سوريا بين بارقة السلام وسيوف التقسيم

11.03.2016

تبرز تصريحات المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان ديمستورا كبارقة أمل بعد صمود الهدنة، وضغوط الراعيين الروسي والأمريكي لاستئناف المفاوضات السورية_ السورية في جنيف.
ديمستورا قال إن الانتخابات الرئاسية في سوريا يجب أن تجري بعد 18 شهرا، وشدد على أن العد العكسي سيبدأ في 14 مارس/آذار مع انطلاق المفاوضات السورية. ويجدد هذا التصريح التأكيد على توافق دولي بشأن أهمية الالتزام بالجداول التي تضمنها قرار مجلس الأمن 2254.   ديمستورا أعرب عن أمله "في إحراز تقدم حول مسألة تشكيل حكومة انتقالية في سوريا خلال الجولة الأولى من المفاوضات المرتقبة في جنيف. ومن الواضح أن موقف ديمستورا الضبابي بشأن الفترة الانتقالية يهدف إلى عدم نسف جولة جنيف المقبلة قبل أن تبدأ، لكنها ستشكل محورا مهما للخلافات بين دمشق وحلفائها من جهة والمعارضة وحلفائها من جهة أخرى.  ومن الطبيعي أن يراعي الدبلوماسي الحصيف التوازنات والخلافات ويبقي مسألة ترشيح الرئيس بشار الأسد، ودوره في الفترة الانتقالية معلقا ورهنا للمفاوضات في جنيف او عواصم اخرى ربما لن يشارك فيها السوريون.
البناء على الهدنة لإنجاح المفاوضات
ومن المؤكد أن صمود وقف اطلاق النار منذ 27 شباط/ فبراير الماضي مثل اختبارا واضحا للحكومة السورية والمعارضة، وفي ذات الوقت للأطراف الاقليمية الداعمة لكل طرف، وقدرتها على التأثير والضغط من أجل التوصل لحل سياسي.
ورغم ان الحكومة السورية والكتل الرئيسة في المعارضة لم تعلن موقفها الواضح في شأن المشاركة في الجولة المقررة يوم الإثنين المقبل، فإنها لا تملك ترف رفض الدعوة لاستئناف المفاوضات خاصة في ظل صمود الهدنة، والحديث عن توافق روسي أمريكي لوضع الحل السياسي على السكة، ووضع حد للعنف وتحسين الأوضاع الانسانية. ويجب عدم اهمال أن قوة المعارضة تراجعت كثيرا في الآونة الأخيرة، وفي المقابل فإن تعزيز النظام لمواقعه جاء أولا بفضل الدعم الروسي اللامحدود للجيش السوري والقوى المتحالفة معه. 
وبداهة فإن الأطراف السورية المشاركة في المفاوضات تستطيع نسفها، او تفريغها من محتواها، بدءا من التركيز على أولوية جدول الأعمال إلى الخلافات حول نقطة أو فاصلة في البيان الختامي، لكن كلا من الأطراف الدولية والاقليمية يملك وسائل ضغط كبيرة للتأثير على حليفه، ما يعني أن الفشل يمثل ضربة للقوى الاقليمية والدولية.
وفي مقابل التوافق الدولي على الخطوط العريضة فإن خلافات عميقة مازالت تحتاج إلى عمل دؤوب بين القوى الدولية والقوى الاقليمية من جهة، وبين كل اللاعبين الخارجيين والحكومة والمعارضة السورية من جهة أخرى.
عقدة  التمثيل الكردي في جنيف
وتمثل مسألة مشاركة الأكراد وحزب الاتحاد الديمقراطي بقيادة صالح المسلم نقطة خلافية، فالمعارضة ترى أن الأكراد ممثلين بالمجلس الوطني الكردي يشاركون في الوفد المفاوض المنبثق عن اجتماع الرياض.  وفي محاولة لتضييق الهوة  لم يستبعد دي ميستورا توجيه الدعوة إلى الأكراد في المستقبل للمشاركة مؤكدا ادراكه لأهمية الامر خاصة في ظل تكليفه من جانب مجلس الأمن الدولي بضمان الطابع الأكثر شمولا للمفاوضات ومشاركة جميع السوريين القادرين على المساهمة في مستقبل سوريا. وبعد ساعات من تصريحات ديمستورا بشأن مشاركة الأكراد حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من أن منع الأكراد من المشاركة في مفاوضات جنيف أمر محفوف بالمخاطر ويهدد بتنامي النزعات الانفصالية في سوريا.
وتزداد أهمية العامل الكردي في ظل الوقائع الجديدة في سوريا، فـ "قوات سوريا الديمقراطية" التي يشكل الأكراد عمودها باتت تسيطر على مناطق واسعة في ريف حلب الشمالي كذلك في عين العرب وتل أبيض ومناطق الجزيرة شمال شرق سوريا الغنية بالموارد المائية والنفطية وعماد زراعتي القطن والقمح في البلاد.  وفي نقطة لا تقل أهمية فإن مراهنة أي تحالف روسي أمريكي لمحاربة الارهاب على الأرض لا بد أن يعتمد على القوات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الكردي، فقد أثبتت هذه القوات نجاحها منذ معارك "عين العرب (كوباني)  إلى اليوم، كما أنها تحظى بدعم نادر من جانب موسكو وواشنطن.
وتكمن اهمية تحذيرات لافروف في تزامنها مع ازدياد الحديث عن شكل بناء الدولة السورية المستقبلي. وبين الفينة والأخرى تثير تصريحات المسؤولين حول دولة اتحادية أو فيدرالية أو لامركزية موجة من النقاشات والجدل حول مستقبل سوريا، ووصل الأمر إلى اعداد خبراء وصحفيين لخرائط تقسم سوريا إلى كيانات عدة أحدها كردي، وآخر علوي، وثالث تحت سيطرة المعارضة، ولا يهمل آخرون كيانا لتنظيم "داعش" الإرهابي.
وحدة سوريا مسألة أساسية لروسيا
موقف روسيا من السجال حول مستقبل سوريا جدده المتحدث باسم الكرملين دميتري بسكوف  بإعلانه أن الحفاظ على وحدة أراضي سوريا مسألة أساسية بالنسبة لروسيا، ويعّد "الحجر الأساس" بالنسبة لمعظم الدول، وتشديده على أنه "لا يحق لأحد باستثناء السوريين أنفسهم اتخاذ قرار شرعي حول مستقبلهم". الناطق باسم الكرملين وإن أقر بأن تبادل الآراء حول الخيارات المحتملة للتسوية السياسية في سوريا يجري على مستوى الخبراء بصورة مكثفة، فإنه شدد على أنه "لا يجوز تصوير ذلك كمفاوضات موضوعية حول هذه المسألة، بل يدور الحديث عن تبادل الآراء بين الخبراء، وهو حديث جار بمختلف الصيغ، وليس بمبادرة روسيا فقط وليس حول هذا الموضوع فحسب".
من الواضح أن الظروف  في سوريا باتت مهيأة أكثر من أي وقت مضى للدخول في عملية سياسية ذات مغزى قد تشكل منعطفا مهما في المخاض العسير الذي تعيشه سوريا للخروج من دوامة الحرب إلى تحقيق السلام.
وربما كان من حق السوريين وطالبي السلام في العالم رفع سقف آمالهم بتحقيق اختراق كبير في المفاوضات، لكن تفاصيل وخلافات كثيرة قد تسهم في تفجير الأوضاع والعودة إلى نقطة الصفر، والأخطر أنها قد تدخل البلاد في دوامة حروب أقسى وأكثر دموية لن تخمد نارها في سنوات. ومن المؤكد أن تقسيم سوريا سيدخل البلد والمنطقة في حقبة حروب دموية ربما شكلت شرارة لحرب عالمية ثالثة، وفي المقابل فإن بناء دولة المواطنة، وتقاسم سم السنوات الماضية يمثل نقطة الانطلاق لاعادة اعمار سوريا وابعاد شبح الحرب. ولعل العالم مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى للبناء على الهدنة، وجولة المفاوضات المقبلة في جنيف وتكليلها بالتوصل إلى توافقات تضمن بناء سوريا جديدة مع بقائها موحدة ينعم مواطنوها بالحرية والديمقراطية والأمن بعد خمس سنوات عجاف أدت إلى قتل وجرح مئات الألوف، وتشريد الملايين وتدمير الاقتصاد.
سامر الياس
(المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها)