الإرهاب الثوري

07.09.2016

يمكن اعتبار الخامس من سبتمبر/أيلول، يوم الإرهاب الثوري. إنه يوم مشؤوم!
في مثل هذا اليوم في عام 1793، أعلن المؤتمر الوطني الفرنسي رسميا بداية عهد الإرهاب، الذي تم اعتباره  ضروريا للدفاع عن مكتسبات الثورة. في القرن العشرين، وفي نفس التاريخ من عام 1918،  أعلن مجلس مفوضي الشعب البلشفي بداية الرعب الأحمر متجاوزا كل ذكريات الماضي. كلا الحدثين يرتبطان منطقيا ببعضهما. 
في كل من فرنسا وروسيا كان الثوار الراديكاليون الذين وصلوا إلى السلطة يمثلون أقلية ضئيلة من السكان. وكانت هذه النخب الثورية، دون أدنى شك، عاطفية ومبالغة وبلا رحمة. ولكن النقطة الأكثر أهمية هي أنهم ظنوا أنفسهم قوة موهوبة تحمل مهمة تاريخية. ولأنهم هم الذين حددوا طريق المستقبل، فقد دمروا باسم هذا المستقبل الماضي. كانت هذه الأنظمة الديكتاتورية الثورية سواء اليعقوبية أو البلشفية من الديكتاتوريات التي تصدع الوقت من خلالها فأثرت على المنظور للماضي، وحتى على المنظور للأبدية. كل من الثورة الفرنسية والروسية اعتبرا نفسيهما اليد القوية التي تعمل على التقدم والتحديث والتطوير، ولكنها دمرت التقاليد. في كلتا الحالتين، كان للإرهاب نفس الهيكل - إنه رعب الحداثة الدموية التي تقاتل بشراسة وبلا رحمة ضد التقاليد.
وكان ضحايا اليعاقبة والبلاشفة من ممثلي جميع الطبقات الثلاث التقليدية في أوروبا أو بشكل أعم في المجتمع الإندو -أوروبي: طبقة الكهنة والأرستقراطيين المحاربين وطبقة النبلاء التي يرأسها الملك أو القيصر وطبقة الفلاحين. وقد كانت هذه الفئات الاجتماعية الثلاث تشكل أساس المجتمعات الأوروبية منذ زمن سحيق. على الرغم من أن المسيحية قد جلبت الإيمان الجديد بالله، فإن الإله الحقيقي يسوع المسيح لم يزعج النظام الأبدي للتقليد الإندو- أوروبي. وكان هدف الثورة البرجوازية الفرنسية والثورة البروليتارية الروسية هو الصراع ضد هذه الفئات الثلاث. وقد تم لأول مرة باسم البرجوازية المتمردة تعبئة المتعصبين الماسونيين والطوائف الدينية، بينما قامت  الثورة الثانية نيابة عن البروليتاريا التي لم تكن موجودة عمليا كقوة اجتماعية كبيرة في روسيا في أوائل القرن العشرين. مجموعة مسعورة متعصبة ومهووسة من الثوار، وهي تمثل الأمة الصغيرة حسب أوغستين كوشين، أطلقت العنان للإرهاب ضد كل المجتمع تقريبا كي تنمكن من الاستيلاء على السلطة.
كانت أفعال اليعاقبة والبلاشفة تشبه الإبادة الجماعية ضد الأغلبية الشعبية في فرنسا وروسيا. هؤلاء المجانين الدمويون الذين يدعون حرصهم على التقدم والديمقراطية والشيوعية, غرقوا بلدان بأكملها في الدم للدفاع عن أيديولوجياتهم الإجرامية. كانت فكرة الإرهاب الثوري ليست تدمير الشعب فقط، ولكن تخويفه أيضا. من الآن فصاعدا، يمكن للمرء أن يؤمن فقط بالحداثة وخرافاتها - الحرية والمساواة والإخاء، ثالوث الماسونية، فقط من خلال  العلم الوضعي  والسلطة العلمانية. أي شخص يشتبه في تعاطفه مع التقاليد والدين والمجتمع الطبقي أو بالنظام الأرستقراطي من القيم، يدمر بوحشية. أعلنوا أن الله غير موجود، وتعرض الكهنوت إلى إبادة في كل من روسيا وفيندي. الطبقة الأرستقراطية، وخصوصا تلك المتعاطفة مع الملكية، تم تدميرها. أما بالنسبة للفلاحين الموالين للتقاليد القديمة، فقد تحولوا إلى سكان في المناطق الحضرية بدون جذورهم وعاداتهم وتقاليد أجدادهم.
مع بعض التحفظات، يمكن التعرف على أوروبا الحديثة باعتبارها نتيجة مصيرية للثورة الفرنسية. القيم الماسونية للإرهابيين الدمويين اليعاقبة هي القيم السائدة اليوم في الاتحاد الأوروبي. أوروبا متسامحة فقط تجاه أولئك الذين يلتزمون قواعد معادية للمسيحية، ومكافحة للتقاليد، ويعتبرون الحداثة وما بعد الحداثة بأنها الحقيقة المطلقة. ولكن إذا تجرأ أحد بالدفاع عن التقاليد والتراث الإندو- أوروبي والكنيسة، وطعن في الحداثة، فإن اليعاقبة من خلال الطبيعة الثورية لأوروبا الحديثة يجعلون من هذا الأمر خطرا على وجودهم. 
الاتهامات بالفاشية ستأتي كرد مباشر. لقد كانت نازية هتلر مجرد نسخة أخرى من الإرهاب الثوري – تعتمد الأوروبية والحداثة في طابعها. طالما تعيش أوروبا في ظل هذه الماسونية، وهذه الأيديولوجية المعادية للمسيحية، فإنها لا يمكن أن تتغير. الظلال الدموية للثورة تبقي أوروبا في مخلب قد يوصلها إلى الهاوية.
ولكن في روسيا، لم يتم القضاء على العلامة الدموية للبلشفية تماما. من الطبيعي أن الرعب الأحمر كان بعدا روسيا حقا. ولكن توجه النخبة أدى إلى تراكم تدريجي للكراهية الداخلية لدى غالبية الشعب الروسي العظيم ضد النخبة الموالية للغرب، والتي تنظر في بعض الأحيان إلى شعبها كما لو أنه مجموعة من  السكان المحليين المستعبدين. لكن قادة الإرهاب الأحمر يعتمدون أيديولوجية غير روسية  مطلقا قد أخذت من الغرب وهي موجهة ضد أعمق وأقدس أسس الروح الروسية، ضد جانبها المسيحي المشرق.
ورأى بعض الوطنيين الروس في الإرهاب الأحمر، ظاهرة انتقام من القيم الأصيلة للروس الأصليين. كتب كلوييف الكبير أن "قاتل الأحمر هو أقدس من كأس المسيح"، ودعى الجيش الأحمر للعودة إلى روح الإيمان: "دعونا نحرق كل شيء أيها الإخوة"  وأضاف لكن في وقت لاحق، دفع جميع البلاشفة ثمنا باهظا نتيجة لرؤياهم حول الروس الأصليين. بعد كل شيء، الرعب الأحمر لم يكن سوى ظاهرة حداثة دمرت التقاليد. وحتى نفهم هذا ونسمي الأشياء بأسمائها، علينا أن نتوجه للمستقبل بعد  أن نتخلص من الماضي الدموي ونسير قدما نحو مستقبل روسيا المكتمل.
كل من اليعاقبة والبلاشفة توج عهده الإرهابي بتدنيس الكنائس وقتل الملك والإطاحة بالتقاليد. ولكن الله والقيصر والتقاليد هي الجذور الأبدية للهوية. هنا الخط الفاصل. من أنت؟ قرر بنفسك.