عام على "عاصفة السوخوي".. ماذا يعني؟

29.09.2016

عام من الانخراط الروسي في سوريا من أجل انتصار عسكري بالنقاط، ووقف العد التنازلي الذي كانت تتردد أصداؤه في الإقليم بأكمله لإسقاط دمشق خريف العام 2015.

وهي التنبؤات الوحيدة التي بدت صيف ذلك العام قريبة التحقق، بعد خمسة اعوام كاملة كانت فيها الرهانات على اسقاط النظام تتكاثر وتتحطم امام ابواب دمشق، الى ان بدأ اقتحام «جيش الفتح» لإدلب بسرعة قياسية في اذار، واتسعت الغزوة نحو جسر الشغور وريفها، ومعسكر المسطومة الاستراتيجي، وأريحا ومحمبل وجبل الأربعين، وتقدمت نحو معقل قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني لتهدد غرفة عمليات قواته في جورين. وليس قليلا القول بعد عام فقط من العمليات، إن دمشق خرجت من دائرة الاستهداف نهائياً، وأن بقاء الدولة السورية، والجيش السوري أصبح خارج أي رهان أو خطر.

العام الروسي يتزامن مع ارتفاع وتيرة التهديدات الأميركية المبطّنة للروس بتصعيد المواجهة معهم، بعد وصول «عاصفة السوخوي» الى ابواب حلب. والأرجح ان الروس الذين تجنبوا على الدوام الذهاب الى معركة ارادات اقليمية ودولية واضحة، عبر ربط المعارك بهدنات ومواعيد في جنيف، والإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة بين سيرغي لافروف وجون كيري، يجدون انفسهم امام مفترق طرق مع وصولهم الى جبهة المعارك في حلب، التي يعد اقتحامها أقل كلفة من أعباء حصار طويل سياسياً وإعلامياً، فضلاً عن أخطار الانتظار امام حلب سنتين او أكثر، وقضم الأرض أسوة بحصار حمص أو داريا، وهي نماذج لن يكررها الروس.

كما أن وصول الروس بعد عام من الانخراط في العملية السورية، الى ابواب حلب، تزامن مع صعود دور «البنتاغون» في الملف السوري الذي ترجم في انتهاك الهدنة وقصف الجيش السوري في دير الزور. وجلي ان الأميركيين يصعّدون، مع انفتاح العام الثاني من العملية الروسية، واحتمالات الحسم العسكري في حلب، الذي سيؤدي الى «تهميش» ما تبقى من مجموعات تديرها اميركا خصوصا وتركيا والدول الخليجية، باخراجها من اكبر المدن السورية، واخر مدينة اساسية تسيطر على جزء منها المجموعات المسلحة. وخلال الساعات الماضية تزامن تصعيد اميركي ديبلوماسي، مع تقدم الجيش السوري في حلب، مع عرض المجموعات المسلحة لصواريخ «غراد» بعيدة المدى حصلت عليها من خلال الصفقات التي عقدتها المخابرات الاميركية في بلغاريا ورومانيا وأوكرانيا. وتجاوزا لمألوف القلق الذي تعبّر عنه الخارجية الأميركية لانقطاع المياه، وتعطل بنى محلية اخرى في حلب (الشرقية)، خرجت وكالات الاستخبارات الاميركية عن طورها، وتركت لناطق الخارجية جون كيربي يهدد الروس «بأن مسؤولين في وكالات الأمن القومي ناقشوا خيارات اخرى لا تتعلق بالديبلوماسية للتعامل مع الوضع في سوريا»، فضلا عن وجود افاق لفرض عقوبات مالية.

وفي سياق فقدان الأميركيين للسيطرة على الميدان، واقتراب عملية اقتحام حلب، ابلغ كيري لافروف انه «اذا لم تضع روسيا حدّاً فوريا لعمليتها في حلب، فان الولايات المتحدة ستعلق التزامها الثنائي مع روسيا وخصوصا اقامة مركز التنسيق العسكري المشترك».

ويبدو أن وزير الخارجية الأميركية لم يقرأ صحف بلاده التي تحدثت عن سقوط الاتفاق منذ هجوم «البنتاغون» في دير الزور، كي لا يرى النور اي مركز للتنسيق مع روسيا، الذي دونه موانع قانونية وعقابية اميركية بحق روسيا كما قال وزير الدفاع اشتون كارتر. وجلي ان الاميركيين يريدون رفع مستوى المواجهة، ازاء التحدي الروسي السوري في حلب. ولم تنتظر المخابرات الاميركية اصلا التهديد، اذ يعد تزويد المعارضة بصواريخ غراد، رفعاً لسقف التهديدات ليس بحق الروس فحسب، وانما بحق السوريين. ويشكل استخدام المجموعات المسلحة لصواريخ «غراد»: توسيعاً للحرب الاهلية بالمعنى الحرفي للكلمة، واستئنافا لاستنزاف الروس، وتدمير سوريا. اذ سيكون بوسع الصواريخ التي عرضت وهي من عيار 9 ام 22 يو، قصف مراكز المدن، والتجمعات السكانية، خصوصا في الشمال، ولم تظهر نماذج يمكنها الوصول الى اربعين كلم.

وجاءت «عاصفة السوخوي» لتواجه حلفاً اقليمياً ودولياً عابراً للولايات المتحدة وتركيا وقطر والسعودية والاردن وبريطانيا واسرائيل وفرنسا، والجهادية الدولية التي خسرت حتى مطلع آب الفائت اكثر من 53 الف مقاتل اجنبي، قتل جلّهم في المعارك مع الجيش السوري، منذ اولى العمليات الانتحارية، التي دشنها الليبيون الذين قادهم مهدي الحاراتي و «جيش الامة»، انطلاقا من تركيا.

وقبل ان يلقي فلاديمير بوتين خطابه الشهير امام الجمعية العامة للامم المتحدة قبل عام تماما، جاء قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس»، ليسرد له في شهر تموز في الكرملين، مختصرا سوريا. كان مجلس الامن القومي ورئيسه نيكولاي باتروتشيف، وجنرالات وزير الدفاع سيرغي شويغو، قد اسهبوا مسبقا في شرحه للرئيس مع توصية عاجلة بضرورة نشر القوات في سوريا، لاحتواء الغزوة التركية السعودية، التي امطرت عشرات صواريخ «التاو» في معارك الشمال. وكان «التاو» وليدة تلك الصفقة المحورية التي كان مدير المخابرات السعودية بندر بن سلطان قد نال عليها موافقة الكونغرس الاميركي في العاشر من كانون الاول العام 2013، لتغيير مسيرة الحرب في سوريا، بشراء 13 الف صاروخ للمجموعات المسلحة لتدمير دروع ودبابات الجيش السوري، بعد اسبوع فقط من لقائه الفاشل الثاني مع فلاديمير بوتين ورفض الرئيس الروسي عرضا سخياً بـ15 مليار دولار من الاستثمارات السعودية، كما قيل. لكن موسكو رفضت ان تنسى دمشق.

وفيما كان القائد الايراني يتخفف من اعباء المعركة، ومواجهة الاستنزاف وحده مع وحداته العراقية والافغانية والايرانية في سهل الغاب، كانت الجرافات قد بدأت بتوسعة مدارج حميميم، وانزال المساكن الجاهزة لاستقبال طليعة القوات الروسية والخبراء والطيارين في آب من العام الماضي.

عشرون ألف طلعة جوية لـ «عاصفة السوخوي» خلال عام واحد، اعادت كتابة تاريخ الاقليم بأسره، وأمسكت بالموقع السوري الذي كان ينزلق تدريجياً نحو قدر ليبي او عراقي، ونجا من تبعية منتظرة للكتلة الخليجية التركية الاميركية، كما نجا ما تبقى من النظام الامني الاقليمي العربي وقلبه الشامي من الاستسلام امام الهجوم الاميركي الخليجي التركي.

متواضع جدا القول إن 80 أو ربما 90 مقاتلة ومروحية، وجسراً بحرياً من الاف اطنان الذخيرة والاسلحة الروسية، غيرت وجهة سير الاحداث والتاريخ خلال عام من المعارك، رغم التباينات مع دمشق، حول الاستراتيجية المتبعة، والهدن التي لم يجر الاتفاق عليها مسبقا مع دمشق التي لم تكن ترى في «عاصفة السوخوي» سوى قوة جوية حليفة في خدمة الحل العسكري، مستبعدة اي حل سياسي لا يقوم على شروطها.

وساعدت خبرة القتال الروسي في سوريا على تبلور الخيارات الروسية بشكل يقترب اكثر من الوجهة الدمشقية بمواصلة القتال، والتقدم نحو الحسم العسكري كما يبدو في قرار اقتحام حلب. ظهر ارتباك الرؤية الروسية في تجديد اهداف العملية وبقائها من دون افق سياسي رغم تعدد القرارات الدولية من 2253 الى 2245، وخريطة الطريق التي وضعت بالاتفاق مع الأميركيين وعززت المقاربة الروسية للحل في سوريا، بفرض بقاء الرئيس الاسد عنصرا اساسيا في الحل، وإعادة صياغة المرحلة الانتقالية بما يلائم توجهات الحليف الدمشقي، علما ان الثغرة الاساسية التي يعاني منها الروس والاميركيون في سوريا على ما يقوله مسؤول اميركي، هو انعدام وجود اي بديل للرئيس الاسد يحفظ تماسك الدولة السورية التي يعد مفتاحها، وامتلاكه ايضا مفاتيح الدولة العميقة، والتي لا يمكن التعويل على احد غيرها لضمان تنفيذ اي عملية انتقالية او الحفاظ على وحدة الكيان السوري، بعد توسع «داعش» وفقدان القوى الاقليمية والدولية جزءاً كبيراً من السيطرة عليها، او الاخفاق في استثمار الانجازات العسكرية وتحويلها الى انتصارات سياسية عبر فرض شروط الحل على «المهزومين» في جنيف. بعد الجولة من العاصفة التي توقفت في شباط، وعادت من جنيف من دون خفي حنين ومن دون اي تنازلات من اميركا والمعارضة الائتلافية التي تسيطر عليها الرياض .

اعادت «عاصفة السوخوي» للجيش السوري الزخم الميداني للامساك بما يسمى «سوريا المفيدة»، والذي كانت قد قطعته في ميادين ادلب والشمال السوري الغزوات التركية والسعودية، وانخراط الاميركيين المباشر في دعم وتدريب المجموعات المسلحة. اذ استأنف الجيش السوري خلال العام ما كان قد بدأه صيف العام 2012 لاستعادة التجمعات الديموغرافية السورية الكبرى، والتمدد خلف اسوار سوريا المفيدة من درعا في اقصى الجنوب التي هزم في مسارح عملياتها صيف العام الماضي خمس موجات من عاصفة الجنوب ودمر قاعدة المجموعات المسلحة الاجتماعية بعد ان الحق بها خسائر بشرية كبيرة لن تتمكن من تجاوزها. وصعودا الى دمشق، حيث استطاع ترويض غوطتها، والاستيلاء على كامل الغوطة الغربية، ومحاصرة ما تبقى منها في الغوطة الشرقية، وافراغ حلقة الوصل بينهما في داريا من اي تهديد نهائيا، وعزل «داعش» في مخيم اليرموك والحجر الاسود ويلدا، وعناصر رسوبية من النصرة و»اكناف المقدس» تتقاتل في ما بينها.

وقبل ايام كانت المنطقة الوسطى تودع اخر مقاتلي المعارضة المسلحة، في انسحابهم الى ادلب، ليبسط الجيش سيطرته الكاملة على قلب سوريا، من تخوم دمشق، فالقلمون، فحمص، فطرطوس، صعودا حتى الحدود مع تركيا، بعد استعادة ريف اللاذقية كافة.

وبعد عام من «عاصفة السوخوي»، شهدت آلية اتخاذ القرار في سوريا، تحولات مهمة يمكن اعتبار الاصرار الروسي على خوض معركة حلب واقتحامها احد مظاهرها. وبدأت دمشق تجد من يصغي اكثر لاستراتيجيتها في موسكو، واستغلال الزخم الذي ولدته العمليات الروسية، والاسناد الجوي للجيش السوري، لمواصلة المعركة التي تستهدف الوصول الى حل سياسي بشروط الحسم العسكري. اذ غيرت اشهر القتال، وغدر الاميركيين بهدنتين، امزجة وحسابات الضباط الروس الذين يقاتلون الى جانب السوريين. واصبح جزء من القاعدة العسكرية الروسية يميل اكثر فاكثر الى التحليلات السورية، رغم استمرار التباينات حول الاداء والخطط الميدانية.

العملية لم تكن لتتجاوز الاشهر الاربعة، العام الروسي الذي يكتمل في سوريا، يبدو مفاجأة للروس انفسهم اكثر من غيرهم. لن تخرج عن المألوف في العمليات العسكرية، للقوى الكبرى، ولا انعدام القدرة على التحكم بمواعيد الخروج من مسارح عمليات ميدانية بعيدة ومعقدة. علما ان سوريا لم تكن ميدانا بعيدا عن موسكو، يجهل الروس تفاصيله او قوانينه واجتماعه، بحكم التاريخ المديد من العلاقات مع دمشق، وخبرة نصف قرن من التعاون الروسي السوري العسكري. مندوب فلاديمير بوتين الى الشرق الاوسط ميخائيل بوغدانوف قال للجنة العلاقات الدولية قبل ايام انه عندما «بدات المرحلة الفعالة من عملية قواتنا الجوية حسبنا ان العملية ستستمر اشهراً عدة. العملية السورية تجاوزت التوقعات التي نكن نحسبها اشهرا، وها نحن نعيش سنوية العملية، ولا نرى نهاية لعملنا، لم نتمكن من تشكيل تحالف واسع وتوحيد جهودنا (مع الاميركيين) لذلك طالت العملية».

نشرت للمرة الأولى في "السفير"