقاومة" تمتلك القدرة على المناورة، وتحصيل مكاسب خاصة بها.

أنظمة عربية تعتقد أن مصلحتها تكمن في مهادنة إسرائيل، والتماهي مع مشروعها، وتصفية هذه القضية والتخلص من عبئها، وفتح المجال لقيام تحالف إقليمي اقتصادي، وسياسي، وعسكري تكون فيه إسرائيل بالمقدمة، وعبر هذا التحالف ستضمن ثبات وقوة أنظمتها.

كل هذه الأطراف المتصارعة والمتنافسة، والمشاريع المتضاربة، تسعى لبناء وعي وذاكرة جمعية جديدة لشعوب المنطقة، وأحد أهم وسائلهم لتحقيق هذا الهدف إعادة كتابة التاريخ بما يخدم تلك المشاريع، وتشويه كل فكرة أو قيمة أو شخصية تعوق تحقيقهم لهدفهم، عبر الانتقام من شخصيات عربية معينة، وتصوير التاريخ العربي كله على أنه ما هو إلا خيانات وخيبات، أو كل الزعامات الفلسطينية التاريخية متآمرة وفاشلة، وفي مثل هكذا حالة من الطبيعي أن يفقد الفلسطيني ثقته بالجميع، ويتوجه نحو إيران، أو تركيا، أو النظام العربي الجديد الذي جعل من شعار "فن الممكن" وسيلة لمنح إسرائيل ما لم يكن من الممكن لها الحصول عليه.

لذلك قراءة تاريخ الصراع من جديد، وفهمه بشكل عميق، واتخاذ وسائل بحث علمية لمعرفته من مصادره الأصلية، وهي مهمة أصبحت أكثر سهولة من السابق مع توفر الوثائق والإفراج عن الكثير منها، يمثل ضرورة وأولوية لكل المهتمين بهذا الملف، والفلسطينيين الشباب على وجه الخصوص، ونقل ما تعرفوا عليه لباقي الجمهور الفلسطيني والعربي.

هناك حاجة للتخلص من عقدة الماضي التي تحكم حاضرنا، وتحدد لنا معالم مستقبلنا، إما عن طريق الساعين للانتقام منه لما يمثله من عقبة أمام الترويج لمشاريعهم، أو لدى المتمسكين به وبقدسية شخصياته، وادعاء مالم تدعيه هي نفسها عن نفسها، والتمسك بآلياتهم في المواجهة التي فشلت في زمانهم، وبالضرورة ستفشل في واقعنا، ولا عقل نقدي لديهم للتفرقة بين تاريخ الصراع الذي تم الترويج له بالستينات عندما كان على أشده، وكانت الدعاية والحشد أحد أهم أساليب الأنظمة السياسية، وبين الرواية الحقيقية، ولديهم رواية واحدة ووحيدة عن التاريخ لا يقبلون بغيرها وتحولت مع الوقت لعقيدة فكرة.

هذه مهمة صعبة، ولكنها ليست مستحيلة، ودون قراءة تاريخ الصراع، ومعرفة حقيقته من مصادره الأقرب ما تكون للصحة، وتقييم الأخطاء والخطايا التي حدثت فيه، وخلق بناء فكري وسياسات يضمن عدم تكرارها، وهو ما قامت به الحركة الصهيونية العالمية، وكان بداية لتصحيح مسارها وتحقيقها لهدفها النهائي بالاستيلاء على فلسطين.

المقاومة الهجينة لفلسطيني 48:

هناك لغط كثير يثار حول قضية فلسطيني 48. وهم أولئك الفلسطينيين الذين وقعوا تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي، ولم يمتلكوا وسائل تمكنهم من مقاومته عسكريا، ولم يقبلوا بالخروج والنزوح عن أراضي أجدادهم، ولم يتمكن المحتل من طردهم، وخيرهم ما بين الخروج من أراضيهم وتحولهم للاجئين، أو حملهم لهويات إسرائيلية، فقبلوا بذلك مكرهين حتى لا يتركوا أراضيهم التاريخية، وهو أحد أعظم أعمال المقاومة، وهم من أكثر من ضحى بتعرضهم لحرب ممنهجة لمحو هويتهم، والتضييق عليهم لإجبارهم على الهجرة عبر إغراءات من عدة سفارات غربية، ولكنهم قبلوا التحدي وثبتوا في أماكنهم، وكان عددهم حوالي 150 ألف عند قيام دولة إسرائيل عام 1948م. وأصبح عددهم الأن يتجاوز المليون ونصف المليون نسمة، عاشوا في عزلة وتهميش داخل مجتمع عنصري عسكري يكرهم، ولكنهم تمكنوا وتحديدا بعد هزيمة 1967م. من تنظيم أنفسهم، وتأسيس كيانات طلابية واجتماعية ونقابية، وفي السبعينات بدأوا في تأسيس أحزاب تعبر عن مصالحهم، ودخلت هذه الأحزاب إلى الكنيست لخدمة مجتمعهم وأصبحوا اليوم الكتلة الثالثة فيه.

ليس مطلوبا من فلسطيني 48. أكثر مما فعلوه سابقا بمقاومتهم بالبقاء، وتحولهم لكابوس يومي لكل زعماء إسرائيل، ونحن نرى ونشاهد هذه الأيام تحديدا كم التحريض ضدهم، وكل الداعين لانعزالهم، أو مقاطعتهم للعملية السياسية، أو تبنيهم لخيار المقاومة المسلحة، إنما يسعون لهلاكهم وتقديم أكبر هدية تنتظرها إسرائيل للتخلص منهم، المطلوب حسبما أعتقد من فلسطيني 48. أن يتحولوا من كابوس يطارد الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى عنصر فاعل، ومقاومة سليمة متعددة الأوجه، وذلك عن طريق انخراطهم في كل مؤسسات الدولة الخدمية، والرقابية، والتشريعية، والتعليمية، والعلمية، ويفرضوا وجودهم على المحتل، ويحاربوه بأدواته وادعاءه الديمقراطية، ويشكلوا قوائم مشتركة لدخول بالكنيست، والنقابات المختلفة، والاتحادات الطلابية، والعمل بالمؤسسات التعليمية بكافة مراحلها، والشرطة المحلية لحماية مجتمعهم من الجريمة المنظمة التي تدمرهم ذاتيا، وكذلك المجالس البلدية، والمحكمة العليا وكل دوائر القضاء الأخرى.

يحتاج الخطاب العربي الفلسطيني بالداخل للتأكيد على حقوقه، وأنهم مواطنين في دولة مواطنة، وضرورة التزام الحكومات الإسرائيلية بمساواتهم الكاملة بكافة الحقوق، كما تعهدت بذلك بالأمم المتحدة بعد قيامها، حيث أكدت على احترام حقوق جميع مواطنيها بغض النظر عن الجنس واللون والدين والعرق، ووفق هذا التعهد تم قبول عضويتها بالمنظمة الدولية، وعبر هذا التواجد النشط، وانعاش المجتمع بالمقاومة الإيجابية يمكن إجبار إسرائيل على الخضوع لهم، وتحسين أوضاعهم المعيشية، وحصولهم على أكبر قدر ممكن من المساواة، أو تعلنها إسرائيل أمام العالم كله بأنها دولة فصل عنصري ونظام أبارتايد جديد، مما يمكن فلسطيني الداخل من تحويل قضيتهم لأحد الملفات المطروحة دوليا للنقاش، وألا يختزل نقاش الصراع على الفلسطينيين في الضفة وغزة فقط.

مطلوب من النائب العربي أن يكون نائب بالمعنى الاحترافي المهني، وأن يدفعه الجمهور العربي الفلسطيني لذلك، ويختاره بناء على قدرته على أداء هذه المهمة في المشاركة بالرقابة لمواجهة أي قوانين عنصرية تنتقص من حقوقهم، والتشريع لتحقيق أكبر قدر ممكن من التشريعات التي تخدم المجتمع الفلسطيني بالداخل، وتقديم الخدمات بحكم موقعه البرلماني، دون أن يشارك بلجان برلمانية ذات طابع أمني، أو استخباراتي، أو تخص السياسة الخارجية، وأن يشاركوا بالانتخابات عبر قوائم مشتركة، ولا ينبغي أن يكون هناك صراع بين شيوعي أو إسلامي، كما حدث بالانتخابات القبل الماضية، فهم بكل الأحوال لن يتسلموا السلطة لتطبيق الاشتراكية أو الشريعة الإسلامية، وعليه فالصراع الأيديولوجي بهذه الظروف صراع عبثي، المطلوب استغلال الأيديولوجية لحشد كل القواعد الشعبية المؤمنة بأفكار كل تيار، ومشاركة الناخبين بأكبر نسبة، لتحقيق أكبر قدر ممكن من المقاعد في الكنيست.

تنمية المجتمع الفلسطيني هي أحد أهم أوجه المقاومة، حتى يحصل على ما يمكن تسميته "غنيمة الحرب" من المحتل، عبر استغلال تطوره العلمي والتقني الذي وفرته له الدول الغربية، والشركات العالمية، ودخول شبابه الجامعة العبرية صاحبة التصنيف الأعلى بكل جامعات الشرق الأوسط، وتلقي العلوم الطبيعية والاجتماعية، ونيل أكبر قدر من حصص الابتعاث للدراسة بالخارج.

لا يحتاج النائب العربي للتخفي بزيارته للبلدان العربية، أو الشعور بالحرج من اتهامه بأنه طابور خامس بالداخل الإسرائيلي، وذلك لكونه لن ينخرط بنقاش قضايا سياسية إقليمية، ولكنه نائب عربي فلسطيني، ويتواصل مع أبناء قوميته بالخارج لنقاش قضايا مجتمعه، وينقل لهم واقع هذا المجتمع، وحتى لا يعيش فلسطيني الداخل بعزلة عن أمتهم العربية، وهذا تماما ما يفعله اليهود حول العالم في علاقتهم مع إسرائيل، مع الفارق أنهم يقدمون دعم سياسي، واقتصادي لإسرائيل، وليست من مهام النائب العربي نقاش ما يحدث في سورية، ولا لبنان، ولا توريط نفسه بقضايا رأيه فيها لن يغير من الواقع شيء سوى بشكل سلبي عليه وعلى مجتمعه، بل يتحدث عن قضية شعبه بالداخل، ويوسع دائرة علاقاته لتشمل العالم كله.

مع تزايد نسب التعليم، ووجود جيل كامل من الشباب العربي الفلسطيني بالداخل، لديه إمكانيات لم تكن موجودة للأجيال السابقة، ووفرت التكنولوجيا لهم ما لم يكن متاحا بالماضي، وهذه ميزة كبرى تحتاج لتنظيم هؤلاء الشباب لأنفسهم، ونقل قضيتهم ومعاناتهم بالداخل في الإعلام الإسرائيلي، والدولي، والعربي، وتحويلها لقضية تجعل إسرائيل دائما متهمة وبحالة دفاع عن نفسها، ولكن هذا الخطاب يحتاج لصياغة، وفهم لعقلية المجتمعات الغربية، وباقي شعوب العالم، وكيفية مخاطبتها، ونقد الرواية الإسرائيلية برواية بديلة مبنية على فهم عقلية الأخرين، واستخدام كافة الموارد الفكرية والأيديولوجية لتحقيق هذا الهدف، ومرة أخرى ليس من العيب أن نستفيد من تجربة أعدائنا، ونحن نمتلك الحق إلا أن هذا الحق بحاجة إلى القوة، الحركة الصهيونية كانت تضم المتدين، والشيوعي، والليبرالي، والرأسمالي، وكافة الأطياف الفكرية، وكل طيف يخاطب من يمثل أفكاره حول العالم، وهذا ما يحتاجه الفلسطينيين عامة، وفلسطيني 48. على وجه الخصوص، يخاطب الإسلامي هذا العالم الإسلامي لنقل قضيته وحشد الشعوب المسلمة، والمسيحيين الفلسطينيين بكافة طوائفهم يخاطبون الأرثوذكس، والكاثوليك، والبروتستانت، والقومي العربي يخاطب الشعوب العربية، واليساري، والليبرالي، والاشتراكي وهكذا، لقد قد تمكن الصهاينة من استغلال أقصى اليسار من الشيوعيين داخل الاتحاد السوفيتي، واقصى اليمين من أباطرة المال في بريطانيا وأمريكا، وجعلوا من كل المتناقضات الفكرية والسياسية تتفق على نصرة قضيتهم، وهذا ما يحتاجه الفلسطيني، استغلال التنوع الفكري لموارد فكرية تصب في صالح قضيته، بدلا من أن تصبح كما هي عليه الأن محل نزاعات داخلية على سلطة غير موجودة.

استغلال حالة التفكك والفساد التي بدأت تسود داخل النخب السياسية الإسرائيلية، والمشاركة الفاعلة المنظمة، واقتحام وتحدي السياسة الإسرائيلية التهميشية بشكل سلمي وعبر الأدوات التي وفرتها الدولة، ليصبح العرب رقما صعبا لا يمكن تجاوزه، ولا مجال لأي زعيم يشكل حكومة إسرائيلية دون الحصول على موافقتهم، وعبر البقاء، وتنمية وجودهم بالداخل، وتلقي العلوم الحديثة، وحفظ المجتمع أمنيا من الجرائم والعشائرية، وارتقائهم اقتصاديا واجتماعيا، سيزداد عددهم، ويحافظوا على وجودهم، ولا يضطروا للهجرة وترك أرضهم، أو يعيشوا على هامش الحياة غير مؤثرين، أو يدخلوا في صدامات ليست بصالحهم وتبرر لإسرائيل طردهم والتخلص منهم، وليتركوا عنهم قضية فلسطيني الضفة وغزة الفلسطينيين هناك قادرين على حسمها، المهم بقاءهم، وتشكيلهم لقوة ضغط داخل المجتمع الإسرائيلي، وهذا هو أعظم جهاد ومقاومة يمكن أن يفعلوها، وأكبر خدمة لقضيتهم وللقضية الفلسطينية بعيدا عن الديماغوجية والشعارات البالية الغير منطقية، وليستفيدوا مجددا من تجربة عدوهم، وكيف تمكن اليهود عبر انتشارهم بكل مكان حول العالم من تلقي أفضل ما لديه من علوم ومعارف والاستفادة منها.

المطالبين بالمقاطعة وهم يحملون هويات إسرائيلية، ويتعاملون مع مؤسسات الدولة السياسية والأمنية، ويرفضون في الوقت ذاته الدخول بالانتخابات والكنيست لتعارض وتقاتل للحصول على حقوقك، أما حديث البعض عن فساد السياسيين فلا يعني التخلي عن السياسة بالكلية، بل معاقبة القيادات الفاسدة باختيار قيادات نزيهة وشابة، وهذه هي أحد أوجه مشاكل الشخصية الفلسطينية المعقدة، والتي تريد كل شيء أو لا شيء، ويفكر الكثير من قياداتها وشبابها بطريقة عدمية، وهم في حالة صراع مع عدو شديد الدهاء والقدرة والقوة.

العلم والمعرفة، والارتقاء بمستوى المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا هو من يحفظ هويته، ويعزز تماسكه ومناعته الذاتية، المجتمع الذي يهرب من المواجهة بحجة المقاومة عبر المقاطعة، ويترك مجتمعه بحالة فقر وجهل وتخلف، يقاتلون بعضهم البعض على جرائم شرف وخلافات عشائرية تافهة، وتنتشر داخلهم كل الأمراض الاجتماعية، والجريمة المنظمة، وتعاطي المخدرات نتاج غياب الهوية، واليأس والتهميش، من الطبيعي أن تؤدي كل هذه الظروف في نهاية المطاف لقبول قطاع من المجتمع للأسرلة، أو الهجرة وترك البلد، وفي كلا الحالتين هذا ما يتمناه الإسرائيلي.

المقاومة الهجينة لفلسطيني الضفة والقدس وغزة:

أقرت القوانين الدولية، والفطرة الإنسانية حق كل شعب يعاني من الاحتلال، ويتعرض للفناء على يد قوى عسكرية غاشمة، في أن يقاوم بكل السبل هذا المحتل حماية لنفسه، وحفاظا على أرضه، وهذا الأمر لا مجال لنقاشه، ولكن المقاومة لها أوجه عديدة، والحرب هي إحدى وسائل السياسية وليست غاية، ويلجأ إليها طرفا ما إما لتحريك موقف سياسي متعثر، أو لتحقيق نصر عسكري يمكنه من تحويله لمكسب سياسي، ومالم تتحالف البندقية مع العمل السياسي فلا طائل منها، وتتحول المقاومة المسلحة لعمل غير مجدي، وتضحيات بلا أي ثمن، وفي ظل مواجهة عسكرية غير متكافئة، ومظلومية تاريخية لما تعرض له اليهود على يد أوروبا من قتل وتهجير يحسنون استغلالها، ودعم دولي غير محدود يريد منا أن ندفع ثمن هذه المظلومية، وحصار يضرب فلسطين من كافة الجهات، وتوازنات دولية وإقليمية في غير صالح العمل المسلح، فنحن بحاجة لمقاومة هجينة تعتمد على وسائل مختلفة، ولا تختزل في وسيلة واحدة.

تصارع على القضية الفلسطينية محورين بالمنطقة، محور تمثله سورية، وحزب الله، وإيران. قدم الدعم العسكري للفلسطينيين، ورأى أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد للتحرير، ومحور قدم الدعم السياسي والمالي، وضد العمل المسلح، ويعتقد أن "خيار السلام الاستراتيجي" هو الخيار الوحيد للتحرير، وكلا المحورين في أزمة حقيقية، ومستقبلهما يكتنفه الكثير من الغموض، وقد ثبت بالتجربة أن خياراتهما الحدية لم تحقق نجاح فعلي على الأرض، ولا ينبغي أن يرهن الفلسطينيين مستقبل قضيتهم لمحاور متصارعة، خصوصا وأن هذه المحاور في النهاية لديها مسئوليات تجاه شعوبها، ومصالح أنظمة حكمها الخاصة، ووصولها لتسوية سياسية مع القوى الدولة والإقليمية أمر حتمي الحدوث مهما طال الزمن، وعلى الفلسطيني أن يسأل نفسه ماذا سيفعل وقتها؟!

لا يمكن لأي مقاومة أن تنتصر دون وجود طرف سياسي قادر على التفاوض نيابة عنها، وينسق معها العمل العسكري ليكون ذو فاعلية، ويحقق الأهداف المرجوة منه، واتفاقية أوسلو لها أوجه عديدة تختلف باختلاف نظرة كل طرف لها، فمن تخيلوا أنها وسيلة الحل النهائية للصراع فهؤلاء قد وقعوا ضحية لأوهامهم، وسقطوا في الفخ الذي أراد الإسرائيلي أن يسقطهم فيه، ويحولهم لسلطة لا دولة، أما من رأوا فيها مجرد محطة من محطات عدة للصراع، ومسمار جحا كما يقال بنقل القضية الفلسطينية نقلة نوعية، وتحويلها من قضية صراع مع منظمات مسلحة في الأردن وسورية، ثم لبنان التي طردوا منها إلى جنوب اليمن وتونس، لتصبح قضية شعب محتل تأسست له سلطة يبني عليها للوصول إلى الدولة.

ما حدث أن منظمة فتح تخلت عن منظمة التحرير الفلسطينية، وهيمنت على القرار السياسي الفلسطيني نيابة عن الشعب وباقي الفصائل الأخرى، وتوهمت أن أوسلو هي سبيلها للحل النهائي، وانتقلت من الثورة إلى الثروة، وتراكم لدى قيادتها الأموال بالحسابات المصرفية الخارجية، وتنازعت مع باقي الفصائل لتستأثر وحدها بالكعكة، ثم انتقل النزاع لداخلها هي نفسها، وأصبحت سلطة بلا دولة أو سيادة، وأسيرة لواقع خلقته هذه السلطة غير قادرة على الاستمرار فيها ولا التخلي عنها.

حماس التي رفضت أوسلو، وقررت أنها ضد كل ما ورد فيها من اتفاقيات، قررت دخول الانتخابات التشريعية الفلسطينية لأول مرة عام 2006م. والتي أقرتها أوسلو التي ترفضها، ثم قامت بانقلاب عسكري في غزة صيف 2007م. واستأثرت بالسلطة فيها كما فعلت الشيء نفسه فتح في الضفة، وهكذا حققت إسرائيل أهدافها، فقد بدأ الصراع عربيا - إسرائيليا، ومع خروج مصر من المعادلة وتوقيعها لصلح منفرد مع إسرائيل عام 1979م. تحول لصراع فلسطيني - إسرائيلي، وبعد العام 2007م. أصبح صراعا فلسطينيا - فلسطينيا، تعقد لأجله المؤتمرات التي لا تنتهي، وقد اضطرت حماس في النهاية نتيجة الحصار، وعدم قدرتها على الحكم، وتورطها في تناقض رفض أوسلو، والمشاركة بانتخابات أنتجتها أوسلو أن تسقط في تناقض أكبر، وذلك عبر ما تسمى (وثيقة المبادئ والسياسات العامة) [8] عام 2007م. التي احتوت على كم هائل من التناقضات التي لا يمكن حصرها، وتعبر عن أزمة وتخبط داخل الحركة، مع تنسيقها الأمني والسياسي مع إسرائيل عبر الوسيط المصري، ولم يعد هناك فرق بينها وبين فتح.

باقي الفصائل الأخرى رفضت العملية السياسية، ورفضت قبلها أوسلو، ولدى بعضها تحديدا الجهاد الإسلامي قوة عسكرية معتبرة، ولكن لا وجود لمشروع سياسي حقيقي لديها قادر على قيادة العمل الفلسطيني.

أمام الشعب العربي الفلسطيني فرصة تاريخية، وهذه الفرصة بحاجة لقوى ضاغطة شبابية في الضفة وغزة، تسعى للضغط على الجميع ليدركوا الواقع ويفيقوا من أوهامهم، وهو ألا وجود لسلطة أو سيادة، سواء في الضفة أو غزة ليتنازع أحد عليها، وأنا الضفة أو غزة فعليا واقعتين تحت الاحتلال الإسرائيلي، ومحاصرتين من كافة الجهات، وبعد مرور أكثر من 26 سنة على أوسلو، وحوالي 12 سنة من انقلاب حماس، ثبت فشل كلا المشروعين الحمساوي المقاوم عسكريا، والفتحاوي المهادن سياسيا، وأن الزمن قد تجاوز هذه الثنائية، وهناك متغيرات جديدة بحاجة لإعادة تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية، وتجديد ميثاقها وفق رؤية وطنية فلسطينية تراعي الواقع ومتغيراته، وتحدد بوضوح موقفها، وقبولها بخيار الدولتين الذي انتهى عمليا، أو خيار الدولة الواحدة ثنائية القومية الذي سترفضه إسرائيل حتما، ولذلك لا مجال للخلاف على هذه الأطروحة فإسرائيل سترفض كلا الخيارين، ولن تقبل بمنح أراضي حصلت عليها عبر الغزو والاحتلال هكذا بالتراضي ولأجل السلام.

لا يمكن نجاح مشروع منظمة التحرير الفلسطينية. دون دمج كافة التيارات السياسية، وكتابة نظام داخلي حديث وعصري لها، وانتخاب أعضائها بما يضمن تمثيل كافة فلسطيني غزة، والضفة، والقدس، والمخيمات بالداخل والخارج، وفلسطيني الشتات حول العالم، وتصبح هي الجهة المنوط بها التفاوض، والتي تتلقى منها السلطة الوطنية الفلسطينية أوامرها، وهي البديل عن المجلس التشريعي فاقد القيمة والصلاحية، فلا مجال لانتخابات ومجالس تشريعية في ظل احتلال، يكفي مجالس بلدية تعنى بأمور الخدمات اليومية للمواطنين.

برنامج عمل منظمة التحرير الجديد، يحتاج لأن ينبثق عنه هيئة جديدة تسمى (الوكالة الفلسطينية الدولية). دور هذه الوكالة جمع التبرعات وضمان ألا يطالها الفساد، عبر جمع الأموال من فلسطيني الشتات وهناك الكثير من الأثرياء منهم، وكافة شعوب العالم المؤمنة بالحق الفلسطيني وهؤلاء كثر، وتوحيد قوى مجتمع الشتات في كافة قارات العالم، ومنهم العلماء والنابغين بشتى المجالات، وربطهم بالوطن الأم فلسطين وقضيتها.

تأسيس هيئة إعلامية دولية، لها برنامج عمل إعلامي، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بكافة اللغات، ينقل معاناة الفلسطينيين للعالم كله، وباللغة التي يفهمها كل شعب تخاطبه، ومعرفة أساليب التأثير عليه، لتشكيل قوى ضاغطة إعلامية، وفكرية، وسياسية، سلاح الإعلام لم يعد حكرا اليوم على اللوبي الصهيوني كما كان بالماضي، مع ضرورة التخلص من أوهام اللوبي الصهيوني الذي لا يقهر، تلك الحجة التي لجأ إليها العرب لتكاسلهم عن أداء دورهم، خصوصا وأن هذا اللوبي لم يتحداه أي طرف عربي أو فلسطيني ويدخل معه في مواجهة حقيقية، ليدعي أنه حاول واستخدم كل الطرق وفشل، بل هذا اللوبي يعمل منذ نشأته بكل هدوء دون أي مواجهة حقيقة.

تنشيط لجان المقاطعة الدولية، وتذكير العالم بالصراع وطبيعته، واستعداد الفلسطينيين للحل السلمي سواء داخل نطاق دولة واحدة، أو دولتين، وذلك بالتزامن مع ما يقوم به فلسطيني 48. مما يفقد إسرائيل مظلوميتها التاريخية، وينفي صفة الإرهاب والتطرف عن الفلسطينيين، ويخلق هوية فلسطينية صلبة لفلسطيني الشتات، ويربط جميع فلسطيني العالم بالداخل، ويصبح اعتماد الفلسطينيين على أنفسهم ومواردهم المالية بما يضمن استقلالية قرارهم.

قيمة الخطاب المعلن المعروف سلفا برفض إسرائيل له، هو إنهاء حجتها أمام العالم بعدم وجود مفاوض فلسطيني، أو أن الفلسطينيين يريدون القضاء على دولة إسرائيل، وإلقاء اليهود بالبحر، كما يرفع هذا الخطاب العبء من على كاهل كافة الفصائل الفلسطينية، التي زايدت على بعضها في رفض أي مشروع للتسوية، وإدراكها لاستحالة تحقيق خطابها المعلن، وعدم قدرتها في نفس الوقت على التخلي عنه، فأصبحت أسيرة لخطاب معلن وسياسة فعلية مناقضة له ومكشوفة للجميع، وهذا العبء سيزول عبر قرار منظمة التحرير الفلسطينية، والتي تعتبر أعلى هيئة سياسية تمثل الشعب الفلسطيني، وقراراتها ملزمة لجميع الفصائل والأحزاب السياسية بغض النظر عن قناعتها الفكرية.

توحيد كافة فصائل العمل المسلح، واحتفاظ كل فصيل بسلاحه وقيادته، ولكن في ظل قيادة مركزية، وقرار سياسي يحدد متى توجه البندقة وبأي طريقة، وكيف سيبرر استخدامها والتسويق لها، ومتى تتوقف وما هي الحدود التي ستصل إليها.

يمهد هذا الخطاب لمشروع مقاومة سياسي وعسكري في آن واحد، وهذا المشروع بحاجة لوقت وتنظيم، وشرعية يتم اكتسابها عالميا للعمل العسكري عبر إعلان واضح بالرغبة في السلام، والتزام الجميع به، ورفض إسرائيل له، وخروج جماهيري مكثف ومنظم في تظاهرات أسبوعية، تنقلها عدسات الكاميرات العالمية لتشكل مرحلة ما قبل استخدام المقاومة المسلحة، وعندما تطلق البندقية طلقاتها، سيكون خلفها سياسي يوضح أسباب اللجوء للمقاومة المسلحة، ويقدم قائمة مطالبه السياسية، وينال تعاطف ودعم العالم كله، وهذا التعاطف ليس أمرا هينا، التعاطف الدولي أمر بلا قيمة في ظل الحالة الحالية من غياب التنسيق والتنظيم، ولكن في ظل وجودها، مع المتغيرات التي طرأت ومازالت تتفاعل حول العالم بتغير موازين القوى لغير صالح أمريكا، وفقدانها لهيمنتها المطلقة كما كان الوضع عشية انهيار الاتحاد السوفيتي، وتعالي الأصوات المعارضة للسياسات الإسرائيلية، فلنا أن نتخيل كيف سيكون الحال إذا ما تم تطبيق هكذا مشروع سياسي، وعسكري، وخلفه منظومة إعلامية قادرة على مخاطبة العالم، وبالتزامن مع مقاومة فلسطيني 48. السلمية، والعرب، والمسلمين، وأوروبا، وروسيا، وآسيا، وأفريقيا، ويهود العالم الغير مؤمنين بالمشروع الصهيوني، كل هؤلاء مع أصوات عديدة من داخل كندا وأستراليا وأمريكا. سيشكلون عناصر ضغط على إسرائيل.

العالم تغير، الإعلام البديل غير معادلة صوت الإعلام الواحد، الرواية الواحدة أصبحت غير منطقية، والشعوب تبحث عن رواية بديلة، وعقدة الهولوكوست التي أصابت أوروبا لعقود قد تراجعت، وإسرائيل امتلكت من القوة المفرطة ما حولها لنظير النازية في تصرفاتها العسكرية، وفقدت الكثير من تعاطف العالم معها، وهناك نهضة قوية في أوروبا والعالم تجاه المقاطعة، وذلك بأقل جهد وتنظيم، فما بالنا لو تم هذا التنظيم على هذا المستوى، نحن لم نعرف كيف نخاطب العالم، واعتمدنا على شعارات لم نجني من خلفها سوى الهزيمة، أو فتح المجال لهؤلاء المستسلمين الراغبين في تصفية القضية مستغلين فشل الخيارات السابقة، العالم تغير أن لم تتغير وتواكب حركته فسيفوتك القطار.

الخلاصة:

تخيل البعض أن قضية فلسطين ستنتهي بالضربة القاضية، أو عبر تحريرها مرة واحدة من النهر إلى البحر، ثم اكتشاف استحالة تحقق هذا الحلم وفق الظروف الحالية، مع ما تتسم به الشخصية العربية عامة، والفلسطينية على وجه الخصوص من حدية، هو من زرع اليأس في قلوب الكثيرين، وجعل البعض يكفر بالقضية، والبعض الأخر يتحول من مناضل لخائن، وهكذا هي المعادلة لا مجال فيها لحلول وسطية، وهذه التصورات تذكرني بتصورات اليهود الأوائل لمن يقرأ تاريخهم، وكيف كانت الحدية أحد أهم أسباب نكباتهم، إلا أن اليهود تمكنوا عبر قصة الجد المشترك، وشعب الله المختار من خلق تماسك مكنهم رغم تشتتهم حول العالم من البقاء، ومثل هذه النظريات لا يمتلكها الفلسطينيين، وهو ما يعول عليه الإسرائيلي في التخلص منهم بالنهاية، بجانب أن الحركة الصهيونية استفادت وتعلمت من التجارب اليهودية التاريخية، ويحضرني هنا قصة روسية طريفة تقول (هناك يهود ستة غيروا العالم وهم. موسى الذي قال كل شيء يبدأ من هنا وأشار إلى السماء، وسليمان الذي قال كل شيء من هنا وأشار إلى رأسه، ويسوع الذي قال كل شيء من هنا وأشار إلى قلبه، وماركس الذي أشار إلى جيبه وقال كل شيء من هنا، وفرويد الذي أشار إلى عضوه الذكري وقال كل شيء من هنا، ثم جاء أينشاتين فقال يا أصدقاء كل شيء نسبي).

يحتاج الفلسطيني أن يصادق الجميع، ويوسع من دائرة أصدقاءه، ويؤمن بفضيلة الصبر الاستراتيجي وينتهجها أسلوبا له في كل سياساته، ويضيق مساحات الخلاف مع الأخرين ما وسعه ذلك، ويجعل من الأعداء إن أستطاع أصدقاء أو على أقل تقدير محايدين، ولا يعادي إلا من يعاديه بشكل واضح وصريح، ولا يرهق نفسه ويدمر قضيته بالاستقطابات، والدخول في لعبة المحاور، فما دخله مثلا بالثورات، أو الصراعات بين هذا المحور وذاك، وبدلا من أن يكون محل اتفاق من الجميع ويستفيد منهم، يتحول لطرف ما بصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، ويدفع بالنهاية وحده ثمنها، وتجاربه لا يمكن حصرها من أيلول الأسود في الأردن، والحرب الأهلية في لبنان، والصراع مع النظام السوري، والتورط بالصراع اليمني الجنوبي – السعودي، وتأييد البعض لغزو صدام حسين للكويت، وثورات ما تسمى "الربيع العربي" وغيرها من الصراعات التي لم تجلب له سوى المزيد من الأعداء، بينما إسرائيل تخطط لمشاريع اقتصادية عملاقة مع الصين، ولديها تحالف استراتيجي مع أمريكا، وعلاقات مميزة مع روسيا، وتنفتح على كل بلدان العالم، وتقدم نفسها كحليف لبلدان الخليج، وتستغل كافة القوى العالمية فيما يخدم قضيتها أولا وقبل كل شيء.

يحق لكل فلسطيني أن يحلم بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وهو حق مشروع لكل المؤمنين بهذه القضية، ولكن يا أصدقاء حتى تتحقق الأحلام لابد أن تمتلك الوسائل والقدرة وتراكم القوة، ولننظر حولنا لإسرائيل. تمتلك النووي، وأقوى جيش بالمنطقة، ودعم كل القوى الكبرى، والعرب في حالة ضعف وتردي على كافة المستويات، وعلى الرغم من ذلك مرت 71. سنة ولم تتمكن من تحقيق مشروعها بطرد الفلسطينيين والاستحواذ على فلسطين كاملة من النهر إلى البحر كما تحلم.

حل الدولتين أو الدولة الواحدة لن تقبل به إسرائيل سوى مكرهة، ولن يكرها شيء إلا أن تجد كلفة بقاء الاحتلال أكبر بكثير من إنهائه، وسواء كانت دولة واحدة أو دولتين ساعتها سيكون الزمن في صالح الفلسطيني، المهم أن يبقى، وينظم نفسه، ويمتلك كل أسباب القوة والقدرة على الصمود، وألا يسمح للظروف بقهره والتغلب عليه، ولا يمكن تحقيق كل هذه الأشياء دون خطة عمل، ومراحل تناسب ظروف كل حقبة وصولا لتحقيق الهدف النهائي ألا وهو التحرير.

التعويل على العرب بوضعهم الحالي، أو على محور ما، أو على انتصار زعيم لا يمكن أن يحقق لفلسطين ولا شعبها شيئا، ولن يلتفت أحد للفلسطيني، وسيعتبره الجميع عبء يسعى للتخلص منه مالم لم ينظم الفلسطينيين أنفسهم، وحال قاموا بذلك سيسعى الكل إليهم، وسيقدم العرب قبل غيرهم الدعم لهم، ولن يتمكن أي طرف إقليمي أو دولي من تجاوزهم.

هناك فارق كبير بين أحلام يستحيل تحقيقها، أو تحتاج لوقت طويل جدا وخسائرها أكبر من مكاسبها، وبين حلم قابل للتحقق، ويحتاج لتحرير الإرادة، واستخدام العقل والمنطق، وهو ما يمتلكه الشعب الفلسطيني حال قرر الثورة أولا على نفسه وواقعه ليخلق التغيير المنشود، لا أن يترك ما يمكن تحقيقه لصالح ما لا يمكن الوصول إليه.


[1] https://st-takla.org/Bibles/BibleSearch/showChapter.php?chapter=32&book=1 (سفر التكوين – الإصحاح 32 - رقم 24 إلى 32)

[2] https://st-takla.org/pub_oldtest/Arabic-Old-Testament-Books/01-Genesis/Sefr-Al-Takween_Chapter-21.html (سفر التكوين - الإصحاح 21 – رقم 15 إلى 18)

[4] القرآن الكريم - سورة النور – الآية 55

[5] https://www.amazon.com/Prophetic-Addresses-Delivered-Exposing-Millennial/dp/B000MM2XOM )Foy E. Wallace - God's Prophetic Word – Page 347 to (349