العلاقة السورية التركية: اللعب بالنار!

22.02.2019

وصف الرئيس السوري بشار الأسد ضمن خطاب ألقاه في دمشق يوم 17 شباط الجاري، الرئيس التركي أردوغان بأنه «إخونجي صغير» و«مجرد بيدق بيد الأمريكي».

 

عداوة قديمة

حالة العداء بين سورية وتركيا كدولتين حديثتين، ليست جديدة بالمرة، بل هي قديمة جداً؛ بدأت مع المشكلات الحدودية الناجمة عن سايكس بيكو، (وهي مشكلات لم تنج منها أي دولة من الدول التي شملها الاتفاق، ولم تقتصر على عداء سوري تركي، بل وسوري عراقي، وعراقي تركي، وسوري أردني... وإلخ، بحيث يبدو واضحاً بالمعنى التاريخي أنّ تقسيمات سايكس بيكو قد رُسمت بدقة عالية المطلوب منها منع قيام أي كيان مستقر في المنطقة، ناهيك عن إلغاء أي فرصة لقيام كيانات كبيرة وموحدة... وهذا يعكس في عمقه الفهم الغربي العميق، وربما البريطاني خصوصاً، لمدى خطورة المشروع الأوراسي على الغرب، وهو المشروع المستحيل التطبيق عملياً دون شرق أوسط مستقر ومتعاون).

 

وإذا كانت المشكلات الحدودية قد شكلت نقطة انطلاق للعداء المستمر، فإنّ الأمور دخلت مرحلة أعقد مع انضمام تركيا لحلف الناتو عام 1952، ومن ثم دخلت مرحلة خطر مع تشكيل حلف بغداد عام 1955 والذي ضم كلاً من (تركيا- العراق- إيران- باكستان والمملكة المتحدة) ووصلت الأمور في حينه إلى تخوم الصدام المباشر.

 

اتفاق أضنة

طوال فترة الحرب الباردة، بقي البلدان في حالة عداء شديد، واستمرت هذه الحالة حتى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ووصلت مرة أخرى إلى تخوم صدام مباشر بين عامي 1996-1998 وكان العنوان الأساسي هو دعم سورية لحزب العمال الكردستاني واستضافته لقائده عبد الله أوجلان.

 

دخلت مصر في حينه على خط الوساطة وصولاً إلى اتفاقية أضنة عام 1998 التي رحّلت سورية بموجبها عبد الله أوجلان خارج أراضيها، لتعود المخابرات التركية لاعتقاله بعملية سرية قالت عنها صحيفة نيويورك تايمز بعد أيام قليلة من تنفيذها إن اعتقال أوجلان في العاصمة الكينية نيروبي في 15 فبراير/شباط 1999، لم يكن ممكناً لولا الضغط الدبلوماسي والأمني الذي مارسته واشنطن لمدة 4 أشهر.

تضمنت الاتفاقية أيضاً، (وفقاً لما تم تسريبه عنها، لأنّ النسخة الأصلية لا تزال سرية) وقف سورية لكل أنواع الدعم لحزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا حزباً إرهابياً، والذي يخوض صراعاً مسلحاً مع السلطات التركية منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، إضافة إلى حق تركيا بالتدخل العسكري المباشر على طول الحدود المشتركة (822 كم) بعمق يقال إنه بين 5 كم و 32 كم.

 

حصان طروادة

إنّ التطورات اللاحقة التي جرت في سورية وفي المنطقة خلال السنوات العشر الأولى من الألفية الجديدة، تسمح بالاعتقاد بأن التسوية السورية- التركية التي عقدت في أضنة، ورغم أنّ الوساطة المباشرة فيها كانت مصرية، إلا أنّ مهندسها الأساسي لم يكن إلا الأمريكي... لماذا؟

في تلك المرحلة لم تقتصر حالة «التفاهم المؤقت» على سورية وتركيا، بل وشملت أيضاً تركيا والسعودية، وتركيا ومصر، والهدف بات واضحاً مع الزمن، ومتمثلاً بثلاثة بنود أساسية:

 

الأول: هو سحب سورية من تموضعها التاريخي المعادي للغرب بشكل تدريجي وصولاً إلى وضع تتحول فيه إلى تابع بشكل كامل للغرب.

الثاني: هو تهيئة الظروف المناسبة في سورية، وضمن حسابات الأحادية القطبية، لعقد «صفقة سلام» مهينة مع الكيان الصهيوني، يتحول هذا الكيان بموجبها من الشرطي الأمريكي في المنطقة، إلى الحاكم الأمريكي ضمنها.

الثالث: هو استغلال الأحادية القطبية لتمرير الليبرالية الجديدة (حصان طروادة) إلى الداخل السوري، بالتعاون مع تركيا وقطر والسعودية، وهو ما جرى فعلاً في السنوات التالية، حيث تبنت سورية رسمياً ما أسمته «اقتصاد السوق الاجتماعي» في خطتها الخمسية العاشرة (2006-2010)، وفتحت حدودها للبضائع التركية، ووصلت الأمور حد إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين.

النتيجة كانت ارتفاع معدل الفقر في سورية خلال 5 سنوات من 30% إلى 44%، إضافة إلى ارتفاع أرقام البطالة، وتراجع الثروة الحيوانية والإنتاج الزراعي، والدمار الكبير الذي لحق بعدد من الصناعات الحرفية ومن المشاريع المتوسطة والصغيرة في أماكن متعددة من سورية، هذا الدمار كان نتيجة مباشرة لطبيعة العلاقة الاقتصادية غير المتكافئة مع تركيا تحديداً التي تدفقت بضائعها المصنعة مغرقة السوق السورية، الأمر الذي أدى إلى فقدان عشرات الآلاف من الأسر السورية لمورد عيشها الأساسي، كحرف وورشات صغيرة ومتوسطة كانت متركزة بشكل أساسي في الأرياف التي لم تكن مصادفة إطلاقاً أن يخرج منها لاحقاً أكبر قدر من المسلحين المعارضين، وأن تتمركز فيها التنظيمات الجهادية.

 

إغضاب المستعمر أسهل من إرضائه!

بالتوازي مع ذلك، بدا أن السياسة الرسمية لسورية خلال السنوات العشر الأولى من الألفية، بدأت بإعطاء إشارات جدية عن استعدادها للتفاهم مع الغرب، ظهر ذلك في لقاء الرئيس السوري مع جاك شيراك الرئيس الفرنسي في حزيران 2001، وهو لقاء نادر ضمن العلاقات السياسية السورية التاريخية، وكذلك عبر السعي الرسمي لدخول الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وقيامها بإجراءات اقتصادية خطيرة لتحقيق متطلبات الانضمام، عبر تكريس الليبرالية، وعبر البدء برفع الدعم الذي كانت تقدمه الدولة لعدد من البضائع الأكثر أساسية للاستهلاك والانتاج، وخاصة مادة المازوت.

 

أي أنّ السلطات السورية خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين قدمت الكثير في سبيل التقارب مع الغرب، غافلة أو متجاهلة عن أن حرباً مركبة كانت قد بدأت ضد سورية، مدخلها الأول هو تدمير الاقتصاد لتهيئة أرضية الانفجار، ومن ثم لن تقف الأمور أبداً عند التدمير الاقتصادي... وهو ما جرى ابتداء من 2011.

 

 

البنية الطبقية- الفكرية للسلطة

تنبغي الإشارة هنا إلى أن إشارات انزياح السلطات السورية باتجاه الغرب، كانت موجودة حتى أيام الاتحاد السوفياتي، أهم مثال على ذلك هو رقم التبادلات التجارية لسورية الذي وصل إلى حدود 70% مع الدول الغربية في ذلك الحين، وبقي على حاله بعد ذلك.

بكلام آخر، فإنّ منطق التماشي مع التوازنات الدولية، والسير وفقاً لها كان موجوداً طوال عقود في سورية، ولعل اشتراك سورية في حرب الخليج ضد العراق إلى جانب الأمريكي مؤشر هام في هذا الاتجاه إلى جانب مؤشرات عديدة أخرى.

السبب العميق لهذه السياسة المزدوجة يكمن في اعتقادنا في الطبيعة الطبقية للسلطة في سورية، الطبيعة الطبقية ذات النشأة الفلاحية-العسكرية، والتي تطورت مع الوقت للتحالف مع الكومبرادور وصولاً إلى تشكيل طبقة مالية جديدة... هذه السلطة، وبسبب من بنيتها الفكرية والطبقية، تعاملت طوال عقود بمنطق ضبط التوازنات بين الشرق والغرب، دون موقف استراتيجي عميق لطبيعة التموضع التاريخي المطلوب لسورية.

 

2011

بالعودة للعداوة السورية- التركية، فإنّ سنوات الأزمة السورية، قد مسحت مرحلة الوئام المؤقت، وبدأت تركيا بدعم تمرير إرهابيين للداخل السوري عبر حدودها، كما اتخذت موقفاً سياسياً هجومياً وعنيفاً تجاه السلطات السورية، وبقيت الأمور على هذه الحال، حتى بدأ يظهر الانعطاف التركي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز 2016.

تكرست الانعطافة التركية عبر ابتكار الروس لمسار أستانا (روسيا – تركيا – إيران) والذي تحول مع الوقت إلى المؤثر الأكبر في الساحة السورية في ظل التقهقر المستمر للدور الأمريكي والغربي عموماً.

 

أستانا vs المجموعة المصغرة

مع تكون مجموعة أستانا، ومحاولة الغرب الرد عليها عبر تشكيل المجموعة المصغرة، بدأت الأمور تتخذ منحى واضحاً أكثر فأكثر... الصراع الدولي في سورية بات متركزاً في قطبين واضحين: أستانا ضد المجموعة المصغرة (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، السعودية، الأردن، فرنسا، ألمانيا، مصر)، الأولى تسعى نحو إنهاء الأزمة والدفع باتجاه سورية مستقلة ومستقرة، والثانية تدفع باتجاه استمرار الحرب وتعميقها.

بعد تدمير الجزء الأكبر من المشروع الغربي خلال عام 2018، وتراجع السيطرة العسكرية المدعومة غربياً إلى الحدود الدنيا، بات الغرب مضطراً للدخول مرة أخرى من الشباك، أي عبر السعودية والإمارات ومصر وعبر الأوروبيين، وفي هذا السياق تم افتتاح السفارة الإماراتية في دمشق، وبدأت في الأقنية الخلفية مفاوضات حول عودة سورية للجامعة العربية.

 

الهدف هو مرة أخرى استمالة السلطات السورية بما يسمح بإعاقة مسار أستانا، حتى إن الغربيين باتوا يعلنون أنه لم تعد لديهم مشكلة مع بقاء بشار الأسد في السلطة (في المدى القصير والأبعد منه) كما عبر وزير الخارجية البريطاني جيرمي هنت في لقاء أجراه مؤخراً مع صحيفة الشرق الأوسط، وكما عبر أيضاً جيمس جيفري المبعوث الأمريكي الخاص لسورية عن الموقف نفسه خلال مؤتمر ميونخ للأمن قبل أيام بالقول: «لا نطالب برحيل الأسد، بل ندعو لتغييرات جادة في سلوك نظامه».

 

كيف نفهم كلمات الأسد؟

إنّ السياق العام المقدم آنفاً، يدفع إلى التفكير باحتمال أنّ التوصيفات الشديدة اللهجة التي أطلقها الرئيس الأسد تجاه أردوغان، تأتي في سياق محاولة من السلطات السورية لإعطاء إشارة جديدة بأنها غير راضية كلياً عن مسار أستانا، وأنها مستعدة للعب مع الطرف الآخر لتجنب ضغوط أستانا الملتزمة بتنفيذ القرار 2254 كاملاً، والذي يضمن تغييراً جذرياً وعميقاً في بنية النظام السوري...

ربما يكون هذا التفسير هو الحقيقة، وربما المسألة هي ببساطة استمرار لمستوى اللغة الخطابية المتبادلة بين الطرفين... لكن المؤكد هو أن الحقيقة لا يمكنها أن تكون بسيطة!