جولة تاريخية لفهم العقلية الإيرانية

01.06.2018

الجزء الأول

 في عام 525 ق.م سقطت الدولة المصرية على يد الإمبراطورية الأخمينية الفارسية الوليدة وسبق هذا السقوط سقوط لكافة الإمبراطوريات والممالك الاقليمية بالمنطقة منذ تلك اللحظة التاريخية أصبح ما يعرف الأن بالعالم العربي الممتد من البحرين بالخليج إلى المغرب على المحيط الأطلسي يحكم من خلال قوى خارجية لا تنتمي إليه ولا لثقافة شعوبه التي لم تعد تمتلك من أمر نفسها شيئا.

مع مرور الوقت تعاقبت عدة امبراطوريات خارجية ترث هذه الأرض من امبراطوريات سابقة وتم استثناء دور الشعوب تماما من المعادلة وأصبح أمر حمايتها ورسم سياساتها وأمنها القومي مرتبط بما تراه هذه الامبراطوريات الخارجية الغازية.

في يوم 7 يونيو عام 632م بدء التمهيد لظهور عصر جديد على شعوب المنطقة بعد وفاة رسول الإسلام محمد بن عبدالله في يثرب "المدينة المنورة" وتولي صاحبه أبوبكر الصديق أمر الخلافة من بعده وبداية حربه على الرافضين لسلطته السياسية أو المرتدين عن الإسلام لأديانهم الأصلية. في نهاية عام 633م بدأ مصير المنطقة يستعد لتغير كبير وضخم كان له بالغ الأثر عليها وعلى العالم كله حتى وقتنا الحاضر حين انتصرت جيوش الحجازيين من أهل مكة ويثرب "المدينة المنورة" على القوى المتمردة والمرتدة في وسط شبه الجزيرة العربية بنجد وجنوبها باليمن وترسيخ سلطة الحجاز على كامل أرضي شبه الجزيرة العربية وتوحيدها لأول مرة في تاريخها دون معونة قوى خارجية أو بتأثيرات أيديولوجية مستوردة من خارجها فكان الإسلام الأيديولوجية الجديدة التي بها حكم الخليفة الأول ومن جائوا من بعده.

في أغسطس من عام 634م تولى عمر بن الخطاب الخلافة بعد وفاة الخليفة الأول وقد بدء في عهد الأخير عملية التوسع خارج نطاق حدود شبه الجزيرة العربية باتجاه الشام والعراق وعزز خليفته هذه السياسة لعلمه أن قبائل العرب ما سكنت بعد هزيمتها إلا سكون من يتحين الفرصة لينقض مرة أخرى على دولة الخلافة بالحجاز ورأي أن خروجهم لمدن وبلدان جديدة تتمتع بثروات عظيمة سينهي حالة التنافس الداخلي ويقوي من وحدة الدولة وتماسكها.

سار الخلفاء من بعد عمر بن الخطاب على خطته في التوسع والتمدد الخارجي حتى بلغت الدولة العربية الإسلامية أوج توسعها في زمن الخليفة الأموي العاشر هشام بن عبدالملك بن مروان فكانت تمتد دولته من الصين شرقا حتى جنوب فرنسا غربا وشهدت المنطقة لأول مرة منذ سقوط الدولة المصرية وقبلها البابلية والأشورية وجود امبراطورية على أراضيها وعاصمتها في دمشق بالشام وتمكنت من خلق ثقافة جامعة لشعوبها.

في عام 750م بدء الخلل يدب في هذا البنيان الجديد بعد سقوط الدولة الأموية التي ورثت دولة الخلفاء الأربعة الأوائل وقيام الدولة العباسية كانت دولة الخلفاء وبعدها الدولة الأموية دولتين عربيتين صافيتين وكان للعرب فيهما الكلمة العليا بدءً من منصب الخليفة إلى الجيوش والجنود وقادتها والعمال والولاة وكافة أعمال الدولة بيدهم مع استعانتهم بخبرات الأعراق الأخرى التي سبقتهم في الحضارة والمعرفة.

عهد الدولة العباسية اتسم باستثناء العرب تماما من معادلة الحكم وممارسة السلطة فكان الخليفة عربيا عباسيا هاشميا قرشيا بينما عمال وولاة الدولة والجند وقادة الجيوش وعمال الدواوين من أعراق غير عربية فكان العصر العباسي الأول عصرا فارسيا بإمتياز تمتع فيه الفرس بمشاركة خلفاء بني العباس الحكم وممارسة السلطة الفعلية والعصر العباسي الثاني الذي بدء مع الخليفة العاشر المتوكل على الله عصر الأعراق التركية القادمة من وسط آسيا وهكذا عادت المنطقة إلى سيرتها الأولى فقد ضعف مركز الخلافة في بغداد وأصبح اسما بلا رسم أو سلطة وحكم واستثني العرب ومعهم شعوب المنطقة التي تعربت فيما بعد من ممارسة الحكم والسياسة والتمرس عليها أو تولي شئون الدفاع عن نفسها والقتال واهملت شبه الجزيرة العربية وتعاقبت عدة دول تنتمي لأعراق مختلفة على المنطقة تحكمها سياسيا وعسكريا.

ظل العرب وشعوب هذه المنطقة بلا أي خبرة أو معرفة أو دراية بشئون الحكم والسلطة والعسكر والحرب والقتال من عام 750م حتى عام 1820م أي ما يقارب الألف سنة وقبل ظهور الإسلام كانت المنطقة مستثناه من الحكم والسطلة ما يزيد عن الألف سنة أيضا والفترة التي كنا فيها نملك السلطة والقرار لم تزيد عن 100 سنة انتهت قبل نضوج التجربة ثم كانت البداية الجديدة زمن دولة محمد علي باشا في مصر والتي شهدت مشاركة جزئية للمصريين والعرب في الشام وشبه الجزيرة العربية ولكنها لم تدوم وانتهت بمعاهدة لندن عام 1840م والتي بعدها بسنوات قليلة تعرضت مصر والمنطقة للاحتلال الغربي الذي ظل يحكمها ويتحكم في مصيرها ورسم وحدد لشعوبها حدود دولهم وحكامهم في اغلب الأحيان.

شهدت مرحلة الخمسينيات والستينات من القرن الماضي حالة مد ثوري عربي حقيقي ورغبة عارمة من شعوب هذه المنطقة في التحرر وكانت قضية الحرية في ذلك الوقت تعني الاستقلال الوطني وعدم التبعية للمحتل الذي خرج بجنوده ويريد البقاء بقواعده العسكرية وهيمنته السياسية والاقتصادية عبر حكام هو من صنعهم ونصبهم وثبت حكمهم وكان الشق الثاني من الحرية هو الاعتماد على الذات وبناء اقتصاد صناعي وزراعي منتج والشق الثالث العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة والشق الرابع وهو الأهم الوحدة العربية فشعوب هذه المنطقة عاشوا لأكثر من ألفين سنة تحت ظل امبراطوريات موحدة لأراضيهم ولم يألفوا بعد فكرة الدولة الوطنية الضيقة مع علاتها نتيجة الحدود الغير منطقية التي رسمها الخارج لهم.

اشتد الصراع بالمنطقة بين محورين محور ملكي محافظ سُمي من مناهضيه بالمحور "الرجعي" مقابل محور جمهوري ثوري متحرر سمى نفسه بالمحور "التقدمي" كان الخلاف الرئيسي بين كلا المحورين حول سياسة الأمن القومي للعالم العربي هل ينبغي أن يقوم على أساس عربي – عربي دون تدخل من قوى خارجية فنحن الأن أحرار ولابد أن نعزز هذه الحرية مقابل المحور الأخر الذي يرى أن موازين القوى لا تسمح بهذا الأمر وأننا مازلنا قاصرين على حماية أنفسنا بأنفسنا وبحاجة لقوى خارجية ضامنة وحافظة لأمننا القومي.

لم يتمكن مع الأسف كلا المحورين من ايجاد صيغة تفاهم مشتركة فيما بينهم وانهارت الأحلام والطموحات بعد الهزيمة الثقيلة التي تلقاها نظام جمال عبدالناصر في مصر والذي كان يقود المحور "التقدمي" ثم كانت الردة عن كافة أفكار وطموحات وتصورات هذا المحور بردة قيادته ممثلة في مصر مع وفاة عبدالناصر وتولي خليفته الرئيس محمد أنور السادات ومنذ هذه اللحظة بدأت المنطقة تدخل في حالة فراغ سياسي و أيديولوجي واختلال في موازين القوى تجلى في انهيار التسويات السياسية بلبنان وبدء الحرب الأهلية فيها ثم انهيار النظام الملكي في إيران وتمكن القوى الدينية المؤمنة بمبدأ ولاية الفقيه وهو تولي رجال الدين من أتباع المذهب الشيعي الإمامي الأثنى عشري قيادة الأمة سياسيا ودينيا واقامة حكم "الله" على الأرض حتى ظهور الإمام الغائب "المهدي المنتظر" وتزامن هذا الأمر مع سعي النظام السياسي المصري بالتعاون مع نظيره السعودي بطلب أمريكي بدعم الأفكار الدينية لمواجهة الأفكار التحررية الاشتراكية والقومية العربية ذات الصبغة الناصرية التي كانت شائعة زمن قيادة مصر للمحور "التقدمي" فكان هذا الانتصار السياسي لرجال الدين الشيعة واستحواذهم على السلطة ببلد كبير بحجم إيران عامل محفز للجماعات الدينية السنية وشكل لهم هذا الانتصار مصدر إلهام لاستنساخ التجربة بالعالم العربي.

كان العالم العربي على موعد يوم 2 أغسطس عام 1990م مع رصاصة الرحمة الأخيرة على كل ما تبقى من طموحات عودة العرب لقيادة أنفسهم بأنفسهم مع بدء الغزو العراقي للكويت بقيادة صدام حسين ومعه عادت مرة أخرى القواعد الغربية للمنطقة وكانت هذه بداية النهاية وصولا للغزو الأمريكي للعراق عام 2003م ثم ما سمي بـ "الربيع العربي" عام 2011م والذي وصلت فيه بعض الشعوب للمطالبة بتدخل قوات الناتو لتخليصها من أنظمة حكمها المحلية!

المقدمة السابقة أعتقد كان من المهم البدء بها للتمهيد لموضوعنا الذي سنتناوله بشأن التمدد الإيراني بالمنطقة فليس إيران وحدها من تمتلك مشروع وتمدد ونفوذ وسعي منها لتعزيزه كذلك الأمر بالنسبة لتركيا وأن كانت لا تمتلك نفس أدوات الأولى وتعرض مشروعها لضربة مؤلمة ولكن غير مميتة مع تراجع جماعة الإخوان المسلمين كذلك الأمر لدى روسيا مشروعها ورغباتها في الحصول على حصتها وتطلع من القوى الاستعمارية القديمة تحديدا فرنسا وبريطانيا للعودة لقواعدها التى تراها تاريخية بالمنطقة وقبل كل هؤلاء إسرائيل تلك الغدة السرطانية التي تم زرعها في قلب العالم العربي لتفصل مشرقه عن مغربه وجنوبه عن شماله وسواحله بالمتوسط وتحشر مصر في داخل حدودها وفوق كل هؤلاء الولايات المتحدة الأمريكية التي يتنازع الكل على ارضائها ونيل قبولها واعتمادها له كوكيل لمصالحها.

ما نراه الأن وليد رحلة زمنية طويلة غابت أو غُيبت فيها شعوب هذه المنطقة عن ممارسة السلطة وتحولت مع الوقت لشعوب ترى نفسها قاصرة عن حكم نفسها بنفسها مع فقدانها لفرصة استقلالها وتحررها وهي فرصة عز نظيرها وقلما تتكرر بمرحلة ما بعد الاستقلال عن الاستعمار.

عند الحديث عن إيران فنحن أمام تجربة تختلف تماما عنا. نحن أمام دولة لها خصائصها التاريخية والجغرافية والسكانية والثقافية الحاضرة في ذهنية شعبها وحكامها مهما تغيرت أيديولوجياتهم يظل في النهاية طريقهم ومشروعهم واحد وأن تعددت طرقه فلا يوجد في إيران يمين ويسار، اصلاحيين ومعتدلين ومحافظين، قوميين وليبراليين، يختلف كل هؤلاء حول شكل وكيفية إدارة الدولة والتكتيكات والآليات الواجب اتباعها إلا أنهم يجتمعوا حول هدف وتصور واحد في نهاية المطاف وقد وجدت من خلال متابعتي للإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وكبار الكتاب والصحفيين رؤية تكاد تكون نمطية وشديدة السطحية عن إيران ولا أعلم هل هي تعبر عن معرفة أصحابها وهذا هو مبلغهم من العلم أم أن الغرض تعبئة الشارع العربي بمعلومات ساذجة وشديدة السطحية لخدمة أهداف المعركة؟!

الطامة الكبرى تكمن في تعامل السياسيين وقادة الدول والذين لا يختلفوا في رؤيتهم عن أي كاتب شعبوي تهييجي تعبوي نعم يمكن في بعض الأحيان اللجوء لهذا الخطاب في لحظة معينة إلا أن هذا الخطاب وشيوعه وتكراره إلى أن يتحول لقواعد مسلم بها يخشى حتى من يعرف أن يخالفها مخافة أن يراه الأخرون مختلفا عما هو سائد لا يمكن لمثل هكذا خطاب أن يحقق نصرا أو يؤدي لنتيجة ولابد أن نتذكر جيدا استخدام نفس هذه الأدبيات وإن كانت بشكل أقل فجاجة مما هي عليه الأن بحقبة الستينات قبل الهزيمة الثقيلة والمذلة عام 1967م ما حول هذه الهزيمة التي أراها عادية وليست نهاية الكون لهزيمة ثقيلة مذلة شكلت عقدة نفسية حتى اللحظة في نفوس شعوب المنطقة والمصريين على وجه الخصوص تلك الخطابات الرنانة والتعبئة المبالغ فيها ومنح الشعب الثقة اللامتناهية بحسم المعركة بالنصر قبل أن تبدأ وتسطيح العقول بتصورات سطحية للغاية عن العدو فلما حدثت الهزيمة شكلت كارثة وصاعقة لهم تحولت لكفر بكل الثوابت والمبادىء وجبن استراتيجي يتحلى به كل صناع القرار حتى اليوم من الدخول في أي مواجهة ولو حتى كلامية!

بناء على ما سبق كانت هذه هي المقدمة الأولى لسلسلة حلقات سأقدمها وسبق وأن كتبتها منذ عام 2013م وسعيت لنشرها متنازلا عن أي حقوق مالية يمكن أن تنتج عنها وبالفعل نالت اعجاب الكثيرين لكن رفض الجميع نشرها دون اجراء تعديلات تخدم ما يسعى إليه كل محور بالمنطقة للترويج لنفسه ونلتقي غدا مع أول مقالة بعنوان (إيران أزمة الجغرافيا والتكوين).