الدور الجيوسياسي الجديد لدولة الإمارات العربية المتحدة

20.09.2020

بشكل غير متوقع أصبحت الإمارات فجأة، في بؤرة الاهتمام العالمي بعد الإعلان عن اتفاق للتطبيع الكامل مع إسرائيل في 13 أغسطس/آب. جرت المحادثات بوساطة من الولايات المتحدة. لذلك أصبحت الإمارات ثالث دولة عربية تعترف بإسرائيل (بعد مصر عام 1979 والأردن عام 1994، وكلاهما تحت ضغط من الولايات المتحدة).

تجدر الإشارة إلى أن الإمارات قد صورت قرارها بالاقتراب أكثر من إسرائيل كوسيلة لمنع ضم الأراضي الفلسطينية. حيث كتب في يونيو/حزيران، سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، مقالاً حذر فيه الحكومة الإسرائيلية من مثل هذه الأعمال، وأشاد بدور الإمارات في عملية السلام بالشرق الأوسط.

هذا وقد رحبت الولايات المتحدة بهذه الخطوة ووصفتها بأنها انتصار دبلوماسي كبير. أشار جيمس كارافانو من مؤسسة التراث اليمينية المحافظة، إلى أن اتفاقية السلام التاريخية بين إسرائيل والإمارات تُظهر بوضوح نجاح سياسة دونالد ترامب في الشرق الأوسط. إنها مجرد الخطوة الأولى نحو إنشاء تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط، وهي فكرة فكرت فيها إدارة ترامب كوسيلة للجمع بين إسرائيل والدول العربية في مشروع جماعي يضمن الاستقرار والازدهار في المنطقة.

ستلعب الولايات المتحدة دوراً توحيدياً حاسماً في هذا التحالف وستقدم المساعدة لكل عضو من أعضائه. ومن أهداف هذا التحالف الواعد تعزيز التكامل الاقتصادي، ومنع الصراعات الإقليمية ومواجهة الأزمات الإنسانية، ومكافحة الإرهاب الإسلامي الدولي، واحتواء إيران.

تتضمن خطط الولايات المتحدة وإسرائيل فرض احتكار لمبيعات الأسلحة إلى الشرق الأوسط من خلال أيقاف المنافسين من روسيا والصين. ستكون دولة الإمارات ساحة اختبار، لأنها شريك رئيسي لكلا البلدين في شراء الأسلحة الحديثة. حيث تجري حالياً مناقشة لبيع طائرات مقاتلة أمريكية من طراز F-35 متعددة المهام إلى الإمارات. أعطت إسرائيل موافقتها على الصفقة، بينما أكد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن الإمارات ستستخدم الطائرات النفاثة للدفاع عن نفسها ضد تهديدات إيران – لكن لن تكون الأسلحة هي الرابط الوحيد بين هذه الدول. ستحصل إسرائيل الآن على حرية الوصول إلى النفط العربي، الذي تحتاجه لدعم صناعتها التحويلية. كما ستتمكن إسرائيل أيضاً من استخدام الإمارات كدولة بديلة لعقد صفقات مع دول عربية وإسلامية أخرى، بما في ذلك تلك التي لا تعترف بإسرائيل، وغني عن التعريف بأن قادة عدد من الدول العربية والإسلامية ووسائل إعلامهم قد أعربوا بالفعل عن قلقهم بشأن الاتفاقية. كما تم افتراض أن الصفقة مع إسرائيل ستؤثر بشكل مباشر على القضية الفلسطينية، أو بالأحرى ستقلل من مستوى الدعم الذي يقدمه العالم العربي للفلسطينيين.

في غضون ذلك، رفض القادة الفلسطينيون الاتفاق، لأنه يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وردت تركيا أيضاً بشكل سلبي على الصفقة ووعدت بزيادة مساعدتها للفلسطينيين، وقد بات يُنظر إلى الخلاف على أنه سبب آخر للأزمة المتفاقمة داخل منظمة التعاون الإسلامي التي قد تؤدي إلى تفكيكها.

من الواضح أن الشروط المسبقة لإقامة العلاقات الدبلوماسية قد وُضعت في وقتٍ سابق. يعتقد الكثيرون أن ذلك جاء في أعقاب مقتل زعيم حماس محمود المبحوح عام 2010، الذي كان مسؤولاً عن شراء الأسلحة والخدمات اللوجستية، في أحد فنادق دبي الفخمة. حيث تم تخديره وصعقه بالكهرباء ثم خنقه. يُعتقد على نطاق واسع أن الموساد هو من نفذ عملية القتل - منذ ذلك الحين، بدأت العلاقات بين البلدين تتعزز كما لُوحظ أن إسرائيل تساعد الإمارات في تنفيذ إجراءات الأمن الداخلي باستخدام أحدث التقنيات.

بكل تأكيد لم تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي دون فعل أي شيء خلال كل هذه التطورات. في الواقع بدأت الإمارات في إشراك المتخصصين الأمريكيين بنشاط في مشاريعها. في عام 2017، تم الكشف عن أن الإمارات تعمل بنشاط على تجنيد عملاء سابقين في وكالة المخابرات المركزية للمساعدة في إنشاء جهاز استخبارات جديد. أشارت مجلة فورين بوليسي إلى أن الإمارات كانت تنشئ إمبراطورية تجسس خاصة بها في الخليج العربي.

من المحتمل أن الإمارات قد حققت إنجازات في هذا المجال، وأصبحت تنتهج الآن سياسة أكثر استقلالية كما يشير إلى ذلك المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية: "أصبح من الواضح بشكلٍ متزايد أن الإمارات لم تعد لاعباً ثانوياً في الشرق الأوسط، أو غير قادرة على منافسة القوى الإقليمية ذات الوزن الثقيل مثل مصر وتركيا وإيران، في الواقع، تمارس الإمارات الآن نفوذها خارج حدودها، وقد أثبتت في الآونة الأخيرة من خلال انسحابها الجزئي من اليمن في عام 2019 أنها قادرة على اتباع مسار مستقل تجاه المملكة العربية السعودية أيضاً" كما يعتقد المعهد أن الإمارات لم تعد شريكاً صغيراً للسعودية، وباتت تتبع حالياً سياسة إقليمية جديدة ذات ثلاث أولويات واضحة:

محاربة جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة لأنها تشكل خطراً على قيادة البلاد. ولهذا السبب تعمل الإمارات بشكل وثيق مع مصر وتدعم الجنرال حفتر في ليبيا، ولذلك تدهورت علاقاتها مع تركيا، حيث تعتمد الأخيرة على هياكل الإخوان في سياستها الإقليمية. كما يرتبط قرار الإمارات بإرسال طائرات عسكرية إلى منطقة البحر المتوسط لمساعدة فرنسا واليونان بهذه الاستراتيجية. وتؤيد الإمارات أيضا عزل قطر التي تعتبر الداعم الأهم للإخوان المسلمين.

مقاومة التمدد الإيراني في الشرق الأوسط. لا يحدث هذا الأمر بشكل علني كما هو الحال مع جماعة الإخوان المسلمين، لكنه اتجاه طويل الأمد، لا سيما بالنظر إلى أن الإمارات لديها مطالبات إقليمية ضد إيران. حيث تقع ثلاثة جزر - أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى - تحت سيطرة إيران، وتطالب الإمارات بعودتهم إليها.
السيطرة على الطرق البحرية من خليج عدن إلى البحر الأحمر. وتحقيقا لهذه الغاية، تم إنشاء قواعد في إريتريا (عصب) وأرض الصومال (بربرة)، وسيطرت الإمارات على الموانئ البحرية في اليمن أثناء قتال المتمردين الحوثيين. كما تقوم شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية بتوسيع وإدارة الموانئ في المنطقة. تعد الإمارات أيضاً مركزاً لوجستياً رئيسياً يُمكن للمسافرين من خلاله السفر إلى العديد من البلدان حول العالم. من المحتمل أن تكون الطرق البحرية ذات أهمية عسكرية واقتصادية.

على الرغم من الاستقلال المتزايد لدولة الإمارات العربية المتحدة، لا تزال الرياض وأبوظبي شريكتين وينفذا مشاريع إقليمية مشتركة. منذ بدء العملية العسكرية في اليمن، على سبيل المثال، كما أن كلا البلدين يدعمان السودان مالياً من خلال دفع أموال للبلاد مقابل مشاركة بعض ميليشياتها في القتال.

يُذكر أنه في أواخر عام 2019، قد أعلن وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية والتعاون الدولي أنور قرقاش أن الأشهر الاثني عشر المقبلة ستكون "حاسمة" في العديد من المجالات، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنه قد تم بالفعل إحراز تقدم في عدد من قضايا المنطقة، ويبدو أن الاتفاق مع إسرائيل هو تتويج لجهود الإمارات لتغيير سياستها الداخلية والخارجية. ومن الواضح أيضاً أن بعض دول المنطقة ليست راضية عن الدور الجديد لدولة الإمارات العربية المتحدة، والذي قد يؤدي إلى توترات سياسية ومجموعة متنوعة من الصراعات.