هل يُطيح ملف المهاجرين واللاجئين بميركل؟

12.09.2016

خسارة شخصية لميركل
وفي الخامس من سبتمبر (أيلول) الماضي، ظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية المحلية، لولاية مكلنبورج- فوربومرن الألمانية، التي شارك فيها 61.6% ممن لهم حق التصويت، وتصدر ها «حزب الاتحاد الاشتراكي الديموقراطي»، الذي يعد شريكًا مع الحزب المسيحي الديموقراطي في الائتلاف الحاكم، بحصوله على 30% من أصوات الناخبين في الولاية بخمس درجات مئوية أقل من عام 2011.

وحلّ حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي المناهض للاجئين، في المرتبة الثانية بحصوله على 20.8% من إجمالي الأصوات في انتخابات الولاية التي يشارك فيها ولأول مرة، مُتقدمًا على الحزب المسيحي الديموقراطي التي تتزعمه ميركل، في الدائرة الانتخابية لميركل نفسها، الذي حل في المركز الثالث بحصول على 19% من إجمالي الأصوات.

وركّز حزب البديل الشعبوي، المناهض للاجئين، حملته الانتخابية على أن قرار ميركل قبل عام بفتح أبواب ألمانيا للمهاجرين واللاجئين، تسبب في إشاعة الفوضى في البلاد، وعقب انتخابات الولاية، قال ليف إريك هولم زعيم حزب البديل هناك: إن «انتصارنا يتمثل في أننا تركنا خلفنا حزب ميركل (…) وهي ربما بداية النهاية للمستشارة».

واعتبرت فراوكه بتري، رئيسة حزب البديل، نتيجة انتخابات الولاية، «هزيمة شخصية لميركل»، وقالت: إن «ميركل أسقطت نفسها»، فيما طالبت نائبتها في الحزب، بتغيير سياسات ألمانيا في استقبال اللاجئين، مُضيفة في تصريحات إعلامية: «أعتقد أن المواطنين فهموا أنه لا يمكننا مواصلة هذا النوع من دولة الرفاهية الاجتماعية».

في المقابل، أعلنت ميركل تحملها جزء من المسؤولية في هزيمة حزبها في الانتخابات، وربطت لك الهزيمة بسياستها في استقبال اللاجئين عندما قالت «هناك بالطبع علاقة (بين الهزيمة الانتخابية) وسياسة اللاجئين، غير أنني أرى أن القرارات التي اتخذت كانت صحيحة بالحيثيات التي اتخذت بها».

سياق أوسع من تقلص شعبية ميركل
تأتي نتائج الانتخابات الأخيرة، وسط سياق أوسع من تقلص شعبية ميركل، وزيادة نسبة غير الراضين عن سياستها تجاه اللاجئين، بحسب ما أظهرته عدد من استطلاعات الرأي الألمانية؛ فقد أظهر استطلاع شهري أجرته شبكة «إي آر دي الألمانية» على ألف ناخب مطلع شهر أغسطس (آب) الماضي، أن 47% من الألمان محل الاستطلاع غير راضين عن أداء ميركل بنسبة تراجع بلغت 12%، عن مستوى شعبيتها في شهر يوليو (تموز) الماضي، وهي ثاني أسوأ نسبة لميركل خلال هذا العام بعد نسبة 46% التي حققتها في شهر فبراير (شباط) الماضي.

وبحسب نفس الاستطلاع، فقد بلغت نسبة «الراضين» أو «الراضين كثيرًا» عن سياسة ميركل، تجاه أزمة المهاجرين واللاجئين 34%، بتقلص بلغ ثماني نقاط مئوية عما كانت عليه تلك النسبة في أبريل (نيسان) الماضي، في الوقت الذي بلغت فيه نسبة غير الراضين في طريقة تعامل ميركل في هذا الملف 65% من الناخبين محل الدراسة.

وفي نهاية أغسطس (آب) الماضي،نشرت صحيفة «بيلدإم سونتاج» الألمانية، نتائج استطلاع رأي، أجرته مؤسسة «إينميد» بطلب من الصحيفة، وأظهر الاستطلاع معارضة 50% من المواطنين محل الدراسة، إعادة ترشح ميركل لولاية رابعة لمنصبها مستشارة لألمانيا في خريف 2017، فيما أيد 42% من حجم العينة البالغ عددها 500 فرد ، بقاء ميركل في منصبها. وفي السياق ذاته، أفاد تقرير لقناة دويتش فيلله الألمانية أعقب انتخابات الولاية، أن استطلاعات الرأي الأخيرة في ألمانيا، أظهرت تقلص شعبية ميركل لأدنى مستوى لها منذ خمس سنوات.

ميركل مستمرة بالرغم من الانتقادات
امتدت موجهة الانتقادات لميركل تجاه سياستها المفتوحة إزاء ملف استقبال المهاجرين واللاجئين، إلى ائتلافها الحاكم، إذ طالب حزب الاتحاد الاشتراكي شريكها في الائتلاف، منها تبني تدابير أكثر تشددًا تجاه المهاجرين وشدد رئيس الحزب بولاية بافاريا من انتقاده لميركل في هذا الملف بعد هزيمة حزبها في الانتخابات الأخيرة، و دعا يواخيم هيرمان، وزير داخلية بافاريا، بوضع سقف سنوي لعدد المهاجرين الذين يدخلون ألمانيا بـ200 ألف مهاجر سنويًا، مُطالبًا فرضه هذا العام.

ولكن ميركل رفضت ذلك الطلب، وقالت في تصريحات صحافية لها يوم الجمعة الماضي «موقفي بهذا الشأن معروف تمامًا».

وتجدر الإشارة إلى تصدر ألمانيا دول أوروبا في استقبال اللاجئين، باستقبالها 1.1 مليون لاجئ من مختلف الجنسيات، خلال العام الماضي. ودافعت ميركل أيضًا يوم الأربعاء الماضي عن سياستها تجاه أزمة اللاجئين، رافضة الأصوات المنتقدة لها، كما دافعت أيضًا عن اتفاق اللجوء بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، وقالت «لم يعد يغرق أحد تقريبا في بحر إيجه منذ إبرام هذا الاتفاق»، مشيرة إلى أن تركيا والاتحاد الأوروبي واللاجئين السوريين استفادوا من هذا الاتفاق.

وبموجب هذا الاتفاق، تستقبل تركيا اللاجئين السوريين غير المسجلين من اليونان، وتوطينهم في تركيا مُقابل حصول أنقرة على مساعدات مالية من الاتحاد الأوروبي، ورفع شرط حصول الاتراك على تأشيرة عند دخولهم بلاد الاتحاد الأوروبي، وتتعاون ألمانيا، التي تعد أكبر مستقبل لاجئين في أوروبا، مع تركيا أكبر مُستقبل للاجئين السوريين في العالم، بقوة في هذا الملف، ويعيش في تركيا وحدها 2.726.980 لاجئ سوري .

ترحيب الألمان بالمهاجرين قلّ بعد هجوم ميونخ
في 19 مايو (أيار) الماضي، أجرى مركز «جلوب سكان-»بطلب من منظمة العفو الدولية، دراسة على 27 دولة حول العالمي لقياس مدى الترحيب الشعبي باللاجئين، بسؤال سؤال مواطني 27 دولة، عن مدى قبولهم الشخصي لاستقبال لاجئين في دولهم، أو في مدنهم، أو في أحيائهم، أو في بيوتهم، وعن الإجراءات التي يجب أن تتخذها حكوماتهم في ملف اللاجئين.

وجمعت الدراسة معلوماتها من 1001 مبحوث في ألمانيا في الأسبوع الأول من فبراير (شباط) الماضي، وكشفت الدراسة أن الألمان هم من أكثر شعوب العالم ترحيبًا باللاجئين بوقوعها في المركز الثاني بالمؤشر، بفارق نقطة واحدة عن الشعب الصيني الذي تصدر المؤشر.

وأيد 94% من الألمان عبارة أنه ينبغي أن يُتاح للناس ملاجئ في دول أُخرى هربًا من الحرب والاضطهاد، متصدرين شعوب دول العالم في نسبة تأييد هذه العبارة، كما أبدى 96% من الألمان محل الدراسة قبولهم الشخصي، لاستقبال بلدهم لفارين من الحرب أو الاضطهاد، بنسبة لم يتفوق عليهم فيها سوى الإسبان، كما رأى 76% من الألمان محل الدراسة أن بلادهم ينبغي عليها فعل المزيد لمساعدة اللاجئين.

ولكن هذا الترحيب الشعبي تقلّص كما تُظهر الانتخابات الأخيرة واستطلاعات الرأي الأحدث، بعدما شهدت العالم الغربي، في ميونيخ الألمانية، ونيس الفرنسية، و ولاية فلوريدا الأمريكية، هجمات دموية نفذها أشخاص من أصول «مهاجرة»، خلال شهري يوليو (تموز) ويونيو (حزيران) الماضيين، وأودت بحياة العشرات.

وقد ساعدت تلك الهجمات اليمين المتطرف، على استغلالها بشدة ضد المهاجرين وسياسة الهجرة واللاجئين التي تتبعها ميركل والتخويف منها، ويبدو إن تلك الدعاية اليمينة وجدت صداها عند بعض الألمان، وأثرت بشكل سلبي على صورة ميركل التي ظلت متمسكة بسياسة استقبال لاجئين، ساعدتها على الحصول على لقب شخصية عام 2015 لمجلة التايمز، ولكن قد تُطيحها من حكم ألمانيا مع الانتخابات المقبلة في عام 2017 .

"ساسة بوست"