صفقة القرن: الإمارات وإسرائيل

26.09.2020
لدى الإمارات إدراك بأن عصر النفط قد بات يقترب من نهايته وبالنسبة للغرب لن تكون الهيدروكربونات في المستقبل القريب بنفس ذات القيمة التي كانت عليها في القرن العشرين مما أدى إلى قيامها بعملية إصلاح نشط لاقتصاد البلاد لذلك تستعد للعودة إلى لعب دورها التاريخي - مركز اتصال بين الغرب والشرق

بشكل غير متوقع أصبحت الإمارات فجأة، في بؤرة الاهتمام العالمي بعد الإعلان عن اتفاق للتطبيع الكامل للعلاقات مع إسرائيل في 13 أغسطس/آب. جرت المحادثات بوساطة من الولايات المتحدة مما يعني أن الإمارات قد أصبحت ثالث دولة عربية تعترف بإسرائيل (بعد مصر عام 1979 والأردن عام 1994، وكلاهما تحت ضغط من الولايات المتحدة).

أعرب عدد من قادة الدول العربية والإسلامية، وكذلك وسائل الإعلام في هذه الدول، عن قلقهم بشأن الاتفاقية بناءً على رأي مفاده أن الصفقة مع إسرائيل ستؤدي إلى تراجع الدعم العربي للفلسطينيين.

في غضون ذلك، رفض القادة الفلسطينيون الاتفاق، واتخذت تركيا منه موقفاً سلبياً ووعدت بزيادة مساعدتها للفلسطينيين، وأدانته إيران. حيث بات يُنظر إلى هذا الخلاف على أنه سبب آخر للأزمة المتفاقمة داخل منظمة التعاون الإسلامي التي قد تؤدي إلى تفكيكها.

التقييمات ووجهات النظر الأمريكية

رحبت الولايات المتحدة بهذه الخطوة ووصفتها بأنها انتصار دبلوماسي كبير. أشار جيمس كارافانو من مؤسسة التراث اليمينية المحافظة، إلى أن اتفاقية السلام التاريخية بين إسرائيل والإمارات تُظهر بوضوح نجاح سياسة ترامب في الشرق الأوسط. حيث أعتبر الاتفاق مجرد خطوة أولى نحو إنشاء تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط، وتعبر عن توجه إدارة ترامب للجمع بين إسرائيل والدول العربية في إطار مشروع جماعي يضمن الاستقرار والازدهار في المنطقة.

ستلعب الولايات المتحدة دوراً توحيدياً حاسماً في هذا التحالف وستقدم المساعدة لكل عضو من أعضائه؛ ومن أهداف هذا التحالف الواعد تعزيز التكامل الاقتصادي، ومنع الصراعات الإقليمية، ومواجهة الأزمات الإنسانية، ومكافحة الإرهاب الإسلامي الدولي، واحتواء إيران.

تتضمن خطط الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان احتكار مبيعات الأسلحة إلى الشرق الأوسط؛ لتجنب المنافسين الرئيسيين روسيا والصين. ستكون دولة الإمارات ساحة اختبار، لأنها شريك رئيسي لكلا البلدين في شراء الأسلحة الحديثة. حيث تُجري حالياً مفاوضات لبيع طائرات مقاتلة أمريكية من طراز F-35 متعددة المهام إلى الإمارات. أعطت إسرائيل موافقتها على الصفقة، بينما أكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن الإمارات ستستخدم الطائرات النفاثة للدفاع عن نفسها ضد تهديدات إيران. إلا أن الأسلحة لن تكون هي الرابط الوحيد بين هذه الدول. ستحصل إسرائيل الآن على حرية الوصول إلى النفط العربي، الذي تحتاجه لدعم صناعتها التحويلية. كما ستتمكن أيضاً من استخدام الإمارات كدولة بديلة لعقد صفقات مع دول عربية وإسلامية أخرى بما في ذلك تلك التي لا تعترف بإسرائيل.

كما تعتقد الولايات المتحدة أن ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات، لم يخسر شيئاً من هذه الصفقة، ولا يزال موقفه قوياً.

قضية فلسطين

تجدر الإشارة إلى أن القرار الإماراتي بالتقارب من إسرائيل؛ بررته بدفعها للأخيرة بوقف عملية ضم الأراضي الفلسطينية. كان سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، قد كتب مقالاً في يونيو/حزيران 2020، حذر فيه القيادة الإسرائيلية من مثل هذه الأعمال، وأشاد بدور الإمارات في عملية السلام بالشرق الأوسط، وبالفعل فقد توقفت إسرائيل حتى الآن عن الاستيلاء على أراض جديدة، لكنها لم تُعيد الأراضي القديمة أو تعوض الفلسطينيين عن مساكنهم التي دمرتها.

إذا تحدثنا عن الدعم السياسي، فهذا موضوع أكثر تعقيداً وإثارة للجدل. تكمن المشكلة في غياب الوحدة بين الأحزاب والجماعات السياسية الفلسطينية. بالإضافة إلى ذلك، قيام بعضهم بدعم أنشطة الحركات الجهادية في العراق وسوريا، ولا سيما حماس، التي هي في الواقع فرع لجماعة الإخوان المسلمين. يدور منذ فترة طويلة صراع على النفوذ حول حماس بين قطر والسعودية وتركيا وإيران والإمارات. يبدو الآن أن الدعم الرئيسي لهذه الحركة يتم من خلال قطر وتركيا.

على مستوى القيادات الفلسطينية. أقامت الإمارات اتصالات سياسية مع حركة فتح، وقدمت لها الدعم المالي لكن القيادة الإماراتية لم تكن راضية عن نتائج هذه العلاقة، بسبب فساد قيادات فتح. مما دفعهم للتقارب مع المدير السابق لجهاز الأمن الوقائي في غزة، محمد دحلان، المقيم في أبوظبي. تعتقد الإمارات أنه قد يصبح في المستقبل الزعيم الفلسطيني الجديد. شارك دحلان في عملية التفاوض مع إسرائيل في أوسلو، وهو مؤيد لتحسين العلاقات مع تل أبيب وواشنطن.

الدور الجيوسياسي الجديد للإمارات

يشير المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية إلى أنه: "أصبح من الواضح بشكلٍ متزايد أن الإمارات لم تعد لاعباً ثانوياً في الشرق الأوسط، أو غير قادرة على منافسة القوى الإقليمية ذات الوزن الثقيل مثل مصر وتركيا وإيران. في الواقع، تمارس الإمارات الآن نفوذها خارج حدودها، وقد أثبتت في الآونة الأخيرة من خلال انسحابها الجزئي من اليمن في عام 2019 أنها قادرة على اتباع مسار مستقل تجاه المملكة العربية السعودية أيضاً" كما يعتقد المعهد أن الإمارات لم تعد شريكاً صغيراً للسعودية، وباتت تتبع حالياً سياسة إقليمية جديدة ذات ثلاث أولويات واضحة:

محاربة جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة لأنها تشكل خطراً على قيادة البلاد، ولهذا السبب تعمل الإمارات بشكل وثيق مع مصر وتدعم الجنرال حفتر في ليبيا، وتدهورت علاقاتها مع تركيا، حيث تعتمد الأخيرة على هياكل الإخوان في سياستها الإقليمية. كما يرتبط قرار الإمارات بإرسال طائرات عسكرية إلى منطقة البحر المتوسط لمساعدة فرنسا واليونان بهذه الاستراتيجية. كما تؤيد أيضاً عزل قطر التي تعتبر الداعم الأهم للإخوان المسلمين.

مقاومة التمدد الإيراني في الشرق الأوسط. لا يحدث هذا الأمر بشكل علني كما هو الحال مع جماعة الإخوان المسلمين. لكنه اتجاه طويل الأمد، لا سيما بالنظر إلى أن الإمارات لديها مطالبات إقليمية من إيران. حيث تقع ثلاثة جزر - أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى - تحت سيطرة إيران، وتطالب الإمارات بعودتهم إليها.

السيطرة على الطرق البحرية من خليج عدن إلى البحر الأحمر. ولتحقيق هذه الغاية، تم إنشاء قواعد في إريتريا (عصب) وجمهورية أرض الصومال (بربرة)، وسيطرت الإمارات على الموانئ البحرية في اليمن أثناء قتال المتمردين الحوثيين. كما تقوم شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية بتوسيع وإدارة الموانئ في المنطقة. تعد الإمارات أيضاً مركزاً لوجستياً رئيسياً يُمكن للمسافرين عبرها السفر إلى العديد من البلدان حول العالم. من المحتمل أن تكون الطرق البحرية ذات أهمية عسكرية واقتصادية.

على الرغم من الاستقلال المتزايد لدولة الإمارات العربية المتحدة، لا تزال الرياض وأبوظبي شريكتين وينفذا مشاريع إقليمية مشتركة. منذ بدء العملية العسكرية في اليمن. كما أن كلا البلدين يدعمان السودان مالياً من خلال دفع أموال للبلاد مقابل مشاركة بعض ميليشياتها في القتال.

تجدر الإشارة أيضاً إلى انسحاب الإمارات من التحالف العربي الذي يخوض حرباً في اليمن، وتطبيع العلاقات مع سوريا. تُظهر هذه الإجراءات الحسابات الاستراتيجية العقلانية لقيادة الإمارات في الشؤون الإقليمية.

يُذكر أنه في أواخر عام 2019، قد أعلن وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية والتعاون الدولي أنور قرقاش أن الأشهر الاثني عشر المقبلة ستكون "حاسمة" في العديد من المجالات، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه قد تم بالفعل إحراز تقدم في عدد من قضايا المنطقة. من الواضح أنه ومع حلول عام 2020، كان التقدم في هذا الأمر واضحاً لدرجة أن الإمارات باتت تنتهج الآن سياسة أكثر استقلالية.

من ثوقيديدس إلى كارل شميت

عند العودة إلى أصول التفكير الاستراتيجي في العمل السياسي؛ للفيلسوف اليوناني القديم ثوقيديدس، والذي أقترح فيه عدد من المفاهيم أصبحت فيما بعد من القواعد الأساسية للسياسة الحديثة – منها التقسيم على أساس التحالفات وتوازن القوى (بما في ذلك الانقسام إلى قوة بحرية وبرية) والهيمنة. وفقاً لثوقيديدس، فإن أي عمل سياسي في الدولة الحديثة لابد أن يقوم على أساس عاطفتي - الخوف والأمل. لا سيما في مسائل الأمن القومي، تواصل هاتين العاطفتين لعب دور أساسي في صنع القرار السياسي حتى الآن.

ما هو بالضبط سبب خوف وأمل القيادة الإماراتية في هذه الحالة؟

كشفت أحداث الربيع العربي عام 2011 عن الانقسامات الإقليمية وساعدت على حشد الجماهير العريضة خلف القوى الراديكالية. على الرغم من أن سكان الإمارات لا يشاركون في العملية السياسية، كما هو الحال في عدد من الدول العربية الأخرى حيث لا يوجد في الدولة انتخابات أو أدوات أخرى للتعبير عن إرادة المواطنين فإن قيادة الدولة تخشى من أي انفجار اجتماعي، بغض النظر عن أسبابه - لذلك ارتبط تخوف القيادة الإماراتية بالنتائج المحتملة للانتخابات الرئاسية الأمريكية المستقبلية.

إذا فاز جو بايدن، فهذا قد يعني عودة الاستراتيجية السياسية للديمقراطيين إلى منطقة الشرق الأوسط. بالنسبة للإمارات، تعني هذه الاستراتيجية الاستمرار في الرهان على الجماعات المتشددة المختلفة التي يتم استخدامها للإطاحة بالأنظمة المحلية. قد تتلقى الفصائل شبه العسكرية التابعة للإخوان المسلمين، والتي لا تزال ترعاها قطر وتركيا، دعماً سياسياً ومالياً إضافياً من الولايات المتحدة، مما سيغير في التوازنات الحالية بشكل كبير لصالح الإسلام السياسي، الذي يشكل تهديد كبير لزعزعة استقرار الإمارات والسعودية، حيث أن كلتا الدولتين ملكيتان، وسيُنظر إليهما على أنهما أنظمة استبدادية من قبل مؤيدي "الصحوة الإسلامية" والولايات المتحدة.

في الوقت نفسه. من الممكن عودة ولي العهد ووزير الداخلية السعودي السابق محمد بن نايف، الذي كان من أنصار التحالف مع الإخوان المسلمين، وقطر وتركيا (اعتُقل في مارس/آذار 2020). وبناءً عليه، وفي هذه الحالة، ستصبح الإمارات محاطة بتهديدات وجودية - بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي عودة الديمقراطيين إلى تطبيع العلاقات مع إيران، بما في ذلك إعادة العمل بالاتفاق النووي. حل التناقضات بين إيران والولايات المتحدة. بطريقة أو بأخرى، سيؤثر على المنطقة، وهو ما سيخلق مشاكل أخرى للإمارات.

إلا أن الإمارات قد أخذت في الحسبان علاقات كامالا هاريس؛ القوية مع منظمة أيباك الداعمة لإسرائيل وبالتالي في حال فوز بايدن، ستكون بمثابة شبكة أمان ضد أي إجراءات أمريكية قد تؤدي إلى تقويض مصالح الإمارات - بالطبع، لم تغفل أيضاً عن سيناريو فوز ترامب. في هذه الحالة، ستستمر سياسة التقارب مع الولايات المتحدة وإسرائيل كطرف إقليمي جديد يؤثر بفاعلية على أمن المنطقة.

لدى الإمارات إدراك بأن عصر النفط قد بات يقترب من نهايته، وبالنسبة للغرب لن تكون الهيدروكربونات في المستقبل القريب بنفس ذات القيمة التي كانت عليها في القرن العشرين. مما أدى إلى قيامها بعملية إصلاح نشط لاقتصاد البلاد. لذلك، تستعد للعودة إلى لعب دورها التاريخي - مركز اتصال بين الغرب والشرق. لذا دعمت الإمارات المقترح الصيني بأن تصبح أحد محاور مبادرة الحزام والطريق، لكنها تعمل أيضاً على تطوير قدراتها الخاصة للتحكم في البنية التحتية للموانئ وإدارتها في المنطقة.

تمتلك شركة موانئ دبي العالمية؛ حوالي 60 محطة (ميناء) عاملة، بجانب 11 محطة قيد الإنشاء في 31 دولة، بما في ذلك روسيا بمنطقة (الشرق الأقصى). تتمتع الشركة بإمكانية الوصول إلى الموانئ الاستراتيجية في البحر المتوسط ​​والبحر الأحمر والخليج الفارسي وسواحل أوروبا وشبه القارة الهندية.

الإمارات العربية المتحدة لديها اتفاقية تجارية مع الاتحاد الأوروبي، كما أنها تبدي اهتماماً جاداً بالاتحاد الاقتصادي الأوراسي. لذلك، ومع الأخذ في الاعتبار لكل هذه السياقات. يمكن لروسيا أن تتقدم بمقترحات محددة للتعاون، ليس فقط من خلال تعزيز التفاعل عبر الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ولكن أيضاً عبر مبادرة أوراسيا الكبرى ككل، كما أشار لذلك الرئيس فلاديمير بوتين خلال خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

المقصود بأورواسيا الكبرى: "تكامل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأوراسي، وكذلك مختلف المبادرات الصينية المتعددة في إطار وحدة اقتصادية واحدة".

بشكلٍ عام، تتناسب تصرفات القيادة الإماراتية تماماً مع نظرية السياسي والفيلسوف الألماني كارل شميت - لا يوجد أصدقاء أو أعداء أبديون في السياسة، يمكن أن تتغير النظرة للآخر اعتماداً على معطيات وظروف الواقع.

من الواضح أن الاتفاق مع إسرائيل يمثل ذروة جهود الإمارات لإصلاح سياساتها الداخلية والخارجية. لن تتحمل جميع دول المنطقة الدور الجديد لدولة الإمارات، والذي قد يهدد بالتوترات السياسية والصراعات المختلفة. ومع ذلك، فإن قرار الإمارات يُظهر محاولة لنمذجة جيوسياسية دون مواجهة بناءً على مصالحها الوطنية.

في سياق التصريح الأخير لرئيسة مجلس الاتحاد الروسي فالنتينا ماتفيينكو بأن "روسيا باتت مستعدة للتخلص من إبرة النفط "، فإن تجربة الإمارات ستكون مفيدة لروسيا بعد تعديلها بما يتوافق مع البنية التحتية والخصائص الاقتصادية المحلية.