لماذا يحب الكرملين ترامب؟!

02.01.2020

منذ 20 يناير/كانون الثاني 2017م. وهو اليوم الذي أدى فيه الرئيس الأمريكي الخامس والأربعون دونالد ترامب. القسم كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية. انطلقت عاصفة من الاتهامات ضده بالتعاون مع روسيا وصلت حد اعتباره عميلا للكرملين!

بكل تأكيد كان الكرملين شأنه شأن جميع بلدان العالم ينتظر قدوم الرئيس الجديد، خصوصا بعد فترة باراك أوباما التي اتسمت فيها العلاقة بين الطرفين بالفتور الشديد، ومن الطبيعي أن تميل موسكو لمن تراه أفضل لرئاسة أمريكا من منظور مصالحها، ولا يعني هذا بالضرورة أن لها دخل في صعوده إلى السلطة، وبما أن المنافسة كانت محصورة بينه وبين هيلاري كلينتون. التي تمثل امتداد لمجموعة المصالح التي ارتبطت بأوباما فكان ترامب بالنسبة لها خيارا أفضل.

ثمة أمر أخر أكثر أهمية من كل هذه الضجة الفارغة التي أثيرت حول علاقة ترامب بالكرملين. حيث تنظر روسيا للأمر بمنظور استراتيجي بعيد المدى، وتدرك ألا مجال لتحسين العلاقات مع أمريكا بالوقت الحالي، ولم تكن بتلك السذاجة التي يتصورها البعض لتراهن على ترامب في هذا الأمر، بل ما يهمها أكثر من أي أمر أخر هو مستقبل التوجهات الاستراتيجية للولايات المتحدة بالعقد القادم.

انفردت أمريكا بدء من عام 1991م. بقيادة العالم، وأصبحت الكلمة الأولى والأخيرة لها في كافة الشئون الدولة، ولم تقتصر هيمنتها على الجانب الاقتصادي أو السياسي، بل تخطتها لتصبح العولمة، ونمط الحياة، والقيم الاجتماعية الأمريكية. هي المعيار الذي يقاس على أساسه لتقدم الأمم أو تخلفها، ولم يحدث عبر التاريخ إلا في استثناءات محدودة للغاية أن انفردت قوة واحدة ووحيدة بهذه القيادة، وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001م. بداية لإرهاصات عصر جديد، يصحح فيه التاريخ مساره الغير منطقي لهذه القيادة المنفردة، وانخرطت واشنطن في حروب أفغانستان والعراق، وما تسمى الحرب على الإرهاب. تبع ذلك الأزمة الاقتصادية العالمية 2007 – 2008. وخروجها بلا نصر حقيقي من هذه الحروب، وبحجم ديون مهول، وتراجع هيبتها بالعالم، وعدم قدرتها على الحسم كما كان الأمر بالماضي دون وجود قوة قادرة على أن تنافسها بشكل حقيقي، وقد خلق هذا الوضع حالة من الفوضى بالمناطق الإقليمية الهامة حول العالم، وجاء أوباما بمشروعه أو بالأحرى بأحد المشاريع التي طرحها منظري السياسة الأمريكية وسط عدة مشاريع متنازع عليها، ولم تستقر بعد خيارات المؤسسة الحاكمة على تبني أي منها بشكل كامل.

مع ذهاب أوباما دون إكمال مشروعه، وتعثره في منطقة الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية، وبدء انبعاث روسيا كقوة عالمية مؤثرة دون أن تكون ندا أو قادرا على مناطحة أمريكا، ولكنها أصبحت قادرة على تعطيل مشاريعها دون القدرة على حسمها لصالحها، مع امتلاكها القدرة على حسم الصراعات التي تشكل خطورة على أمنها بمحيطها الإقليمي، ولعل أحداث "ثورة" الميدان الأوروبي في أوكرانيا عام 2014م. وما تبعها من استعادة موسكو لسيطرتها الكاملة على شبه جزيرة القرم، وضمها لقوام روسيا الاتحادية، ودعم الحركات الانفصالية في شرق أوكرانيا بمنطقتي لوغانسك ودونيتسك دليلا على ذلك.

عاش الروس بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991م. وحتى العام 2007م. وهما كبيرا جرى التسويق له من النخب الليبرالية تحديدا، التي سيطرت على مفاصل الاقتصاد والإعلام، ومراكز صنع القرار بالدولة الروسية الجديدة، وفق نظرية مفادها ألا مشكلة حقيقية بين الغرب وروسيا. بل الأصل بالعلاقة التعاون، وما عطل هذا التعاون الخطران الجيوسياسي الثي مثله الاتحاد السوفيتي، والأيديولوجي لتبنيه الشيوعية، وبسقوط هذا الكيان، وتخلينا عن هذه الأيديولوجية، وتحصين الدولة الروسية من العودة إليها بحظر تبنيها لأي أيديولوجية وفق ما ورد بالدستور الروسي. فقد انتهت فعليا المشكلة مع الغرب، وأصبحت الأبواب والآفاق مفتوحة للتعاون الوثيق معه، ولا حاجة لروسيا بإضاعة وقتها وأموالها في التصنيع والزراعة، وكل هذه "الشعارات" الفارغة الموروثة من الحقبة السوفيتية، نحن نمتلك الغاز والنفط وهو ما يحتاج الغرب إليه، ومنه نستورد كل حاجاتنا بجودة أعلى وسعر أرخص من المحلي، ووفق هذه السياسة تم تحطيم الصناعة، وتدمير الزراعة، وفتح الدولة الروسية بكل مؤسساتها للخبراء الغربيين والأمريكان تحديدا، حتى أن الرئيس الأسبق بوريس يلتسن قال مقولته الشهيرة "لم تعد روسيا تحتاج حتى إلى الجيش" للتأكيد على ما يسمى "عصر السلام" مع الغرب.

بعد عدة تجارب كان لابد منها فيما يبدو، ليصل المجتمع الروسي عامته وخاصته لقناعة لم تكن تحتاج لكل هذا الوقت والجهد والخسارة، أدرك معها الجميع أن المشكلة تكمن في روسيا نفسها وكيانها، وحجمها الكبير بالنسبة للغرب، ومواردها الطبيعية الغنية، وأي كانت توجهات وأيديولوجية روسيا، وأي كان من يحكمها، فلا وجود لطريق ثالث بعلاقتها مع الغرب. إما تبعية واستسلام كامل وهو ما لا يقبل به الشعور القومي لدولة إمبراطورية تتوسع بشكل مستمر عبر تاريخها منذ القرن السادس عشر الميلادي، أو التنافس مع الغرب وربما الدخول في صدام وهو ما لا تريده موسكو مستفيدة من تجربتها السابقة بسباق التسلح، وإنفاق أغلب مواردها عليه وترك شعبها في حالة فقر وجوع، ولذلك بدأت العقول الاستراتيجية تفكر بشكل جماعي بالشكل المثالي للعلاقة مع أمريكا، وما هي أسباب المشكلة الحقيقية معها، وكيفية صياغة العلاقة بين الطرفين دون تبعية أو الدخول في صدام.

استقر الكرملين عبر فكر جمعي لخيرة خبراءه في شتى المجالات، على ألا مشكلة حقيقية بين روسيا كدولة وشعب، وأمريكا كدولة وشعب، لكن المشكلة تكمن في أن أمريكا ليست بلدا حرا، وشعبه لا يقرر مستقبل سياساته وتوجهاته الكبرى، بل وأن الدولة الأمريكية ومؤسستها الحاكمة مختطفة من قبل قلة متنفذة متعددة الجنسيات، وهذه القلة هي من تمتلك المصارف، والبنوك، والنقد، وكافة القطاعات الاقتصادية الكبرى عبر نظام الاحتياطي الفيدرالي، وتستخدم أمريكا وقوتها وعظمتها لتحقق عبرها مصالحها، وحال تحررت أمريكا من هذا "الاحتلال" وأصبحت تفكر في مصالحها القومية وتراعي متطلبات شعبها. فلا وجود فعليا لمشاكل معها، ويمكن تقاسم مواقع النفوذ والثروة، واحترام كل طرف لمصالح الطرف الأخر، وتأمين مصالحه بمناطق نفوذه، وترامب بالنسبة لهم هو ذلك الرجل.

يمثل ترامب بالنسبة للروس شخصية قومية أمريكية وفق هذا المفهوم، رجل جاء من خارج المؤسسة الحاكمة، والمؤسسة الحزبية، ولم يتلقى دعما من القلة المهيمنة على القرار الأمريكي، بل على العكس جاء رغما عنهم بعدما هاجموه وسخروا كافة وسائل الإعلام لتشويه صورته، ووصله في حد ذاته وبفضل مجهوداته الفردية أولى الإشارات على تراجع قوة هذا اللوبي، وشعور المواطن الأمريكي بأن بلده مختطفة لمصالح لا تعبر عنه، وهذا النجاح هو التجربة الأولى. التي ستؤسس لمرحلة لاحقة يمكن فيها للمرشح القوي الذي يراهن على الشارع الأمريكي وحده أن يصل إلى السلطة دون الحاجة لدعم هذه الفئات، وبالرغم من هجوم إعلامها عليه، وهو ما سيمنح الأخرين الجرأة على تحديهم دون الخوف منهم، أو انتظار رضاهم ليصل إلى موقع الرئاسة ويسدد لهم فيما بعد الفواتير ثمنا لدعمهم.

يدرك الروس أن ترامب لن يتمكن هكذا بالضربة القاضية من القضاء على مراكز القوة المهيمنة على القرار الأمريكي لحسابها، وأن المعركة مع هذه المراكز طويلة، ولكن خطابه وتحقيقه لبعض المكتسبات الاقتصادية التي تعود بالفائدة على المواطن الأمريكي العادي، ستؤدي للتأسيس لسياسة وخطاب لا يمكن لأي رئيس أمريكي قادم تجاوزه، ولابد أن يضعها في حسبانه، ومع الوقت سيتسع هذا الخطاب ليتحول لسياسة عامة، وما ترامب إلا بداية لهذا المسار.

عندما يقول ترامب أمريكا للأمريكيين، وأمريكا أولا أي مصلحة الشعب الأمريكي مقدمة على أي اعتبار، وألا علاقة لنا بمشاكل العالم، ونحن لسنا مسئولين وحدنا عن حلها، ولابد أن يتقاسم الجميع معنا أعبائها، وينهي العولمة الاقتصادية الخادمة لمصالح فئات محدودة لا تراعي سوى مصالحهم ولو على حساب الأمريكيين. فهو بذلك يترجم شعاره (Make America Great Again). لواقع عملي سيترسخ مع الوقت، وبالتالي سينشأ عالم متعدد الأقطاب، وعولمة اقتصادية صحية قائمة على اتفاقيات اقتصادية ثنائية، هذه الاتفاقيات تراعي مصالح الشعوب أولا، وبشكل أكثر عدلا من العولمة الحالية الخادمة لمصالح الشركات فقط، وعليه سينشأ تنافس محمود بهذا العالم، ولن يكون هناك حاجة للصراع، وستحل سياسة التفاهم والمقايضات محل سياسة الهيمنة والإقصاء الاستبدادية، والسياسة الشمولية الأمريكية الحالية، وعندها يمكن الحديث عن تعاون مع أمريكا حيث لا تناقض وقتها سيكون بين مصالحها ومصالح الأخرين، نظرا لأن العلاقة ستكون مبنية على المصالح المشتركة للدول والشعوب.

يعتقد الروس أن كل الهجمات المنظمة على ترامب من خصومه الديمقراطيين تصب في صالحه، وليست ضده، فاتهمه بالعمالة لروسيا وتشكيل لجنة تحقيق خاصة بقيادة المحقق روبرت مولر، وما تمخضت عنه من عدم وجود أي دليل على هذه الاتهامات، ثم محاولة عزله في الكونجرس الأمريكي التي ستفشل في مجلس الشيوخ كما يتوقعون، مع النجاحات الاقتصادية التي تنعكس على المواطن الأمريكي العادي إيجابا تؤدي لمزيد من الشعبية له، وتأكيدا للمواطن الأمريكي بأن قرار بلده مختطفا لصالح أصحاب المصالح، وأن أمواله يتم تبديدها في حروب ونزاعات دولية لخدمة أهداف هذه الشركات التوسعية التي تذهب للتصنيع بالخارج، وتتركه بلا فرص عمل بالداخل، وهذه الأمور كلها ستنعكس على نتائج الانتخابات القادمة، وسيحصل على فترة رئاسية ثانية، خصوصا وأن منافسيه الديمقراطيين غير قادرين على الدفع بمرشح قوي ذو شعبية، وكذلك الحزب الجمهوري لا يمتلك بديلا عنه، والترهل وصل مداه داخل كلا الحزبين التقليديين، وبالتالي سيندفع ترامب بكل قوته بفترته الرئاسية الثانية لتنفيذ مشروعه بعدما استنزف خصومه كل ما لديهم من أوراق ضغط وصولا لمحاولة عزله، وهو ما سيجعل الصوت الأمريكي القومي أكثر جرأة على تحدي مجموعات المصالح، وتدفع بمرشحين خارج نطاق المؤسسة الحاكمة للمنافسة، وربما يكون الرئيس القادم أحدهم، ويدعمه ترامب بنفسه في أخر فترته الرئاسية.

رفض ترامب للقيم النيوليبرالية، ولسياسات تصدير الديمقراطية على النمط الغربي، أو التدخل في شئون البلدان الأخرى وتحديد مسار التقدم نيابة عنها. أحد أهم النقاط التي تهم الروس. حيث يعتقدون أن الديمقراطية الغربية تحولت لأنظمة سلطوية فاقدة للشرعية والإرادة، ولا تعبر عن مصالح شعوبها بل مجرد أداة لأصحاب المصالح، وما الحديث عن الديمقراطية الليبرالية سوى أداة هيمنة وتوسع لهذه الشركات الراغبة في خلق مناخ سياسي واقتصادي يساعدها على تحقيق المزيد من الأرباح، وتستخدم الديمقراطية شعارا، والقوة الأمريكية وسيلة ضغط لتحقيق أهدافها، حيث يعتقد الروس أن الديمقراطية وتحديث المجتمع عملية ستحدث تلقائيا، وسيحدد كل شعب وفق ثقافته المسار الذي يتبعه في هذا الأمر وبشكل أسرع بكثير من التصور الأمريكي القسري. هذا التصور الذي لم يخلق إلا خرابا ودمارا وفشلا في التحول الديمقراطي المزعوم.

بناء على ما سبق يمكن فهم الموقف الروسي من ترامب، وموقف ترامب من روسيا بعيدا عن نظريات "المؤامرة" وسنرى بالفترة المقبلة هل التصور الروسي في محله أم أنه لم يكن سليم، ولكن الأكيد أن العقد القادم سيشهد متغيرات كبرى على الساحة الدولية ستنعكس آثارها على كافة بلدان العالم.