ترامب و الإتفاق النووي الإيراني : الجزء الثاني

10.05.2018

كما كان متوقعا جدد الاتحاد الأوروبي عبر الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية فيديريكا موجيريني التزامه بالاتفاق النووي مع إيران بجانب الدول الأوروبية الثلاث الموقعة عليه (فرنسا – ألمانيا – بريطانيا) وكذلك الصين وروسيا لتبدو الولايات المتحدة الأمريكية وحيدة في نقضها له ولا يؤيدها فيه إلا بعض حلفائها في دول مجلس التعاون الخليجي وإسرائيل وسط انقسام داخلي أمريكي حتى بين الجمهوريين أنفسهم حول جدوى هذا الانسحاب وآثاره السلبية المتوقعة وكذلك قلق بعض الدوائر الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية ومعارضة شخصيات سياسية بارزة على رأسها رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك.

 

يعزز الموقف الأوروبي ما كنا قد توقعناه سابقا من احتمالية وجود تفاهم (أوروبي – أمريكي) حول انسحاب الأخيرة من الاتفاق مع محافظة أوروبا عليه وسعيها نحو إيجاد تفاهم أو اتفاق مكمل مع إيران يعيد أمريكا للاتفاق من جديد خصوصا وأن العقوبات الأمريكية على إيران والشركات والمصارف المتعاملة معها ستحتاج إلى ستة أشهر لتدخل حيز التنفيذ وهذه المدة هي التي سيكثف فيها الأوروبيين ومعهم روسيا والصين مساعيهم لإنقاذ هذا الاتفاف وتوسيعه.

روسيا التي تبدو ظاهريا قلقة ورافضة لهذا الانسحاب الأحادي من جانب أمريكا سعيدة للغاية به لعدة أسباب منها مساهمة هذا الموقف الأمريكي في زيادة أسعار النفط بجانب انفتاح إيراني أكبر على السوق الروسية لاستيراد المنتجات الأساسية التي تحتاجها دون خشية هذه الشركات من العقوبات الأمريكية كونها بالفعل تعاني من العقوبات الغربية منذ عام 2014 وهذا الأمر يحتاجه الرئيس الروسي بوتين في بداية ولايته الرابعة والأخيرة والتي يركز فيها على تحسين وضع الاقتصاد الروسي المتراجع بشدة من تدني أسعار النفط والعقوبات الغربية بعد الأزمة الأوكرانية كذلك سيمنح هذا الموقف روسيا القدرة على التأثير بشكل أكبر على إيران بشأن وجودها العسكري مع حلفائها في جنوب سورية وهو الأمر بالغ الأهمية بالنسبة لإسرائيل ودوائر المحافظين المحيطين بالرئيس ترامب ويتصدر أولوياتهم في قرارهم بانهاء الاتفاق النووي.

 

أوروبا بين المطرقة والسندان فمازالت بحاجة للولايات المتحدة الأمريكية ولا تستطيع الدخول معها في مواجهة اقتصادية واقتصادها بحاجة لأسواق واستثمارات جديدة كانت تعول فيها على السوق الإيراني الذي يعوضها عن فقدانها لأغلب حصصها الاقتصادية من دول الخليج العربي التي استحوذ عليها ترامب ولم يبقي لهم فيها إلا الفتات كذلك تخشى من أي مواجهة عسكرية تدرك أنها ستشمل المنطقة كلها وستتدفق عليها حشود جديدة من اللاجئين هي من ستتحمل عبئهم وليس أمريكا البعيدة عن المنطقة لذلك ستعمل وبكل قوتها خلال الشهور الست القادمة لابرام اتفاق نهائي وتفاهم شامل بين إيران وأمريكا أو هكذا تأمل.

إسرائيل لا ترى في إيران عدو أو مهدد وجودي على العكس تماما فهي ترى فيها عنصر توازن وضغط هام للغاية يؤدي لتشرذم وتشتت الجهود العربية شعبيا ورسميا عن النظر لها كعدو بل ويساهم في تسويق نفسها كحليف طبيعي لدول المنطقة تحديدا دول الخليج كما يستنزف هذا الصراع قوى كلا الطرفين المالية والعسكرية مما يضمن لإسرائيل بقائها القوى العظمى الوحيدة بالمنطقة وتكمن مشكلة إسرائيل الحقيقية مع إيران أن الأخيرة تخطت الحدود المسموح بها في لعبة التوازنات بالمنطقة وتسعى لتطويقها عبر سورية وتحديدا بالجنوب وحال تمكنت من اقناع روسيا بالضغط على إيران لتنسحب مرحليا من الجنوب السوري تمهيدا لانسحابها من كامل الأراضي السورية ستنسحب من الصراع مع إيران وتتركها في اشتباكها مع جيرانها بالخليج العربي أما فيما يخص حزب الله اللبناني فبعد حرب تموز عام 2006 قد أمنت حدودها الشمالية من أي ضربات يمكن أن يوجها لها مع وجود قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) بجانب انتصارها على الحزب في الحرب الإعلامية والتي مكنتها من القضاء على شعبيته عربيا بعدما كان يرمز له كأيقونة للمقاومة ولأمينه العام كبطل عربي مقاوم إلى حزب طائفي مليشيوي يتزعمه شخص تابع لإيران ويعمل وفق مصالحها وعليه فوجود حزب الله وإيران ونفوذهما وفق الشروط السابقة مفيد لإسرائيل ولا يتعارض مع مصالحها القائمة على اضعاف الجميع بالمنطقة وعدم تخفيف الأعباء من على كاهلهم لتظل هي السيد والوكيل الحصري الموثوق لمصالح أمريكا والغرب بما يسمى "الشرق الأوسط".

إيران ليس بينها وبين أمريكا عداء سياسي عقائدي بل رغبة مشتركة بين الطرفين في علاقات مميزة وتعاون وشراكة استراتيجية إلا أن إيران تريد هذه العلاقة وفقا لشروطها ومع منحها هامش حرية ومناورة واسع وعدم مقارنتها بدول الخليج العربي لأنها ترى في نفسها القوة والقدرة والحضارة والتاريخ والقوة البشرية والاعتماد على الذات وأنها ستكون حليف قادر على الفعل عكس حلفاء أمريكا الأخرين العاجزين عن حماية أنفسهم فضلا عن حماية مصالحها ووفق هذه الرؤية تمضي إيران في توسعها وتمددها بالمنطقة لتؤكد لأمريكا أنها الأجدر من جيرانها بالضفة الأخرى من الخليج والمنتمية للمنطقة لا الدخيلة عليها عكس إسرائيل وهذا الأمر هو في الحقيقة ما يخيف كلا الطرفين الخليجي – الإسرائيلي من منافسة إيران لدورهم التقليدي بالمنطقة كوكلاء للمصالح الغربية فالصراع على أمريكا لا معها كما يصوره ما يسمى "محور الممانعة" واعلامه أو سني - شيعي كما يصوره ما يسمى "محور الاعتدال".

تبدو احتمالات الحرب غير واردة وتكاليفها باهظة للغاية ولن تحقق أي هدف ربما تؤدي لتأجيل طموحات إيران النووية لكن لا تلغيها مع امتلاكها للمعرفة كما أن أي حرب لا تؤدي لاسقاط النظام الإيراني لن تكن ذو فائدة ودورها كما اسلفنا تأجيل امتلاك إيران للقنبلة النووية وهو ما يؤمنه الاتفاق الحالي بالفعل دون الحاجة للحرب.

التعويل على انتفاضة داخلية من جراء العقوبات الاقتصادية أعتقد أنه تعويل يفتقد للدقة والمعرفة الجيدة بطبيعة الشعب الإيراني صاحب الشعور والاعتزاز القومي الكبير والذي يدرك مقصد أمريكا من هذه العقوبات ولا يمكن أن يمكنها من تحقيق هذا الهدف مهما كانت ملاحظاته ومعارضته للنظام الديني الحاكم بل على العكس تماما ستمكن الإجراءات الأخيرة التيار المحافظ من ترسيخ مكانته وعلو صوته وخطابه وتدفع "الإصلاحيين" المتفقين مع المحافظين على الجوهر والمختلفين معهم حول التكتيك والمسلك على تبنيهم لنفس الخطاب التعبوي الراديكالي المحافظ في كل الأحوال أتوقع أننا سنشهد مرحلة جديدة بالمنطقة ومآلات الأمور تمضي نحو تفاهم بين الطرفين ربما تكون نتائجه كارثية وأكثر سوء من الاتفاق النووي وهو ما سنناقشه بالجزء الثالث والأخير.