ثغرة آسيا الوسطى: الفائزون والخاسرون في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي

01.12.2016

ليس من المستغرب أن أعضاء الاتحاد الاقتصادي الأوراسي يكافحون من أجل تبني قانون للجمارك. وتنبع المشكلة في نواح كثيرة من انضمام قيرغيزستان إلى الاتحاد، والذي يستفيد منه في الغالب المصدرون الصينيون إلى روسيا، الذين لديهم الآن شريطا أقل خطرا للتعامل والمرور مع أكثر طرق التهريب المتاحة. الميزانية الروسية، التي قد تخسر حوالي 340 مليون دولار في السنة، هي الخاسر الأكبر.

في العام الماضي، دخل بلدان جديدان إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي هما أرمينيا وقيرغيزستان، وأصبحا عضوين في هذا الاتحاد وانضما إلى روسيا وروسيا البيضاء وكازاخستان. ولكن نجاح المنظمة هو نجاح اسمي بحت. ففي الواقع هناك أزمة خطيرة حيث تسعى النخب البيروقراطية المحلية لاستعادة السيطرة على تنظيم الاستيراد والحصول على عائداته.

وذلك لم يكن مفاجئا، لأن الدول الأعضاء فشلت في تبني قانون الجمارك الخاص بالاتحاد في 27 أكتوبر. التراخي من خلال النظم الجمركية داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي جلب بالفعل تغييرات كبيرة في طرق شحن البضائع، الأمر الذي أزعج بعض الأعضاء.

تعود المشاكل إلى 12 أغسطس عام 2015، عندما انضمت قيرغيزستان إلى الاتحاد، فقد رفعت السيطرة الجمركية على حدود قيرغيزستان وكازاخستان، وتشترك الصين الآن بحدود تبلغ أكثر من 6000 كلم مع الدول الأعضاء في الاتحاد.

وهذا يعني أن السلع الذاهبة إلى السوق الروسية لا تواجه حواجزا جمركية أخرى بعد عبورها الحدود الصينية، في حين أن الصادرات إلى أوروبا تواجه التدقيق عند دخول منطقة الجمارك مع الاتحاد الأوروبي على الحدود بين روسيا البيضاء وبولندا. وقد جذب ظهور هذه النافذة الجديدة في تلك المنطقة المصدرين من البلدان الآسيوية إلى أوروبا ودفعهم الى إعادة توزيع تدفقات البضائع التي قد يكون لها عواقب وخيمة.

وتمت مناقشة إيجابيات وسلبيات انضمام قيرغيزستان إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي على نطاق واسع في هذا البلد. إذ تم تحديد ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الناتجة عن الرسوم الجمركية المرتفعة كنتيجة سلبية محتملة. أما بالنسبة للمزايا، فإن انضمام قيرغيزستان إلى الاتحاد سيسمح للمنتجات القيرغيزية بدخول سوق الاتحاد البالغ 160 مليون نسمة. تنشيط بازار دوردوي، وهو سوق ضخم خارج العاصمة القرغيزية بشكيك. سيجعل الحياة أسهل بالنسبة للعمال المهاجرين من قرغيزستان للعمل في روسيا وكازاخستان.

ولم تظهر هذه المناقشة العامة في روسيا، التي تقدر البعد الجيوسياسي للتكامل مع فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي عموما وقبل كل شيء. كان أعضاء الاتحاد الآخرين مختلفين في هذا الشأن. اعترضت كازاخستان في المقام الأول على هذا التهديد، خوفا من تدفق البضائع الصينية منخفضة التكلفة والمعاد تصديرها من خلال قيرغيزستان، وكذلك واردات قيرغيزستان الزراعية والنسيجية الأرخص.

في الأشهر القليلة الأولى بعد رفع الرقابة الجمركية تأكدت المخاوف السيئة لكل من بيشكيك وأستانا. فقد سبب تضخم التعريفات الجمركية على الواردات وأسعار السلع المستوردة في قيرغيزستان، وخاصة الملابس الصينية والنسيج، أثرا سلبيا على شركات الخياطة المحلية. وفي الوقت نفسه، فشل عدد من العملاء في بازار دوردوي بسبب تزايد الأزمة

الاقتصادية في روسيا وكازاخستان. بعد أن تم تخفيض قيمة العملة في كازاخستان، توافد سكان المناطق الحدودية في قيرغيزستان إلى البلد المجاور لشراء المواد الغذائية والغاز، لكن وزارة الخزانة القرغيزية لم تتلق أيا من الرسوم الجمركية التي كانت تجمعها سابقا.

من جانبها، فقدت كازاخستان كميات كبيرة من السلع الصينية (في المقام الأول الملابس والأحذية) التي كانت تمر سابقا من خلال حدودها والتي يتم نقلها الآن من خلال قيرغيزستان. تقارير Forbes.kz تؤكد زيادة في حركة الشحن الصينية عبر قيرغيزستان إلى 52 ضعفا (40,5 طن في النصف الأول من عام 2016، مقارنة مع 780 طن في النصف الأول من عام 2015).

قبل إنشاء الاتحاد الجمركي في عام 2011، كانت قيرغيزستان مركز العبور الرئيسي لتصدير السلع الاستهلاكية الصينية إلى رابطة الدول المستقلة. الآن كما في ذلك الوقت ماتزال قيرغيزستان على نفس الحال السبب الرئيسي لعبور البضائع قيرغيزستان هو ارتفاع مستوى الفساد بين مسؤولي الحكومة وإنفاذ القانون المحلي، والذي يسمح للمهربين بإدخال البضائع على نطاق واسع. الفرق الوحيد هو أن المهربين من الصين الآن، لا يواجهون الحواجز الجمركية بمجرد أن يدخلوا أراضي الاتحاد.

لهذه التغييرات أيضا أهميتها بالنسبة للسوق الروسية. كازاخستان تقوم بنشاط بتطوير شبكة السكك الحديدية فيها، وأصبحت حلقة وصل رئيسية في سلسلة عابرة للقارات بالنسبة للخدمات اللوجستية في أوراسيا. بكين تزيد من السكك الحديدية على طول طريق الحرير الاقتصادي، على الرغم من انه مشروع خاسر. لذلك ستبقي كازاخستان على حصتها من عبور الواردات الصينية في أية حال. ولكن من مناطق روسيا الغربية التي قد تصبح في نهاية المطاف نقاط عبور للبضائع الصينية. تتلقي هذه المناطق أيضا معظم السلع المستوردة عبر كازاخستان وقيرغيزستان.

لوضع الأرقام في منظورها الصحيح، حجم واردات اثنتين من جمهوريات آسيا الوسطى اللتان يبلغ عدد سكانهما 23.5 مليون نسمة من الملابس والأحذية الصينية يقارب المبالغ التي يتم تصديرها إلى روسيا، والتي عدد سكانها أعلى بست مرات. وتشير إحصاءات الجمارك الصينية إلى أنه في النصف الأول من عام 2016، استوردت كازاخستان وقيرغيزستان ما قيمته 2،54 مليار دولار من الملابس والأحذية الصينية.

وبلغت واردات روسيا 2،73 مليار دولار خلال الفترة نفسها. مقدر نصيب الأسد من هذه الواردات يدخل عن طريق آسيا الوسطى بشكل واضح للسوق الروسية، من خلال كازاخستان وقرغيزستان في المقام الأول لأنه من الأسهل هناك تجنب الجمارك وغيرها من الأنظمة على الحدود بين روسيا والصين.

لا تدفع الرسوم الجمركية على الواردات، وبالتالي، فإن الميزانية المشتركة للدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي قد تفقد ما لا يقل عن 400 مليون دولار في عام 2016 وحده. أكثر المال يمكن أن يذهب من الميزانية الروسية (341 مليون دولار، أو 85,32 في المئة). في حين أن هذا المبلغ قد لا يكون كبيرا في سنوات الوفرة، وهو من المؤكد في متناول اليدين في هذا الوقت.

مشاكل روسيا على الحدود البيلاروسية معروفة جيدا: روسيا البيضاء هي عضو في الاتحاد الاقتصادي الاوراسي، ولكن لم يتم الالتزام بمكافحة العقوبات الروسية ضد السلع الأوروبية، مما زاد القلق لأن حظر الواردات الغذائية من الاتحاد

الأوروبي لايتم احترامه لأن هذه المواد المحظورة تدخل البلاد عبر روسيا البيضاء. الخلافات التي برزت على الحدود بين كازاخستان وقرغيزستان في السنة الأولى بعد انضمام قيرغيزستان إلى الاتحاد لا تقل أهمية عن ذلك.

لتقليل الخسائر الناجمة عن التدفق الحر للسلع في الأسواق المتجاورة يتوجب على كلا البلدين اعتماد لوائح إضافية لتعزيز السيطرة على البضائع التي تعبر الحدود. في الجوهر تشارك كازاخستان وقيرغيزستان الآن في حرب تجارية ضد بعضهما البعض تحت شعارات الحمائية. وقد فرضت قيودا على نقل البضائع من قبل الأفراد، ووضعت أوراق جمركية إضافية، وبدأ تجميع قوافل الشاحنات التي تنقل البضاعة داخل كازاخستان ويتم ترفيقها من الحدود القيرغيزية إلى الحدود الروسية. كل هذه الخطوات تبدو منطقية من منظور محلي، ولكنها تقوض فكرة التدفق الحر للسلع وتلقي بالشك على مواصلة تطوير الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

على الرغم من أن الشركاء في الاتحاد يتكلمون عن التكامل الأوراسي، فإنهم في الواقع يحاولون الحفاظ على السلطات التنظيمية في مختلف المجالات في مجال التجارة ومقاومة منحهم ما يصل إلى هيئة فوق وطنية. ولعل احد الأسباب التي أدت إلى التأخير في اعتماد قانون الجمارك هو طلب كازاخستان أن يسمح للبلدان الأعضاء بتحديد احتياجاتها الخاصة من الواردات. ومن شأن هذا الطلب أن يتعارض مع أهداف التكامل ويمكن أن يؤدي إلى عودة فعالة لوجود الحواجز التي تحول دون التدفق الحر للسلع والخدمات بين الدول.

فقد أظهرت تجربة دخول قرغيزستان إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي أنه طالما هناك فجوة في مستويات البلدان الأعضاء وفي نوعية الحكومات، فسوف يكون من الصعب تحقيق التكامل المتعدد الأطراف وتجنب المخاطر. ويبدو أن الاتفاقيات الثنائية ستكون بديلا واقعيا، وموسكو وبكين قد شرعتا بالفعل في هذا الطريق، ولكن حتى الآن هناك نفعية سياسية يبدو أنها تسود على النهج الاقتصادي العملي.