كيف يحكم الترك العرب حتى الأن!

23.10.2019

تاريخ الترك – (5/2)

الترك ومنظومة الحكم والسياسة

تطرقنا في مقالنا الأول عن الترك. من هم، ومن أين جاءوا، وما هي الفروق فيما بينهم، وكيف بدأت علاقتهم مع العرب وخصائص الشخصية التركية، ونكمل اليوم سلسلة مقالاتنا بالمقال الثاني حول منظومة الحكم والسياسة لدى الترك، وكيف أثرت على العرب، وأصبحوا يحكمونهم حتى الأن بقيمهم، وما تركوه من ميراث سياسي ترسخ عبر قرون وضعوا فيها العرب تحت قبضتهم الحديدية.

النظام العسكري للدولة العربية - الإسلامية:

بعد هجرة رسول الإسلام محمد. إلى يثرب التي سُميت فيما بعد "المدينة المنورة" بدأت أول المعارك الحربية بين المسلمين من المهاجرين معه من أهل مكة، والأنصار ممن أمنوا برسالته من أهل "المدينة" فيما تسمى غزوة بدر عام 624. ثم توالت الحروب والغزوات بين الطرفين، وبعض القبائل العربية المتمردة وصولا لفتح مكة عام 630. ثم وفاة الرسول محمد عام 632. وتولي أبو بكر الصديق الخلافة من بعده حيث تمردت القبائل العربية على حكمه، ومنهم من خرج من الإسلام وعاد لديانته التي كانت عليها قبله، ومنهم من أدعى النبوة وأتى بدين جديد، وفي هذه المرحلة بدأت ما تسمى "حروب الردة" لمدة سنة كاملة وانتهت بانتصار دولة المدينة عام 633. بدأت بعدها حركة الفتوحات الخارجية، والتطلع لممتلكات الإمبراطورية الفارسية الساسانية شرقا والإمبراطورية البيزنطية شمالا، وأكمل عمر بن الخطاب ما بدأه أبو بكر، ثم عثمان وصولا لعلي بن أبي طالب، ونهاية دولة الخلفاء التي اصطلح على تسميتها تاريخيا "دولة الخلفاء الراشدين" عام 661. والتي ضمت ما عدده الأن (31). دولة بمساحة تقدر بحوالي (6.400.000). كيلو متر مربع. كان من ضمنها بعض بلاد الترك ما خلف نهر جيحون. في هذه الفترة كان التجنيد بالجيش العربي محصور بالقبائل العربية التي دخلت الإسلام، ويتولى زعامته قيادات من قريش وأهل المدنية السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ويعاونهم في بعض الأحيان أعراق غير عربية ممن دخول بالإسلام، أو من "المتعاونين" المحليين نظير حماية أو مكتسبات خاصة، وكان نظام التجنيد قائم على عقيدة الجهاد، وأنها أحد أعظم الأعمال التي يمكن للمسلم القيام بها بعد الشهادتين. فحال نال النصر سيحظى بعز الدنيا من أموال، وجواري، وضياع، وغيرها من الغنائم، وحال قُتل بالمعركة فهو شهيد، والشهيد يدخل الجنة بدون حساب ليحصل فيها على كل ما يريد من ملذات بلا تعب في خلود دائم لا ينتهي.

ظل وضع الجيش العربي المسلم في توسعه بالفتوحات على ما هو عليه أثناء حقبة الدولة الأموية. التي استمرت لمدة (89). سنة من عام 661 إلى 750. وكان أول خلفاءها معاوية بن أبي سفيان. وقد ضمت ما عدده الأن (45). دولة بمساحة تقدر بحوالي (11.100.000). كيلو متر مربع. إلا أن هناك مستجدات قد طرأت على هذا الجيش، فكان التجنيد يتم أثناء دولة "الخلافة الراشدة" بشكل طوعي ولا وجود لجيش نظامي للدولة، بينما أسس معاوية نواة جيش نظامي، وشرطة، وحرس شخصي، ونقل كل ما كان لدى الروم البيزنطيين من بروتوكولات وأنظمة حكم بعدما انتقلت عاصمة الدولة إلى دمشق بالشام، وكان يتطوع في هذا الجيش باقي العرب أثناء الحملات العسكرية الكبرى، وضم في صفوفه بعد الروم البيزنطيين، والسريان، والمصريين، والأمازيغ والترك، والهنود من بلاد السند "باكستان" ممن دخلوا في الإسلام، ولكن بأعداد قليلة غير مؤثرة، كما أستعان بعض الولاة في بلاد الترك خلف نهر جيحون ببعض الجنود الترك المتحالفين مع الدولة لردع ودحر بعض القبائل التركية المتمردة، وبدأ يستعان بالجند الترك في بعض الأعمال العسكرية داخل الدولة، وكان أبرزها إخماد "فتنة" الحارث بن عبد الرحمن بن سعيد الدمشقي [1] الذي أدعى النبوة في الشام، وكان يمتلك قدرة على صنع الخوارق حتى صدقه الكثر من الناس، وخشي بعض الجند من مواجهته. فتم الاستعانة بالترك الذين قاموا بالقبض عليه ومن معه، وسلموه للخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وخلافا لهذا لم يكن لهم دور يذكر ولا أي وجود مؤثر داخل الدولة الأموية.  

بدأ دور الترك يظهر على الساحة العربية – الإسلامية مع تولي العباسيين السلطة عام 750. حكم العباسيين وهم أحفاد عبد لله بن العباس عم الرسول محمد. عبر قيامهم بثورة على الحكم الأموي، وقد بدأ الإعداد لهذه الثورة منذ خلافة عمر بن عبد العزيز الأموي. عام 717. حيث بدأت كدعوة سرية يقودها محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. تدعو المسلمين للثورة على الحكم الجائر لبني أمية، على أن يختاروا بعد إسقاطهم من يرتضوه من آل محمد ليكون خليفة لهم، وعندما سأله نقباء الدعوة وهم قادتها في أي الأماكن نبدأ بالدعوة السرية للثورة بين الناس، ففتح رقعة عليها خريطة للدولة الأموية وقال لهم: (أما الحجاز فأهله لا يعرفون إلا حب أبو بكر وعمر، أما البصرة وسوادها فقد غلب عليها عثمان وصنائع عثمان فليس بها من شيعتنا إلا القليل، وأما الكوفة وسوادها فقد غلب عليها علي وشيعته وليس بها من شيعتنا إلا القليل، وأما الشام فشيعة بني مروان وآل أبي سفيان، وأما الجزيرة فحرورية وخارجة ومارقة، ولكن عليكم بهذا الشرق فإن هناك صدورا سليمة وقلوب باسلة لم تفسدها الأهواء، ولم تخامرها الأدواء، ولم تعقبها البدع وهم مُغيظون موتورون، وهناك العدد والعدة والعتاد والنجدة، ثم قال وأنا أتفاءل إلى حيث يطلع النهار). [2] كانت سياسة العباسيين تعتمد على استغلال ظلم الولاة الأمويين، واحتقارهم للفرس والترك في أرض خراسان الكبرى، وإمكانية صنع ثورة في هذا الأراضي بشكل سريع عبر وعد سكانها بأنهم إن ناصروا إمام الرضا من آل محمد. فأنه عندما يتولى الخلافة سيساويهم بالعرب في الرتب والمنزلة، ويُنهي العصبية القبلية العربية، ويُرثي المبدأ الإسلامي بالمساواة القائم على الآية القرآنية (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). [3] بالفعل نجحت ثورتهم ووصلوا إلى السلطة، وكان جيش الدولة في هذه المرحلة يتكون من قادة عرب وفرس، وجنود من الترك، ومن هنا بدأت الحكاية، وأصبح للترك تواجد قوي داخل الدولة لكنه مقتصر على الجنود والجانب العسكري لا أكثر، وتحت قيادة العرب والفرس، وقد نحى العباسيين العرب من قيادة الدولة نظرا لما رأوه من صراع قبلي فيما بينهم، وتنافس لا ينتهي كان أحد أهم الأسباب في سقوط الحكم الأموي، وكانت نظريتهم تعتمد على الاستعانة بالفرس والترك لأن ولاءهم سيكون حصرا لبيت الخلافة العباسي، ومع مرور الوقت أصبح الترك هم غالبية الجند بالجيش النظامي العباسي. في ظل نظام تجنيد تختار الدولة فيه من ينضم لصفوف الجيش، وليس تطوعا أو متاح لجميع الراغبين الانضمام إليه أو حصرا على العرب كما كان من ذي قبل. في ظل الحقب الأربعة (حقبة الرسول – حقبة الخلفاء الأربعة – حقبة الأمويين – حقبة العباسيين الأولى). لم يكن هناك جيوش نظامية بالمعنى الحقيقي والمتعارف عليه الأن أو حتى بذلك الزمن كما لباقي الإمبراطوريات، ولم يكن للعسكر مؤسسة مستقلة عن سلطة الحكم، ولا دور للعسكر في الشأن السياسي وصراعاته، وطاعتهم كانت مطلقة للحاكم صاحب الشرعية.

النظام العسكري للترك:

كما أسلفنا بمقالنا السابق كان الترك قوم بداوة وتنقل وترحال، وقد وصفهم الجاحظ في رسائله – مناقب الترك [4] قائلا (الترك أصحاب خيام، وسكان فياف وأرباب مواشٍ، وهم أعراب العجم، فحين لم تشغلهم الصناعات والتجارات والطب والفلاحة والهندسة، ولا غرس ولا بنيان ولا شق أنهار ولا جباية غلات، ولم يكن همهم غير الغزو والغارة والصيد وركوب الخيل ومقارعة الأبطال وطلب الغنائم وتدويخ البلدان، وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة، وكانت لهذه المعاني والأسباب مسخرة ومقصورة عليها وموصولة بها، أحكموا ذلك الأمر بأسره وأتوا على آخره، وصار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم ولذتهم وفخرهم وحديثهم وسمرهم). يوضح الجاحظ المولود عام 776. في رسالته مدى التخلف العلمي والفكري، والسياسي لدى الترك، وأن صنعتهم الوحيدة التي كانوا بها يعيشون تربية المواشي، والقتال والحرب، واستيطان أراضي الغير لا أكثر، ولذلك كان النظام العسكري، وفكرة المؤسسة العسكرية عريقة وعتيقة لدى الشعوب التركية، وكافة الإمبراطوريات والدول التي أسسوها كانت قائمة على القوة العسكرية حصرا، وبينما لم يكن لديهم أي دراية بشئون السياسة ولا تنظيم الحكم، كان لديهم نظام عسكري صارم ومنظم للغاية، والحكم والرياسة محصورة فيمن يمتلك العدد الأكبر من العساكر، وهو ما يختلف تماما عن المنظومة العسكرية العربية التي بدأت مع الرسول محمد منذ غزوة بدر 624. حتى نهاية العصر العباسي الأول عام 847. ولمن يرغب في التوسع بدراسة تاريخ الترك العسكري أنصح بكتاب (The Turks in World History). [5] للبروفيسور في قسم التاريخ بجامعة أوهايو (كارتر فون فيندلي - Carter Vaughn Findley). هذا المرجع القيم لبروفيسور متخصص ومتبحر بالتاريخ التركي وهو أفضل من كتب فيه.

شرعية وآليات الحكم لدى العرب:

لم يكن للعرب في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام دولة مركزية، ولا إمبراطوريات خارج نطاق وجودهم الجغرافي، ولا سعوا في أي مرحلة من المراحل للاستيلاء على أراضي الأخرين، والأسر العربية التي حكمت في الشام مثل الغساسنة، وفي العراق مثل المناذرة كان حكمهم نابع من توافق بينهم وبين الإمبراطوريات الكبرى، ونتيجة استيطانهم في هذه الأراضي منذ زمن بعيد فوجد الروم البيزنطيين في الغساسنة، والفرس الساسانيين في المناذرة حلفاء جيدين، وجيدرين بالحكم باسمهم في هذه المقاطعات التي يشكلوا فيها أغلبية سكانية، وشكلوا عنصر أمان وحماية لطرق التجارة. كما أن العرب لم يكونوا بعيدين عن الحضارة، وبجوارهم حضارات كبرى، ولديهم ارتباط قوي بها عبر الاستيطان والتجارة، فأهم طريق تجاري في القرن السابع الميلادي قبل ظهور الإسلام كان يمر من شبه الجزيرة العربية، وهو طريق البخور والتوابل التي تأتي من شبه القارة الهندية إلى اليمن جنوبا، بجانب بضائع القرن الأفريقي، ومنها إلى نجد والعراق وبلاد فارس شرقا، وشمالا إلى الشام ومنها إلى القسطنطينية، ومصر ومنها إلى روما وشمال أفريقيا. مما مكنهم من الاحتكاك والتعامل مع كل هذه الحضارات الكبرى والاختلاط بسكانها، وجلب بضائعها الهامة، بجانب حكمهم لأجزاء من العراق والشام.

كذلك تمكن العرب من التعرف على كافة الأفكار الدينية التي كانت تموج بها الساحة العالمية في الشرق، بل لم يكن من مكان تجتمع فيه كافة الأديان والمذاهب والطوائف، وتعيش في أمن وسلام سوى شبه الجزيرة العربية، حيث أن المصلحة التجارية هي الحاكمة في العلاقات مع الأخرين، ولا مكان لعنصرية عرقية أو كراهية دينية فيها، ولا سلطة مركزية لها دين رسمي تفرضه على رعاياها أو تلاحق الغير مؤمنين به، أيضا لم تكن تخضع لسلطة أي من الإمبراطوريات المتصارعة فيما بينها، وتحديدا الفرس والروم فكانت الملاذ الآمن والمثالي لكل أصحاب الأفكار الدينية المضطهدة الراغبين بممارسة عقائدهم دون خوف أو ملاحقة بجانب العمل التجاري بحرية وإمكانية تحقيق الثروة، وعلى سبيل المثال كافة الأفكار والعقائد والأناجيل المسيحية الغير متفقة مع ما قرره الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول، والكنائس الرسمية في مجمع نقيه الأول عام 325. من أناجيل أربعة معتمدة (متى – مرقص – لوقا – يوحنا). وقانون الإيمان المسيحي، وجد أصحابها في شبه الجزيرة العربية المكان المناسب للإقامة والعيش فيها. كذلك كان الأمر مع اليهود، وأصحاب الإيمان التوحيدي من العرب "الأحناف" ومن يسمون "عبدة الأصنام" ومعتنقي المانوية، والزرادشتية "المجوسية"، وغيرها من الأفكار الدينية.

كذلك تراجعت حدة الصراعات بين القبائل العربية، وكانت مكة مدينة آمنة، وعلى الحياد بين الجميع، ومفتوحة لكل القبائل لممارسة عقائدها، والتقرب إلى الله عبر تقديم القرابين لتماثيل قديسيها، وبها دار الندوة وهو ما يشبه مجلس الشيوخ الروماني يمثل وجهاء قريش، وتُناقش فيه كافة قضاياهم، بجانب تنظيم اجتماعي وسياسي وعسكري وطبقي بين قريش الظواهر سكاني ضواحي مكة، وقريش البطاح سكاني وسط المدينة بالمصطلح الحديث، وكانت مكة مكانا مفتوحا كل شيء فيه مسخر لخدمة التجارة والسياحة الدينية، والترفيه على الوافدين، فهناك قصاصون يرون قصص مثيرة منقولة من ثقافات وحضارات عدة فيما يشبه الفن المسرحي الأن، والشعراء، والأسواق التجارية، وتحويل العملات والمقرضين الذين كانوا من اليهود في الغالب، والقيان المغنيات وجلسات السمر والموسيقي والرقص، وحانات "بارات" لشرب الخمور، وذات الرايات الحمر أي مجالس خاصة لمن يرغب من القادمين لمكة بممارسة رغباته الجنسية، مع نساء من أجناس شتى مخصصين لهذا الغرض بجانب أماكن الطعام والشراب، والكعبة وممارسة الشعائر الدينية، وقد أسس لهذا النظام قصي بن كلاب. المؤسس الفعلي لقبيلة قريش، والذي ولد عام 400. وتربى في الشام، وهو الجد الرابع للرسول محمد فكانت مكة مركزا تجاريا وحضاريا يحتوي على كافة المنتجات التجارية، ويمكن تشبيه مكة بحال دبي بالوقت الحالي، ولمن يريد التوسع في هذا التاريخ عليه العودة لموسوعة (المفصل في تاريخ العرب). [6] للدكتور (جواد علي). كذلك كتاب (أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار). [7] للمؤرخ (الأزرقي).

في ظل عصر كانت الإمبراطوريات فيه هي الحاكمة، ولم يكن هناك وجود للدولة القومية أو القطرية الضيقة، وكان النظام العالمي كله قائم على نشوء إمبراطورية وتوسعها وحكمها لأمم متعددة، وكان العرب في ذلك الزمن مهيئين حتى بالتحليل الاجتماعي لمن لا يؤمن بالإسلام كدين بأن يخرجوا لهذا العالم، ويؤسسوا إمبراطورتيهم، لكن كان لابد للإمبراطوريات من راية ترفعها، وشعار تدعي بالحق أو بالباطل أنها تسعى لحكم الأمم الأخرى عبره، فكان بالعصور القديمة دعوة التفوق العرقي الذي يمنح قومية ما "الحق" في حكم باقي القوميات كما كان عليه حال الإمبراطورية الفارسية الأخمينية، أو الفلسفة ونمط الحياة المثالي كما رفع اليونانيين "الإغريق" هذا الشعار، أو نقل قيم الحضارة ومنظومة القوانين الرومانية كما أدعى الرومان، وفي العصور الوسطى كانت الراية هي الدين بعد ظهور المسيحية، واعتناق الإمبراطورية الرومانية لها، وقرار الإمبراطور ثيودوسيوس الأول. بأنها الدين الرسمي والوحيد للإمبراطورية عام 391. وكانت الزرادشتية ديانة الإمبراطورية الفارسية الساسانية وعليه كان العرب بحاجة فقط للراية التي كانت في ذلك الزمان الدين فكان الإسلام هو رايتهم، وخلال أقل من مائة عام. أصبح لديهم إمبراطورية تقدر مساحتها بحوالي 11 مليون ومائة ألف كيلو متر مربع [8] تمتد شرقا من شمال شرق الصين، إلى جنوب فرنسا غربا.

تأسس على ظهور الإسلام دولة، وكان لهذه الدولة شرعية حكم راسخة منذ اليوم الأول تعتمد على عدة مبادئ تستقي منها شرعيتها. منها أن تكون الأولوية للخليفة المختار الذي حضر غزوة بدر أو من السابقون الأولون في الإسلام، وأن يكون عربيا منتميا إلى قبيلة قريش، وأن يتولى اختياره (أهل الحل والعقد). وهم مجموعة من النخبة العربية، ولا وجود فيهم لقادة عسكريين أو دور للجيش في اختيارهم، وهم أشبه بهيئة انتخابية على أن يبايع عامة الناس من قررت هذه الهيئة الانتخابية النخبوية اختياره خليفة وهو ما يشبه الاستفتاء بالوقت الحالي، ولا يتم تنصيبه قبل إتمام هذا الإجراء، ويمارس سلطة حكمه وفق مبدأ الشورى وهو ما يشبه النقاش الديمقراطي حاليا حول أي قرار مهم قبل اتخاذه، وكانت هذه الشرعية قوية منذ اليوم الأول عندما قررت النخبة المجتمعة في سقيفة بني ساعدة اختيار أبو بكر الصديق خليفة وبايعه غالبية المسلمين بعدها، ومن رفضوا ونظرا للحاجة للتأسيس لهذه الشرعية ورسوخها داخل المجتمع لضمان التداول السلمي على السلطة. شن عليهم أبو بكر الحرب المسماة "حروب الردة" حتى أخضعهم بالقوة لما قررته النخبة الانتخابية، وهم أشبه بالنبلاء في أوروبا مع الفارق في كونهم ليسوا إقطاعيين. بل من ذوي الوجاهة الاجتماعية، والمكانة الدينية بما قدموه من خدمات للإسلام. وعندما توفى أبو بكر. كتب وصية لعمر بن الخطاب، ووافقت النخبة على ترشيحه واختارته، وعندما تعرض عمر للاغتيال ترك للمسلمين أمر اختيار الحاكم من بعده في ستة أفراد ممن تنطبق عليهم الشروط سالفة الذكر فتم اختيار عثمان بن عفان، وعندما اغتيل عثمان بن عفان على يد "الثوار" بايعت نفس النخبة علي بن أبي طالب، وحتى النزاع الذي حدث على خلافته لم يكن على السلطة في ظاهره، وبكل تأكيد كانت هناك أطماع بالسلطة، وهناك من يسعون للحصول عليه، ولكن شرعية الحكم ومفهوم الشرعية الراسخ ما كان لأي طرف أن يتخطاه، وكان يلجأ الطامحون للسلطة لما يمكن تسميته بالاحتيال عبر ادعاء رفضهم للحاكم لا لكونهم ضد قرار الهيئة الانتخابية أو لطمعهم بالسلطة، ولكن كون الخليفة "خالف الشرعية" ومن باب الحفاظ عليها لابد من تنحيته، وهو ما فعله الثوار مع عثمان بن عفان، وما فعله الثائرين على علي بن أبي طالب، حينما أدعوا أن دافعهم في رفض خلافته القصاص من قتلة عثمان، أو الخوارج في قتالهم ضد الخلافة لتغييب مبدأ الشورى، ولأجل هذا الالتفات والاحتيال قيل بالأمثال على من يسعى لحشد المجتمع على مصلحة عامة، وقد تكون حق لكنه يريد منه مصلحته الشخصية أو باطل فيقال رافعي "قميص عثمان" فلم يدعي معاوية بن أبي سفيان بخلافه مع علي أنه الخليفة، أو أنه الأحق بالخلافة بل رفع "قميص عثمان" وعندما تولى الحسن بن علي الخلافة بمبايعة الهيئة الانتخابية "أهل الحل والعقد" لم يدعي معاوية أنه أحق منه، ولذلك عندما تنازل الحسن له قبل بهذا التنازل، وهو إقرارا منه بأن الحسن بن علي خليفة شرعي وتنازل له طوعا عن الخلافة لتكون له، وحتى معاوية عندما أراد أن يجعلها في أحد أبناءه وهو يزيد سعى بالترغيب تارة، والترهيب تارة أخرى على قبول المنتخبين بهذا القرار، وأصر بالحصول على بيعتهم، ومن يبايع لا يمكنه أن يتراجع في قرار انتخابه، لذلك من كان يرفض القرار، ولا يستطيع المواجهة كان يتهرب من هذه البيعة، وعندما رفض أبناء عبد الملك بن مروان قرار سليمان بن عبد الملك. بأن يكون أبن عمهم عمر بن عبد العزيز خليفة من بعده بينما قبل الناس به، هددهم مستشار الخليفة السابق رجاء بن حيوة بضرب أعناقهم لأنهم سيخالفون ما اتفق الناس عليه. حتى العباسيين عندما أرادوا الحكم. احتالوا على الأمر بدعوى سرية قائمة على شرعية دينية مفادها أن الخليفة لا يكفي أن يكون من قريش بل ينبغي أن يكون من بني هاشم [9]

نستنتج مما سبق أن العرب لم يكونوا أمة متخلفة، ولا جاهلة كما يعتقد البعض، وأن الحكم كان قائما لديهم على أسس وقواعد وشرعية، ورغم الالتفاف والاحتيال عليها في بعض الأحيان. إلا أن هذا كان الأمر كان يدل على قوتها، وعدم قدرة أي طرف على تخطيها سوى بالاحتيال، وهو ما أسس لنظام حكم كان حديث ومتفوق على نظراءه وفق نمط عصره، ويراعي القيم التقليدية وقواعدها، كما أن الخلافة استجابت للواقع وتعاملت معه بشكل عملي، ونقلت مقرها من الحجاز إلى الشام ثم العراق، بعدما توسعت ولتصبح وسط الحواضر، وتبنت قيم الروم والفرس، وأخذت من كل طرف أفضل ما لديه وصبغته بصبغتها، وحال استمرت دون انقطاع سريع ربما حدث التطور وصولا لما هو عليه الحال في الملكيات الغربية، أو وضعية الإمبراطور باليابان حيث أتخذ البلد نمط الحكم الحديث مع المحافظة على التقاليد الراسخة القديمة المستمدة من عادات وتقاليد الأباطرة وعقيدة الشنتو.

شرعية وآليات الحكم لدى الترك:

مقابل ما عرضناه من موجز تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده، وظروف وملابسات تأسيس الدولة وصولا للإمبراطورية، وشرعية الحكم الراسخة فيها والمعتمدة على قواعد محددة، كان الأمر مختلفا بالنسبة لممالك وإمبراطوريات الترك. فقد كانوا قوم بداوة لم يكن لهم اتصال بمراكز الحضارة، ولم يكن لديهم قابلية في أن يختلط الأخرين بهم، ولا هم يختلطوا بالأخرين. فقد كان نهر جيحون يفصلهم على الفرس، وبينهم وبين الصينيين حائل جغرافي ونهر سيحون، وطبيعة نشاطهم الاقتصادي وغزوهم لأراضي الأخرين كانت تجعل الصراع هو السمة الرئيسية بينهم وبين جيرانهم، مما لا يسمح لهم بالتعاون والحصول على المعارف الحضارية التي كانوا في غنى عنها نتيجة اعتمادهم على الحرب والغزوات، ولعل أبلغ ما قيل في وصفهم قول الجاحظ، كما أنهم لم يكونوا أصحاب دين يمكنهم نقله للأخرين في ظل عصر شيوع الأفكار الدينية، وكانت ديانتهم بدائية للغاية، وهي أقرب للطقوس والظاهرة الدينية وتسمى الشامانية [10] نظرا لكل هذه الأسباب لم يكن لإمبراطوراتهم قدرة على الصمود، لأنها تعتمد على القوة العسكرية المفرطة وغزو الأراضي والتوغل فيها، ولكن دون حضارة أو أي فائدة تجلبها للشعوب التي تقع تحت حكمها، وكان التفكك مصير هذه الإمبراطوريات أو هضم الحضارات الكبرى لها، وكانت إمبراطورية الهون "الهياطلة" حسب المراجع العربية أكبر إمبراطوراتهم لكنها لم تصمد سوى (50). سنة وسقطت بعدها، وكذلك إمبراطورية الخزر التي لم تصمد إلا باعتناقها اليهودية، وأحفادها اليوم هم من يتسمون بالأشكيناز اليهود نخبة المجتمع السياسي الإسرائيلي، والذين هم ترك متهودين، وفي ظل غياب دين أو حضارة أو تنظيم سياسي للدولة كانت النخبة العسكرية هي المؤسسة الحاكمة، في ظل نظام سياسي شديد البدائية يعتمد حصرا على من يمتلك العدد الأكبر من العسكر، والقدرة الحربية على قيادتهم، ولذلك كانوا وظلوا لزمن طويل مجتمع عسكري بامتياز.

مع دخولهم في الإسلام وتواجدهم في جيوش الدولة العباسية، ثم زيادة نفوذهم زمن الخليفة العباسي الثامن المعتصم بالله بن هارون الرشيد، والجارية التركية ماردة. في فترة اشتد فيها الصراع بين قادة الجيوش المكونين أساسا كما أسلفنا من الفرس والعرب ونتيجة التنافس الفارسي – العربي، أعتقد المعتصم أنه يمكن أن يوازن بينهما بالاستعانة بعنصر جديد لا طموح لديه بالحكم مثل العرب، ولا يمتلك حضارة وإرث معرفي في الحكم والسياسة مثل الفرس، وهؤلاء هم الترك أهل والدته، فبدأ يزيد في أعدادهم حتى أنه جلب إلى بغداد (18000). جندي تركي مرة واحد [11] وزاد في عددهم حتى لم تعد بغداد تتحملهم، واشتكى الناس منهم ومن جفاءهم وجلافتهم، وكادت أن تحدث ثورة بين عامة الناس والخليفة بسببهم، ولذلك أمر المعتصم ببناء مدينة جديدة لينهي هذه المشكلة ألا وهي مدينة سامراء ولقبها "مدينة العسكر" وأصبحت مدينة الخليفة والعسكر الترك عصبته الجديدة، وعلى سياسة أبيه مضى الواثق بالله، وصولا لعصر التمكين الأكبر للترك في الدولة العباسية زمن الخليفة العاشر المتوكل على الله بن الواثق، والجارية التركية شجاع. حيث تم إنهاء وجود العرب والفرس في كافة مؤسساتها الدولة العباسية وأصبح الوزراء، والجند، وقادة الجيوش، والولاة من الترك حصرا واستبدوا بالأمر، وخسرت الدولة العباسية كفاءة الفرس الإدارية وحنكتهم السياسية، وولاء العرب ومحافظتهم على شرعية الحكم، والانتقال السلس وفق الشرعية بين الخلفاء، وعم الخراب كافة الولايات، وفقدت الدولة قدرتها على حكم باقي الأقاليم، ونهشتها الثورات من كل جانب، وسعى الترك للانتقام من العرب المتمردين على استبدادهم عبر الحملة العسكرية التي قادها القائد التركي بغا الكبير على نجد، وأباد فيها الزعامات العربية لقبائل (بني سليم – فزارة – بني مرة – كلاب). سبقها إخراج كل العرب من دواوين الدولة والجيش، ثم تبدلت الشرعية التي كانت راسخة، ولم يعد تداول السلطة عبر أهل الحل والعقد "هيئة الناخبين" بل حتى بين العائلة العباسية أو الخليفة، وسقطت هيبة الخلافة فلأول مرة يقتحم العسكر مجلس الخليفة المتوكل على الله، ويقوموا باغتياله وهو سكران، وينصبوا ابنه المنتصر بالله بدلا منه، ولم يكن الخليفة الأخير الذي يقتل، فقد قتلوا المنتصر بالله بدس السم له لأنه ندم على قتل أبيه، ونصبوا من بعده المستعين بالله ثم خلعوه، والمعتز بالله ثم خلعوه، ومن بعده المهتدي بالله ثم قتلوه فقتلوا خمس خلفاء وخلعوا ثمانية، وانتهت فكرة الشرعية، وهيئة المنتخبين، واصبح القرار بيدهم حصرا، وتم التأسيس للحكم العسكري من شخصيات تتسم بالجهل وانعدام العلم والمعرفة، واحترام الحضارة وقيمها، وكل إمكانياتهم تكمن في قوتهم العسكرية، ثم تفرغ القادة للصراع فيما بينهم، واستقل بعض القادة الترك بالولايات مثل أحمد بن طولون في مصر، ومن بعده محمد بن طغج الإخشيد وضاعت الشام، والحجاز، وخراسان، وبلاد المغرب، وأصبح الخليفة لا يسيطر سوى على بغداد، وبعض المدن العراقية، ويمكن لمن يريد التوسع بحقبة هيمنة الترك على الدولة العباسية الرجوع لهذا المصدر المميز (العصر العباسي الثاني). للدكتور (شوقي ضيف) [12]

الترك والمؤسسة الدينية:

لم يكن في الإسلام منذ ظهوره، وحتى هيمنة الترك على مقاليد السلطة "مؤسسة دينية" ولا وجود فيه لطبقة رجال دين لهم عصمة ما، أو قداسة خاصة، أو احتكار للمعارف الدينية، وكان الإسلام دينا بسيطا، ويعتمد في أحكامه على القرآن والأحاديث المتفق على صحتها، وأفعال الصحابة وأئمة أهل البيت، كونهم الفئتين الأكثر علما ومعرفة بالدين وشئونه حسبما يعتقد السنة والشيعة، وظهر مع الوقت علماء دين، ولم يكن هناك منصب يسمى "المفتي" أو "شيخ الإسلام" بل علماء دين وقضاة، ولم يكن للدولة تدخل في شئونهم، ولا تملي عليهم ماذا ينبغي أن يقولوا، وكان الخلفاء يتخذون ممن يرون فيهم العلم والمعرفة، والقبول من الناس قضاة لديهم في قصورهم للحكم في شئون القصر والحاشية والخلافة، وكان غالبية العلماء الكبار يرفضون تولي هذا المنصب حيث كان توليه بالرضا وليس من سلطان الخليفة إجبارهم، وفي عهد الخليفة العباسي الثاني المعروف بجبروته أبو جعفر المنصور. طلب من أبو حنيفة تولي القضاء أكثر من مرة فرفض فسجنه وتم دس السم له وقتله [13] كذلك رفض الأمر سفيان الثوري، وعارض مالك بن أنس رغبته في تعميم كتابه الموطأ على كافة الولايات حتى لا يُلزم الناس بفهم ديني واحد، وظلت العلاقة بين الطرفين على هذا الوضع.

مع تولي الترك مقاليد الأمور وحالة الفوضى في تعيين الخلفاء وعزلهم وقتلهم، بدأ يحدث لبس لدى عامة الناس بين ما تعارفوا عليه وسمعوه وقرأوا عنه من شرعية وآلية الحكم، وما يحدث على أرض الواقع من فوضى، وانفراد العسكر بالحكم والمال وتقرير مصير الخلفاء، وهنا حدث التدخل من هؤلاء العسكر الترك الجهلاء في استخدام دعاة الدين لتبرير ما يفعلوه بأحكام شرعية دينية لا سند لها وفي هذه الحقبة ظهرت مصطلحات كانت جديدة على مسامع المسلمين مثل "فقهاء السلطان" و "وعاظ السلاطين" كرد فعل شعبي على هؤلاء العلماء الذين باعوا أنفسهم للجند الترك مقابل تبرير سياساتهم وعندما أدرك العسكر الترك عدم قدرة هؤلاء "العلماء" على مواجهة الرأي العام، ومن باب الإرهاب لمنتقديهم، أتجهوا للتأسيس لمنطق جديد لم يكن معروف لدى العرب ولا في الإسلام. ألا وهو خلق مؤسسة دينية، ومنح رجالها ألقاب ووجاهة وفخامة وهيبة، وحصر تعيين هذه الشخصيات بيد العسكر، وإلزام الناس بعدم نقدها، والعسكر ضامنون لولائهم فهم من يعينهم، وهم من يعزلهم وهم من يمنحهم الأموال والامتيازات، وتم صناعة فقه جديد، ومأسسة المذاهب الدينية لخدمة السلطة السياسية، وافتتاح مدارس لهذا الشأن، وتوسعها وصولا للمدرسة النظامية، والمستنصرية. وحظر التعبد داخل الإسلام سوى في المذهب السني بفروعه الأربعة، وجميع المسلمين ملزمين بها (حنفي – مالكي – حنبلي – شافعي). ولا تدرس هذه المدارس سوى هذه المذاهب ولا يُدرس فيها سوى علماءها، وبالتالي تم غلق باب الاجتهاد، ومأسسة أقوال علماء دين كان هناك من هو أكثر علما منهم لتصبح مذاهب لا وجود لسواها، واعتبارها جزء لا يتجزأ من الإسلام والعقيدة، وعلى نهج هذه المدارس صارت جميع المدارس الأخرى بما فيها مدرسة الأزهر في القاهرة، عندما أعيد افتتاح الأزهر الشريف زمن السلطان ذو الأصل التركي الظاهر بيبرس عام 1265. حيث ألزم المصريين بضرورة اختيار مذهب من هذه المذاهب الأربعة حصرا، وربما يفسر هذا الأمر للبعض لماذا توقف الإسلام السني على مذاهب فقهية أربعة فقط منذ (1100). سنة، ولم يطرأ عليه أي جديد. ووفق هذا الواقع الذي تشكل وترسخ على يد الترك. كان من الطبيعي عندما يأتي الماوردي ليؤلف كتاب عن الحكم والسلطة فيسميه (الأحكام السلطانية). وكذلك ابن تيمية (السياسة الشرعية). ليتم وضع قواعد فقهية دينية لما بالفعل أصبح أمرا واقعا، ومحاولة وضع قيود ما منظمة لهذه الفوضى العارمة فيما يخص مسألة شرعية الحكم، مع ظهور عدة اشكاليات خلقت نظريات جديدة مثل "الحاكم المتغلب" المسيطرة على السلطة بالقوة أو عبر انقلاب عسكري وكيفية التعامل معه، بجانب كتب على غرار (الآداب السلطانية). للمؤرخ ابن الطقطقي. لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق الصيغة التي ابتدعها الترك.

الخلاصة:

أدى تسلط الترك وهيمنتهم على مقاليد السلطة عام 847. أي بعد مائتي عام فقط من قيام الدولة العربية – الإسلامية لخلق انقطاع في تجربة الحكم الوليدة، وعدم منحها الفرصة لتترسخ وتطور من نفسها وصولا لنشوء أرستقراطيات عربية كانت ستستقل بالولايات التابعة للخلافة، وتدخل في صراع فيما بينها يتحدد على أساسه موازين القوى الحقيقية، وصولا لتفاهم على شكل الحدود الخاصة بكل مملكة وهو ما حدث مع الملكيات الأوروبية في صلح وستفاليا عام 1648. [14] وتصبح الخلافة والخليفة رمز ديني لوحدة الأمة ولا يحكم.

لم يكن لدى الترك قيم جديدة مفيدة للعرب، ولا قبلوا بالإبقاء على قيم ونظام الحكم الذي كان قائما وقتذاك، وأسسوا لعقيدة الصراع على السلطة بالقوة العسكرية، وغيرها من القيم التي ربما تناسب مجتمع البادية، ولكنها لا تتناسب مع مجتمع متعدد الحضارات والقوميات. فكان من نتائج هذا التدخل تغييب أهل الرأي والمشورة، واحتقار قيمة العلم والمعرفة، وإنهاء دور السياسة بالحكم كونها عملية تعتمد حصرا على القوة، وتغييب الرأي العام والقوى المجتمعية "المجتمع المدني" من المعادلة لقرون طويلة حتى أصبح معدوم في حياتنا الحالية ولا حول للشعوب ولا قوة.

خلقت تجربة الحكم التركي الطويلة تشوه للهوية داخل المجتمعات العربية، وحال تتبعنا مسار الدول العربية حاليا، ومدى تأثير هذه الحقبة عليها ومقارنتها بغيرها ممن لم تخضع لهذه التأثيرات التركية ووضع معادلة تحليل علم اجتماع سياسي لها مستندا للتاريخ والواقع، فسنجد على سبيل المثال البلدان التي خضعت لتأثير مزدوج لحكم الترك طويل الأمد بحقبهم المختلفة، وحكم الاستعمار الغربي هي الأكثر تخلفا وانحطاطا، وتراجعا في كافة المجالات وتعاني من أزمة شرعية حكم وعدم استقراره حتى الأن، فحدث لدى هذه الدول قطيعة مع حضاراتها القديمة، وانقطاع في شرعية الحكم العربي التي لم تُكتمل، وترسيخ لقيم تركية بدائية غيبت المجتمع، وتحولت هذه القيم لعادات وتقاليد راسخة، ثم دخلت عليها تأثيرات الحضارة الغربية عبر الاستعمار فأخذت منه القشرة، والشكل التنظيمي الظاهري للدولة من هيئات ومؤسسات ودستور وأحزاب وفصل ما بين السلطات، ولكن نمط الحكم ينتمي بالواقع للقيم التقليدية المستمدة من الترك، والمعتمدة على حكم العسكر، ولنتأمل تاريخ الأسرة العلوية في مصر، وأبرز حكامها الخديوي إسماعيل الذي نقل للقاهرة الحداثة بتفاصيلها من أوروبا، لكنه كان يحكم وفق قيمه المنتمية لسهوب آسيا الصغرى ما قبل العصور الوسطى، وجمهورية جمال عبد الناصر التقدمية الثورية، والتي خلقت تغييرا اجتماعيا هائلا لصالح عامة المجتمع لكن حاكمها كان بكباشي تركي من أصل مصري في نمط حكمه، بينما سنجد هذه التأثيرات السلبية في تونس أقل بكثير، وذلك نظرا لكون حكم الترك لتونس كان محدود، ولم يكن قديم فلم يحكمها إلا عام 1574. بعدما ترسخت قيم تقليدية تنتمي للمجتمع التونسي وهويته كما لم يكن الحكم التركي مستقرا، وتخلله سيطرة إسبانية وفرنسية، ثم حكم البايات الأوائل ذوي الأصول الفرنسية، والحسينيون ذوي الأصول اليونانية، وقرب تونس الشديد وترابطها القوي مع أوروبا، فكانت القيم التقليدية قادرة على التوافق مع قيم الحداثة فكانت الجمهورية التونسية أكثر تقدمية من غيرها، بينما جارتها الجزائر التي كانت مقر الحكم العثماني بالمغرب الكبير. شأنها شأن باقي الجمهورية العربية، تعاني من أزمة هوية حادة، وحكم عسكري مضطرب نتيجة الخلطة التركية التقليدية مع قيم الحداثة الفرنسية، ولذا كان مولود هذه الجمهوريات مشوها، بينما نجد هذا التشوه أقل بكثير في المغرب. التي لم تخضع للحكم التركي مطلقا، وترسخت قيمها التقليدية بمعزل عن التدخلات الخارجية، ثم جاءتها الحداثة الفرنسية فكان الدمج فيما بينهم أكثر سلاسة، وأنتج لنا مملكة تتمتع بقيم أصيلة قد يراها البعض عتيقة، مع تطور يمضي بخطى ثابتة وقوية، أما بلدان الخليج فالمنظومة فيها أكثر استقرار من الجمهوريات لسطحية الحكم التركي وعدم توغله فيها، مع حفاظها على القيم التقليدية، وساعدها اقتصاد النفط وما خلقه من تطور وانفتاح على العالم، بينما الجمهوريات تائهة تعيش أزمة الهوية وصراع دائم على السلطة.

استثناء العرب من حمل السلاح، ومسئولية الدفاع عن أرضهم، وممارسة السياسية وتقرير مصيرهم، واستثناء أي دور للنخب العربية من معادلة السياسة بالمطلق منذ العام 847. حتى بداية القرن العشرين لأكثر من ألف سنة، ثم ورث تركة العثمانيين أخر ممالك الترك المستعمر الغربي، وفجأة وجدت هذه الشعوب نفسها "حرة" ولكنها لم تتعود على ممارسة العمل السياسي ولا تنظيم نفسها بنفسها، وتميل إلى ما ألفته وتعودت عليه من استقرار هش، وبالتالي استسلمت بسهولة لحكم العسكريين الذي ترسخ لقرون طويلة، أو حكم العائلة المطلق، وحال قررت التمرد على هذا الوضع ولغياب القدرة على التنظيم، وعدم استعدادها لدفع كلفة التغيير، والتوصيف الخاطئ لأسباب البلاء والانحطاط يتم تطويق مطالبها والانقلاب عليها، أو يؤدي تمردها على الواقع لتدمير كل شيء، وردة للخلف وعودة للوراء وفقدان لبعض المكتسبات الضئيلة التي حققتها.

بدأت مع الترك تترسخ ظاهرة وعاظ السلاطين، وتدخل السلطة السياسية بالشئون الدينية، وإيقاف باب الاجتهاد والجمود الذي أصبح عليه وضع الإسلام الأن، وازدياد حدة الطائفية بعدما أصبحت الدولة ترعى وتدرس مذاهب على حساب أخرى بينما كان العلم الديني قبل الترك متاح للجميع، وليس للدولة تدخل مباشر فيه، مما أدى لزيادة التفرقة داخل المجتمع، بجانب التخلف العلمي والتقني كون قوة الدولة، ومؤهلات من يقودها تعتمد حصرا على الجانب العسكري، والموارد الاقتصادية مصدرها الغزو المستمر مما أدى لتوريط المنطقة في صراعات طويلة دفعت ثمنها تعطيل لحركة تطورها واختزال حياتها في التعبئة العامة للصراع، وثمن السلم الخضوع المطلق وجباية الضرائب وهو ما قبلته شعوب المنطقة مقارنة بالبديل وهو الحروب الدائمة، وهذا هو محور حديثنا بالجزء الثالث من السلسلة.


[3]سورة الحجرات – الآية رقم 13

[9] حديث الخلفاء من بعدي كلهم من بني هاشم رواه البخاري (رقم/7222) ومسلم واللفظ له (رقم/1821)

[11] https://www.goodreads.com/book/show/12818771 (الجزء الثاني - صفحة 233)