التنظيمات العثمانية ... نهاية الإمبراطورية وقيام الجمهورية

01.12.2019

ملف خاص (5/4)

توشك هذه السلسلة أن تنتهي بهذا المقال الرابع ما قبل الأخير، والذي سنربطه بمقال إضافي سادس يجمع ما ورد في هذه السلسة، مع ما ورد في سلسلة تاريخ إيران بعد نهايتها، لوضع تصور لشكل العلاقة التي يمكن أن تكون بين العرب وتركيا وإيران، وذلك بناء على دراسة البعد التاريخي والسياسي والاجتماعي لهذه العلاقة، وقد تحدثنا في مقالنا الأول عن أصل الشعوب التركية [1] الذي تعرفنا فيه عن أصل الترك، ومن هم، والفوارق فيما بينهم، ثم انطلقنا في مقالنا الثاني للحديث عن تأثير الثقافة التركية على العرب في جانبها السياسي، وتحديدا وسائل الوصول إلى السلطة التي غالبا ما تكون عبر الانقلابات العسكرية، وذلك في مقال كيف يحكم الترك العرب حتى الأن [2] وخصصنا المقال الثالث للحديث عن خصائص الدولة العثمانية، وطبيعة النظام السياسي، والاجتماعي، والعسكري، وتوصيف حكمها للعالم العربي، والذي كان بعنوان ما بين التاريخ والسياسة حكم العثمانيين للعرب [3] ونناقش في مقالنا الرابع عصر التنظيمات العثمانية، وأسباب سقوط الإمبراطورية، وظروف قيام الجمهورية التركية الحديثة على يد مصطفى كمال الملقب بأتاتورك أي "أبو الأتراك".

إمبراطورية الضرورة:

لعل البعض ممن أطلعوا على المقال السابق، وتعرفوا من خلاله على النظام العثماني العام شديد الإحكام، قد تساءلوا لماذا سقطت هذه الإمبراطورية رغم ما تمتعت به من قوة، وكما أسلفنا في ذلك المقال فالدولة العثمانية مرت بمراحل متعددة، ولكل مرحلة ظروفها، ومهنية الباحث بالشئون التاريخية تحتم عليه ذكرها، وعدم اختصارها أو اختزالها في عصر القوة والازدهار، أو عصر الأفول والانحطاط، وقد وصلت هذه الإمبراطورية لقمة مجدها وعصرها الذهبي زمن السلطان العثماني العاشر سليمان الأول "القانوني" الذي ظل يحكمها طيلة 46 سنة متواصلة، إلا أن هذه المدة الطويلة بالحكم، وما أصاب السلطان من وهن فيها وضعف، وارتيابه في كل من يحيطون به بدء من وزراءه ورفيق دربه الصدر الأعظم الداماد إبراهيم باشا البارغلي ليصل إلى أبناءه. فبعد قتله للوزير الأعظم، أمر بقتل ابنه البكر الأمير مصطفى وأولاده، وكذلك الأمير بايزيد وكافة أبناءه، فصعد إلى عرش السلطنة الأمير سليم الثاني الملقب "بالسكير".

كان سليم "السكير" ضعيف الشخصية غارق في السكر وشرب الخمر، وترك شئون الدولة في يد وزراءه، وتحديدا الصدر الأعظم الداماد سوكولو محمد باشا أو "باجيكا نيناديك" الصربي الأرثوذكسي الأصل الذي جاء إلى إسطنبول وفق نظام الدِّڤشيرمة الذي أشرنا إليه بالمقال السابق، وتزوج من السلطانة أسمهان ابنة السلطان سليم، والسلطانة نوربانو أو "راشيل بافو" قبل إسلامها التي يعتقد العديد من المؤرخين الأتراك أنها من أصول يهودية إيطالية.

كانت البحرية العثمانية بفضل مجهودات خضر خير الدين "بربروس" اليوناني – الألباني الأصل، أقوى سلاح بحرية في العالم كله، ثم بدأت في التراجع من بعده حتى تعرضت لهزيمة ثقيلة في معركة ليبانت البحرية [4] على يد التحالف الأوروبي بقيادة إسبانيا عام 1571م. وكان من نتائج هذه المعركة فقدان العثمانيين لهيمنتهم على البحار، ليصبح الأسطول البحري الإسباني "الأرمادا" سيد البحار في العالم حتى هزيمته النهائية على يد الأساطيل الإنجليزية عام 1604م [5]

بعدما فقد العثمانيين سيادتهم البحرية وتحولها لصالح الإسبان، والإنجليز، والبرتغاليين، ظل الجيش العثماني البري هو الأقوى عالميا حتى حصار فيينا الثاني عام 1683م. وفشل العثمانيين في اقتحامها، وهزيمتهم على يد التحالف الكاثوليكي، وبالتالي فقد العثمانيين سيادتهم العسكرية البرية ولم تعد جيوشهم ترهب أوروبا كما كانت من ذي قبل، ومقابل التقدم العسكري التقني الكبير الذي عم الجيوش الأوروبية، ظلت الجيوش العثمانية على عقيدتها القتالية القديمة المتخلفة قياسا بالتطور الذي حدث وقتها.

أصبحت الإمبراطورية العثمانية المهيبة في حالة ضعف وجمود، وتحولت لنمر من ورق، ووقعت تحت هيمنة وسيطرة قناصل البلدان الأوروبية الغربية، وأصبح أمر إسقاطها يتوقف على قرار من هذه الدول، لكن ما عطل هذا القرار تلك التحولات الكبرى التي حدثت في روسيا، وحولتها من قيصرية مسيطرة على الأراضي السلافية الشرقية (روسيا الاتحادية – شرق أوكرانيا – بيلاروسيا). حاليا إلى الإمبراطورية الروسية، وتمددها لتصبح أكثر قربا من أوروبا مع ما رافق هذا التوسع من عملية تحديث شاملة قام بها الإمبراطور بيتر الأول "بطرس الأكبر" في وقت كانت القوى الأوروبية الغربية منشغلة في توسعاتها بالعالم الجديد "الأمريكيتين" ولا تريد تبديد جهودها وطاقتها في مواجهة القوى الروسية الصاعدة، ولذلك وجدوا من المناسب الإبقاء على الدولة العثمانية لتلعب دورا وظيفيا لصالح الغرب ضد روسيا، وتشكل عازلا بينهم وبينها، خصوصا وأن العثمانيين قد جرى تدجينهم ولم يعودوا يشكلوا خطرا على أوروبا، واقتصادهم أصبح تحت هيمنة وسيطرة هذه الدول عبر الديون والامتيازات التجارية، لذلك أصبح بقاء هذه الإمبراطورية المريضة أمرا ضروريا لخدمة المصالح الغربية، وهو ما أخر سقوطها الرسمي حتى العام 1923م. بينما كانت قد سقطت فعليا منذ العام 1683م.

من المهم لفهم طبيعة العلاقات التركية – الروسية حاليا الاطلاع على هذه الحقبة التاريخية، ودورها المستمر حتى الأن، وكيف ساهمت فيما بعد في انضمام تركيا لحلف الناتو عام 1952م. بدعم غربي لمواجهة روسيا السوفيتية، حيث ظلت المعادلة الغربية تنظر لتركيا منذ تلك الحقبة على أنها دولة وظيفية يمكن أن تلعب بحكم موقعها الجغرافي الهام عدة أدوار في خدمة المصالح الغربية، وخلق عازل مع روسيا كلما تمددت وتصاعدت قوتها، في المقابل المعادلة التركية قائمة على أن تركيا القوية يتحول تلقائيا فائض قوتها تجاه أوروبا الغربية، وتكون على وفاق أو هدنة مع روسيا، وكلما كانت ضعيفة تعوض ضعفها بلعب هذه الدور الوظيفي لصالح الغرب ضد روسيا، وقد أدركت السياسة الروسية هذا الأمر جيدا، ولذلك تسعى لتقوية تركيا، وعقد تحالف معها أو على أقل تقدير تحييدها عن لعب هذا الدور السلبي تجاهها لصالح الغرب، وهو ما يفسر الدعم الكبير الذي تقدمه روسيا لتركيا بالوقت الحالي، وحالة التنمر التركية تجاه أوروبا.

عوامل سقوط الإمبراطورية العثمانية:

كثيرين هم من تحدثوا عن عوامل سقوط الدولة العثمانية، ونظرا لما يعانيه المسلمين من هزيمة حضارية انسحبت على قراءتهم لتاريخهم ورؤيتهم له، مما أدى لبروز رؤيتين لا ثالث لهما تقريبا حول أسباب سقوط هذه الإمبراطورية، الرؤية الأولى تتحدث عن مؤامرة غربية، ودور الصهيونية العالمية في إسقاط الإمبراطورية أو الخلافة كما يسميها البعض، ويتبنى هذا الرأي تيار الإسلام السياسي، والجمهورية التركية الثانية التي أسسها رجب طيب أردوغان، وقد صرح وقادة حزبه بذلك في مرات عدة، وتجلت تأثيرات تلك النظرة على صناع الدراما التركية التاريخية، وظهرت بشكل واضح في مسلسل (الإمبراطور الأخير). الذي يروي سيرة السلطان عبد الحميد الثاني، أما الرؤية الثانية فترى أن سقوط هذه الإمبراطورية كان إنقاذا لتركيا من الفناء، وعملا عظيما كان لابد منه، ويتبنى هذا الرأي التيار العقائدي العلماني بالأساس.

حال أردنا تحليل أسباب هذا السقوط بشكل مهني، وبعيدا عن توظيفه أيديولوجيا، فلا يمكنا اختصاره في سبب واحد، إنما كان نتاج لعدة عوامل منها ما هو رئيسي وما هو ثانوي، وسنركز على العوامل الرئيسية التي لم يتطرق لها الكثير من الباحثين لغلبة الرؤية الأيديولوجية على المتناولين لهذه الموضوع خصوصا مع قرب عهد سقوط هذه الإمبراطورية التي لم يكمل عامه المائة، وصدور العديد من الشعوب مازالت ملتهبة بكراهيتها نتيجة سياساتها الكارثية خصوصا في القرن الأخير من عمرها، لذا سنسعى لذكر أهم العوامل الرئيسية كما أسلفنا بقلب بارد، وعقل واسع الرؤية ما أمكنا ذلك.

سقوط الدولة العثمانية كانت نتيجة طبيعية ومنطقية لسقوط العقل المسلم الذي لم يكن العثمانيين استثناءَ منه، وإن كان من لوم يوجه إليهم فهو لعدم قدرتهم بحكم قيادتهم للعالم الإسلامي على القيام بالتطوير والتحديث اللازم، ومواكبة روح العصر والتقدم العلمي المذهل الذي حدث فيه، فلو تأملنا خريطة الدولة العثمانية نجدها تصنف كإمبراطورية قابعة، والإمبراطورية القابعة هي تلك الإمبراطورية الكبيرة بمسحاتها ومحصورة في نطاق حدودها الإقليمية البرية، ومثل هذه الإمبراطوريات تتسم بالبطء الشديد في التحديث، والميل نحو المحافظة والتقليد، وذلك لوجود شعوب متجانسة نوعا معا تقع تحت حكمها، وعبر أدوات القوة والأعراف الاجتماعية يمكن أن تقودها، بينما الإمبراطوريات التوسعية البحرية، والتي تعتمد في توسعها على الخروج من نطاقها الإقليمي لتعم العالم كله، وتشمل أراضي بعيدة عن مركز الإمبراطورية مثل الإمبراطورية البريطانية، أو الفرنسية، والأمريكية حاليا، تتسم بمرونة أكبر، وقدرة على مسايرة العصر وتوقع المتغيرات الجديدة واستباقها، واستخدام أدوات حديثة لتتمكن من حكم هذه الأراضي مترامية الأطراف.

عندما نتأمل مرحلة العصر الذهبي العثماني بالقرن السادس عشر الميلادي، سنجد إمبراطورية تتوسع في نطاقها الجغرافي، وتعتمد على الوسائل التقليدية في إدارتها لشئون الدولة ورعاياها، وتطور منها بشكل دائم حتى توقفت هذه الحركة بعد السلطان سليمان القانوني، بينما العالم الغربي المسيحي كان يخطو بخطى حثيثة نحو التقدم بسرعة كبيرة، لم يقابلها العثمانيين والمسلمين عامة بنفس ذات الوتيرة، فعندما سقطت القسطنطينية "إسطنبول" بيد العثمانيين عام 1453م. شكل هذا السقوط صدمة ودوي واسع في كل أوروبا. حيث سقطت الإمبراطورية الرومانية الشرقية، روما الثانية معقل الأرثوذكسية العالمية، والجناح الأيمن للمسيحية في العالم كله، إلا أن الفارق بين العقل المسلم والغربي قدرة الأخير على التعلم من أخطاءه، ودراسة تاريخه بشكل نقدي بعيدا عن روح الانتقام والشعبوية التي اتسم بها العقل المسلم في فترات الانحطاط، ومازالت ملازمة له حتى الأن، أو الشعور باليأس نتيجة الهزيمة والاستسلام لها، بل تمكن العقل الغربي من تحويل هذا السقوط لعامل قوة ودفع نحو التقدم، واعتبار يوم سقوط القسطنطينية هو نهاية لحقبة العصور الوسطى وبداية لعصر النهضة، والنهضة لها مراحل متعددة لا تختصر في عهد واحد، فبدأت أوروبا في إعادة النظر لخريطتها، وتمكنت عام 1492م. من تحرير غرناطة من حكم المسلمين، وطردهم من أخر بقعة سيطروا عليها في أوروبا الغربية، وذلك بعد مرور 39 سنة فقط من سقوط القسطنطينية.

رافق تحرير غرناطة وفي نفس العام البحث عن طرق جديدة للوصول للعالم بعيدا عن سيطرة العثمانيين، وبدء رحلة البحارة الإيطالي كريستوفر كولومبوس ليكتشف فيما بعد البحارة الإيطالي أمريكو فسبوتشي الأمريكيتين، ويوسع الغرب المسيحي من أملاكه ويضيف إليها مع الوقت حوالي 42.549.000 كيلو متر مربع في هذا العالم الجديد، وامتلاكه لثروات مهولة من الذهب والفضة والمعادن الثمينة، وبدء عصر الاستيطان والزراعة بهذه الأراضي البكر مما مكنه من خلق نمو اقتصادي مذهل لم يسبق له مثيل، بينما العثمانيين والمسلمين كانوا يتصارعون على العالم القديم، ولا يدركون ما يحدث من تحولات كبرى واكتشاف عالم أخر جديد.

شرقا دبت روح جديدة في روسيا القيصرية أخرجتها من عزلتها وحالة الجمود التي عاشت فيها، وصنعت لنفسها نهضة علمية، وفكرية، وعسكرية توجها بطرس الأكبر في توسعاته، وامتلاك روسيا لأول مرة في تاريخها موانئ عميقة على السواحل الدافئة الغير متجمدة، بينما كانت قبل ذلك محصورة في يابستها وبحارها المتجمدة لمدة ستة أشهر على الأقل في السنة، وهو ما أعاق حركة التجارة منها وإليها، وجعلها رهينة لعدة قوى خارجية كان العثمانيين من ضمنهم.

رافق التطور الاقتصادي تطور تقني وعلمي، وحركة نقد للذات دون القطيعة مع الماضي، وإعادة قراءة تاريخ أوروبا بشكل هادىء لمعرفة أسباب تخلفها والذي أدى بدوره لبروز حركة الإصلاح الديني، تلك الحركة التي بدأها مبكرا المصلح التشيكي يان هوس عام 1415م. وكانت الإرهاصة الأولى لمحاولات متكررة تكللت بالنجاح على يد الراهب الألماني مارتن لوثر، وقيامه بترجمة الكتاب المقدس من اللغة اللاتينية النخبوية للغة الألمانية الشعبية عام 1522م. وانفجار الطاقات الفكرية الأوروبية، وقيام النزاعات والصراعات الدموية التي أدت في النهاية لخلق نظم ديمقراطية، كانت نتاج لهذا الصراع الفكري الذي تحول لصراع مسلح أيقن بعده الجميع ألا مجال لحسمه سوى بالتوافق، وصولا للثورة الفرنسية وربيع أوروبا وتحول الملكيات لنظم دستورية.

ساعدت حالة التوافق داخل أوروبا بعد صلح وستفاليا عام 1648م. في نمو الحركة العلمية، والفنية، والتطور الاقتصادي والاجتماعي، وصولا للثورة الصناعية، وقوة البخار، وظهور السفن التجارية العملاقة، وتحول فائض القوة الأوروبية الذي كان يوجه لصراعات داخلية نحو الخارج ونشوء الظاهرة الاستعمارية، وتوسع الغرب في قارات العالم كله، بينما العالم الإسلامي بقيادة العثمانيين في حالة ثبات عميق وجمود أدى لتحول فائض القوة لديه لصراعات داخلية.

كانت كل هذه الأسباب كفيلة بسقوط هذه الإمبراطورية، وبقاءها كان مرهونا بحاجة القوى الغربية لها لمواجهة روسيا، وبمجرد انتفاء هذه الحاجة بعد تفاهم الغرب مع وروسيا وتأسيس تحالف سمي بالوفاق الثلاثي ضم روسيا، وفرنسا، وبريطانيا.

صُمم النظام العثماني الذي تحدثنا عنه بالمقال السابق ليتناسب مع دولة توسعية، تعتمد مواردها الاقتصادية في المقام الأول على الغزو والفتوحات، ولم تراعي أن التوسع له حد معين سيفرض عليها التوقف، فلم تتمكن من إدارة هذا الانتقال، ولم تستغل الموارد المالية الضخمة التي حصلت عليها من هذه الفتوحات لصنع اقتصاد حقيقي، وبدلا من ذلك توسع السلاطين في الإنفاق ببذخ شديد على عمارة المساجد والتكايا، والقصور والسرايات، وإنشاء السبل واقتناء النفائس الثمينة ليتباهوا بها، بينما تُرك الإنسان المسلم مهملا دون أي استثمار، وهذه العادة مازالت ملازمة لنا حتى الأن بالمنطقة، حيث ترى الأنظمة العربية أن الاستثمار في الحجر أجدى وأنفع من البشر، وهذه طبيعة كل النظم الاستبدادية.

حركة الفتوحات المستمرة ساهمت في تجديد جهاز الدولة البيروقراطي بشكل دائم، وتطعيمه بالكفاءات عبر نظام الدِّڤشيرمة، ومع توقف هذه الحركة عانت البيروقراطية العثمانية من الركود، وشيخوخة القائمين عليها، وعدم تمكنهم بحكم السن من مسايرة العصر، أو إدراك الجديد وتحديث الدولة، وتحولهم لطائفة لها تأثيرها السلبي على صنع القرار بالدولة، ومعوق أمام تطورها مع تفشي الفساد والرشوة داخل أوساطها.

الجيش العثماني الذي أُسس على العبيد، ولم يكن مسموحا لجنوده بالزواج، ولا يتلقى جنوده رواتب شهرية، ورغباتهم الجنسية ومواردهم المالية يحصلون عليها من الغزو الدائم، وبعدما كانوا عامل قوة للدولة، تحولوا لعبء عليها، وعامل تمرد مستمر مطالبين بشن الحروب وخلفهم قوى مجتمعية تدفع بذلك لتراكم ديونهم لدى التجار، ودون مراعاة للسياسة الخارجية والوقت المناسب للحرب، وليأمن السلاطين من شرهم تورطت الدولة بحروب عدة لم تكن في صالحها، وشكلت خرقا لمعاهدات واتفاقيات سابقة قد وقعتها، وأثناء الحروب وقبل تحقيق النصر العسكري المطلوب لنيل أفضل الشروط السياسية كان الجيش يتمرد، ويطالب بالاكتفاء بما حصل عليه من غنائم، واستباحة للمدن اغتصبوا فيها ما يروي شبقهم الجنسي، مطالبين بالعودة إلى العاصمة، وعندما أدرك السلاطين هذا الخلل الذي دب بالجيش، وضرورة تغيير عقيدته ونظامه العسكري كان الوقت قد فات، ولذلك فشلت محاولة السلطان عثمان الثاني "الشهيد" بالقضاء على الانكشارية، وقام الجيش بالتمرد عليه وقتله عام 1622م. بعدما أهانوه وعذبوه في شوارع إسطنبول. ليكون عبرة لأي سلطان يحاول القيام بأي تغيير بالنظام العسكري مثله، وقد ظل السلاطين في حالة رعب من الجيش خصوصا مع تحول قواه للداخل بعد غياب عدو الخارج، بل وأصبح أمر تعيين السلاطين وعزلهم بيده، ولم يتمكن من تغيير هذا الوضع سوى السلطان محمود الثاني عام 1826م. أي بعد 204 سنة من المحاولة الأولى بعدما اتسعت الفجوة بين الدولة العثمانية والغرب بشكل كبير جدا يصعب تداركه.

شرعية الحكم التي اعتمدت على البقاء للأقوى، أو ما سميناه بالمقال السابق "الداروينية الاجتماعية" لم تعد موجودة مع توقف الحروب، وبدء حقبة ما تسمى "السلاطين التنابلة" الغارقين في السكر والحرملك مع الجواري، ولا يخرجون بأنفسهم على رأس الحملات العسكرية، وكان السلطان سليمان القانوني أول من أقر في الثلث الأخير من حياته قانون يقضي بعدم ضرورة خروج السلطان مع الحملات العسكرية.

عادة قتل السلطان لإخوته ليضمن استقرار منظومة الحكم، وعدم تعرضها للاهتزاز نتيجة صراع الإخوة لم تعد مقبولة، خصوصا بعد فاجعة قتل السلطان محمد الثالث يوم 15 يناير/كانون الثاني 1595م. لكل إخوته الذكور وعددهم 19 في نفس يوم توليه عرش السلطنة، فعدل السلطان أحمد الأول القانون عام 1603م. ليتم وضع الأمراء في "القفص" بدلا من القتل، والقفص هو قصر معزول لا يخرج منه الأمير، ولا يدخل عليه أحد ولا حتى والدته إلا في ظروف استثنائية يقررها السلطان بنفسه، وهؤلاء الأمراء لا يعلمون أي شيء عن العالم الخارجي، وحياتهم كلها مختصرة في الأكل والشرب، والنوم ومضاجعة الجواري، والسمر مع العبيد المخصيين، ولنا أن نتخيل شخصيات تعيش في مثل هذا الجو، وتشعر بشكل دائم بأن حياتها مهددة، وفجأة وبدون سبق إنذار يجد الحرس بين يديه راكعون ليقولون له لقد أصبحت السلطان الجديد، ليخرج من سجنه ويدير إمبراطورية بهذا الحجم دون أي خبرة مع اضطرابه النفسي والعقلي.

تحولت القصور العثمانية لسرايا للمضطربين نفسيا وعقليا بلا أدنى مبالغة، فالخدم من العبيد المخصيين فقدوا أهلهم، ورجولتهم، وتم وضعهم داخل قصور يخدمون فيها وغير مسموح لهم بالخروج منها، والجواري تم خطفهن من بلدانهن، وإجبارهن على لغة وثقافة جديدة، والبعض منهن دخلن الإسلام طمعا في السلطة، وغير مسموح لهن بالخروج من القصر، أو معرفة أي رجل سوى السلطان أو الأمراء، والأمراء معزولين قيد الإقامة الجبرية ينتظرون الموت في أي لحظة، ومصابون بالوسواس القهري، والسلطان يخشى من الجواري، والعبيد، والصدر الأعظم، والجيش، وإخوته المحبوسين، والسلطانات لديهم نهم غير طبيعي لتعويض ما فاتهن بالسلطة. فلنا أن نتخيل الحياة في هذه القصور كيف كانت تجسيدا للجحيم بكل ما تعنيه الكلمة، ويتمتع ساكنيها بفقدانهم لأي رحمة أو شفقة نظرا لما تعرضوا له من إذلال ومآسي في حياتهم، ومن يقرأ قصص ما كان يحدث في القصور العثمانية لا يسعه سوى أن يصاب بالاكتئاب.

بدأت ما تسمى "سلطنة الحريم" أي تدخل النساء في شئون الحكم، وتشكيل أحزاب داخل القصر، والتحكم في السلاطين والوزراء منذ عهد السلطان سليمان القانوني، وعبر ما منحه من صلاحيات واسعة لزوجته الأوكرانية الأصل خرم سلطانة "روكسيلانا" وأصبحت سُنة من بعدها، وتحولت بعض السلطانات لحكام الدولة الفعليات، وأبرزهن السلطانة صفية "صوفيا بيلوجى بافو" الإيطالية الكاثوليكية الأصل، والسلطانة كوسم "أناستاسيا" اليونانية الأرثوذكسية الأصل التي حكمت السلطنة مدة 40 سنة، وكان العديد من هؤلاء يقدمن خدمات ومجاملات لبلدانهن الأصلية التي قدموا منها، ولبعض ملوك أوروبا على حساب الدولة، وأتسمن بالقسوة الشديدة وعدم الرحمة، وأغلبهن كنا مريضات وغير سويات نفسيا نتيجة الظروف التي تعرضن لها من أسر وخطف.

التنظيمات السرية كانت سمة رئيسية بالدولة العثمانية، وقد تعددت هذه التنظيمات داخل الجهاز الإداري، والقصور، والجيش، والحركات الصوفية، وعدد من الحركات الدينية الشيعية، وحركات مسيحية وقومية، وقد شكلت هذه التنظيمات لنفسها فرق اغتيال، وما يمكن تسميتهم عملاء نفوذ داخل ديوان الحكم العثماني كان له أثره البالغ في إضعافها وتفكيكها.

أخيرا لا يمكن إنكار دور المخططات الخارجية والداخلية "المؤامرات" وتحالف الداخل والخارج ببعض الأحيان، إلا أن الدولة كانت متعفنة من جذورها ومنهارة فعليا قبل سقوطها الرسمي بأكثر من قرنين من الزمان، ولم يحافظ على بقاءها سوى حاجة الغرب لها لتتصدى لروسيا، وتجربة الثنائي محمد علي وإبراهيم باشا في مصر لاحقا، وأقتصر دور هذه المخططات على التخلص سريعا منها بعدما انتهى دورها الوظيفي.

أيضا نُشير إلى أن العصر كان قد تغير في مطلع القرن الماضي، ولم يعد مقبولا فيه وجود إمبراطوريات أوتوقراطية، خصوصا تلك التي لم تطور نفسها حيث سقطت في الحرب العالمية الأولى أخر أربع إمبراطوريات من هذه النمط (الإمبراطورية العثمانية – الإمبراطورية النمساوية المجرية – الإمبراطورية الألمانية – الإمبراطورية الروسية).

عصر التنظيمات العثمانية:

التنظيمات العثمانية المقصود بها تلك الإصلاحات الإدارية، والعسكرية، والسياسية، والقانونية، والاقتصادية، وتعزيز اللامركزية بحكم الولايات لنفسها عبر مجالس منتخبة، وقوانين شئون الأقليات الدينية والعرقية، والجنسية، وتأسيس مجلس "برلمان" أعلى في العاصمة إسطنبول يُمثل فيه ممثلي كل الولايات، والقوميات، والطوائف الدينية.

تمت هذه العملية على عدة مراحل بدء من العام 1839م. ويمكن اختصارها بعبارة (الأحكام الدستورية العثمانية). ونظرا لتشعب هذه القوانين وتفاصيلها الكثيرة أضع في هذا الرابط [6] دراسة شاملة عنها أعدها المؤرخ العربي اللبناني وجيه كوثراني.

تميزت هذه الحزمة من القوانين، والتي تم تسميتها بالمشروطية الأولى عام 1876م. والمشروطية الثانية "الدستور" عام 1908م. بمراعاتها لعلاج كافة الإشكاليات التي عانت منها الإمبراطورية عبر تاريخها، وبفترة كانت الإمبراطورية قد تقلصت مساحتها لتصبح في نطاق تركيا وجوارها الأوروبي القريب، والبلدان العربية، واستخدام السلاطين العثمانيين بدء من عصر السلطان عبد الحميد الثاني عام 1876م. لقب "خليفة المسلمين" ليقوي الرابطة الجامعة بين تركيا والعالم الإسلامي، ورغم أن هذه الإصلاحات كانت ضرورية، وتمثل مطالب شعوب الإمبراطورية والنخب المثقفة، إلا أنها فشلت في النهوض بالدولة العثمانية والمحافظة عليها، بل وكانت أحد أهم أسباب التعجيل بسقوطها!

أولى إشكاليات هذه التنظيمات أنها جاءت في وقت متأخر جدا، وبعدما أصبح الفارق الحضاري بين الدولة العثمانية والغرب كبير للغاية، كما أن النخبة التركية كانت تعاني من نفس أمراض النخب العربية حاليا، فلم تمتلك قدرة على التفكير والتحليل السليم لأسباب انحطاط الدولة والمسلمين، ولم تتمكن من فهم أسباب نهضة الغرب المسيحي، وتخيلت أن التقدم والتخلف قائم على مجموعة جاهزة من النظريات حال تم تطبيقها سيتبدل الوضع فورا من حال إلى حال، وأن الديمقراطية وحدها هي سبيل نهضة الأمم المتأخرة، ولم يدركوا أن الغرب عندما تطور أصبح ديمقراطيا بشكل تلقائي، وسادت العدالة على قانون الغاب، كما لم يراعوا الفوارق الكبرى بين المجتمع الشرقي المسلم وخصائصه والمجتمع الغربي المسيحي، وسعوا بشكل مندفع وبلا أي تدرج أو مخطط لإنجاز ما حققه الغرب في قرون بسنوات معدودات.

أدت هذه العملية الانتقالية التي تحولت لانتقامية من إرث الماضي، والنظرة الحدية والتسرع في التحديث السياسي بأكثر مما يمكن للدولة أو لمواطنيها استيعابه، وإهمال التقدم العلمي والتقني والاقتصادي، واختزال أسباب التقدم والحضارة حصرا في الشق السياسي، والمظهر الخارجي الزائف إلى فشل عملية التحول وعدم القدرة على السيطرة عليها وضبطها، وتحولها لعملية غوغائية كارثية كتلك التي حدثت في مصر بالمنتصف الثاني من السبعينات، أو عملية تحديث المجتمع المتسرعة للغاية بالستينات، أو التحول السوفيتي المعروفة يالبيريسترويكا في الثمانينيات، وكان من آثار هذه السياسة أن فقد المجتمع توازنه وقدرته على استيعابها، وخلق شقاق وصراع حاد بين المطالبين بالحداثة والاندماج المطلق مع الغرب بشكل راديكالي، ورد الفعل المضاد عليه عبر التشدد أكثر بالتمسك بالتقاليد القديمة وروح المحافظة.

انتقل الاستقطاب الحاد من العاصمة إسطنبول إلى باقي الولايات العثمانية، وصعدت معه المطالب القومية، ومطالبة سكان البلقان واليونان وأرمينيا بحقوقهم القومية، تلا ذلك مطالبة الأتراك أنفسهم بدولة قومية تركية لا علاقة لها بالإسلام أو بباقي الأعراق الأخرى.

كان الرأي السائد في ذلك الوقت عربيا الحفاظ على الخلافة وصيانتها، وتحولها لاتحاد ديمقراطي عصري، وصنع تاج جديد للإمبراطورية العثمانية يجمع ما بين تاجي المُلك التاريخيين للعرب والترك، وقد أيدت غالبية النخب العربية هذه الرؤية، إلا أن هذه النخب اكتشفت استحالة تحقيق هذا الهدف نظرا لرفض النخب التركية ممثلة في حزب الاتحاد والترقي، وجمعية تركيا الفتاة لأي اتحاد أو مساواة بين العرب والترك، واستئسادهم على العرب بعدما فقدوا كافة الأراضي التي سيطروا عليها في أوروبا، وطرحوا مقابل ذلك الوحدة الاندماجية المركزية، وسيادة إسطنبول على سائر الأقاليم العربية، واستخدموا القمع والقوة المفرطة لإجبار العرب على قبول الأمر الواقع، ثم قيام الحاكم العام العثماني لسوريا وبلاد الشام جمال باشا الملقب "بالسفاح" بإعدام نخبة المثقفين العرب على دفعتين الأولى يوم 21 أغسطس/أب 1915م. بساحة البرج في بيروت، والثانية يوم 6 مايو/أيار 1916م. في أحد ساحات دمشق التي سُميت فيما بعد ساحة الشهداء، بجانب إهانة مقام شريف مكة الشريف حسين الهاشمي، ورفض برقياته ومناشداته بل وتوسلاته للعفو عن هؤلاء المثقفين، وإجبار العرب على تعلم اللغة التركية، وقد سميت هذه السياسية بتتريك العرب القسري.

العرب كانوا أخر قومية من ضمن القوميات التي حكمتها الإمبراطورية العثمانية مطالبة بحقوقهم القومية، ومن المستغرب أن ينسب حتى اليوم بعض العرب للعرب أنهم أحد أسباب سقوط الدولة العثمانية، وهذا أمر أقل ما يقال فيه أنه جهل مطلق بتاريخ تلك الحقبة، أو تدليس متعمد لخدمة أيديولوجية بعينها، وبعدما عانى العرب الويلات، ووجدوا ألا أمل في خلق اتحاد حقيقي مع الأتراك، انفضوا عنهم وسعوا لتأسيس رابطة قومية عربية، بل إن رواد القومية العربية في تلك الفترة كانوا بالأساس من المطالبين بالاتحاد مع تركيا، وأبرزهم ساطع الحصري صاحب كتاب (العروبة أولا). الذي كان من أبرز المدافعين عن تركيا، والمنادي بضرورة الاتحاد معها، كذلك عزيز باشا المصري الذي تولى منصب رئيس أركان جيش الثورة العربية الكبرى التي أعلنها الشريف حسين في الحجاز، وأصبح لاحقا الأب الروحي لتنظيم "الضباط الأحرار" والشريف حسين نفسه وأولاده كانوا من المؤيدين لهذا الاتحاد، ولم يعلنوا الثورة إلا بعدما خاب أملهم في الأتراك الذين كانوا يسمون العربي بمسميات شديدة السلبية في ذلك الوقت.

أتاتورك والطريق نحو الجمهورية:

كثيرا ما نسمع عربيا وتحديدا بعد صعود خطاب تيار الإسلام السياسي على الساحة، أوصاف سلبية تجاه مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال، ووصفه بالخائن، والعميل، واليهودي الأصل المدسوس على الإسلام لتخريبه من الداخل، ولو صح استخدام هذا الخطاب لخدمة أيديولوجية سياسية، والترويج لمشروع الخلافة الإسلامية، لأمكنا أن نتفهم دوافعه من الناحية السياسية، لكن ما لا يمكن فهمه هو التعامل معه على أنه حقيقة، وما أكثر الأساطير التي أصبحت بحكم تكرارها نعتقد أنها الحقيقة، وتنبع أزمة هذا الخطاب التضليلي ليس فقط في كونه تزويرا فجا للتاريخ بل ما هو أخطر منه وهو تشويه ذاكرة الأمة، وخلق عقلية مشوشة لشعوبها، وعندما تشوه وتشوش ذاكرة الأمم تفقد قدرتها على تقييم تجاربها بشكل سليم، وتكرر أخطائها لأنها لم تدركها أصلا أو تعرفها، وتصنع تصورات لواقعها ورؤى لمستقبلها مبني على خرافات تظنها حقائق مما يزيد من أزمتها وعزلتها الحضارية، وهو ما يعاني منه المسلمين عامة والعرب على وجه الخصوص حتى اليوم.

بدأ مصطفى كمال حياته ضابطا بالجيش العثماني، وكان مؤمنا بالدولة العثمانية والباب العالي، ومواليا للسلطان العثماني، وخاض كل حروب الدولة العثمانية في تلك المرحلة، وخدم بالجيش العثماني في سورية، وفلسطين، وحارب في ليبيا، والبلقان، والحرب العالمية الأولى التي كان يدافع فيها عن السلطنة العثمانية بشراسة وشرف، ولم ينقلب على السلطان محمد السادس إلا بعدما استسلم الأخير لجيوش الحلفاء، وسلم لهم العاصمة إسطنبول، وأمر مصطفى كمال بتفكيك الجيوش العثمانية، وإعلان استسلامها، وهو ما رفضه وأعتبره إذلال للأمة التركية وتاريخها، فما كان من السلطان إلا أن أعلنه عاصيا، وشكل مع الحلفاء الإنجليز جيشا سماه "جيش الخليفة" وأرسله لقتال مصطفى كمال والضباط الذين رفضوا الاستسلام معه عام 1920م.

المصيبة الأكبر التي كانت ستنهي وجود تركيا من التاريخ معاهدة سيڨر [7] في 10 أغسطس/أب 1920م. التي وافق عليها السلطان العثماني، وقسمت تركيا الحالية بين اليونان، وأرمينيا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والكرد، وتركت لتركيا مساحة ضئيلة في آسيا منزوعة السلاح، ووضعت إسطنبول تحت حماية القوات (الأمريكية – الفرنسية – البريطانية – الإيطالية).

خاض مصطفى كمال حروبه ضد كل هذه القوة مجتمعة، وتمكن من الانتصار عليها جميعا، وأجبر الغرب على تغيير معاهدة سيڨر بمعاهدة جديدة سميت (معاهدة لوزان) [8] في 24 يوليو/تموز 1923م. والتي بموجبها أصبحت تركيا بحدودها المعروفة بها الأن، بينما السلطان محمد السادس كان قد هرب قبل ذلك في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1922م. على ظهر بارجة بريطانية إلى إيطاليا.

وقفت أغلبية الشعب التركي في ذلك الوقت مع مصطفى كمال، ولقبوه بأتاتورك "أبو الأتراك" نظرا لما قدمه من خدمات جليلة لتركيا، وصدرت فتوى من علماء المسلمين في تركيا بإلغاء منصب السلطنة، وسلموها لأتاتورك، وذلك لسقوط شرعية آل عثمان، وحكمهم الجبري العضوض، وموالاتهم للغرب "الكفار" واستسلامهم لهم، وكان الرأي العام التركي شبه مجمع على خلعهم والتخلص منهم، واعتبارهم خونة، ولذلك هرب السلطان حيث لم يجد أحدا يناصره من الشعب.

من الطبيعي للغاية أن يصبح بعد العرض السابق أتاتورك رمزا قوميا تركيا، وشخصية لا يمكن لأي زعيم أو حزب سياسي تركي أن يتجاوزه، وحتى حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان في كل مجالسه خلفه صورة أتاتورك، ولا يجرأ على إزالتها، أو الطعن في شخصيته بعدما أصبح جزء لا يتجزأ من الجمهورية التركية وتاريخها، وبعد إلغاء السلطنة بسنة واحدة في 1924م. ألغى أتاتورك منصب الخليفة الذي كان يشغله عبد المجيد الثاني، وقد برر ذلك بأن الخلافة فقدت دورها، وانقلب الشعب التركي وباقي الشعوب المسلمة عليها، ومع تفكك الإمبراطورية وقيام الجمهورية قد أصبحت منصبا بلا معنى.

الخاتمة:

نكون بهذا المقال قد أتممنا شرحنا لأبعاد الشخصية التركية، وتاريخها مما يشكل لنا مفتاحا لفهمها، وفهم سياساتها، وهو ما سنختم به السلسة في مقالنا القادم بعنوان (العثمانيين الجدد). وهل هم يريدون حقا استعادة الإمبراطورية العثمانية من جديد؟! أم يعبرون عن مشروع أزمة الهوية التي انعكست على المصالح الجيوسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية للجمهورية التركية، وانسلاخها من قيمها وتاريخها، وسعيها للاندماج الكامل مع الغرب وحضارته، وإدراكها لاحقا لفشل هذا الخيار؟!

الدولة العثمانية لم تكن شرا مطلقا أو خيرا مطلقا كما يراها كلا الطرفين المتصارعين الأن، وأتمنى أن نتخلى عن تلك النظرة الساذجة للتاريخ التي تراه إما أبيض أو أسود، فلا وجود لمثل هذه النظرية في تاريخ كل البشرية، كما أن مشروع الخلافة ليس حلا لكل مشاكل المسلمين كما يصورها البعض بشكل تسطيحي تبسيطي للأمور، أزمة العقل المسلم عميقة وقديمة، وبدأت منذ العصر العباسي الثاني عام 847م. حيث لم يقدم المسلمين منذ ذلك الوقت إضافة ذات قيمة كبرى للفكر الإنساني، ولا لأنفسهم كما فعلوا قبل ذلك الوقت، وتفوقهم كان غالبا بالمجال العسكري عندما كانت الحرب تعتمد على قوة المقاتل وعقيدته، وقد فقدوا هذا التفوق بعد بروز التكنولوجيا والعلوم العسكرية الحديثة، وأصبحوا مجرد مستوردين لها، ونقاش هذه الأزمة بحاجة لحوار مفتوح لا يُستثنى منه أحد، وعلى رأس هؤلاء تيار الإسلام السياسي، وفي ظل حوار علني بينه وبين الأخرين يتسم بجو من الحرية، وبعيدا عن الإقصاء أو الإرهاب الفكري لأي طرف لن نتمكن من حسم هذا الصراع المزمن المستهلك للطاقات بلا طائل أو أمد.

أخيرا قوانين التنظيمات العثمانية كانت الفرصة الأخيرة لخلق اتحاد يجمع شعوب المنطقة مع تركيا، وشخصيا أعتقد أن مثل هكذا اتحاد كان ومازال مفيدا لكلا الطرفين، لكن كما أسلفنا مشكلة هذه التنظيمات كانت في تأخرها كثيرا، وعدم قدرة العقل التركي على تنظيم عملية التحول من نظام حكم أوتوقراطي مطلق لحكم حديث رشيد، كما لا يمكن نفي دور الاستعمار الغربي في إيقافه لتجربة التطور الطبيعي بالعالم الإسلامي، وفرضه لمسار بعينه للتطور تبنته نخب عربية وإسلامية له تابعة، أو غير مدركه لاستحالة نجاحه مما خلق وضعا مشوها مازال قائما حتى الأن في بلداننا.