ترامب ينسحب من الشرق الأوسط ... نهاية الإمبراطورية الأميركية!

14.10.2019

في العام 2010، وقبل اندلاع الأزمة السورية، كتبت مقالة في مجلة الرأي الآخر بعنوان "الشرق الأوسط 2010 – المعركة الحاسمة" وفيها توقعت أن يكون هنالك معركة حاسمة في سورية تكون مفاعيلها بالنسبة للولايات المتحدة مثل مفاعيل فشل ألمانيا النازية في معركة كورسك في العام 1943 في مواجهة الاتحاد السوفياتي. وكما أن ستالينغراد كانت المعركة التي حددت المدى الأقصى للتقدم الألماني شرقا، فلقد كان العراق هو المدى الأقصى للتمدد شرقا للولايات المتحدة الأميركية. وكما أن معركة كورسك كانت المعركة التي آذنت بنهاية الرايخ الأماني الثالث، فإن الانسحاب الأميركي المفاجئ من سورية، والذي كان بمثابة إعلان فشل في المعركة الكبرى التي جرت على أراضيها، فهو سيؤدي إلى نهاية الإمبراطورية الأميركية.

كورسك 1943.. المعركة الحاسمة لألمانيا

في استعادة لأجزاء من المقال الذي نشر في العام 2010 فإنه قبل سبعة وستين عاماً وفي مدينة كورسك الروسية القريبة من أوكرانيا، كان موعد العالم مع أكبر معركة دبابات في التاريخ بين الجيش الألماني والجيش الروسي. كانت ألمانيا قد تلقت أول هزيمة لها في الحرب العالمية الثانية حين استسلم جيشها المحاصر في ستالينغراد في شباط/فبراير 1943 قبل أربعة أشهر من معركة كورسك. حتى ذلك التاريخ كانت الجيوش الألمانية قد دحرت بولندا واحتلتها في خريف العام 1939، ثم أطبقت على الدنمارك والنروج في نيسان/أبريل 1940، تلاها دحر هولندا وبلجيكا وفرنسا في حزيران/يونيو 1940 ما جعلها سيدة القارة الأوروبية من دون منازع إلا من تحرشات بريطانية لا تستطيع حتى تعكير مزاج الفوهرر أدولف هتلر. في الشرق كان الاتفاق الذي عقده وزير الخارجية الألماني يواكيم فون ريبينتروب مع وزير الخارجية السوفياتي فياشيسلاف مولوتوف قد قسم النفوذ بين الروس والألمان في شرق أوروبا. لكن هذا لم يكن مرضياً للزعيم الألماني بما أن الزعيم السوفياتي جوزف ستالين قد رفض التنازل عن النفوذ الروسي التقليدي في منطقة البلقان. كان هتلر قد قبل بشروط ستالين في العام 1939 لأنه كان ينوي الانقضاض على فرنسا. لكنه بعد تحقيق أهدافه في الغرب كان عليه استعادة ما اعتبره نفوذاً حيوياً في منطقة البلقان. لقد كان هذا هو السبب الذي دفع بمليوني جندي ألماني معززين بآلاف الدبابات والطائرات إلى اجتياح الاتحاد السوفياتي في 22 حزيران/يوليو 1941.لنحو عامين كانت الجيوش الألمانية تتخبط في السهول الروسية بحثاً عن نصر حاسم يجعل الاتحاد السوفيتي يستسلم. كان الجنرالات الألمان قد استقروا في أيلول/سبتمبر 1942 على توجيه ضربة حاسمة على جبهة موسكو. لكن اجتهاد هتلر استقر على توجيه الضربة في الجبهة الجنوبية نحو مدينة ستالينغراد. فقد اعتبر الفوهرر أن الاستيلاء على موسكو سيشكل نصراً رمزياً لكن غير حاسم، وكان في ذهنه تجربة نابوليون قبل مئة وثلاثين عاماً حين استولى الإمبراطور الفرنسي على موسكو لكنه في النهاية خسر الحرب. إلا أن التوجه نحو ستالينغراد كان سيتيح لألمانيا حرمان السوفييت من حقول النفط في القوقاز والالتفاف على موسكو عبر العبور نحو الأورال وسيبيريا وفصل الروس عن الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى. وبالتالي لو قيض لهتلر النجاح لكانت إمبراطورتيه ستمتد من المحيط الأطلسي على طول الخط الممتد من ألمانيا والدنمارك وهولندا وبلجيكا وفرنسا، إلى المحيط الهادئ في الشرق على طول شواطئ ولاية كماشتكا السوفيتية حتى جزر سخالين. الهزيمة في ستالينغراد حرمت هتلر من حلمه هذا وفتحت المجال للحديث لأول مرة عن الهزيمة الحتمية لألمانيا في الحرب. لتجنب هذا المصير كان على الألمان تحقيق نصر يثبت خط الجبهة في الشرق على طول خط ممتد من لينينغراد في الشمال إلى جزيرة القرم في الجنوب. ولتحقيق هذا الهدف كان عليهم تثبيت السيطرة على مدينة خاركوف عبر تحقيق نصر حاسم في المنطقة المحيطة للمدينة في المعركة التي ستعرف بمعركة كورسك.

الولايات المتحدة تقوم على النهب والسلب

في العام 1991 انهارت كتلة الدول الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي بعد عقود من الحرب الباردة مع الولايات المتحدة وحلفائها في غرب أوروبا. هذا الحدث فتح المجال أمام واشنطن لتحلم بزعامة العالم من دون منازع. هذه الزعامة العالمية كانت أساسية وحيوية للولايات المتحدة ليس فقط لضمان مستوى رفاهية عال للأميركيين بل أيضاً لإبقاء الولايات المتحدة... متحدة. فقبل مئة وخمسين عاماً كانت الجيوش الأميركية تخوض أكبر حرب في تاريخها على الإطلاق، وهي الحرب الأهلية الأميركية. كانت الولايات الشمالية الشرقية قد بدأت بالتصنيع منذ أوائل القرن التاسع عشر. ومع حلول منتصف ذلك القرن كانت قد ظهرت الحاجة لأسواق جديدة. فالتفتت الرأسمالية الأميركية الوليدة إلى إيجاد أسواق جديدة ومواطن لتوسيع الاستيطان مع توسع الهجرة إلى الولايات المتحدة. نظر (اليانكيون) الأميركيون الشماليون إلى الولايات الجنوبية باعتبارها سوقاً جديدة لبضائعهم، وممراً لتوسعهم نحو الغرب. حتى ذلك التاريخ كان الاتحاد الذي جمع الولايات الثلاث عشرة التي استقلت عن بريطانيا في العام 1776 اتحاداً كونفدرالياً ضعيفاً أبقى للولايات استقلالاً شبه تام. لكن كان لشروط توسع السوق فرض مركزية أكبر والحد من استقلالية الولايات حتى يتم إزالة الحواجز أمام التجارة الداخلية فكانت الحرب الأهلية لرفض الولايات الجنوبية التنازل عن حقوقها السياسية. بعد ست سنوات تمكن الشماليون من الانتصار في الحرب عبر خنق اقتصاد الجنوب بعد فرض حصار منعه من تصدير قطنه إلى المصانع البريطانية. إلا أن كسب الرضا فيما بعد كان عبر إشراك الجنوبيين في المكاسب الاقتصادية التي نتجت عن التصنيع. ومنذ ذلك التاريخ أضحى الإشراك بالمنافع الاقتصادية هو الصيغة لتدعيم الوحدة الأميركية. هذه الصيغة جعلت الولايات المتحدة تعتمد على «النهب»، ومنذ ذلك التاريخ أضحت وحدة الولايات المتحدة مرتبطة ارتباطاً عضوياً بتوزيع مغانم هذا النهب على مواطنيها. وللتمكن من النهب كان على أميركا التوسع وخوض الحروب، ما حتم عليها السعي لدور إمبريالي. وبالتالي فقد ارتبطت وحدة الولايات المتحدة منذ نشوئها الفعلي في العام 1865 بتحولها إلى قوة عظمى. وما كان النظام «الديمقراطي» إلا وسيلة لتحقيق هذا الهدف فكما يقول (بيتر غران). فإن النظام الديمقراطي هو النظام الأمثل لإدارة اقتصاد حرب.

عقب الحرب الأهلية كان موعد الأميركيين مع الحروب الهندية التي قضت على ملايين الهنود الحمر وصادرت أراضيهم. ما انتهت أخر تلك الحروب بهزيمة الزعيم الهندي (جيرونيمو). في أواخر القرن التاسع عشر حتى كان موعد الأميركيين مع حرب أخرى مع إسبانيا أخرجتها من منطقة الكاريبي وأفقدتها مستعمراتها في الفليبين التي أضحت تحت السيطرة الأميركية. تلت تلك الفترة مرحلة سياسة العصا والجزرة التي اعتمدتها واشنطن لفرض سيطرتها السياسية على دول أميركا اللاتينية. أعقب ذلك مشاركة الأميركيين في الحرب العالمية الأولى التي شكلت أول نذير بتحول الولايات المتحدة إلى القوة العظمى الأولى في العالم خلفاً لبريطانيا، وهو ما تحقق عقب الحرب العالمية الثانية. عقب تلك الحرب أضحت واشنطن أقوى دولة على الصعيدين العسكري والاقتصادي وأضحت الدول الاستعمارية كبريطانيا وفرنسا وغيرها تابعة لها. كانت الفترة الممتدة من العام 1945 إلى العام 1990 فترة مجيدة في تاريخ الولايات المتحدة لم يؤرقها إلا التحدي الذي شكله لها نفوذ الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه.

الحلم بزعامة العالم

كان نصر الولايات المتحدة على الاتحاد السوفيتي نتيجة إنهاكه اقتصادياً في سباق التسلح. لقد أدى هذا إلى صرف السوفيت مدخراتهم على سلاح لا قيمة اقتصادية له ما أدى بهم إلى الهاوية. لكن سباق التسلح هذا أدى أيضاً إلى إنهاك الولايات المتحدة نفسها. فقد تبين لواشنطن أنها في الوقت الذي كانت تركز فيه على هزيمة موسكو، كانت قوى أخرى كاليابان وألمانيا المحرومتين من التسليح تركزان على تطوير وسائل إنتاجهما ليكونا أفضل جودة وأقل تكلفة، وعشية النصر الكبير اكتشفت أميركا أنها تتخلف بثلاثة عقود عن ألمانيا واليابان في مجال تطوير وسائل الإنتاج. في الوقت نفسه كانت الصين على وشك التحول إلى قوة اقتصادية كبيرة فيما كانت روسيا تسعى لاستعادة توازنها وهو ما حققته مع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة في العام 1999.ما السبيل للبقاء قوة عظمى في عالم أضحى فيه الاقتصاد المعيار الأول للقوة؟!

لقد كان على الولايات المتحدة إيجاد السبيل للحاق بألمانيا واليابان وذلك بجعل إنتاجهما أكثر كلفة. وكان السبيل هو في احتكار النفط، المصدر الرئيسي للطاقة في العالم لقرون مقبلة. كما كان على الولايات المتحدة إعادة تنظيم مناطق النفوذ في العالم بما يتناسب مع مصالحها بحيث تصبح هي المقرر الرئيسي في عالم يتحول إلى متعدد للأقطاب. في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى، حدد مستشار الأمن القومي للرئيس الأسبق جيمي كارتر الخطوط العامة التي يجب أن تكون عليها سياسة واشنطن لعالم ما بعد الحرب الباردة. لقد اعتبر (زبيغنيو بريجنسكي). في هذا الكتاب أن على الولايات المتحدة السيطرة على منطقة الشرق الأوسط الممتدة من المحيط الأطلسي إلى حدود الصين. هذه السيطرة ستتيح للولايات المتحدة السيطرة على منابع النفط وجعلها تبتز اقتصاديات اليابان وأوروبا والصين. كما أن هذه السيطرة ستمنع تشكيل قطب أوراسي عبر انضمام روسيا إلى أوروبا، وستتيح عزل أوروبا عن أفريقيا. وعقب ذلك ستسهل السيطرة على أوروبا وذلك بإبقاء منطقة متفجرة تهدد الأمن الأوروبي في البلقان وستسهل السيطرة على روسيا عبر ربطها اقتصادياً بالولايات المتحدة. وبالسيطرة على هذين القطبين ستسهل السيطرة على قارتي أفريقيا وآسيا خصوصاً في ظل الثقافة الصينية التي تدفع دائماً بالصين إلى الانطواء على نفسها.

طوال التسعينيات من القرن الماضي كانت الولايات المتحدة تحاول تحقيق هدفها الاستراتيجي في الوقت الذي كانت القوى الأخرى تحاول عرقلة هذا المسعى أو الدفاع عن مصالحها لكن من دون سياسات استراتيجية واضحة. لقد كان الوضع شبيهاً إلى درجة كبيرة بالصراع الذي كان دائراً بين ألمانيا والاتحاد السوفيتي في السهول الروسية. استراتيجية ألمانية تحاول تحقيق أغراضها العسكرية والسياسية، السيطرة على أوروبا حتى الأورال واستراتيجية روسية قائمة على الدفاع ورد الفعل في محاولة لعرقلة المسعى الألماني والحد من خسائرها. كما ألمانيا كذلك الولايات المتحدة التي كانت تسعى لتحقيق استراتيجيتها في مواجهة قوى تكتفي برد الفعل ومحاولة العرقلة دون الدخول في مواجهة حاسمة مع الولايات المتحدة.

الزعامة تمر عبر أفغانستان والعراق

مع بزوغ فجر الألفية الجديدة كان على الأميركيين أن يتخذوا قرارات مصيرية لجهة حسم موضوع زعامتهم للعالم من دون منازع. هذه الزعامة هي التي كانت ستؤمن للولايات المتحدة نهباً جديداً يتوزع مغانمه على الأميركيين. وهذا التوزيع للمغانم هو الذي كان سيضمن عدم وقوع الشواطئ الغربية الأميركية على المحيط الهادئ تحت تأثير الصين ذات النجم الصاعد في تلك المنطقة. وهذا النهب هو الذي كان سيقدم مغانم اقتصادية لأميركي الساحل الشرقي لكيلا يقعوا تحت سحر أوروبا ذات الجاذبية الثقافية العريقة. وهذا النهب هو الذي كان من شأنه إرضاء الولايات الجنوبية الساعية دائماً إلى الانفصال عن الشمال عبر رشاوي اقتصادية. وهذا النهب هو الذي كان من شأنه إسكات أصوات الأقليات الجائعة كالإسبان والسود والآسيويين. وكما كانت الحرب العالمية الثانية ضرورة لخلق مجالات حيوية للزيادة السكانية وللصناعة الألمانية، فقد شكلت الحرب على الإرهاب ضرورة لكي تتمكن الولايات المتحدة من السيطرة على الشرق الأوسط. وكما اصطنعت ألمانيا في أيلول/سبتمبر 1939 من «هجمات بولندية» قام بها جنود ألمان بلباس جنود بولنديين على قرى ألمانية حدودية ذريعة لخوض الحرب، فقد اتخذت الولايات المتحدة من هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 على برجي التجارة في نيويورك ذريعة لاجتياح أفغانستان والعراق. لقد كانت الحرب على أفغانستان في خريف 2001 فرصة لتحدد الولايات المتحدة المدى الأقصى الذي تطمح للسيطرة عليه في هذا الشرق الأوسط. وكان من شأن الحرب على العراق أن تعطي الولايات المتحدة فرصة إعطاء عمق لهذا الشرق الأوسط إضافة إلى السيطرة على النفط. وكانت الخطوة التالية هي إسقاط النظام في إيران وفي سوريا أو تطويعهما حتى تستكمل السيطرة على الشرق الأوسط. وكانت الانقلابات التي دعمتها في جورجيا وأوكرانيا لحماية أجنحة جبهتها في الشرق الأوسط.

لم يكن النصر الأميركي في أفغانستان وخصوصاً في العراق حاسماً. فالنمط الجديد من الحرب اللامتكافئة الذي اعتمدته الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي تعلمته القوى الأخرى واعتمدته لعرقلة المشروع الأميركي. فإذا بإيران وسوريا تدعمان المقاومة العراقية وتجعلان الاحتلال مكلفاً لواشنطن. وإذا بروسيا تدعم انقلابات مضادة تحاصر الرئيس ميخائيل ساكاشفيلي في جورجيا وتزيح فيكتور يوشينكو عن السلطة في أوكرانيا. وقد ترافق ذلك مع أزمة اقتصادية في الولايات المتحدة كانت العامل الأبرز في انتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود في التاريخ الأميركي.

نحو كورسك الأميركية

مع أوباما بات الأميركيون واعين لمحدودية قدرتهم فإذا بهم يضغطون لفرض اتفاق سياسي مع حكومة عراقية موالية لهم تخفف عن كاهل قواتهم حتى يتاح لهم التركيز على شد قبضتهم على أفغانستان. في المقابل استفادت إيران من التعثر الأميركي ليس فقط لدرء الخطر عن نظامها الإسلامي بل أيضاً لمد نفوذها على عدد من المواقع الاستراتيجية إن في لبنان عبر حزب الله، أو في غزة عبر حماس، أو في اليمن عبر دعم الحوثيين ضد القوات الحكومية اليمنية والسعودية على حد سواء. لقد بات الوضع الأميركي في الوقت الراهن شبيها بوضع هتلر عقب معركة ستالينغراد. فكما أن هذا الأخير فقد أمله بالوصول إلى قلب آسيا فالمحيط الهادئ بعد استسلام جيشه على ضفاف الفولغا، فقد وعى الأميركيون أن مشروعهم للشرق الأوسط الأكبر حتى حدود الصين بات صعب المنال. لكن كما حاول هتلر في معركة كورسك تثبيت وضعه في أوروبا الشرقية بغية الحفاظ على دور قيادي عالمي فإن الولايات المتحدة تعي أيضاً أن عليها تثبيت الحدود الدنيا لهذا الشرق الأوسط الذي تريده عبر الإبقاء على سيطرتها على الجزيرة العربية ومنطقة الهلال الخصيب التي تضم العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن. ومن أجل ذلك على الولايات المتحدة خوض معركة أخيرة حاسمة في مواجهة القوى المناوئة.

تكثر التحليلات في أن حرباً وشيكة ستقع في الشرق الأوسط. وتكثر التنبؤات عن ضربة أميركية أو إسرائيلية على إيران بذريعة مخالفتها لقوانين حظر انتشار الأسلحة النووية. كما تكثر الاجتهادات في طبيعة المسار الذي ستسلكه هذه الحرب. مما تقدم فإن على الولايات المتحدة الرد على التمدد الإيراني لأنه يأتي بدعم صيني وروسي مبطنين. لكن الحرب لن تتخذ شكلاً تقليدياً كما حصل مع العراق وأفغانستان لأن هذا سيكون مكلفاً كثيراً للولايات المتحدة بل سيتخذ شكلاً جديداً من الحروب غير المتوازنة وغير المتكافئة. فقد شكل دعم «الإصلاحيين» في إيران في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أحد أوجه هذه الحرب، وقد تشكل حروب أهلية موضعية في أماكن الاختراق الإيراني كلبنان وفلسطين واليمن، إضافة إلى عقوبات اقتصادية على إيران وحلفائها، جوانب أخرى من هذه الحرب لأن تعزيز هذه الاختراقات سيهدد السيطرة الأميركية على الشرق الأوسط، ويحرمها من دور الزعامة العالمية. وإذا زالت هذه الزعامة سينتفي النهب الذي اعتمدت عليه الولايات المتحدة منذ تأسيسها وسينضب معين المغانم التي يمكن توزيعها على الأميركيين، ما سيدفع بحركات انفصالية إلى الصعود وإلى تهديد وحدة الكيان الأميركي. قد يكون ترامب غير راغب في خوض هذه الحرب لكلفتها العالية، لكنه سيخوضها هو أو غيره وإلا ستزول أميركا كما زال هتلر بعد هزيمته في معركة كورسك.