ترنح العولمة على يد صانعيها!

05.06.2018

 

شكلت النتائج العسكرية للحرب العالمية الثانية المنتهية عام 1945م والتي كانت امتدادا للحرب العالمية الأولى التي لم تحسم نتائجها الصراع بشكل واضح بداية لعالم جديد نشهد إرهاصات نهايته في أيامنا هذه.

كان من نتائج الحرب العالمية الثانية أفول نجم القوتين الاستعماريتين الكبيرتين فرنسا و بريطانيا وإسقاط مشاريع استعمارية كانت في طور النشوء لكلا من إيطاليا، ألمانيا و اليابان ورسخت مكانة "الإمبراطورية الحمراء"  الاتحاد السوفيتي كوريث شرعي للإمبراطورية الروسية القيصرية وأنهت عزلة الولايات المتحدة الأمريكية وانكفائها على نفسها لتقدم نفسها للعالم كقوى عظمى ووريث شرعي للقوى الاستعمارية الغربية التي فشلت منفردة في مواجهة ألمانيا النازية.

شكلت "الشيوعية" السوفيتية أمل جديد لشعوب العالم عامة وأوروبا والمعسكر الغربي على وجه الخصوص بقدرتها على تحقيق قدر معقول من العدالة الاجتماعية والتطور الصناعي المذهل الذي تحقق في حقبة الثلاثينيات من القرن الماضي بعهد الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين والتضحيات العظمى التي قدمها السوفييت في الحرب العالمية الثانية ودورهم الأكبر في دحر النازية بينما كان يعاني المعسكر الغربي من تفكك ودمار هائل نتيجة للحرب وأزمة الكساد الكبير الذي بدأ في نهاية عام 1929م وتصارع القوى الغربية بنفس المعسكر الرأسمالي مع بعضها البعض وبدا أن الشيوعية هي البديل المنطقي عن الرأسمالية "الفاشلة" كما كان ينظر لها في ذلك الوقت من الكثير من الشباب والشعوب الغربية.

تنبهت القوى الجديدة الصاعدة ممثلة بالولايات المتحدة لخطر الشيوعية الأيديولوجي والاتحاد السوفيتي الجيوسياسي وحاجتها لمشروع بديل يواجه هذا المشروع الصاعد والذي يهددها في عقر دارها ومن هنا بدأ التفكير في مشروع مارشال الذي تبلور بصورته النهائية التي قدمها وزير الخارجية الأمريكية منتصف عام 1947م وسمي المشروع على اسمه.

شكل الاقتصاد الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية ما يقارب الـ 50% من حجم الاقتصاد العالمي وحتى يتم المحافظة على هذا التفوق وتعزيزه وتواجه الخطر الأحمر كان يهدف مشروع مارشال لإعادة بناء وتعمير دول أوروبا الغربية التي خرجت مدمرة من هذه الحرب وربطها بمنظومة المال والأعمال الأمريكية لضمان تبعيتها الاقتصادية والمالية والعسكرية وبالتالي السياسية وضمان تحول دول تمتلك القدرة على تأسيس كيانات عظمى مناوئة لها مثل ألمانيا و اليابان لقوى حليفة تابعة بجانب تقديم نموذج اقتصادي وسياسي ناجح لدولة الرفاهية الاقتصادية والحريات السياسية مع مراعاتها للبعد الاجتماعي في مسألة توزيع الثروة والحديث عن الانفتاح الاقتصادي والتجارة الحرة والتعاون بين دول "العالم الحر" ليتحول إلى قرية واحدة والتي اصطلح فيما بعد على تسميتها بـ العولمة.

شكلت السياسات السابقة مشروع ونموذج بديل عن المشروع الشيوعي المنافس وكانت الدعاية الغربية تروج لنفسها بالقول في ظل مشروعنا الرأسمالي سنراعي مصالح الفقراء ودعم الأسر المحتاجة بشكل حقيقي لا بالشكل المشوه الذي يقدمه الاتحاد السوفيتي وسنحافظ على كرامة الإنسان وحريته وحقوقه وحقه في التمثيل السياسي والتعبير عن رأيه وهو ما يختلف عن ديكتاتورية البروليتاريا الشيوعية وعبادة الحاكم في موسكو وسيكون لدى كل المواطن الحق في مسكن خاص به وسيارة وملكية شخصية عبر توزيع عادل للثروة لا توزيع للفقر ومشاركة بالمعاناة كما هو الحال بالنموذج السوفيتي وللحالمين بالأممية العالمية التي تبشر بها الشيوعية والقائمة على اتحاد جميع الشعوب والأعراق بغض النظر عن الجنس واللون والدين واللغة فنحن سنقدم هذا النموذج عبر الليبرالية السياسية والاقتصادية وحقوق المواطنة وفتح الأسواق العالمية وعدم وضع أي قيود أمامها ليكون معيار النجاح هو الكفاءة والجودة التي تصب بالنهاية في صالح "المواطن العالمي الحر".

نجح المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على المعسكر الشرقي بقيادة روسيا في المعركة الإعلامية والاقتصادية ساعده في ذلك التطبيق السيء والمشوه للاشتراكية بنسختها الروسية التي لم تكن مؤهلة لقيام الشيوعية فيها وتم إلغاء الاتحاد السوفيتي بقرار من زعماء روسيا، روسيا البيضاء و أوكرانيا في عام 1991م وخرج الغرب منتصرا في هذه المعركة الجيوسياسية والأيدلوجية التي سميت بحقبة الحرب الباردة.

بعد نهاية الحرب الباردة وإلغاء الاتحاد السوفيتي بدأنا في حقبة الولايات المتحدة الأمريكية وهيمنتها الاقتصادية المطلقة مع عدم وجود قوى عالمية أخرى مناوئة أو تمتلك مشروع ونموذج مغاير فغاب التحدي وبدا أن الرأسمالية قد انتصرت و "نهاية التاريخ" قد حلت كما بشر بها بعض الكتاب وآمن الكثيرين بهذه الفكرة العبثية الغير ممكنة والمخالفة لطبيعة البشرية والأشياء.

رويدا رويدا بدأت تتحلل الأحزاب الاشتراكية و "اليسارية" في أوروبا من التزاماتها وسياساتها وهنا وجب التنويه على ضرورة التفرقة بين اليسار و الاشتراكية و الشيوعية حيث يراهم البعض في العالم العربي شيئاً واحداً شكلت هذه الأحزاب علامة فارقة ومميزة في تاريخ الغرب وأوروبا على وجه الخصوص حيث كانت تقدم نموذج رأسمالي بملامح عدالة اجتماعية اشتراكية ذات وجه إنساني تختلف عن أنانية وجشع الرأسمالية التقليدية واستبداد ووحشية "الاشتراكية" السوفيتية إلا أنه بعد غياب التحدي السوفيتي أصبحت هذه الأحزاب لا تمتلك من الاشتراكية سوى الاسم والتاريخ ولم يعد هناك أي اختلافات حقيقية بينها وبين الأحزاب اليمينية.

فيما يخص العولمة تغير مفهومها بعد نهاية الحرب الباردة وبعدما كان شعارها ومستهدفها التكامل الاقتصادي تحولت لوسيلة استغلال من الدول الغنية للدول الفقيرة ونهب موردها الطبيعية واستغلال طاقتها البشرية في أعمال شاقة وبعائد مادي محدود للغاية وتحولت من عولمة تهدف لخلق تنوع يثري العالم في معرفة عادات وتقاليد وثقافات الأخرين وانتقاء أفضل ما فيها لخدمة البشرية لنموذج أمريكي واحد ووحيد يود الهيمنة على الأخرين ومسخ هوياتهم وقيمهم وحصر منظومة القيم والفكر في أمريكا كمصدر رئيسي لها.

أيقظت السياسات السابقة التي انتهجتها أمريكا وحلفائها باقي الثقافات والقوميات والهويات الأخرى من سباتها العميق وخلقت روح جديدة معارضة لها تجلت في ظهور حركات دينية أصولية في المسيحية والإسلام وأن كانت اتخذت الشكل العنيف في الأخير بجانب إعادة بعث للروح القومية ببلدان ظن الكثيرون أنها قد ماتت وانتهت مثل روسيا ونزعة وطنية قد تصل حد التطرف في دول أوروبا الشرقية وتيار قومي راغب بالانعزالية عن هذه القيم في فرنسا وألمانيا وباقي أرجاء أوروبا.

قدمت الشيوعية وأفكار ماركس والأحزاب الاشتراكية خدمات جليلة لصالح الرأسمالية حيث كانت تشكل نموذج منافس يقدم نفسه كبديل وناقد بشكل علمي لكل الثغرات والفجوات الموجود بهذا النظام ويمكن أن تؤدي لانهياره مع وجود قادة فكر ورأي وسياسة عاقلين ومميزين داخل الرأسمالية أخذوا هذه الانتقادات على محمل الجد وعملوا على تطوير النظرية وإدخال العديد من التحسينات عليها في التطبيق وهذا ما افتقدته الشيوعية والاشتراكية حيث سيطرت العواطف والشعارات أو الرغبة في الاستئثار بالسلطة على مفكريها وقادتها بغياب هذا التحدي والتنافس كشفت الرأسمالية عن وجهها النيوليبرالي المتوحش ولم تعد تجد رادع أو بديل تخشى منه فتحاول أن تخفي حقيقة تصوراتها ومآلاتها النهائية.

شكل غياب الاتحاد السوفيتي من على الخريطة السياسية الدولية غياب لأهم تحدي جيوسياسي كان يعمل وبشكل دائم على تجديد الليبرالية السياسية لنفسها والدفع بقادة شبان من داخلها لتولي مناصب ومهام قيادية وتطوير أفكارها وقربها من الشارع بشكل حقيقي وتحولت العملية السياسية في الغرب لتنافس بين لون واحد ذو درجات متفاوتة ولم يعد هناك جدية بالنظر إليها حتى أن غالبية الشباب لم يعد يهتم بالمشاركة السياسية والانتخابية ولا بنتائجها فسواء كان العمال أو المحافظين في بريطانيا أو الحزب الاشتراكي أو الديمقراطي المسيحي في ألمانيا أو الاشتراكيين أو الديجوليين في فرنسا لم يعد هناك فرق بين كل هذه الأحزاب التي تحولت لأحزاب سلطة تتنافس بالانتخابات على شعارات زائفة ثم تتحالف فيما بينهما بحكومات ائتلافية متخلية عن كل مبادئها لأجل حصولها على حصة بالسلطة.

نشهد الأن بداية مرحلة جديدة ستحتاج كما أعقد لعقد من الزمان حتى تتشكل بدأت هذه المرحلة بانقلاب العولمة على نفسها وتحول الرأسمالية النيوليبرالية لوحش يأكل نفسه بنفسه لا يوجد بديل اشتراكي حقيقي بالوقت الحالي والبديل المتاح هي الأحزاب القومية "الشعبوية" تظل هذه الأحزاب قوى اعتراضية وليست قوى معارضة حقيقية فهي تعبر عن مخاوف وانتقادات رجل الشارع الأوروبي العادي ورفضه للواقع الحالي إلا أنها لا تمتلك حلول وتصورات بديلة ومنطقية وقابلة للتطبيق ومع مرور الوقت ستتبلور لديها أفكار تحولها لقوى معارضة حقيقة ولا أعتقد هناك إمكانية لعودة اليمين المتطرف كما كان عليه الحال في أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية فمازالت ذاكرة هذه الشعوب لم تنسى ويصعب أن تنسى وهناك منظومة قيم تشكلت يصعب القفز عليها بسهولة.

يتعاطف الكثيرين حول العالم مع روسيا والصين رغم انتقاداتهم وملاحظاتهم على نظاميها السياسي ويرغب البعض في بقاء إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا كقوى إقليمية مناوئة ومعطلة لأدوار الغرب رغم عدم انتمائهم لهذه الدول ولا أيدولوجياتها كذلك يرى البعض أن هناك بصيص من أمل في قوى جديدة ناهضة مثل الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل وما كل ذلك إلا رغبة من أولئك الذين يفهمون جيدا أن حصر واحتكار العالم في فكرة سياسية واقتصادية تتحكم فيها دولة واحدة يشكل خطرا على العالم كله وعلى الرأسمالية وأمريكا نفسها.